مجلة فكرية سياسية ثقافية تعنى بشؤون الشرق الأوسط

الأدوار الوظيفية لدول الخليج العربي في قضايا وأزمات الشرق الأوسط – دراسة الأزمة السورية نموذجاً –

 

جميل رشيد

تمهيد:

برز دور دول الخليج العربي وتأثيرها في الملفات الإقليمية الساخنة مع تصاعد الثورة النفطية والتطورات التي خلقتها معها على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية، فتمكنت خلالها من تحقيق تطور في بُناها التحتية والثقافية والاجتماعية، ما دفعها أن تبحث عن فضاءات جديدة لتحافظ عبرها على منجزاتها، فضلاً عن ضمان استمرار أمن واستقرار بلدانها في ظل الأوضاع المتقلبة والعاصفة بمنطقة الشرق الأوسط إثر زيادة التدخلات الدولية فيها، ما حدا بها إلى وضع إستراتيجيات طويلة المدى تسعى من خلالها إلى اتخاذ مكانتها ودورها في رسم مستقبل المنطقة، معتمدة على قوّتها الاقتصادية بالدرجة الأولى، ومن ثم على علاقاتها المتشابكة مع الدول العظمى في العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي، وكذلك الصين وروسيا، ولو بنسبة أقل.

بدايةُ دول الخليج ومن خلال تكتّلها السياسي – العسكري ضمن “مجلس التعاون الخليجي”، وضعت إطاراً إستراتيجياً هاماً وفاعلاً لتوجهاتها المستقبلية، وعملت من خلاله على تفعيل أطرها السياسية، العسكرية، القانونية والدبلوماسية، وحققت نتائج انعكست إيجاباً على معظم دول الخليج، كما حصل إبّان الغزو العراقي للكويت، حيث عمل المجلس على تحشيد الرأي العام العربي والدولي في مواجهة العراق، وكان له دور كبير في تشكيل تحالف دولي ضد العراق وإطلاق عملية “عاصفة الصحراء” لإخراج القوات العراقية من الكويت. كما لعب المجلس دوراً في سدّ الفجوات بين الدول الأعضاء وتجاوز الخلافات البينية، كما حصل في القطيعة الدبلوماسية بين قطر والسعودية بعد إطلاق الأخيرة حملة عسكرية ضد الحوثيين عام 2017, إلا أن تدخّل دول الخليج في الملفات الساخنة في المنطقة اتّسم بالسلبية إلى حد كبير، حيث لم تتخذ الحيادية في تعاملها مع مختلف أطراف الصراع الدائر في عدد من بلدان المنطقة، مثل العراق، سوريا، لبنان، اليمن، السودان، ليبيا، تونس، وغيرها من الدول التي شهدت صراعات داخلية قبل أن تتحول إلى صراعات إقليمية ودولية بامتياز، بل انحازت إلى طرف معين، وساهمت من خلال تمويلها لها إلى زيادة الشروخ المجتمعية وتأجيج حدة الصراع داخلها وعليها، وتحولت إلى طرف وجزء مهمّ ساهم في حدوث استقطابات أدت إلى انهيارات كبيرة في البنى السياسية والاقتصادية والثقافية في تلك البلدان، وتفاقم أزماتها. في حين كان لديها القدرة أن تلعب دوراً إيجابياً في حل القضايا المستعصية وإيجاد نقاط التلاقي بين مختلف الأطراف المتصارعة على الأرض، وبالتالي تكون على مسافة متساوية من جميع الأطراف.

شكلت قطر أكثر الدول الخليجية ضجيجاً، من خلال انحيازها لتيارات إسلامية سياسية معينة، وتجلى ذلك في احتضان ودعم جماعة الإخوان المسلمين من مختلف الدول العربية، وخاصة من مصر، سوريا، فلسطين، وغدت المركز الأول لهم بعد بريطانيا، حتى تمكّن الإخوان من النفوذ والحلول داخل مؤسسات الدولة القطرية والتأثير عليها في رسم سياساتها الداخلية والخارجية. التأثير الأقوى للإخوان ظهر من خلال الإعلام، ومثّلت قناة “الجزيرة” القطرية منبراً هاماً للإخوان في الترويج لسياساتهم وتهديد كيانات دول عديدة.

تمكن الإخوان من توسيع نشاطاتهم السياسية والاقتصادية انطلاقاً من قطر، حيث عملت الأخيرة على تسخير علاقاتها الخارجية المتينة مع بعض الدول الغربية في فتح الطريق أمام جماعة الإخوان لتتمدد أكثر وتعمل على تحريض شعوب المنطقة ضد حكوماتها وحتى الانقلاب عليها، لا لإرساء أسس العدالة والديمقراطية، بل للوصول إلى سُدّة الحكم والاستيلاء على السلطة.

علاقة قطر بالإخوان تجلت أكثر خلال ثورات الربيع العربي، وانخرط كلا الطرفين في حشد الرأي العام والتجييش الطائفي والمذهبي ضد أنظمة العديد من الدول، قادت إلى حدوث فوضى عارمة مترافقة بالحروب الأهلية التي قضت على الأخضر واليابس، وتسببت بكوارث عديدة، خاصة بعد أن جرى تسليح جماعات مرتبطة بالإخوان المسلمين في عدد من الدول العربية، مثل ليبيا، سوريا، مصر، ووصلت الأمور إلى حدّ لا يمكن إيقاف هذه المحرقة التي كان لقطر وعدد آخر من دول الخليج اليد الطولى فيها، بالتحالف والتنسيق مع تركيا، وبموافقة ضمنية من الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية.

سنحاول خلال هذه الدراسة أن نسبر أغوار الأدوار الخليجية في رسم سياسات منطقة الشرق الأوسط في ظل التحولات الكبيرة الجارية بعد اندلاع ثورات الربيع العربي، والتأثيرات التي خلقها تدخّل دول الخليج في مسارات التغييرات الجيوسياسية في دول المنطقة، وتوافقها مع مشاريع الدول الغربية وإسرائيل في تمزيق الخرائط السياسية القديمة، والتعويل على قدراتها الاقتصادية في فرض وقائع سياسية تتماشى مع طموحاتها في لعب أدوار إقليمية واسعة، تعيد هندسة المنطقة وفق منظومة أمنية إقليمية تتوافق مع رؤيتها التي تتجاوز القومية والدين في كثير من مفاصلها.

كما سنولي أهمية لدراسة العلاقة القطرية بحركة الإخوان المسلمين، تاريخها، سماتها الأساسية، آليات تغلغل الإخوان ضمن مؤسسات الدولة القطرية، والطفرة التي طرأت عليها بعد اندلاع ثورات الربيع العربي، والدور الهدّام لقطر في دعم وتمويل الإخوان، وفي معظم الدول العربية، وتحوّلها إلى تبنّي مشاريع وفكر الإخوان على مستوى الدولة.

كما سنعرّج على رؤية ومواقف دول الخليج من الإدارة الذاتية، وتغيّر مواقفها تبعاً للمتغيرات في المواقف الغربية والإقليمية بشكل عام، وعدم إبداء الجدّية في إحداث نقلة نوعية نحو الديمقراطية في سوريا، استناداً إلى الديناميات التي وفّرتها الإدارة الذاتية، حيث إن مقارباتها اتصفت بالبراغماتية المفرطة، وظلت تتأرجح بين الدعم وعدم القبول بها، تبعاً لعلاقاتها ومواقفها من تركيا، وسنذكر محطات هامة شكلت منعطفات هامة في مسار تعاطي دول الخليج مع الإدارة الذاتية، وخاصة دولاً مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة.

 

منهج البحث:

 

سنعتمد في بحثنا المنهج التحليلي الاستقرائي، من خلال تناول محطات رئيسية في مسار تعامل دول الخليج مع أزمات المنطقة، وتبيان دورها السلبي والإيجابي فيها، إلى جانب معرفة المقاربات البراغماتية لها من قضايا الشعوب والمجتمعات. كما سنركّز على التحولات البنيوية التي أحدثتها الطفرة النفطية في دول الخليج، وتكدّس رأس المال فيها، ما حوّلها إلى منطقة فتحت شهية الدول الغربية عليها، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، لتنتقل دول الخليج للعب أدوار وظيفية هامة من خلال العلاقات الوثيقة التي تربطها بالشركات الاقتصادية والأمنية، وكذلك المؤسسات السياسية في الدول الغربية.

برزت أدوار دول الخليج أكثر في بداية أعوام السبعينات، خاصة في الصراع العربي – الإسرائيلي، وتحديداً حيال القضية الفلسطينية وتشعّبات تعاطي دول الخليج معها، وتحوّلها إلى مواقف وأشكال متعددة وأحياناً متناقضة مع مبادئ حل القضية. كما سنتطرّق إلى دور السعودية في حرب أكتوبر/ تشرين الأول عام 1973 وكيف غيّرت موازين القوى على الأرض، هذا فيما سنتوقف عند الدور الخليجي البراغماتي والوظيفي في الحرب العراقية – الإيرانية، كذلك سندرس دور مجلس التعاون في رسم إستراتيجيات الدول الأعضاء، ووضع برامج وأهداف لها، في إطار تنشيط دور الدول الخليجية إزاء مختلف القضايا الإستراتيجية والساخنة في المنطقة، والتنسيق فيما بينها حيالها.

