التعددية الثقافية والعرقية كأساس للأمة الديمقراطية تحقيق التعايش السلمي عبر مبدأ الأمة الديمقراطية حيث لا مكان للإقصاء القومي أو الطائفي
أ. مصطفى شيخ مسلم
المقدمة:
لطالما عُرف البشر منذ القدم بالصفة الاجتماعية, ما يعني بشكلٍ أو بآخر أنهم كانوا جماعات تتّسم بالتنوع إلى يومنا هذا, والتي كانت تتعايش طوال القرون الماضية جنباً إلى جنب وسط قواسم مشتركة وأخرى غير مشتركة, قواسم كانت في بعض الأحيان بمثابة اللبنة الأساسية للاندماج المجتمعي الحقيقي فيما بين فئتين مختلفتين في العرق أو المذهب أو المعتقد وفي بعض الأحيان الأخرى كانت بمثابة الشرخ الذي كان يتم استغلاله لإشعال الحروب والنعرات فيما بين الشرائح المختلفة عقائدياً أو عرقياً, وذلك لتمرير السياسات من خلالها.
مع تشييد الحضارات عبر التاريخ, كانت معضلة التنوع الثقافي والعرقي بمثابة الحجر الأساس لتمرير أي مشروع سياسي من خلال الفروقات الثقافية والمذهبية والإثنية فيما بين فئات المجتمع ككل.
مشكلة البحث: يتطرق البحث إلى التكوين المجتمعي وما يتسم به من تنوّع واختلاف فيما بين العرق والمعتقدات والمذاهب, وكل ما يميّز فئة مجتمعية عن أخرى.
أهمية البحث: إنَّ البحث يستهدف بنيان المجتمع وركائزه الأساسية من المكونات التي باجتماعها يتكون المجتمع, والخوض في سبل العيش المشترك فيما بين كل المكونات من ذوي الخلفيات المختلفة بعضها عن بعض.
أهداف البحث: يهدف البحث إلى تسليط الضوء على الجماعات التي تشاركت في الانتماء لذات الجغرافيا على امتداد مئات السنين إلى يومنا هذا, وكيفية نبذ الخلافات التي من شأنها إحداث تغييرات جذرية تطال بنية المجتمع, وذلك بالاستناد إلى دراساتٍ وأطروحات لعل أبرزها مفهوم الأمة الديمقراطية للسيد عبدالله أوجلان.
التعددية الثقافية
التعددية الثقافية ما هي إلَّا فلسفة سياسية تختزل الكثير من المفاهيم داخلها, إذ تعدّ بمثابة عقد اجتماعي غير مدوَّن فيما بين المتعايشين في ظل مفهوم التعددية الثقافية, والتي تهدف دائماً إلى تطوير التنوع الثقافي في مجتمعات تنتمي إلى خلفيات دينية أو ثقافية أو عرقية مختلفة.
والهدف منها توطيد التفاهم المشترك بين المكونات الاجتماعية بشكلٍ يرسخ تحقيق المساواة فيما بينها في الواجبات والحقوق على حدٍ سواء, كما أنَّها تسعى إلى تنظيم أمور الجماعات متعددة الانتماءات، وإكسائها شعوراً بالمكانة والقيمة والتقدير، وكذلك تهدف لتطوير الانسجام بين مختلفي الثقافات، لتخفيف حِدِّة الصِّراع الاجتماعي، والتناحر العرقي.
وُجِدَتْ التعددية الثقافية على سبيل الاستجابة للرغبة في كسب الاعتراف بالأقليات وانتماءاتها الثقافية في عصرنا الحديث, أي فيما تلى ظهور الأيديولوجيات المتطرِّفة التي لا تؤمن بالتنوع، بل تحاربه بشتَّى السبل وكذلك الأمر لا تعترف بالتعدد الواقعي، بل على النقيض من ذلك, إنَّما تنتهج نهجاً عنيفاً حدَّ المغالاة في محاولات الصهر بين المكونات المجتمعية، ما نتج عن ذلك شعور الكثير من الجماعات بالحرمان من أدنى مقومات الحياة السياسية, فضلاً عن الشعور بالتهميش، وعدم المساواة في الحقوق والمزايا السياسية، ومن أجل كل ما سبق, كانت أطروحات التعدد الثقافي بمثابة الحل الأمثل في مواجهة هذه المشاكل المستدامة، فيما لو تم تطبيقها بشكلٍ يؤدي بنتيجة الحال إلى انتشال الاحتقانات القبلية والدينية والمذهبية وكذلك الاجتماعية، فينعكس بصورة تلقائية على مكونات المجتمع بأنَّهم سواسية ومتساوون في الحقوق والواجبات، ولعل من أبرز الأمثلة الحية على ذلك الحالة المجتمعية في الهند، أميركا وكندا، وفي هذه الحالة، ينبغي إيجاد نموذج معتدل من التعددية الضامنة للحقوق دونما تفريط بحق أحدٍ على حساب آخر، وبالمحصّلة، ما من مجتمع على وجه المعمورة إلا وكان بحاجة لتعددية ثقافية تأخذ بالحسبان متطلبات الجماعات المكوِّنة لها وحقوقها، ولكن الأخذ بالتعددية في مجتمعات لم تعتد المسؤولية الجمعية, والشراكة المجتمعية الحقيقية في كل مفاصل الحياة، وتفتقر للهوية المجتمعية الجامعة، بل تتسم بواقع كبير من التهميش والاستئثار، سيؤدي ذلك إلى ولادة مخاطر حقيقية، على رأسها خلق حالة من الفوضى العسكرية ما يعني نزاعات مسلَّحة لا تُحمد عُقباها, وبالتالي الانقسام المجتمعي، كما حدث في العراق وبلاد البلقان في السنوات المنصرمة، وذلك الحال في سوريا في يومنا هذا, ولهذا باتت الحاجة ملحّة أكثر من أي وقتٍ مضى لحتمية الأخذ بمبدأ التعددية الثقافية بوعي وتدرّج بما لا يؤدي إلى النزاع, إنما التشاركية الحقيقية بين مكونات المجتمع الأصيل, داخل مجتمع أكبر على توجهاتها الثقافية الفريدة، إذ لا مشكلة لها حيال الثقافة السائدة قيمها وممارساتها، على أن تكون متجانسة مع قيم المجتمع الأوسع. وقد تطور وصف وتعريف التعددية الثقافية، بأنَّها مصطلح اجتماعيّ، إذ نُعِتَتْ بكونها ليستْ مجرد حقيقة، بل هدف مجتمعي ذو مدلولٍ أشمل وأكثر توافقاً.