فيما سنحاول عبر اتّباع منهج تاريخي – توثيقي سبر أغوار العلاقة الوثيقة ما بين دولة قطر وجماعة الإخوان المسلمين، وتبنّي الأولى لفكر ومشروع الإخوان، وأيضاً استخدام الجماعة في ضمان مصالحها في المنطقة، وسنركّز أكثر على هذا الدور بعد اندلاع ثورات الربيع العربي، وتصدّر الإخوان المشهد السياسي والعسكري في العديد من البلدان مثل سوريا، ليبيا، مصر وتونس. وسنحاول تفكيك وشرح أبعاد هذه العلاقة العضوية في ضوء تداخل الدور القطري مع دور الدول الغربية في المنطقة، وكيف ألحقت جماعة الإخوان ـ ومن ورائها قطر وتركيا ـ الكوارث بشعوب المنطقة، وما تزال تكتوي بنارها حتى يومنا، وسنسلط الضوء على التحولات الثقافية التي تحاول زرعها في البنية المجتمعية من خلال نشر الفكر الإسلاموي المتطرّف، وإلغاء الفكر الوطني بكل أبعاده.

وأخيراً سنعمل من خلال مقاربة واقعية إيضاح رؤية دول الخليج لتجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا كأولى التجارب الديمقراطية في سوريا، بل في المنطقة أيضاً، وهل أبدت دول الخليج مواقف متقدمة منها ودعمت تلك التجربة على المستوى السياسي، أم انساقت وراء توجهات بعض الدول الإقليمية في الابتعاد عنها، بل عارضتها من خلال دعم أدواتها في سوريا، وهل مقارباتها ترقى إلى مستوى التعامل مع قضية إجراء تحولات ديمقراطية في سوريا، وكيف عكست مواقفها من قضية الشعب الكردي أيضاً.

 

أسئلة البحث:

سنطرح عدداً من الأسئلة، ونحاول الإجابة عليها في سياق البحث:

1 – ما هي التوجهات والتصورات الأساسية لدى دول الخليج في بناء رؤيتها حيال أزمات المنطقة وملفاتها الساخنة؟

2 – ما هي الأسس التاريخية لمقاربات ورؤى دول الخليج، هل كانت على أسس قومية، دينية، أم اقتصادية؟

3 – ما هو الدور الوظيفي لدول الخليج في أزمات المنطقة، وهل انعكست على شعوب ودول المنطقة إيجاباً أم سلباً؟

4 – ما هي الأسس الفكرية والإيديولوجية التي تعتمد عليها دول الخليج في بناء سياساتها والتدخل في المنطقة وأزماتها؟

5 – هل انحازت دول الخليج إلى تيارات سياسية معيّنة في البلدان التي تدخلت فيها؟

6 – كيف أثّرت العلاقة العضوية لدول الخليج مع الدول الغربية على توجّهاتها عبر تداخل الاقتصاد السياسي مع أدوارها في المنطقة؟

7 – في إطار تعاطيها مع ملفات المنطقة، هل حملت أي أفكار لتطوير الديمقراطية وبناء تنمية مستدامة على المستويات الثقافية والمجتمعية والاقتصادية، أم انحصر دورها ضمن الحفاظ على مصالحها فقط؟

8 – كيف تبنّت دول الخليج حركات الإسلام السياسي خلال ثورات الربيع العربي، وهل حققت من ورائها ما تصبو إليه من حماية نفسها من التحولات العميقة الجارية في المنطقة، وهل وصلت من خلال دعمها المطلق لبعض تلك الحركات إلى أهدافها، خاصة لجماعة الإخوان المسلمين وتفرّعاتها؟

9 – ما علاقة دول الخليج بظهور الإسلام المتطرّف، وهل سيعود يوماً ما لينتشر في دول الخليج على شكل حركات “جهادية” مسلّحة وينقلب عليها، كما حصل في أفغانستان مع ما كان يسمّى “المجاهدون العرب”؟

10 – ما هو الدور الذي لعبته دول الخليج في الأزمة السورية خصوصاً، وهل أنتج تدخّلها حالة من التوافق بين الأطراف السورية المتصارعة، أم زاد من الشروخات وعمق الانقسام داخل المجتمعات السورية على أسس طائفية ومذهبية ودينية وقومية؟.

11 – كيف تنظر دول الخليج إلى التنوع الإثني والديني داخل سوريا، خصوصاً مع مسألة وجود الشعب الكردي كقومية ثانية، وكذلك مسألة الأقليات القومية والدينية، وهل أخذت بمقاربات الحركات الإسلاموية مثل الإخوان المسلمين في التعامل معها وبناء مواقفها؟

12 – ما هي مقاربة دول الخليج من الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا، هل انساقت وراء المواقف الدينية والقومية لدول المنطقة في مقارباتها من الإدارة كإدارة وليدة تسير بخطى ثابتة نحو إجراء تحولات ديمقراطية في سوريا عموماً، أم بنتْ مواقفها ومقارباتها على أسس براغماتية صرفة؟

13 – كيف يمكن قراءة مواقف دول الخليج من الإدارة الذاتية في ضوء مشاركة بعض منها في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية؟

14 – ما هي مقاربات دول الخليج من قضية الشعب الكردي عموماً، وخصوصاً في “روجآفاي كردستان” وسوريا، في خضمّ التغييرات الحاصلة في سوريا قبل سقوط نظام البعث وبعده أيضاً، وهل ترقى إلى مستوى قضية عادلة لشعب يبحث عن حقوقه المشروعة، أم اتخذت مواقف مواربة تبعاً لمواقف الدول الغاصبة لكردستان، وما هي التغيّرات التي طرأت على مقارباتها منها بعد ثورات الربيع العربي؟

 

تأسيس مجلس التعاون الخليجي ودوره في أزمات المنطقة:

 

تأسس مجلس التعاون لدول الخليج العربي في 25 مايو/ أيار 1981، ويتألف المجلس من عضوية 6 دول تطلّ على الخليج العربي هي “المملكة العربية السعودية، مملكة البحرين، الإمارات العربية المتحدة، سلطنة عمان، دولة قطر ودولة الكويت”.

والهدف الإستراتيجي كان “تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولاً إلى وحدتها، وتعميق وتوثيق الروابط والصلات وأوجه التعاون القائمة بين شعوبها في مختلف المجالات”. وكذلك التعامل بموقف موحّد مع جميع الأزمات التي تمرّ بها منطقة الشرق الأوسط.

ساعد دول الأعضاء في تشكيل هذا الإطار الإستراتيجي الطفرة النفطية التي حدثت في بداية سبعينات القرن الماضي، وتمكنت من تطوير بلدانها على مختلف المستويات الثقافية والعلمية، وإقامة نهضة في البنية التحتية وبناء كوادر علمية بعد إرسالها في بعثات علمية إلى الدول الغربية وتأهيلها، بالتوازي مع استقدام عمالة عربية وأجنبية كبيرة، والتي أحدثت تنوّعاً في الثقافات ضمن المجتمعات الخليجية، ووصلت إلى مرحلة قريبة من الكوزموبولوتيكية القومية، وانتشار عادات وتقاليد وثقافات الشعوب الأخرى بينها، والتي حملتها معها العمالة الوافدة إلى بلدانها, كما إن عائدات النفط أتاحت لها مساحة واسعة من إعداد برامج التخطيط العصري المتقدم لبلدانها بما يتوافق مع التطور المذهل الحاصل في العالم، وتمكّنت من عكسها في وضع أسس راسخة لتوجهاتها وفتح الآفاق أمامها لتتحول إلى دول فاعلة في المنطقة، بعدما كانت قبلها توصف بالتخلف والبنية العشائرية والقبلية الحاكمة, ورغم أن جميع أنظمة دول الخليج هي ملكية، إلا أنها تجاوزت الذهنية العشائرية والقبلية في بناء مجتمعاتها، وحققت انفتاحاً كبيراً على المجتمعات الأخرى، وخاصة الغربية منها، وتأثرت بها وجعلتها جزءاً من حياتها اليومية، وهو ما يمكن ملاحظته حتى على مستوى الأفراد أيضاً.

هذا الانتقال من حياة التخلف والبنية القبلية، كان بمثابة ثورة في الدول الخليجية، والعديد منها حققت نموّاً اقتصادياً وعمرانياً فائق التصور، مثل الإمارات العربية المتحدة التي تحولت بفضل سياسية الشيخ “زايد” إلى مركز جذب واستقطاب للتجارة العالمية، حيث أَولى أهمية كبيرة لتطوير البنى التحتية والثقافية والصناعية، ما جعلها “هونغ كونغ” الشرق الأوسط. وشهدت تهافتاً من جميع الأقطاب الرأسمالية في العالم، لتجعل منها أنموذجاً يُحتذى به في الشرق الأوسط والعالم، من خلال تحقيقها نمواً اقتصادياً مذهلاً، وتعدداً ثقافياً متنوعاً، خلق مجتمعاً جديداً, لكنّ المجتمعات الجديدة الناشئة في دول الخليج في ذات الوقت تعيش حالة اغتراب عن جذورها الشرق أوسطية، وتأثرت بشكل كبير بالقيم والعادات والتقاليد الغربية الوافدة إليها على شكل غزو ثقافي أكثر من أن يكون تبادلاً وتلاقحاً ثقافياً، حيث في الحالة الخليجية قضت الثقافة الأجنبية الوافدة على الموروث التاريخي والحضاري لشعوبها والذي تشكل عبر عصور التاريخ المختلفة، وتعرضت إلى صهر ثقافي بالدرجة الأولى.

الاغتراب الثقافي يشكل جزءاً من التحديات التي تواجهها دول الخليج، إلى جانب التحديات السياسية والأمنية والعسكرية في المنطقة عموماً والتي لها تأثير مباشر على جميع دولها، وخاصة الدول التي تتطلع إلى لعب أدوار سياسية لافتة وتشارك في الترتيبات الأمنية والعسكرية في المنطقة. وفي هذا يقول الدكتور “أشرف كشك” من موقع البحرين للدراسات الإستراتيجية والدولية: “يتعيّن على دول الخليج الاستعداد لإدارة التطورات الأمنية الإقليمية، الجميع لا يتمنى الحرب أو المواجهات ,ودول الخليج ليست معنية بتلك المواجهات، ولكن المسألة لا ترتبط بمجرد حرب بين طرفين ولكن فيما ترتّبه على المنطقة والإقليم، فمن منظور إستراتيجي فإن حدوث المزيد من الانهيارات الإقليمية سيكون له تبعات على أمن دول الخليج العربية، فما تعاني منه منطقة الخليج الآن هو نتيجة طبيعية لخلل توازن القوى الإقليمي الذي رتّبه الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 والذي أدى إلى ظهور جماعات دون الدول سواء في العراق أو غيرها ,والتي ازداد نفوذها وأصبحت التحدي الهائل الآن سواء للدولة الوطنية الموحدة في دول الجوار أو منظومة الأمن الإقليمي برمتها”.

التغيرات الجيوسياسية في المنطقة تدفع دول الخليج لأخذ تدابيرها الاحترازية في حماية نفسها والحفاظ على مصالحها، خصوصاً الحفاظ على استمرارية تدفّق النفط والغاز ووصوله إلى الأسواق العالمية, وغدت السيطرة على المعابر البرية والبحرية في عالمنا الراهن من أهم أسباب اندلاع الحروب والصراعات في المنطقة والعالم. فيرى بعض الخبراء الإستراتيجيين أن أهم أسباب الحرب في سوريا، هو مرور الغاز القطري من أراضيها، طبعاً إلى جانب عوامل سياسية وإستراتيجية أخرى داخلية وخارجية لا يمكن تجاهلها. لم تحمل تدخلات دول الخليج في أزمات وصراعات المنطقة، وعلى كل المستويات، أيَّ بُعدٍ يفضي إلى إجراء تحولات ديمقراطية، أو يتّجه نحو بناء تنمية مستدامة، بل انحصرت أدوارها في الدول التي تدخلت فيها ضمن مشاريع هامشية غير منتجة، لا تساهم في تطوير بنية تحتية قادرة على الدخول في عصر الإنتاج والصناعة بقوة, فمثلاً الإمارات العربية في فترة ما قبل اندلاع الاحتجاجات في سوريا، وظَّفت أموالاً طائلة في المشاريع السياحية، ولم تعمد إلى بناء شركات إنتاجية زراعية أو صناعية قادرة على الاستفادة من الناتج الزراعي الضخم في سوريا وكذلك موادّها الخام.

كان لدول الخليج بحكم مكانتها الاقتصادية لدى الدولة الغربية، دور فاعل في الأزمات التي عصفت بمنطقة الشرق الأوسط, إذ لعبت السعودية دوراً بارزاً في الحرب الأهلية اللبنانية خاصة في مرحلتها الأخيرة، من خلال وضع اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب، رغم أنه كرّس لمحاصصة وتقسيم طائفي في لبنان، والذي يقضي بأن يكون رئيس الدولة مارونياً (مسيحيّاً) ورئيس الحكومة (سنيّاً)، ورئيس المجلس النيابي/ البرلمان (شيعيّاً)، ولا يزال لبنان يعيش التبعات السلبية لاتفاق الطائف، ولا يتمكن الخروج منه والوصول إلى دولة وطنية تسمو فوق التوجهات الطائفية التي رسّخها اتفاق الطائف. حاولت السعودية تثبيت أركان السلطة لصالح السنّة والمتمثلة برئيس الوزراء اللبناني الراحل “رفيق الحريري”، وتهميش باقي المكونات, فيما فرنسا عملت على تقوية ذراع المسيحيين/ المارونيين، في حين واصلت إيران تعزيز القوة السياسية والعسكرية للشيعة عبر “حزب الله”.

تبني دول الخليج تصوراتها ومواقفها من أزمات المنطقة بناء على مصالحها الجيوسياسية، فضلاً عن لعبها أدواراً وظيفية بما يخدم مصالح الدول الغربية بعد أن دخلت معها في علاقات عضوية متشابكة، لا يمكنها التحرر منها بأي شكل كان حتى وإن تولدت لديها الإرادة في ذلك.

لم تتمكن دول الخليج من السير في مسارات متوازية ومتوازنة في التعامل مع أزمات المنطقة وتطوراتها، ولم تنجُ بنفسها من أن تتحول إلى طرف في الصراعات الإقليمية، لأسباب تتعلق برؤيتها السياسية التي تتمحور حول مسائل الهيمنة وفرض نفسها من بوّابة المال والاقتصاد، وكذلك تبعاً للأدوار الوظيفية للمحافظة على تقاطعات مصالحها مع الدول الغربية أيضاً، والتي أتاحت لدول الخليج هامشاً من المناورة وإدارة الصراعات الإقليمية، في ظل وجود دول قاومت ذاك الدور الملتَبس الذي يشوبه الكثير من الشك والريبة حيال حلول القضايا والأزمات. واضح الدور السلبي الذي لعبته دول الخليج في تعاطيها مع قضية الشعب الفلسطيني في الكثير من المنعطفات التاريخية, وكذلك تجربتها البدائية البائسة مع الإسلام السياسي، حيث انخرطت معظم الدول الخليجية في إرسال “المجاهدين العرب” إلى أفغانستان للقتال ضد “الاتحاد السوفياتي”، نزولاً عند مصالح الدول الغربية التي كانت في صراع مع السوفييت في أفغانستان، وقدمت لهم كل أشكال الدعم المادي والعسكري، إلى جانب تسهيل وصولهم إلى جبهات أفغانستان, إلا أنها انقلبت عليهم وبدأت بمحاربتهم بمجرّد أن تغيّر الموقف الغربي منهم بعد انسحاب الاتحاد السوفياتي من أفغانستان. وفي هذا المجال يمكن القول إن دول الخليج لعبت دور التابع للدول الغربية، لتدخل في صراعات مع دول المنطقة وتغدو طرفاً فيها.

لم تتمكن دول الخليج من اتباع سياسة متوازنة حيال التنوع الإثني والديني والطائفي في العديد من دول المنطقة، بل انحازت إلى طوائف بعينها، وتجلى هذا في الدور القطري حيال الطائفة “السنية” في سوريا، نزولاً عند رغبة جماعة الإخوان المسلمين, وهذا الموقف ولَّدَ نزاعات وانقسامات عمودية وأفقية ضمن مجتمعاتها، وأدخلت تلك البلاد في دوامة صراعات وحروب لم تنتهِ إلى الآن. تغذية تلك الصراعات من قبل بعض الدول الخليجية، فتحت الباب أمام انهيار منظومة الأمن الإقليمي، وانعكست عليها أيضاً بشكل سلبي, فالمجموعات الإرهابية التي استقرت في سوريا وليبيا وعدد من الدول العربية، أصبحت تشكل تهديداً مباشراً على دول الخليج أيضاً، حيث انضم إليها أفراد من تلك الدول، وحملوا الفكر المتطرف الإرهابي، وأي عودة لهم إلى بلدانهم الأصلية ستشكل خطراً مباشراً على أمنها واستقرارها, فهناك العشرات ممن قدِموا من السعودية، الكويت، قطر، الإمارات وانضموا إلى صفوف التنظيمات المتطرفة في سوريا مثل “داعش” و”جبهة النصرة”، وقسم منهم كانوا ضمن صفوف تنظيم “القاعدة” في زمن “المجاهدين العرب” في أفغانستان.

 

الدور القطري في المنطقة والعلاقة مع الإخوان المسلمين:

 

يعود توجّه وانتقال جماعة الإخوان المسلمين نحو قطر إلى خمسينيات القرن العشرين، لأسباب تتعلق بالأزمات التي مرت بها الجماعة في بلدانها، وكذلك توفير قطر البيئة الملائمة لها لإعادة تنظيم صفوفها وبدء نشاطاتها في العديد من الدول، وكذلك لإجراء مراجعات شاملة لمسيرتها منذ تأسيسها، وتغيير أسلوبها والانتقال إلى مراحل جديدة من العمل الدعَوي والنشاط السرّي في عدد من البلدان العربية، وكذلك العلني، إضافة إلى اتخاذها عدة أسماء: مثلاً في تونس اتخذت اسم “حركة النهضة الإسلامية” وفي فلسطين “حركة المقاومة الإسلامية/ حماس” فيما حافظت على اسمها القديم في كل من مصر وسوريا.

يقول “حسام حدّاد” في دراسة مطوّلة عن الإخوان المسلمين باسم ” قطر والإخوان.. تاريخ من الإرهاب والعبث في المنطقة” مؤلفة من ستة أقسام، بأن الموجة الأولى وصلت من مصر إلى الدوحة وذلك على إثر الصراع بين العهد الناصري والجماعة. أما الموجة الثانية فجاءت من سوريا بعد الصدام الذي وقع بين الإخوان والرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، والذي بلغ ذروته فيما عرف بأحداث حماة وحلب وجسر الشغور عام 1982.

ويضيف: “بعد ذلك، جاءت الموجة الإخوانية الثالثة من السعودية الى قطر في أعقاب التوتّر بين الإخوان والمملكة في التسعينيات، وقد بلغت تلك الموجة ذروتها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وسبقتْها هجرة من الجزائر على رأسها “عباس مدني” رئيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ و”علي بلحاج”.