التعددية العرقية والدينية في الشرق الأوسط:
لدى الحديث عن التعددية العرقية والدينية, يمكننا القول إن منطقة الشرق الأوسط تُعدّ من أكثر المناطق غَنى بالأعراق و الديانات والثقافات والمذاهب, إضافة لكثرة الأقليات فيها ( يهود, دروز, علويون, آشوريون, تركمان, إيزيديون, إسماعيليون, شركس, أرمن.. إلخ) وعلى وجه التحديد في كل من سوريا ولبنان والعراق، وهو ما يتطلب بطبيعة الحال نمطاً خاصاً في التعامل مع هذا التنوع ضمن صفوف المجتمع الذي يحتضن الكثير من الأقليات، وحذراً وحرصاً في كيفية خلق منصّة جامعة لإدارة التنوّع القديم الحاضر بِقوَّة في هذه البلاد لاسيّما في وقت تفتك بتلك البلدان نزاعات طائفية مسلَّحة وكذلك حروب أهلية قديمة مستجدّة.
انطلاقاً مما سبق, وللضرورة الملحّة لإيجاد حلول من شأنها خلق مناخ آمن لترسيخ سبل العيش المشترك فيما بين المكونات المجتمعية باختلافها, برز مصطلح التعايش السلمي في المجتمعات التي تُعرف باختلاف مكوناتها من حيث المذهب والإثنية والعقيدة والديانة والقومية, وهو ما يُقصد به سطوة المنافسة السلمية البعيدة عن أي شكل من أشكال العنف بما فيه العنف اللفظي, في نطاق المعتقدات والأفكار التي تؤمن بها كل دول العالم, إذ يعني مصطلح التعايش السلمي شكل العلاقة فيما بين شركاء الهوية والانتماء الوطني في ذات الدولة, حيث تسودها النُظُم الاجتماعية المختلفة بأصلها, في الوقت الذي يسعى لفرض الاحترام لكينونة الدولة ككل, بما في ذلك السعي للحفاظ على الأمن في أراضيها, إذ برز مفهوم التعايش السلمي إبَّان الثورة البلشفية في روسيا عام /1917م/ وذلك من قبل رئيس الوزراء الأول للدولة السوفييتية, وسُرعان ما ارتفعت الأصوات المطالبة بتبنّي مصطلح التعايش السلمي خلال الحرب العالمية الثانية.
ـ مفهوم التعايش السلمي:
إنَّ المقصود بالتعايش السلمي بإيجاز هو إمكانية تعايش المختلفين دينياً أو عرقياً أو مذهبياً تحت سقفٍ جامع وهو ما يعرف بالمجتمع, وذلك على أسس ومعايير أهمها احترام حقوق الآخرين ومعتقداتهم وثقافاتهم، دون أي تهميش أو تمييز, إذ من المحال إحقاق التعايش السلمي دونما وجود الحدّ الأدنى من السلام الداخلي والاستقرار المجتمعي داخل أروقة مجتمع مختلف الثقافات والانتماءات.
إذ أنَّه ومن خلال التعايش السلمي، يكون بمقدور المجتمع تجأوز الصراعات والأزمات أيً كانتْ، والتركيز بدلاً من الانشغال بالصراعات, على كيفية تحقيق أهداف تنموية مشتركة.
مبادئ التعايش السلمي:
إنَّ أهم مبدأ للتعايش السلمي هو الاتفاق الضمني والمسؤولية المجتمعية حيال ضرورة صون تلاحم أراضي المجتمع وتماسكهِ، كذلك الأمر فيما يتعلق باحترام مبدأ سيادة النظام السياسي التوافقي للدولة الجامعة لكل المكونات.
– السعي بشكلٍ متناسب لاستتباب الأمن والأمان ونشره بين المكوّنات الأخرى التي تتشارك ذات الهوية والانتماء المجتمعي، ونبذ أي اعتداءات أو نزاعات قد تحدث بين المكونات المجتمعية، وتفضيل لغة الحوار المتبادل كأساس في مواجهة أي خلاف.
– المقاربة السليمة المبنية على احترام الكينونة الداخلية للمجتمع ككل وشؤونه، وعدم التدخل بخصوصية باقي فئات المجتمع أو محاولة التضييق عليهم, وكذلك العمل على خلق المساواة في الحقوق والواجبات، والتعامل بكل ما يخص الشأن العام وفق سياسة توافقية مع بقية فئات المجتمع الذين يُعتبرون شركاء في الهوية والانتماء.
إنَ الهدف الرئيس لمبدأ التعايش السلمي في المجتمع متعدد الثقافات والأعراق سياسياً واجتماعياً, ينحصر في السعي من خلاله لتأطير ونبذ أي خلافات أو صراعات يُخشى حدوثها فيما بين الجماعات بمختلف أنواعها، سواء كان على المستوى الداخلي المحلي أو الإقليمي أو حتى الدولي، والسيطرة على آلية احتواء النزاعات والسيطرة عليها، مما يعزّز التواصل المفتوح فيما بينهم، وإعلاء مبدأ حرية الرأي، والنهج السياسي، وبالتالي عدم الخوض في صراعاتٍ على أساس هذه الاختلافات.
فيما يتعلق بالشقّ الاقتصادي, تتبلور صورة التعايش في جانبه الاقتصادي في تعزيز العلاقات التعاونية، وتحفيز تبادل المنفعة التجارية، والتي يُعوَّل عليها كثيراً في تحقيق التنمية الاقتصادية في المجتمعات، إذ يُعدّ الانتعاش في الاقتصاد هو السبب والعامل الرئيس لترسيخ الرخاء في الهيكل الاقتصادي لأي مجتمعٍ كان.
أما فيما يتعلق بحرية المتعقد وممارسة الشعائر الدينية؛ فإن للتعايش السمي هدفاً جليّاً في هذا الجانب وهو إحلال مبدأ الأمان والسلام بين أتباع الديانات المختلفة، فضلاً عن السعي لاحترام الأديان جميعها دون استثناء، وكذلك الأمر تقبُّل الاختلافات الدينية بين العامَّة، و نبذ سياسة الترهيب الديني المتمثلة بالإجبار والقمع ضدّ أيّ أشخاص يحملون معتقدات أخرى، وثقافات مختلفة.