فيما يشير إلى أن الموجة الرابعة كانت بعد طرد قادة حركة “حماس” وعلى رأسهم خالد مشعل من الأردن، إذ إن الحركة تنتمي فكرياً للجماعة وتمثّل تنظيمها على الساحة الفلسطينية ضمن التنظيم العالمي للإخوان. وفي أعقاب الازمة السورية عام 2011، أغلقت الحركة مكاتبها في سوريا وغادرت إلى الدوحة.

ويؤكد أن الموجة الأخيرة كانت بعد عزل “محمد مرسي” في أعقابِ ثورةِ الثلاثين من يونيو/ حزيران عام 2013.

تغلغلَ الإخوان في جسد الدولة القطرية، ورغم ادعائهم بحلّ نفسهم في عام 1999، إلا أنهم نشطوا كثيراً ضمن وزارات الدولة، وركّزوا على الجانب الفكري, ونشطوا في مجال ما يدّعونه “العمل الدعوي” وعملوا على استقطاب الشباب، لإحداث تغيير في الذهنية بالدرجة الأولى, وتولى هذه المهمة أبرز قيادات الإخوان التي استقرت في قطر وعلى رأسهم “يوسف القرضاوي” الذي يُعتبر الأب الروحي لتيار الإسلام السياسي، والذي طرح مجدداً التحول نحو تركيا وإعادة تفعيل دورها، خاصة بعد تولي حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان ذي التوجه الإخواني الحكم في تركيا. كما كان لكل من “محمود عزت” و”محمود حسين” دور بارز في تمكين الجماعة من السيطرة على مفاصل هامة في الدولة القطرية والتأثير على قراراتها السياسية والاقتصادية.

من خلال مقاربة مواقف قطر مع تمسّكها بورقة الإخوان المسلمين، يتبيّن أنها لا تصرُّ على تلك العلاقة لأسباب إيديولوجية، أو لأنها تعتقد بـ “صوابية أفكارهم”، وفق ما يقول “سليمان أبو ستة” في موقع البيت الخليجي. ما هو مؤكد أن الدول لا تفكر وفق منطق الإيديولوجيات وتتخذه أساساً لها في بناء علاقاتها مع مختلف الأطراف، بل تفكر بشكل براغماتي صرف وتسعى بالدرجة الأولى خلف مصالحها. وبإسقاط هذه النظرية على قطر والتي تسري على معظم الدول؛ يتبين أن قطر من خلال سلوكياتها وعلاقاتها لم تتخذ من تبنّيها للإخوان أساساً في بناء تلك العلاقة، ولا يمكن القول بأي شكل من الأشكال إنها قريبة بشكل أو بآخر من نهج جماعة الإخوان المسلمين.

قد يحصل نوع من الالتباس لدى البعض إذا تمت مقارنة علاقة الدوحة الوثيقة مع واشنطن، والتعاون الأمني والعسكري الواسع بينهما، حيث إنها أقامت أكبر قاعدة عسكرية لها في قطر “قاعدة العديد”، مع علاقتها مع الإخوان، حيث يرى البعض أن قطر تمارس دوراً وظيفياً لصالح الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية بشكل عام، وتمرّر سياساتها ومصالحها في المنطقة، وتلعب أيضاً دور الوسيط بينها وبين الإخوان، مثلما كان مع “حماس” والإخوان في كل من مصر وسوريا. يعتبر العديد من الخبراء الإستراتيجيين أن قطر ما هي إلا قاعدة أمريكية متقدمة في المنطقة. “يتضح من ذلك أن بريطانيا كانت هي المبتدأ، وأمريكا هي المنتهى، وبين هذه وتلك كان الإخوان في المنتصف، ولا غرابة في ذلك، فالإخوان يتبعون من حيث النشأة والرعاية المملكة البريطانية، ويتبعون من حيث الإدارة والتوجيه الولايات المتحدة الأمريكية”.

وتستخدم قطر الإخوان كذراع ممدودة لها في إشعال الحروب والصراعات في المنطقة، وإثارة الفتن وزعزعة أمن واستقرار دول المنطقة، وتأكد ذلك من خلال الأحداث المتواترة التي تعيشها المنطقة، خاصة في خضم ما أطلق عليه “ثورات الربيع العربي”، حيث تأكّد أنّ تحريك الإخوان في البلدان العربية مثل “تونس، مصر، ليبيا وسوريا” بدعم مفتوح من قطر، لم يكن هدفه إشاعة ونشر الديمقراطية فيها، فنظام الحكم في قطر هو قبل أي شيء آخر نظام ملكي وراثي، ولا توجد فيها أي عمليات انتخابية، وبالتالي لا يوجد فيها أي تداول للسلطة.

يرى بعض الخبراء والمختصين في قضايا المنطقة والخليج أن قطر “تسعى إلى تعزيز قوّتها الناعمة، والتحوّل إلى دولة مؤثّرة، وتطوير مكانتها الإقليمية مقارنة بباقي الدول الخليجية منها والعربية على حدّ سواء, ولذلك تعزّز الدوحة علاقاتها بحركات المعارضة وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، ما يمنحها قدرة على تحقيق الوساطة الدبلوماسية بين تلك الجماعات وبين دولها”. وذهبت قطر إلى أبعد من ذلك عندما انخرطت بشكل مباشر في الصراعات الدائرة داخل تلك البلدان وأصبحت طرفاً أساسياً وفاعلاً فيها، من خلال تبنّي جماعة الإخوان المسلمين ودعمها مادياً وعسكرياً, وقد اعترف رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري السابق “حمد بن جاسم” أنهم كانوا يعتركون “يتهاوشون على الصيدة” في سوريا، ويقصد بها دول الخليج والدول الغربية وتركيا، ولولا الدعم القطري والتركي لَما وصلت الأمور في سوريا إلى هذا الحد من العنف والاقتتال والحرب الأهلية الدموية التي راح ضحيتها أكثر من مليون إنسان، وتشرّد بسببها أكثر من 12 مليون، وحصل كل هذا التدمير في البنى التحتية ومنازل السكان. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل حققت قطر أهدافها في تدمير سوريا؟ من الصعب القول إنها ومعها جميع الدول المتورطة في الأزمة السورية قد حققت أهدافها.

فيما يرى البعض أنه ربما “قد يكون توثيق قطر علاقتها بالإخوان المسلمين أيضاً؛ عاملاً مساعداً لتوظيفهم لاحقاً في مواجهة أنظمة الحكم التي تعاديها، أو للضغط عليها لأي سبب كان، وهو ما يحقق لقطر حصانة من أي إضرار بمصالحها من جانب أي بلد يكون فيه للإخوان المسلمين حضور وازن”.

ولكن الثابت أن قطر فقدت كثيراً من قوّتها الناعمة ودورها بانخراطها في دعم نشاطات وأعمال الإخوان في كل أنحاء العالم، حتى إنها لعبت دوراً وسيطاً لدى بريطانيا في منح قادات التنظيم العالمي للإخوان المسلمين الجنسية البريطانية والسماح للتنظيم بتوظيف أمواله، وفتح المؤسسات البحثية والدراسات الإستراتيجية على أراضيها مثل “مركز الشرق للدراسات الإستراتيجية والحضارية” والذي يرأسه الناطق السابق باسم جماعة الإخوان المسلمين في سوريا “زهير سالم”، وهو مركز يحظى بدعم مالي قطري كبير.

 

دور الجمعيات الإخوانية وقطر في التغيير الديمغرافي:

لتعزيز قوة وحضور الإخوان المسلمين ضمن المجتمعات المختلفة في المنطقة، عمدت قطر إلى إنشاء الجمعيات الخيرية المرتبطة بالإخوان، في مسعى للسيطرة على المجتمعات، وكذلك سارعت في بناء المساجد ونشر الفكر الديني السلفي، وربط المجتمعات بالدين، وافتتاح دورات تدريبية لتلقين الشباب الأفكار والإيديولوجية الدينية المتشددة، والتي ترفض نظام الدولة وتكفّرها وتدعو إلى إقامة دولة إسلامية.

عملت الجمعيات التابعة للإخوان المسلمين، وبدعم مالي قطري وإشراف تركي، على بناء مستوطنات في منطقة عفرين التي وقعت تحت الاحتلال التركي في 18 مارس/ آذار 2018، منها “جمعية الأيادي البيضاء – تركيا” وبتمويل من “جمعية العيش بكرامة – فلسطين 48″، وهي جمعية تابعة لحركة “حماس” الإخوانية، وجلبت أكثر من خمسين ألف من الفلسطينيين وتم توطينهم في المستوطنات التي أقامتها الجمعيات الإخوانية وتركيا في عفرين، وأطلق على إحدى المستوطنات اسم قرية “بسمة”. وجرى تمويلها أيضاً من عرب عام 1948 وشارك في تمويلها أيضاً “مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية في المملكة العربية السعودية” وتوجد أيضاً “مؤسسة وفاء المحسنين الخيرية – Ihveder” وهي تابعة للإخوان تأسست في تركيا عام 2018، ولها مكاتب وفروع في العديد من الدول (تركيا، فلسطين، سوريا، لبنان، اليمن، بورما، وبوركينا فاسو)، ورئيس مجلس إدارتها هو “عبد الله محمد الأسطل” المنحدر من مدينة “خان يونس / قطاع غزة الفلسطينية”. وأيضاً هناك “مؤسسة الخير – مكتب الشرق الأوسط” قامت ببناء مستوطنة قرى جبل “الأحلام” في قرية “كيمار” بناحية شيراوا / جبل ليلون، بالتعاون مع “الهيئة العالمية للإغاثة والتنمية (أنصر) – تركيا” والتي تعد شريكها الرئيسي. وأخطرها جمعية “البيان” القطرية التابعة للإخوان في قطر.