ولتعزيز التعايش السلمي في المجتمعات متعددة الثقافات والأعراق, ينبغي على أفراد المجتمع قبول بعضهم بعضاً باختلاف اللهجة، أو اللون أو الثقافة أو القومية أو الديانة أو العرق أو الجنس، إذ يتوجب على كل فرد احترام حياة الأفراد الآخرين، والتعامل معهم وفق القيم الإنسانية المبنية على العدل والمساواة، دون ترهيب المختلف أو تعريضه للعنف سواء أكان مادياً أم لفظياً، أو خلق تهديد يطال حياته وعائلته، أو ممتلكاته, فقط لكونه مختلفاً مذهبياً أو دينياً أو عرقياً.
لمفهوم التعايش السلمي روّاد تاريخيون, إذ تعتبر نظرية ” التطور السلمي ” بمثابة اللبنة الأساسية لأطروحة التعايش السلمي التي عُدِّلتْ مِنْ قِبل جون فوستر دلاس بالاستناد للفكرة التي كان قد أنشأها في الأصل جورج كينان, الذي بدوره اقترح أن الكتل الاشتراكية والرأسمالية يمكن أن تصل إلى حالة من التعايش السلمي في برقية طويلة كتبها في 22 فبراير عام 1946, كما ترجّح مصادر تاريخية أنَّ خروتشوف كان من أوائل الداعيين للتعايش السلمي وذلك عقب وفاة ستالين, كما كان للاتحاد السوفيتي دور بارز في تطوير مفاهيم التعايش السلمي, إذ راح يطبّقها في المقام الأول في سياق السياسة الخارجية الماركسية اللينينية, وتبنّتها فيما بعد الدول الاشتراكية المتحالفة مع الاتحاد السوفيتي.
أما فيما يتعلق بالمفكرين والرُوَّاد المعاصرين فيأتي المفكر عبدلله أوجلان بأطروحته الأمة الديمقراطية في مقدمة المفكرين المعاصرين من دُعاة التعايش السلمي, إذ تتطرَّق الأطروحة لكل مفاصل الحياة اليومية في المجتمعات الغنية بالأعراق المختلفة والإثنيات والأديان والقوميات, حيث يُشخِّص السيد أوجلان في أطروحته “الأمة الديمقراطية” غالبية المعوقات التي كانت بمثابة نقطة الارتكاز لسياسات التفريق من قبل الدولة الحاكمة فيما بين المجتمع بكل أطيافه بدءاً بتعريتها عبر تحليل المقومات التاريخية لها, وصولاً لتقديم حلول عصرية من شأنها خلق حياة كريمة فيما بين المختلفين مذهبياً وعرقياً و دينياً من ذوي الانتماء لذات الجغرافيا.
نظرية الأمةِ الديمقراطية للمفكر عبد الله أوجلان:
إنّ نظريةَ الأمةِ الديمقراطيةِ تُعنى بأهميةِ المجموعةِ والجماعةِ والمجتمعِ المدنيِّ بقدر أهميةِ المواطن، وتُضَمِّنُ وجودَهم بالدستور. وهي تعتقد بأنّ مصطلحَ المواطنِ المجردِ هو ثرثرةٌ ليبرالية، وأنّ المواطنَ لن يكتسبَ معنىً ملموساً إلا بانتسابِه إلى مجموعةٍ أو جماعةٍ أو مجتمعٍ مدنيّ.
أريد أن أوضح وأطرح بنفس الوقت؛ أن كفاحات الأمةِ المتطلعةِ إلى الدولةِ وكفاحات الدولةِ المتطلعةِ إلى الأمةِ هي المؤثِّرُ المِحوريُّ في الواقعِ الدمويِّ للعصر. وتحقيقُ مُلاقاةِ الأمةِ مع السلطةِ والدولة، هو منبعُ قضايا عصرِ الحداثة. وإذا ما قارنّا تلك القضايا مع القضايا الناجمةِ من الدولِ الديكتاتوريةِ والسلالاتية، فسنَجِدُ أنّ القضايا في عصرِ الحداثةِ تنبعُ من أمةِ الدولة، وأنّ هذا الوضعَ يُشَكِّلُ أكبرَ فارقٍ بينهما. إذ تُعرَضُ الدولةُ القومية، التي هي إحدى أشدِّ المواضيعِ تعقيداً في علمِ الاجتماع، وكأنها عصا سحريةٌ وأداةٌ قادرةٌ على حلِّ جميعِ القضايا المناهِضةِ للحداثة بمجردِ لَمسِها. في حين أنها مضموناً تَجعَلُ من القضيةِ الاجتماعيةِ الواحدةِ أَلفاً، بسببِ تسريبِها جهازَ السلطةِ حتى أدقِّ الأوعيةِ الشعريةِ للمجتمعات. والسلطةُ بحَدِّ ذاتِها تُفرِزُ المشاكل، وتنمُّ عن القمعِ والاستغلالِ كقضايا اجتماعية، نظراً لطابعِها الكمونيِّ لرأسِ المال المُنَظَّمِ في هيئةِ العنف, ذلك أنّ مجتمعَ الأمةِ النَّمَطيّةِ الذي تَرمي إليه الدولةُ القومية، يُنشِئُ مواطنين مُصطَنَعين ومُزَيَّفين، مشحونين بالعنف، يَبدون متساوين (حقوقياً كما يُزعَم)، إذ عُمِلَ على مُساواتِهم ببعضِهم بعضاً ببَترِ جميعِ أعضاءِ المجتمعِ بمِنشارِ السلطة. هذا المواطنُ متساوٍ مع غيرِه حسبَ التعبيرِ القانونيّ، لكنه يعاني أقصى درجاتِ اللامساواةِ في جميعِ ميادينِ الحياةِ فرداً وكياناً جماعياً.
إنّ تنظيمَ الحداثةِ الرأسماليةِ لنفسِها كدولةٍ قومية، يؤدي دوراً قمعياً واستغلالياً أكبر من تنظيمِها لذاتِها كاحتكارٍ اقتصاديّ, من هنا فالنقصانُ الفادحُ والتحريفُ الأوليُّ للماركسيةِ خصوصاً وللسوسيولوجيا عموماً، يتجسدان في القصورِ عن رؤيةِ أواصرِ الدولةِ القوميةِ مع القمعِ والاستغلال، أو في تقديمِ الدولةِ القوميةِ كمؤسسةٍ اعتياديةٍ جداً في البنيةٍ الفوقية. ولدى القيامِ بتحليلِ الطبقاتِ ورأسِ المالِ الماديِّ بنحوٍ مستقلٍّ عن الدولةِ القومية، فإنه يُعَدُّ تعميماً تجريدياً أَعشَماً وفَجّاً وعاجزاً عن إفرازِ أيةِ نتيجةٍ اجتماعيةٍ مثمرة. وهذا التجريدُ يتخفّى وراءَ فشلِ الاشتراكيةِ المشيّدة, أو بالأحرى، النتائجُ المرتبطةُ بهذا التجريدِ قد لعبَت دورَها في فشلِها.