كما يوجد “المنتدى السوري” الذي يرأسه “غسان هيتو” ويعمل بالتنسيق مع مؤسسة “الإحسان للإغاثة والتنمية” التي يرأسها “براء الصمودي” المرتبطة بشكل مباشر بجماعة الإخوان المسلمين. وجمعية “كويت الرحمة” التابعة لجماعة الإخوان في الكويت.

كما توجد عدة جمعيات من أمثال “Sadakataşı” التركية والتي تتلقى تمويلها من جمعية إخوانية باكستانية، وكذلك جمعية البيرق، تراحموا – سنابل الخير، المؤسسة الدولية للتنمية الاجتماعية، منظمة الرحمة العالمية، منظمة حقوق الإنسان الدولية (HCI)” في كندا”. هذا جزء يسير من نشاطات الإخوان في عفرين، ويوجد لتلك الجمعيات والمنظمات فروع في معظم الدول العربية والإسلامية، وكذلك في الدول الغربية.

أمّا نشاط جماعة الإخوان تحت اسم الإغاثة فكان لهم جناحهم العسكري في جميع البلدان التي لها فروع فيها، والعقيدة القتالية “الجهادية” جزء أساسي من تكوينها الفكري والإيديولوجي، وأي عنصر ينضم إلى التنظيم يقسم على السلاح والقرآن. وأسست الجماعة في سوريا العشرات من التنظيمات المسلحة، وأغلبها حملت اسم “الشام”، وعملت على نشر الفكر المتطرف والقتل على الهوية الطائفية والمذهبية.

يقول الكاتب منذر بالضيافي في مقالة بعنوان “في جذور العلاقة بين دولة قطر وتنظيم الإخوان المسلمين” نشر على “موقع تونسيون” إن قطر كانت تعتقد إلى حدّ اليقين أن “جماعة الإخوان المسلمين ستحكم العديد من دول الوطن العربي، أو ستكون شريكاً في حكمها على الأقل, وبالتالي كانت قطر عبر تشبيكها وتعزيز علاقاتها مع الإخوان المسلمين تستعدّ مبكراً لتحقيق مصالحها المستقبلية”.

تمسّكُ قطر بورقة الإخوان أحدث انقساماً داخل مجلس التعاون الخليجي، خاصة بينها وبين المملكة العربية السعودية، حيث إن جماعة الإخوان محظورة في السعودية، وهناك خلافات إيديولوجية وعقائدية عميقة بينهما، حيث تنتهج السعودية المذهب الوهابي، فيما نهج الإخوان سلفي. وتعمّق الخلاف أكثر بين الجانبين إثر الدعم الذي قدمته قطر لجماعة أنصار الله الحوثية في اليمن، وحدثت قطيعة دبلوماسية طويلة بينهما، ولكن ظلت قطر تقدّم دعماً سخياً للإخوان.

 

أكاديمية التغيير لدى الإخوان المسلمين:

 

تقدّم الأكاديمية تعريفاً لنفسها وتدّعي بأنها “مؤسسة علمية بحثية غير ربحية، تأسّست في لندن في مارس/ آذار من العام 2006. ثم تأسس لها فرع الدوحة في 6 سبتمبر/ أيلول 2009. ثم تأسس فرع فيينا في 1 مايو/ أيار 2010”. وتقول في موقعها الإلكتروني إنها “مبادرة شبابية مستقلة، لا تخضع في دعمها لأي دولة أو طرف سياسي”، غير أن نهجها واضح أنها تمثّل الفكر الإخواني من خلال برامجها ونشاطاتها المختلفة، وتتلقى تمويلاً مباشراً من قطر التي توفّر لها الغطاء السياسي والإعلامي وتُفسح أمامها مساحات واسعة لتتحرك فيها بأريحية، وتقدّم لها المساعدة في الانتشار في دول عديدة.

تعدّ أكاديمية التغيير أداة إخوانية بامتياز، وتتلقى دعماً مالياً من قطر والولايات المتحدة أيضاً. الهدف الأولي لها تدريب فئة الشبيبة الإخوانية، وتجهيزها للقيام في التظاهرات والاعتصامات ورفع الشعارات الدينية خلالها، والدفع نحو إسقاط الأنظمة العربية.

يقع المقر الرئيسي للأكاديمية في الدوحة وتعقد درواتها في أمريكا وبريطانيا ودول عربية مختلفة مثل الأردن, ويرأسها “هشام مرسي” زوج ابنة القرضاوي.

يقول الكاتب حسام حداد في دراسته عن الأكاديمية: “تقوم أكاديمية التغيير بتدريب الشباب في الدّوحة وفيينا وعبر الأنترنت ومواقع اليوتيوب, وتحت عناوين كثيرة منها أفكار الثورة، وأفكار للثوار وكيفية التعامل مع القوى التقليدية، وتكتيكات التفاوض وأسلوب رفع سقف المطالب وتنفيذ خطوات العصيان المدني, وإبراز بعض المعاني الرمزية مثل حمل المصاحف وإضاءة الشموع ودقّ الطبول وحمل الأعلام الوطنية”.

يقول الدكتور “علي راشد النعيمي” عن الأكاديمية وإستراتيجيتها “إن استراتيجية الأكاديمية تبدأ باستهداف رموز الدولة أولاً وبالذات أجهزة الأمن، ومن ثم استخدام العديد من الوسائل مثل الاحتجاجات والمظاهرات والاضرابات لتحقيق ذلك، ويؤكد على تحالفها مع الإخوان المسلمين تحديداً”.

 

الدور الإعلامي لدول الخليج:

 

عملت دول الخليج العربي على تكثيف نشاطها الإعلامي الموجّه إلى دول الربيع العربي، وخاصة البثّ التلفزيوني الذي لعب دوراً تحريضياً هدّاماً لأبعد الحدود في إثارة الشارع ضد حكوماته. وعملت بشكل مستمر على توجيه المتظاهرين نحو التطرف الإسلامي، عبر الترويج لمقولات وشعارات إسلامية، وتقديم برامج خاصة موجهة تعمل على “تثوير” الناس عبر استضافة شخصيات دينية متطرفة.

لعبت قناة “الجزيرة” القطرية دوراً كبيراً في دعم الإخوان والترويج لسياساتهم، واتبعت نهج الدفاع عنهم، حتى أن عدداً من العاملين فيها أصبحوا فيما بعد وزراء في حكومات إخوانية في دول الربيع العربي، كتونس. اعتمدت الجزيرة أسلوباً في إثارة مشاعر الجمهور في البلدان العربية، وتبنّي شعارات الإخوان، وحولت كل مواطن في تلك الدول إلى ما يشبه المراسل الصحفي مقابل دفع أموال سخية لكل مقطع مصوّر أو تغطية خبر ما مناهض لدولته، فخلقت بذلك ما يمكن أن يُطلَق عليه جيشاً من المرتزقة الإعلاميين، كشفوا خلالها أسرار بلادهم العسكرية والأمنية، وجعلوها مادة رخيصة في مزادات الإخوان ودول الخليج، وأحدثت شرخاً كبيراً في البنية المجتمعية، ليعيش فيها تلك الثلة حالة اغتراب وانفصال كامل عن بلادهم وينساقوا وراء الأموال المتدفقة عليهم من قطر، ويقطعوا كل صلاتهم بوطنهم الأم، وهو ما ترمي إليه جماعة الإخوان المسلمين، حيث لا تعترف بالأوطان، بل لديها مفهوم دوغمائي متمثل بما تطلق عليه اسم “الأمة الإسلامية” والعودة إلى طريقة السلف الصالح في إدارة المجتمعات، عن طريق “الشورى”، حتى أنها في أدبياتها السياسية والعقائدية تكفّر الديمقراطية والعمل ضمن مؤسسات الدولة.

ويذهب بعض الخبراء إلى حدّ الاعتقاد أن وسائل الإعلام بكافة أشكالها المرئية، المسموعة والمكتوبة تعد أحد “أهم أسباب الفوضى التي تشهدها معظم البلاد، فمع ظهور عدد من القنوات والصحف الموالية للعناصر الإرهابية على رأسها جماعة الإخوان المسلمين، يزداد التحريض والإرهاب ضد الدول العربية، التي أدرجت الجماعة على قوائم “الإرهاب”، وكذلك تعتبر الأذرع الإعلامية للجماعة في بث الإرهاب”.

بعد ثورات الربيع العربي تكاثرت الصحف والقنوات التلفزيونية مثل ولادة الباراميسيوم، وكلها بتمويل من دول الخليج وتركيا، خاصة تلك التابعة للإخوان المسلمين، ووجدت دول الخليج أن الإعلام أسهل طريقة لتنفيذ سياساتها وربط تلك الدول بها، إلى جانب إنشاء جماعات عسكرية منفلتة تموّلها وتدعمها، ما مهّد لحالة فوضى عارمة اجتاحت دولاً مثل تونس، ليبيا، مصر، ولكنها كانت أكثر تأثيراً في سوريا، نظراً لواقعها الجيوسياسي المعقّد وتركيبتها المجتمعية المتنوعة، فكانت أشدّ فتكاً ودماراً.

تعدّ قناة “رابعة” قبل إغلاقها أكثر القنوات المحرّضة، والتي كانت ترفع الشعار الأصفر المتمثل في أربع أصابع في إشارة لرابعة، وكانت تُبثّ من تركيا “إسطنبول”، وكان يموّلها عدد من رجال الأعمال المنتمين للإخوان إضافة إلى قطر وتركيا. وانطلق بثّها بعد طرد السفير التركي من القاهرة عام 2014، عقب فضّ اعتصامي “العدوية” و”نهضة مصر” للإخوان.