الأمةُ اصطلاحاً هي شكلُ المجتمعِ الذي يَلي تَحَوُّلَ الكلاناتِ والعشائرِ وقبائلِ القُربى إلى كياناتٍ كالقومِ أو الشعبِ أو المِلَّة، والذي غالباً ما يُصَنِّفُ ذاتَه وفقَ تَشابُهِ اللغةِ والثقافة. والمجتمعاتُ الوطنية أوسعُ نطاقاً وأكبرُ حجماً من مجتمعاتِ القبائلِ والأقوام, ولهذا فهي تجمعاتٌ بشريةٌ تَربطُها ببعضِها بعضاً روابطٌ رخوة. المجتمعُ الوطنيُّ هو بالأغلب ظاهرةٌ من ظواهرِ عصرِنا, وإذا ما صِيغَ تعريفٌ عامٌّ له، فبالإمكانِ القولُ إنه تَجَمُّعٌ مِمَّن يتشاطرون ذهنيةً مشتركة, أي أنه ظاهرةٌ موجودةٌ ذهنياً, بالتالي فهو كيانٌ مجردٌ وخياليّ, وباستطاعتِنا تسميته أيضاً بالأمةِ المُعَرَّفةِ على أساسِ الثقافة. هذا هو التعريفُ الصائبُ سوسيولوجياً. فبأعمِّ الأشكال، ومن أجلِ التحولِ إلى أمة، يَكفي أنْ يتكوَّنَ عالَمٌ ذهنيٌّ وثقافيٌّ مشترك، على الرغمِ من اختلافِ الطبقاتِ أو الجنسِ أو اللونِ أو الأثنيةِ أو حتى اختلافِ جذورِ الأمة. ولزيادةِ تعقيدِ هذا التعريفِ العامِّ للأمة، فإنّ أمةَ الدولة، أمةَ القانون، الأمةَ الاقتصادية، والأمةَ العسكريةَ (مِلّة الجيش) وغيرَها، تُعَدُّ تصنيفاتٍ أخرى للميولِ القوميةِ المُشتَقةِ التي تُحَصِّنُ الأمةَ العامة, وبالمقدورِ تسميتها بأممِ القوةِ أيضاً, ذلك أنّ التحولَ إلى أمةٍ قويةٍ يُعَدُّ غايةً نموذجيةً وأساسيةً للحداثةِ الرأسمالية, حيث تُسفرُ الأمةُ القويةُ عن امتيازاتِ رأسِ المالِ والسوقِ الواسعةِ وفُرَصِ الاستعمارِ والإمبريالية. بناءً عليه، فمن الأهميةِ بمكان عدم النظر إلى هكذا أممٍ مُحَصَّنةٍ على أنها النموذجُ الوحيدُ للأمة، بل ينبغي تناولها بأنها أممُ القوةِ الشوفينية، والأممُ المُسَخَّرةُ لرأسِ المال. وتشكيلُها لمنبعِ المشاكلِ يُعزى أصلاً إلى سماتِها هذه. أما نموذجُ الأمةِ الديمقراطية، فهو النموذجُ القابلُ للاشتقاقِ من الأمةِ الثقافية، والذي يَلجمُ القمعَ والاستغلالَ ويدحضُهما. فالأمةُ الديمقراطيةُ هي الأمةُ الأقرب إلى الحريةِ والمساواة, وتأسيساً على هذا التعريف، فهي تُشَكِّلُ مفهومَ الأمةِ المُثلى للمجتمعاتِ الهادفةِ إلى الحريةِ والمساواة.
إنّ عدم قيامِ الحداثةِ الرأسماليةِ وعلمِ السوسيولوجيا المُستقى منها بتناولِ صنفِ الأمةِ الديمقراطية، إنما هو بحُكمِ بُنيتِهما وهيمنتِهما الأيديولوجية, ذلك أنّ الأمةَ الديمقراطيةَ هي تلك الأمةُ التي لا تكتفي بالشراكةِ الذهنيةِ والثقافيةِ فحسب، بل وتُوَحِّدُ كافةَ مُقَوِّماتِها وتُديرُها في ظلِّ المؤسساتِ الديمقراطيةِ شبهِ المستقلة, هذا هو الجانبُ المُعَيِّنُ فيها, أي أنّ طرازَ الإدارةِ الديمقراطيةِ وشبهِ المستقلة، هو الشرطُ الرئيسيُّ في لائحةِ صَيرورةِ الأمةِ الديمقراطية, وهي بجانبِها هذا بديلٌ للدولةِ القومية. فالإدارةُ الديمقراطيةُ البديلةُ لحُكمِ الدولةِ فرصةٌ عظيمةٌ للحريةِ والمساواة. في حين أنّ السوسيولوجيا الليبراليةَ تُطابِقُ الأمةَ أساساً مع دولةٍ مُشادة أو مع حركةٍ تَهدفُ إلى تشييدِ دولة. وكَونُ حتى الاشتراكيةِ المشيدةِ سارت في هذا المنحى، هو مؤشرٌ على مدى قوةِ الأيديولوجيا الليبرالية. أما الحداثةُ البديلةُ في الأمةِ الديمقراطية، فهي العصرانيةُ الديمقراطية. في حين يُشَكِّلُ الاقتصادُ المُطَهَّرُ من الاحتكار، والأيكولوجيا الدالةُ على التناغمِ مع الطبيعة، والتقنيةُ الصديقةُ للطبيعةِ والإنسان؛ يُشَكِّلُ الأرضيةَ المؤسساتيةَ للعصرانيةِ الديمقراطية، وبالتالي للأمةِ الديمقراطية.