كذلك هناك قناة “الشرق”، وهي من أحدث القنوات التابعة الإخوان، واتخذت من تركيا مقراً لها ويمتلكها القيادي الإخواني “باسم خفاجي”.

وكذلك هناك أيضا قناة “الحوار”، وهي مملوكة للقيادي بالتنظيم الدولي للإخوان “عزّام التميمي”، وبدأت بثّها من لندن في عام 2006. وهناك قناة “مكملين” والتي انطلقت في 6 يونيو/ حزيران عام 2014 من تركيا أيضاً، حاملة شعار “رابعة”. كما هناك قناة “مصر الآن”، حيث كانت بداية انطلاقها في 6 أغسطس/ آب 2014 من تركيا، وهي مملوكة فعلياً لشركة تابعة للتنظيم الدولي للإخوان. وهناك قناة “يرموك” الناطقة باسم حركة الإخوان المسلمين الأردنيين من أوائل القنوات التي كانت تبثّ اعتصامي “رابعة” و”النهضة”.

كذلك انطلقت قناة “حلب اليوم” في عام 2012، وهي تابعة للإخوان المسلمين في سوريا، وعملت دائماً على التحريض وبث البرامج والأخبار الاستفزازية التي من شأنها أن تُحدث حالة من الفوضى وحالة عدم الاستقرار في سوريا, كذلك تبنَّت خطاباً طائفياً ومذهبياً، حيث انحازت إلى المذهب “السني” الذي يتبنّاه الإخوان، وعملت على إحداث شروخ عديدة في المجتمع السوري المتنوع.

وفي السنوات الأخيرة من عمر الأزمة السورية التي تحولت إلى حرب أهلية، كلفت دولة قطر الدكتور الفلسطيني “عزمي بشارة” بإطلاق عدة قنوات تلفزيونية لصالح الإخوان، فكانت قناة “سوريا” التي كانت تبث من تركيا، وبعد سقوط نظام الأسد انتقلت للعمل في سوريا، وتلعب دوراً خطيراً جداً في انتهاج سياسة إعلامية وخطاب تحريضي، بعد أن تم رفدها بخبراء ومحترفين في الإعلام، وهي تحت إشراف مباشر من قبل “بشارة”. كذلك أطلق بشارة قناة “العربي” وهي أيضاً تدور في فلك الإخوان، هذا فيما لعب “مركز الجزيرة للدراسات والأبحاث” والذي يشرف عليه أيضاً “بشارة” دوراً كبيراً في استقطاب الأكاديميين والباحثين وأساتذة الجامعات، ليعملوا في الترويج لمشروع الإخوان في المنطقة، وكان من بين هؤلاء البروفيسور السوري الدكتور “برهان غليون” الأستاذ في جامعة السوربون.

 

دور السعودية في أزمات المنطقة وخاصة الأزمة السورية:

 

تبذل السعودية جهودها لتغدو مركزاً للعالم الإسلامي، وكذلك عمقاً إستراتيجياً للمنطقة العربية، وتحاول انتزاع هذا الدور من مصر إن كان على الصعيد السياسي أو العسكري، عبر التدخل في عموم أزمات وقضايا المنطقة، واستخدام قوتها الاقتصادية في التأثير على مختلف الدول وتوجيهها وفق متطلبات دورها الإقليمي, وهي في هذا الإطار تلقى دعماً وتأييداً من الدول الغربية الفاعلة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تعتبرها الأخيرة حليفة إستراتيجية لها بعد إسرائيل, كما أنها انتزعت من إيران وتركيا الدور في قيادة العالم الإسلامي. ففيما تحاول إيران فرض نموذجها “الشيعي” على علاقاتها مع دول المنطقة ومد نفوذها العسكري، عبر تشكيل أذرع لها في دول مثل “العراق، سوريا، لبنان، اليمن”، عملت تركيا أيضاً على دعم جماعة الإخوان المسلمين وقيادتهم، واستخدامها أداة في “ثورات الربيع العربي” في مختلف الدول “تونس، مصر، سوريا، ليبيا” وحتى المغرب، ومدّ نفوذها في تلك الدول، وتنفيذ مشاريعها “الميثاق الملي”، محاولة استعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية البائدة، والسعودية مقابل المساعي الإيرانية والتركية، ورغم تمسكها بالمذهب “الوهابي” الذي تحاول التحرر منه نوعاً ما مع ولي العهد الأمير “محمد بن سلمان”، فإنها استطاعت أن توازن بين طموحاتها في التأثير في الملفات الشائكة في المنطقة، ومتطلبات دورها الإقليمي كدولة لها وزنها وثقلها السياسي والاقتصادي، عبر توظيف عناصر قوتها الناعمة في التأثير على مختلف أزمات المنطقة.

استخدمت السعودية في زمن حكم الملك “فيصل بن عبد العزيز آل سعود” النفط كسلاح في حرب أكتوبر/ تشرين الأول عام 1973 ضد الدول الغربية التي دعمت إسرائيل، وغيّرت موازين القوى العسكرية والسياسية على الأرض، وحققت فيها الجيوش العربية (مصر وسوريا) إنجازاً عسكرياً تمكنت من إلحاق هزيمة بإسرائيل، ولكن الملك “فيصل” دفع حياته ثمناً لموقفه المعارض للدول الغربية, إلا أن السعودية ونتيجة مخاوفها من التمدد الإيراني على حدودها في اليمن عبر أداتها جماعة “الحوثيين”، دخلت في صراع متعدد الجوانب، خشية منها في “حماية أمنها القومي”، وهي تعد حرب استنزاف لها لم تحقق من ورائها أي طائل. ويبدو أنها تجد في وجود جماعات “شيعية” على حدودها خطراً يهدد وجودها، وهو الصراع الذي طالما غذّته الدول الغربية، بغية إضعاف السعودية وتبديد قدراتها الاقتصادية والعسكرية, وهي الورقة التي تلوّح بها الدول الغربية دائماً في وجه الدول الخليجية، بأنها مهدَّدة من قبل إيران، إلا أنها في حقيقتها تمثل سياسة ابتزاز لها. وتحت تلك الذريعة اكتظت دول الخليج بكل أنواع الأسلحة المتطورة، وغدت مصدراً أولياً لشراء الأسلحة الغربية، كما أنها تحولت إلى قواعد للقوات الغربية وعلى رأسها الأمريكية، مثل قاعدة “العديد” في قطر، والقاعدة الأمريكية في مدينة “الظهران” السعودية والتي لعبت دوراً رئيسياً في حرب الخليج الثانية (حرب تحرير الكويت/ عملية عاصفة الصحراء التي بدأت في 17 يناير/ كانون الثاني بقيادة الجنرال الأمريكي نورمان شوارزكوف ومشاركة أكثر من ثلاثين دولة فيها، بينها سوريا بقيادة رئيسها الأسبق حافظ الأسد).

لعبت السعودية دوراً مؤثراً في وضع نهاية للحرب الأهلية اللبنانية في بداية تسعينات القرن الماضي، عبر اتفاق “الطائف”، ووضع أول نظام محاصصة طائفية في لبنان، كشرط للخروج من الحرب، ولا يزال هذا النظام الطائفي متّبعاً وسارياً في لبنان حتى اليوم، وتكرّس هذا النهج ليغدو تجربة يُحتذى بها في دول أخرى مثل العراق أيضاً.

كما كان للسعودية دورها المؤثر في الحرب العراقية – الإيرانية، من خلال دعمها نظام صدام حسين في مواجهة التمدد الإيراني، وموّلت نظام صدام وأثرت على جميع دول الخليج في مساندته وتقديم كل أشكال الدعم له، لتعود وتنقلب عليه بعد اجتياح صدام وغزوه للكويت، لتتحول الدولة الرئيسية في مواجهة صدام.

وكان للسعودية دور بارز في الأزمة السورية، ومنذ بدايتها انتهجت سياسة النصح ودعوة النظام السوري لتلبية مطالب المتظاهرين في الحرية وعدم اعتماد الحل الأمني, إلا أن النظام وجماعة الإخوان المسلمين نقلا حركة الاحتجاجات في سوريا من الحالة السلمية إلى العنف المعمّم، وغرقت معها البلاد في الحرب الأهلية.

عملت السعودية بعد اندلاع أعمال العنف الطائفي والمذهبي في سوريا، على إنشاء جماعات عسكرية تابعة لها، وخاصة ما يسمى “جيش الإسلام” الذي كان يقوده “زهران علوش” والمرتبط بالسعودية وعمل فيها. دعمت السعودية “جيش الإسلام” بالمال والسلاح، وتمكن من أن يفرض الأخير سيطرته على كامل غوطة دمشق ويهدد دمشق، حتى أنه دخل بعض أحيائها مثل “جوبر”، وارتكب أعمالاً انتقامية طائفية مقيتة ضد الأقلية العلوية في الأحياء التي فرض سيطرته عليها.

اقتنعت السعودية أن بالإمكان تغيير النظام عن طريق القوة العسكرية، بعد أن قطعت علاقاتها الدبلوماسية معه، كما أنها حاولت نقل صراعها مع إيران إلى الأراضي السورية, ففي حين كانت إيران تزجّ بميليشياتها الطائفية “الشيعية” في سوريا، عملت السعودية على دعم المجموعات “السنية” ضمن صفوف المعارضة السورية ضمن غرفتي “موك” في الأردن و”موم” في تركيا، كما دعمت بكل قوة محادثات جنيف وتشكيل اللجنة الدستورية.