ظاهرتا الوطنِ المشتركِ والسوقِ المشتركةِ المطروحتان كشرطٍ أساسيٍّ للمجتمعاتِ الوطنية بوصفِهما عاملاً مادياً، لا تُعتَبَران سمةً مُحَدِّدةً للأمة, فمثلاً وبالرغمِ من بقاءِ اليهودِ بلا وطنٍ حقبةً طويلةً من الزمن، إلا أنهم عاشوا مدى التاريخِ في كافةِ الأقاصي الثريةِ من المعمورةِ كأقوىِ أمة, ورغمَ عدمِ امتلاكِهم سوقاً وطنية، إلا أنهم عَرِفوا كيف يصبحون الأمةَ الوحيدةَ الأقوى في أسواقِ العالَمِ جمعاء. ما من شكٍّ في أنّ الوطنَ والسوقَ أداتان تحصينيتان منيعتان جداً من أجلِ أمةِ الدولة. وقد شُنَّت أكثرُ الحروبِ عدداً وأشدُّها دمويةً في التاريخِ في سبيلِهما, فالوطنُ ثمينٌ جداً كساحةِ مُلك، والسوقُ نفيسةٌ جداً كميدانٍ يَدُرُّ الربح. أما مفهومُ الوطنِ والسوقِ في الأمةِ الديمقراطية، فهو مغاير, إذ تَنظرُ الأمةُ الديمقراطيةُ بعينِ التثمينِ إلى الوطن لأنه فرصةٌ عظيمةٌ من أجلِ ذهنيةِ الأمةِ وثقافتِها، بحيث يستحيلُ التفكيرُ في ذهنيةٍ أو ثقافةٍ لا مكانَ للوطنِ في ذكرياتِها وذاكرتِها, ولكن يجب ألاّ ننسى قطعياً أنّ مصطلحَ الوطنِ أو البلد، الذي أَضفَت الحداثةُ الرأسماليةُ مسحةً من الفَاشيّةِ عليه، وصَيَّرَته أعلى مَنزِلةً من المجتمع؛ يَهدفُ إلى الربحِ والكسب. لذا من المهمِّ عدم المغالاةِ في الوطن, فمفهومُ “كلُّ شيءٍ في سبيلِ الوطن” ينبعُ من مفهومِ الأمةِ الفاشية, والأجدرُ هو نَذرُ كلِّ شيءٍ في سبيلِ مجتمعٍ حرٍّ وأمةٍ ديمقراطية. هذا ومن الضروريِّ عدم إعلاءِ ذلك أيضاً إلى مستوى العبادة, فلُبُّ الأمرِ يكمنُ في تصيير الحياةِ قَيِّمَةً ثمينة, أي أنّ الوطنَ ليس غاية، بل هو مجردُ وسيلةٍ بالنسبةِ لحياةِ الأمةِ والفرد. وبينما تَنساقُ أمةُ الدولةِ وراءَ المجتمعِ النمطيّ، فغالباً ما تتألفُ الأمةُ الديمقراطيةُ من التجمعاتِ والكياناتِ المختلفة، وترى اختلافاتِها مصدرَ غِنى. والحياةُ بذاتِ عينِها ممكنةٌ أصلاً بالاختلاف, والدولةُ القوميةُ، التي تُرغِمُ على صيرورةِ نمطٍ واحدٍ من المواطنِ وكأنه خرجَ من مِخرطةٍ واحدة، مُناقِضةٌ للحياةِ بجانبِها هذا أيضاً. ذلك أنّ هدفَها النهائيَّ هو خلقُ إنسانٍ آليّ. وهي في الحقيقةِ بمَنحاها هذا تنساقُ صوب الفناءِ والعَدَم. أما مواطنُ أو عضوُ الأمةِ الديمقراطية فهو مختلف, وينتهلُ اختلافَه هذا من مختلفِ التجمعات. وحتى وجودُ العشائرِ والقبائلِ أيضاً يُعَدُّ مصدرَ غنىً بالنسبةِ للأمةِ الديمقراطية.
وإلى جانبِ أهميةِ اللغةِ بقدرِ الثقافةِ من أجلِ كينونةِ الأمة، إلا أنها ليست شرطاً حتمياً, فالتبعيةُ إلى لغاتٍ مختلفةٍ ليست عائقاً أمام الانتماءِ إلى الأمةِ عينِها. وهكذا لا معنى للاقتصارِ على لغةٍ أو لهجةٍ واحدةٍ من أجلِ كلِّ أمة. من هنا، وإلى جانبِ ضرورةِ اللغةِ القومية، لكنها ليست شرطاً حتمياً, بل بالمستطاعِ النظر إلى تعددِ اللغاتِ واللهجاتِ بعينِ الغِنى بالنسبةِ إلى الأمةِ الديمقراطية, لكنّ الدولةَ القوميةَ تَعملُ أساساً بإرغامِ اللغةِ الواحدةِ بمنوالٍ صارم، ولا تُتيحُ الفرصةَ يسيراً للتعددِ اللغويّ، وخاصةً لتعددِ اللغاتِ الرسمية, بل تسعى بجانبِها هذا إلى الاستفادةِ من امتيازاتِ كينونةِ الأمةِ الحاكمة.
بالوِسعِ الحديثُ عن أمةِ القانونِ مفهوماً ووِفاقاً، في الأجواءِ التي يتعسرُ على الأمةِ الديمقراطية النماءُ فيها، والتي تَعجزُ الدولةُ القوميةُ عن حلِّ القضايا ضمنها. وما الحلُّ الذي يُعَبَّرُ عنه بصيغةِ “المواطَنةِ الدستوريةِ” في حقيقتِه، سوى حلٌّ مرتكزٌ إلى أمةِ القانون. فالمواطَنةُ القانونيةُ المُحَصَّنةُ بضمانٍ دستوريّ، لا تَتَّخذُ من التمييزِ العِرقيِّ أو الأثني أو القوميِّ أساساً. وهكذا خصائص لا تُوَلِّدُ الحقوق. وأمةُ القانونِ معيارٌ مُتَنامٍ بجانبِها هذا. ونخصُّ في هذا الصددِ الأممَ الأوروبيةَ التي تنتقلُ تدريجياً من الأممِ المِلّيةِ صوبَ أممِ القانون. الأساسُ في الأممِ الديمقراطية هو الإدارةُ شبهُ المستقلة، وفي أمةِ القانون هو الحقوق. أما في الدولةِ القومية، فالمُعَيِّنُ هو حُكمُ السلطة. في حين أنّ النموذجَ الأخطرَ للأمةِ يتشكلُ مع ذهنيةِ “مِلّة الجيش” ومؤسساتها. فهذا النموذج من الأمة، وعلى الرغمِ من مَظهرِه الذي يُوحي بأنها تُمَثِّلُ الأمةَ القوية؛ إلا أنه يُعبِّرُ مضموناً عن أمةٍ لا يُطاقُ العيشُ فيها، ويحتوي بين طياتِه ذهنيةً تفرضُ الوظائفَ بالإرغامِ وتَصِلُ حدَّ الفاشية. أما الأمةُ الاقتصادية، فهي تصنيفٌ قريبٌ من الدولةِ القومية, ومفهومُ الأمةِ هذا في البلدانِ التي تَعتَرفُ بالدورِ الرئيسيِّ والمِحوريِّ للاقتصاد، كأمريكا واليابان وحتى ألمانيا، كان أكثر رسوخاً في أوروبا ماضياً. في حين، يتعسرُ القولُ بنجاحِ صنفِ الأمةِ الاشتراكية فيها، على الرغمِ من محاولاتِ تجريبِه. وهو مثالٌ نُصادفُه جزئياً في كوبا، ولكنه الشكلُ الاشتراكيُّ المشيَّدُ للدولةِ القومية, أي أنه شكلٌ تَحلُّ فيه الدولةُ القوميةُ التي تَطغى عليها رأسماليةُ الدولة، مَحلَّ الدولةِ القوميةِ التي تَسُودُها الرأسماليةُ الخاصة.
الخاصيةُ التي ينبغي توخي الحساسيةِ في تصنيفِها لدى وضعِ نظريةِ الأمةِ في الأجندة، هي حقيقةُ تقديسِ وتأليهِ الأمة. فالحداثةُ الرأسماليةُ قد أَنشَأَت ألوهيةَ الدولةِ القوميةِ بالتحديد، بدلاً من الدينِ والإلهِ التقليديَّين. هذه نقطةٌ جدُّ مهمة, فإذا ما فسَّرنا الأيديولوجية القومويةَ بكونِها دينَ الدولةِ القومية، فسنتمكنُ من الإدراكِ أنّ الدولةَ القوميةَ نفسَها هي إلهُ هذا الدين. والدولةُ بالذات قد شُيِّدَت في عصرِ الحداثةِ بمنوالٍ يَحتوي زُبدةَ كافةِ مصطلحاتِ الألوهيةِ السائدةِ في العصورِ الوسطى، بل وحتى في العصورِ الأولى أيضاً. فالظاهرةُ المسماةُ بـ”الدولةِ العلمانيةِ” ما هي إلا تشييدٌ أو تجسيدٌ عينيٌّ لجميعِ ألوهياتِ العصورِ الأولى والوسطى، أو هي خُلاصتُها كدولة. يجب عدم الانخداعِ في هذا الموضوعِ بتاتاً, وإذا ما نَبَشنا في طِلاءِ الدولةِ القومية، علمانيةً كانت أم عصرية، فستظهرُ من تحتِه الدولةُ الألوهيةُ السائدةُ في العصورِ الوسطى والأولى. إذاً، ثمة عُرى وثيقةٌ للغاية بين الدولةِ والألوهية, وبنفسِ المنوال، هناك علاقةٌ متينةٌ جداً بين مُلوكِ العصورِ الأولى والوسطى من جهة، ومصطلحِ الإلهِ من الجهةِ الثانية. ولدى زوالِ تأثيرِ شخصِ المَلِكِ عقبَ العصورِ الوسطى، ولدى تَحَوُّلِ المَلَكِيات إلى مؤسساتٍ ثم إلى دولٍ قومية؛ فقد تنحى الإلهُ– المَلِكُ أيضاً عن مكانِه لإلهِ الدولةِ القومية. تأسيساً عليه، فما يتوارى خلفَ تقديسِ مؤسساتِ الدولةِ القوميةِ بنحوٍ مشابِهٍ لتقديسِ مصطلحاتِ الوطنِ والأمةِ والسوق، هو الهيمنةُ الأيديولوجيةُ للحداثةِ الرأسمالية، والتي تُمَكِّنُها من حصدِ الربحِ الأعظم. ذلك أنّه بقدرِ ما تُحَوِّلُ الهيمنةُ الأيديولوجيةُ تلك المصطلحاتِ المعنيةِ بالأمةِ إلى دين، فهي تستطيعُ بذلك شرعنةَ قانونِ الربحِ الأعظم، وتَجعلُه قيدَ التنفيذ.
والهتافُ بشكلٍ يَصُمُّ الآذانَ بالشعاراتِ والرموزِ الأساسيةِ للدولةِ القوميةِ في عصرِنا، من قبيلِ “عَلَمٌ واحد”، “لغةٌ واحدة”، “وطنٌ واحد”، “دولةٌ واحدة”، و”دولةٌ مركزيةٌ واحدة”؛ وكذلك تَحَسُّسُ العيونِ من الأعلامِ ذاتِ الألوانِ المُغايِرة، واستصغارُها؛ وتصيير العالَمِ الذهنيِّ مارداً ومَعطوباً؛ وتأجيجُ نعرةِ الشوفينيةِ القومية، والإعلاءُ من شأنِها لدرجةِ جعلِها طقوساً تُطلَقُ في كلِّ تظاهُرة، وخاصةً في الأنشطةِ الرياضيةِ والفنية؛ كلُّ ذلك يتوجبُ تقييمُه بأنه أشكالُ العبادةِ في الدينِ القومويّ. في الحقيقة إن عبادات العصورِ القديمةِ أيضاً كانت تؤدي الوظيفةَ نفسَها. المَرامُ الأصلُ هنا هو تأمينُ سَرَيانِ منافِعِ احتكاراتِ السلطةِ ورأسِ المال، وتَمريرُها إما خِفيةً أو بتقديسِها وشرعنتِها. من هنا، نستطيعُ استيعابَ حقيقةِ الواقعِ الاجتماعيِّ بنحوٍ سديدٍ أكثر، إذا ما تناولنا جميعَ المقارباتِ والممارساتِ الراهنةِ المبالِغةِ والمُوارِيةِ المعنيةِ بالدولةِ القوميةِ مُؤَطَّرةً بهذه البراديغما الأساسية.