بعد أن فقدت جماعات المعارضة السورية الأراضي التي كانت تسيطر عليها في صراعها مع النظام السوري؛ عملت السعودية على اقتراح إنشاء قوة عسكرية عربية من السعودية، قطر، الإمارات العربية المتحدة ومصر، إلا أن الأخيرة رفضتها ولم يرَ المشروع النور. إلا أنها نسقت مع الولايات المتحدة لدعم قوات سوريا الديمقراطية في محاربتها تنظيم “داعش” الإرهابي، ودعمت المشروع مالياً، وأنشأت نقاط اتصال وارتباط لها في القامشلي والحسكة، لتدريب مجندين جدد لقوات سوريا الديمقراطية, ولكن المشروع لم يستمر طويلاً.

إلا أن السعودية شاركت ضمن قوات التحالف الدولي في معارك عديدة ضد تنظيم “داعش” الإرهابي عبر الطيران، باعتبارها إحدى دول التحالف الدولي, كما عقدت العديد من اجتماعات التنسيق بين دول التحالف على أراضيها، وشكلت محوراً هاماً في الحرب ضد الإرهاب في سوريا والمنطقة عموماً.

وبعد سقوط النظام السوري البائد؛ عملت السعودية بشكل حثيث على جذب واستقطاب السلطة الجديدة، وتقديم الدعم المالي والسياسي لها، محاولة تعويمه مثلما عملت مع النظام السابق قبل سقوطه, فشرعت بإقامة علاقات اقتصادية والدخول في شراكات استثمارية في عدة قطاعات، وخاصة النفط والسياحة، إلى جانب تقديمها قروضاً مالية سخية لتمكين النظام والدفع به نحو إعادة بناء سوريا. كما فتحت أمامه الأبواب لشرعنته وقبوله دولياً، وقبلها عربياً عبر استعادة مقعده في الجامعة العربية، رغم المعارضة المصرية الضمنية.

الجولات التي قام بها الرئيس السوري المؤقت “أحمد الشرع” في مختلف دول العالم، وخاصة اجتماعه مع الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في الرياض، مهّدت لها السعودية ودفعت لـ”ترامب” أموالاً باهظة مقابل الاجتماع به. كما أنها هي من سهّلت له حضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقبلها دفعت قطر أموالاً قدّرتها بعض المصادر بمليارَي دولار أمريكي لحضور وزير الخارجية السوري “أسعد الشيباني” اجتماعات “دافوس” بسويسرا، وخصصت له طائرة خاصة، رغم أنه لم يكن قد مرَّ أكثر من شهرين على وصولهم إلى سدّة الحكم في سوريا.

 

الإمارات العربية المتحدة ودورها في أزمات المنطقة:

 

تسعى الإمارات من خلال سياساتها إلى تعزيز مكانتها الدولية والإقليمية وتوسيع نفوذها في الساحة العالمية، مع المحافظة على استقرارها الداخلي وتطوير اقتصادها.

وحسب بعض المراقبين “تتبنّى الإمارات سياسات قائمة على الدبلوماسية والابتكار، وتسعى لتعزيز علاقاتها مع الدول في الشرق الأوسط وخارجه، إذ تعتمد سياسة تنموية تعتمد على الاستثمار في الدول الأخرى، مما يسهم في تعزيز التعاون الاقتصادي، فالإمارات تُعتبر واحدة من أكبر المستثمرين في العديد من الدول الناشئة”.

حافظت الإمارات العربية المتحدة على توازن علاقاتها مع معظم دول المنطقة والصراعات الدائرة فيها، ولم تسارع إلى الانحياز بشكل فظّ إلى محاور معينة، بل عملت بشكل مرن وهادئ، دون أن تثير الكثير من الضجيج والثرثرة الإعلامية حول خطواتها العملية. وأكثر ما كان يشغلها هو الحفاظ على مسافة فاصلة بين مساعيها لحل الأزمات، ومدى توافقها مع مصالحها الاقتصادية بالدرجة الأولى, وكانت مواقفها مغايرة لدول الخليج الأخرى نوعاً ما، مثل قطر والسعودية، ولم تنخرط في عمليات دعم القوى والأطراف المعارضة المهددة لكيانات دولها إلا بشكل محدود وعلى نطاق ضيق جداً. واتجهت أكثر نحو دعم الأنظمة القائمة، حفاظاً على الأمن والاستقرار في دولها وفق تصوّرها, إلا أنها لم تخرج عن المواقف العامة لدول مجلس التعاون الخليجي مثل قطر، بل عملت بالتنسيق معها, ففي الحملة العسكرية على “الحوثيين” شاركت السعودية عبر قصف مواقع “الحوثيين”، إلا أنها لم تبرز كقوة تسعى إلى فرض نفوذها في المنطقة.

استفردت الإمارات بموقفها من النظام السوري، وكانت السبّاقة إلى إعادة العلاقات الدبلوماسية مع النظام السوري السابق وفتح سفارتها في دمشق، كما أنها عملت على دعم النظام اقتصادياً من خلال إقامة بعض المشاريع الاستثمارية، وتقديم التمويل له. “وفي عام 2020، بدأ التعاون الإماراتي مع سوريا يتخذ طابعاً اقتصادياً أكثر وضوحاً، فقد بدأت الشركات الإماراتية في التوسع داخل سوريا، وخاصة في مجالات النفط والإعمار، وفي هذا السياق”، هذا إلى جانب محاولاتها في تعويم النظام سياسياً، وإقناع السعودية على إعادة العلاقات معه، واستُقبل رئيس النظام من قبل السعودية بوساطة إماراتية واضحة.

بعد سقوط النظام السابق، لم تتسرّع الإمارات في منح الشرعية لـ”الشرع” وسلطته، حتى أن استقبالها له في العاصمة “أبو ظبي” كان فاتراً وبروتوكولياً أكثر من أن يكون لإضفاء الشرعية عليه, ولم تمنحه صكاً للاعتراف به. فيما عملت على دعم ما أطلق عليه في الأوساط السورية “فلول النظام السابق”، من خلال إقامة معسكرات تدريب لها في الساحل السوري وفي لبنان، وتقديم مختلف أنواع الأسلحة والدعم اللوجستي لها, وهو ما شكل مخاوف لدى قطر والسعودية من الانقلاب على جهودها في ترسيخ نظام “الشرع”.

تبنّت الإمارات موقفاً مختلفاً عن بعض الدول العربية الأخرى، مثل قطر والسعودية، إذ لم تندفع نحو دعم المعارضة المسلحة بشكل كامل، بل فضلت دعم الحلول السياسية التي تضمن وحدة سوريا.

لكن بحلول عام 2013، بدا أن الإمارات بدأت تدرك أن التورط العسكري والدعم اللامحدود للمعارضة قد يؤديان إلى فوضى أكبر في المنطقة مما دفعها إلى تبني سياسة أكثر تريثاً وحذراً بدلاً من تأييد المعارضة.

مع تعقّد مسارات الحرب السورية وتشابك خيوطها أكثر، حيث تدفّق آلاف المقاتلين الأجانب إليها بعد عام 2014، أصبح الصراع فيها أكثر تعقيداً مع ظهور تنظيمات متطرفة مثل “داعش” و”جبهة النصرة”. ورأت الإمارات أن التدخل العسكري الخارجي، سواء من قبل إيران أو تركيا أو حتى روسيا، بدأ يشكل تهديداً لأمن المنطقة. وانزوت الإمارات بنفسها عن هذا الصراع وغيّرت مواقفها واتخذت قراراً إستراتيجياً بدعم استقرار سوريا في ظل حكم بشار الأسد، ومع بداية عام 2024، كانت الإمارات قد لعبت دوراً بارزاً في إعادة تأهيل سوريا على المستوى العربي, ففي مايو/ أيار من عام 2024، عادت سوريا إلى جامعة الدول العربية بعد أكثر من 10 سنوات من تعليق عضويتها.

فتحت الإمارات أبوابها للتعاون مع دمشق على مختلف الأصعدة, وكانت تهدف إلى إحداث توازن إقليمي من خلال “تعزيز علاقاتها مع سوريا من جهة، وفي الوقت نفسه تعزيز مواقفها أمام القوى الإقليمية مثل تركيا وإيران”.

ويرى مراقبون أن الإمارات كانت “تسعى إلى إيجاد توازن دبلوماسي يتماشى مع مصالحها الإستراتيجية، إذ حاولت ألا تكون مواقفها تجاه النظام السوري متوافقة بالكامل مع تحالفاتها مع القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة أو المملكة العربية السعودية”.

لعبت الإمارات دوراً في إقناع الرئيس السوري السابق في عدم الانخراط في دعم حركة “حماس” وحزب الله وإيران في حربها ضد إسرائيل ضمن ما أطلق عليه اسم عملية “طوفان الأقصى”، وقد اقتنع الأسد بها وابتعد عن دعم أي طرف فيها.

لا تزال الإمارات حذرة من الانفتاح الواسع على نظام “الشرع”، ولم تنسَقْ مثل قطر والسعودية وعدد من الدول الإقليمية الأخرى مثل تركيا إلى الترحيب به، واعتباره البديل المناسب للنظام السابق، فهي توازِن بين مواقفها ومصالحها، وتجد أن توجهات النظام الحالي لا تتوافق كثيراً مع تصوراتها العامة حول مستقبل سوريا ودورها الإقليمي، بل تخشى أن تتحول إلى بؤرة جديدة لنشر التطرف في كامل المنطقة، وتتريث ريثما يتضح الشكل النهائي لنظام الحكم في سوريا، وتعتبره أنه مرحلة مؤقتة وعابرة، ويتطلب مزيداً من الوقت ليصل إلى مرحلة التشكّل والاستقرار، وقد يشهد في هذه الفترة الانتقالية العديد من التغيرات والتحولات، وتعتقد أنه من الخطأ التسارع وتطبيع العلاقات معه، وربما قد تنذر أي خطوة من هذا القبيل بردود فعل سلبية قد تنعكس عليها وعلى كامل المنطقة.