الأمةُ الديمقراطيةُ هي نموذجُ الأمةِ الذي يُعاني بأقلِّ الدرجات من هذه الأمراض. فهذا النموذج لا يُقَدِّسُ إدارتَه، لأنّ الإدارةَ فيه ظاهرةٌ شفافة مُسَخَّرةٌ لخدمةِ الحياةِ اليومية. والجميعُ فيه مُؤَهَّلٌ لأنْ يَكُونَ موظفاً إدارياً، في حالِ تلبيتِه المتطلباتِ والمقتضيات. أي أنّ الإدارةَ فيه قَيِّمة، لكنها ليست مقدَّسة. ومفهومُ الهويةِ الوطنيةِ فيه منفتحُ الأطراف، وليس كعضويةٍ أو عقيدةٍ دينيةٍ منغلقة. والانتماءُ فيه إلى أمةٍ ما، ليس امتيازاً ولا عَيباً, بل يُمكن الانتماء فيه إلى عدةِ أمم. أو بالأصح، قد تُعاشُ فيه قومياتٌ مختلفةٌ متداخلة, إذ بمقدورِ الأمةِ الديمقراطيةِ وأمةِ القانونِ أنْ تعيشا سوية، وبكلِّ يُسر، في حالِ تمكينِ الوِفاقِ بينهما. أما الوطنُ والعَلَمُ واللغة، وإلى جانبِ قيمتِهم العالية، لكنهم ليسوا مقدَّسين. والعيشُ في ظلِّ تشاطُرِ الوطنِ المشترك واللغاتِ والأعلامِ المشتركةِ بشكلٍ متداخلٍ على دربِ الصداقةِ بدلَ التضاد، ليس ممكناً فحسب، بل وإنه من ضروراتِ حياةِ المجتمعِ التاريخيّ. من هنا، فظاهرةُ الأمةِ الديمقراطيةِ بكلِّ مزاياها هذه، تأخذُ مكانَها ومكانتَها في التاريخِ ثانيةً كبديلٍ قويٍّ للدولتيةِ القومية، التي هي آلةُ حربٍ طائشةٍ وجنونيةٍ في يَدِ الحداثةِ الرأسمالية.
نموذجُ الأمةِ الديمقراطيةِ باعتبارِه نموذجاً حَلاّلاً، يُنعِشُ ثانيةً دمقرطةَ العلاقاتِ الاجتماعيةِ التي مَزَّقَتها النزعةُ الدولتيةُ القوميةُ إرباً إرباً، ويُفعِمُ الهوياتِ المتباينةَ بروحِ الوفاقِ والسلامِ والسماحة, لذا، فانعطافُ أمةُ الدولةِ صوب الأمةِ الديمقراطية، سيَجلبُ معه مكاسب عظمى, فنموذجُ الأمةِ الديمقراطيةِ يتسلحُ بوعيٍ مجتمعيٍّ سديدٍ للقيامِ أولاً بتطويعِ الإدراكاتِ المجتمعيةِ المشحونةِ بالعنف، ثم لتصييرها إنسانية (الإنسان العاقل والمفعم بالمشاعر، الذي يشعر بالآخرِ ويتقمصُه). لا ريب أنّ هذا النموذجَ يُقَلِّلُ كثيراً من علاقاتِ الاستغلالِ المُطَعَّمةِ بالعنف، رغم أنه لا يقضي عليها كلياً, ويحقق ذلك بإتاحتِه الفرصةَ لمجتمعٍ أكثر حريةً ومساواة. إنه لا يؤدي وظيفتَه هذه بالاقتصارِ فقط على استتبابِ الأمنِ والسلامِ والسماحِ بين صفوفِه، بل وبتخطّيه أيضاً للمقارباتِ المُشَرَّبةِ بالقمعِ والاستغلالِ تجاه الأممِ الأخرى خارجياً، وبتحويلِه المصالحَ المشتركةَ إلى تداؤبٍ وتضافُر. لدى هيكلة المؤسساتِ الوطنيةِ والعالميةِ بناءً على البنيةِ الذهنيةِ والمؤسساتيةِ الأساسيةِ للأمةِ الديمقراطية، فسوف يُدرَكُ أنّ النتائجَ التي ستُسفِرُ عنها الحداثةُ الجديدة، أي العصرانيةُ الديمقراطية، ستَكُونُ بمثابةِ النهضة، ليس نظريّاً فحسب، بل وعملياً أيضاً, أي إنّ بديلَ الحداثةِ الرأسماليةِ هو العصرانيةُ الديمقراطية، والأمةُ الديمقراطيةُ الكامنةُ في أساسِها، والمجتمعُ الاقتصاديُّ والأيكولوجيُّ والسِّلميُّ المنسوجُ داخلَ وخارجَ ثنايا الأمةِ الديمقراطية.
السبيلُ الأخلاقيُّ والسياسيُّ الصائبُ على الإطلاقِ للنفاذِ من أزمةِ رأسِ المالِ الماليِّ العالميّ، هو الإنشاءُ السريعُ للأممِ الديمقراطيةِ الجديدةِ بمزاياها المناسبة للحل بنحوٍ متفوقٍ وخارق، عوضاً عن بناءِ الدولةِ القومية، التي باتت جوفاء أو أُفرِغَت من محتواها راهناً؛ وعوضاً عن اتحاداتِها الإقليميةِ والعالمية، وبالأخصِّ هيئة الأمم المتحدة. وهو لا يقتصرُ على إقامةِ الأمةِ الديمقراطيةِ مقامَ الدولةِ القوميةِ الواحديةِ أو على اعتبارِها حالتَها المُحَوَّلة فحسب؛ بل وينسحبُ على تطويرِ النماذجِ الإقليميةِ (الاتحاد الأوروبيّ يسيرُ في هذا المنحى نسبياً) والعالميةِ أيضاً بشكلٍ متداخل.
تعريف الأمة الديمقراطية:
الأمةِ الديمقراطيةِ هي التي تتألف من الأفرادِ الذين يتشاطرون حقوقَهم وحرياتِهم الرئيسيةَ بالتساوي، بقدرِ ما تتألفُ من شتى أنواعِ الثقافاتِ والأثنياتِ والأديان (مفهوم الهوية المرنة والمنفتحة الأطراف)، والمستندةِ بالتالي إلى دعامةِ وحدةِ الحقوقِ الفرديةِ والجماعية؛ هذا التعريفُ يتحلى بالقدرةِ على تأمينِ التكامُلِ الأشملِ ضمن تناغُمٍ مع تعريفِ الوطنِ المشترك.
وإلى جانبِ هذه الخصائصِ العامة، بمقدورِنا إعادة ترتيبِ بعضِ المبادئِ الأساسيةِ لحلِّ الأمةِ الديمقراطية:
1 – الأمة الديمقراطية:
تُعَبِّرُ عن حالةِ الأمةِ في المجتمعِ الديمقراطيِّ الذي لا يستندُ إلى لغةٍ أو أثنيةٍ أو طبقةٍ معينة، ولا يرتكزُ إلى الدولة، بل هو متعددُ اللغاتِ ومتنوعُ الأثنيات، ولا يتيحُ المجالَ للتمايزِ الطبقيِّ أو لامتيازِ الدولة، بل يعتمدُ على الأفرادِ الأحرارِ والمتساوين. فالأمةُ الديمقراطيةُ تتكونُ من المواطنِ الديمقراطيِّ والجماعاتِ الديمقراطية. وهي تعمَلُ أساساً ببراديغما الأمةِ المرنةِ المتألفةِ من الهوياتِ الثقافيةِ المنفتحةِ الأطراف.