الإمارات لديها هاجس من الإسلاميين في السلطة، وتتخوّف من الخلفية الجهادية السابقة للرئيس “الشرع”. ويرى البعض “أنَّ التحول السوري أربك الحسابات الإماراتية، فقبيل التحول كانت الإمارات تسير باتجاه تعزيز علاقاتها مع نظام الأسد، وتعمل على إعادة تعويمه إقليمياً ودولياً”.

وهناك اعتقاد سائد بأنه إذا استطاعت حكومة “الشرع” أن تبدّد هواجس الإمارات، قد يصبح الطريق سالكاً بين دمشق وأبو ظبي لإقامة علاقات أفضل، وهي إمكانية صعبة في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها، حيث الفوضى والانفلات الأمني والانقسامات السياسية والمجتمعية التي تعيشها.

وفيما تتقلب ليبيا على رمال سياسية ساخنة ومتحركة، تعيد الإمارات تموضعها فيها بهدوء دون إثارة أي زوابع إعلامية تذكر, فقد لعبت الإمارات دوراً بارزاً في ليبيا من خلال دعم نظام “خليفة حفتر”، ويقول الكاتب “إيمانويلي روسي”، في تقرير نشرته مجلة “فورميكي” الإيطالية، إن “خليفة حفتر يتمتع بنوعين من الدعم، أولهما سري تقدمه كل من روسيا وفرنسا، والثاني معلن توفّره مصر والإمارات”.

يقول أحد الباحثين المتخصصين في الشأن الليبي: “الإمارات لم تكن يوماً من يشعل شرارة النزاعات، لكنها تتقن النفخ في نارها, تستثمر في الفوضى وتُحسن تحويلها إلى أوراق ضغط تخدم مصالحها الإستراتيجية، سواء في ليبيا أو في غيرها من الساحات العربية”.

ويشير علماء الجيولوجيا أن الإمارات تخطط للسيطرة على السواحل الليبية لوجود مخزون هام من الطاقة فيها، وبسبب موقع ليبيا الجيوستراتيجي، حيث تعدّ همزة وصل بين البحر الأبيض المتوسط والقرن الإفريقي، وتتطلع الإمارات إلى تحقيق العديد من المصالح الجيوسياسية في ليبيا.

إن تدخّل الإمارات مع السعودية في حرب اليمن، يعود إلى تطلعها إلى تنفيذ سياساتها التي تركّز بشكل أساسي على منطقة جنوب اليمن، حيث تحتوي على سواحل وتخطط لبناء موانئ بحرية من أجل مرور صادراتها النفطية عبر البر، لتتجاوز مضيق “هرمز” والتهديدات الإيرانية.

وقد نجحت الإمارات في السيطرة على جزيرة “سقطرى” قبالة القرن الأفريقي، نظراً لموقعها الهام في سلسلة الموانئ التابعة لها بغرض تأمين سلاسة في الملاحة البحرية.

 

 

دول الخليج ومواقفها من الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا:

 

تتباين مواقف دول الخليج العربي إزاء الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا، وهي تتراوح بين الانسياق وراء مواقف الدولة السورية، وبين تقديم الدعم المادي المحدود لها ضمن مشاركة بعض منها في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، ولم تتطور إلى رؤية الإدارة كنواة لإجراء تحول ديمقراطي لافت ووحيد في سوريا، وتقتصر مواقفها على رؤيتها ضمن إطار “نزعة كردية ساعية لتقسيم سوريا”، لتكرر موقف النظامين السوريين، السابق والحالي، وتنحو منحاً قوموياً عربياً صرفاً, رغم أن مواقفها المتنكرة لحقوق الشعب الكردي ليست وليدة هذه المرحلة، بل تمتد لعقود طويلة، حيث قدمت كل أشكال الدعم لنظام صدام حسين في حربه ضد الكرد، ولا تنظر إلى القضية الكردية كقضية شعب ووطن يتعرض للإبادة الثقافية والوجودية على أيدي الأنظمة في العراق، تركيا، سوريا وإيران, وتمارس تركيا ضغطاً كبيراً على دول الخليج كيلا تطور علاقاتها مع الإدارة الذاتية وتحدّ من الانفتاح عليها، والانتقال إلى الاعتراف بها ضمن إطار الدولة السورية الواحدة. واقتصرت علاقات تعاون بعض الدول الخليجية مثل الإمارات العربية المتحدة والسعودية مع الإدارة الذاتية على مجالات اقتصادية محدودة.

تبني دول الخليج مواقفها مع الإدارة الذاتية بناء على قدرتها على تلبية مصالحها الاقتصادية في سوريا، وخاصة في المناطق التي تديرها, فهي تربط مصالحها الاقتصادية وقدرتها على الاستفادة من الإدارة في مجال تطوير الاستثمارات خاصة في مجال الطاقة (النفط والغاز), وتحمّست الإمارات قبل عدة سنوات لإقامة مشاريع اقتصادية واستثمارات في مناطق الإدارة، إلا أنها لم تتطور كثيراً بسبب معارضة شديدة من قبل النظام السوري السابق، وكذلك تركيا. ورغم افتتاح ممثلية للإدارة الذاتية في الإمارات، إلا أنها لا تحظى باعتراف رسمي، وهي تعمل من أجل تسيير أعمال مواطني شمال وشرق سوريا في الإمارات، حيث يوجد تنسيق بينها وبين حكومة البلاد في مجالات معينة.

بناءً على معارضة كل من سوريا وتركيا على إقامة علاقات متينة ووثيقة بين دول الخليج والإدارة الذاتية، تراجع الدعم الذي كانت تحظى به الإدارة من قبل الدول الخليجية في بداية حملة قوات سوريا الديمقراطية على الإرهاب، خاصة بعد التقارب الخليجي مع تركيا، وإعادة النظام السوري السابق إلى الحظيرة العربية. وكانت الولايات المتحدة تعمل على تنسيق المواقف ضمن التحالف الدولي ضد الإرهاب، إلا أن زخم العلاقات لم يتطور إلى مستوى من الفعالية السياسية، واقتصر على تبادل زيارات محدودة لمسؤولين من الإدارة الذاتية للسعودية والإمارات، حيث تتجه دول الخليج إلى إبقاء علاقاتها وتعاملها ضمن الأطر الرسمية.

في حين أن دولة قطر عملت دائماً على معارضة الإدارة الذاتية وتوجهاتها من خلال ذراعها “الإخوان المسلمون” في سوريا، وكذلك بالتنسيق مع تركيا، واستبعدت الإدارة من جميع اجتماعات المعارضة السورية في الخارج، بالتوازي مع توجيه آلتها الإعلامية ضد الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، فهي الأخرى لديها مخاوف كبيرة من أن تقود الإدارة الذاتية سوريا نحو دولة ديمقراطية، وبالتالي إبعادها عن حصتها في الكعكة السورية التي تتصارع عليها العديد من القوى الإقليمية والدولية.

 

الخاتمة:

 

يتبين من خلال استعراض مواقف عدد من الدول الخليجية، أنها تلعب أدواراً وظيفية لصالح مراكز قوى عالمية ارتبطت بها عبر علاقات عضوية لا يمكنها التحرر منها بأي شكل, كما اتسمت أدوارها بالانحياز لأطراف محلية وإقليمية معينة، إضافة إلى الازدواجية التي غلبت على مواقفها حيال عدة ملفات وقضايا في المنطقة، ولم تكن مبدئية أو تتخذ مصالح الشعوب بعين الاعتبار وتعمل على نشر قيم التسامح والديمقراطية في البلدان التي شهدت صراعات وحروباً أهلية مثل سوريا، اليمن، ليبيا وغيرها، بل أصبحت طرفاً في تلك الصراعات، وراحت تبحث عن مصالحها على حساب دماء الشعوب ومستقبلها، مستخدمة قوّتها الاقتصادية والمادية في التحكم بمصائر الدول والشعوب، ساعية إلى تكييفها لصالحها, وبدلاً من توظيف تلك القوة الاقتصادية في بلادها لصالح رفاهية شعوبها؛ استخدمتها سلاحاً فتّاكاً في بلدان أخرى، خاصة دول “الربيع العربي”، وأحدثت تصدعات وشروخات مجتمعية كبيرة، وأوصلتها إلى حدّ الخصومة والعداوة المستفحلة. في حين أنها تجاهلت قضية الشعب الكردي، وظلت تنظر إليها من منظور وبوصلة الدول التي تقمع الشعب الكردي وتحتل جغرافيته “كردستان”، ولم تضع في حسبانها أنه شعب يتعرض للإبادة بكل أشكالها.

 

المراجع:

________________________________________

 

1 – الدكتور “أشرف كشك” من موقع “البحرين للدراسات الإستراتيجية والدولية”.

2 – “حسام حدّاد” في دراسة مطولة عن الإخوان المسلمين باسم ” قطر والإخوان.. تاريخ من الإرهاب والعبث في المنطقة” مؤلفة من ستة أقسام.

3 – “سليمان أبو ستة” موقع البيت الخليجي.

4 – الكاتب منذر بالضيافي في دراسة بعنوان “في جذور العلاقة بين دولة قطر وتنظيم الاخوان المسلمين” نشر على “موقع تونسيون”.

5 – الكاتب “إيمانويلي روسي”، في تقرير نشرته مجلة “فورميكي” الإيطالية.

كاتب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.