2 – الوطن المشترك (الوطن الديمقراطيّ):
يُعَبِّرُ عن مجموعِ الأوطانِ التي تتمُّ مشاطرتُها بحريةٍ ومساواة، بحيث لا يُقصي شخصٌ شخصاً آخر، ولا تُقصي مجموعةٌ مجموعةً أخرى.
3 – الجمهورية الديمقراطية:
تُعَبِّرُ عن انفتاحِ الدولةِ على المجتمعِ الديمقراطيِّ والفردِ الديمقراطيّ. فتنظيمُ الدولةِ ظاهرةٌ مختلفةٌ عن التنظيمِ الديمقراطيِّ للفرد, بالتالي فهي تتَّخِذُ من احترامِ كلٍّ منهما شرعيةَ الآخرِ أساساً لها.
4 – الدستور الديمقراطيّ:
وهو الدستورُ المُعَدُّ بتوافقٍ اجتماعيٍّ يعملُ أساساً بحمايةِ المواطنِ الديمقراطيِّ والجماعاتِ الديمقراطيةِ في وجهِ الدولةِ القومية.
5 – التحام الحقوقِ والحريات الفردية والجماعية:
مثلما أنّ المجتمعَ المتكونَ من الأفرادِ أمرٌ مختلفٌ عن إجماليِّ أو مجموعِ أولئك الأفراد، فالحقوقُ الفرديةُ والجماعيةُ أيضاً تُعَبِّران عن وجهَين مختلفَين للمجتمعِ نفسِه، رغمَ أوجُهِ الاختلافِ بينهما. فمثلما ما مِن ميداليةٍ بوجهٍ واحد، كذا لا وجودَ لمجتمعٍ ذي حقوقٍ جماعيةٍ فقط، ولا وجودَ لأفرادٍ ذوي حقوقٍ فرديةٍ فحسب.
6 – الحريةُ الأيديولوجية والاستقلالُ الأيديولوجيّ:
محالٌ تطبيقُ حلِّ الأمةِ الديمقراطية، من دونِ تخطّي الهيمنةِ الأيديولوجيةِ الوضعيةِ للحداثةِ الرأسماليةِ والعبوديةِ الليبراليةِ المُعاد إنشاؤُها في هيئةِ الفردية, والوعيُ الذاتيُّ بخصوصِ الطبيعةِ الاجتماعيةِ للذات، إنما هو شرطُ وعيِ الحلّ القوميِّ الديمقراطيّ.
7– التاريخانية والحاضرية:
الوقائعُ الاجتماعيةُ وقائعٌ تاريخية, فالوقائعُ المُعاشةُ في التاريخِ تُعاشُ أيضاً في الحاضرِ وفيما هو يوميٌّ راهن، مع فارقٍ بسيطٍ جداً. ومن دونِ عقدِ الأواصرِ بين التاريخِ والحاضرِ بمنوالٍ صحيح، لا يُمكنُ تخطّي الفرديةِ المُجَرَّدةِ من التاريخِ في الحداثةِ الرأسمالية، ولا تجاوز ذهنيةِ المجتمعِ النمطيةِ واللحظيةِ والحاضرية. من هنا، فالاستيعابُ السليمُ للتاريحِ والحاضر، شرطٌ ضروريٌّ من أجلِ حلِّ الأمةِ الديمقراطية.
8– الأخلاق والضمير:
مستحيلٌ البلوغُ بأيةِ قضيةٍ اجتماعيةٍ إلى حلٍّ صائبٍ وقويم، ما لَم يُلجَأْ إلى الأخلاقِ والضمير. وحلولُ الحداثةِ في القوةِ والقانونِ بمفردِها، لن تُثمرَ عن نتيجةٍ أبعد من طمسِ القضايا وتشويهِها. إنّ التقمصَّ العاطفيَّ والشعورَ بالآخر، والذي ينبعُ من الأخلاقِ والضمير، شرطٌ أوليٌّ في حلِّ الأمةِ الديمقراطية.
9– الدفاعُ الذاتيُّ في الديمقراطيات:
مثلما أنه لا وجود لكيانٍ بلا دفاعٍ ذاتيّ، كذا فالمجتمعاتُ الديمقراطية التي تُعتَبَرُ الكيانَ الأرقى في الطبيعة، لن تتحققَ ولن تستمرَّ بوجودِها من دونِ دفاعٍ ذاتيّ. لذا، يجب تلبية متطلباتِ مبدأِ الدفاعِ الذاتيِّ بالتأكيد، في الحلولِ القوميةِ الديمقراطية.
هذه المواقفُ المبدئية، التي ينبغي تطويرها أكثر، تُؤَمِّنُ تعرُّفَنا على حلٍّ الأمةِ الديمقراطيةِ عن كثب. هذه المبادئُ التي يَضَعُها الاتحادُ الأوروبيُّ أيضاً في جدولِ أعمالِه دوماً بنحوٍ طبيعيٍّ وتدريجيّ، هي حقاً بمثابةِ العلاجِ الشافي، سواءً بالنسبةِ للقضايا الاجتماعيةِ في الشرقِ الأوسطِ عموماً، أم من أجلِ القضيةِ الاجتماعيةِ الكرديةِ بالأكثر, والحلُّ الديمقراطيُّ، الذي سيُصاغُ ويُطَبَّقُ في كردستان على أرضيةِ هذه المبادئِ وعلى مسارِ تعريفِ الحياةِ القوميةِ الديمقراطية، يتميّزُ بأهميةٍ تاريخية.
دخول تركيا سياقَ الدمقرطة، والحلُّ الديمقراطيُّ في القضيةِ الكردية، هما بمثابةِ وجهَي الميدالية, حيث لا وجهَ من دونِ الآخر. سيَكونُ الأمرُ منيراً أكثر، فيما لو حاولنا إسقاطَ أبعادِ الحلِّ على تركيا بنحوٍ عينيٍّ أكثر. قبل كلِّ شيء، لا يمكن غضّ النظرِ عن الموقفِ المبدئيِّ المذكورِ والمُكَرَّرِ أعلاه باقتضاب. ذلك أنّ الحلولَ المجردةَ من المبدأِ والنظام، لن تَكُونَ مفهومة، ولن تُسفِرَ عن نتيجةٍ أبعد من كونِها مُداواةً بالتضميدِ اليوميِّ المؤقت. إنّ الحلَّ الذي يُعتَقَدُ به، هو حلٌّ محتمَلٌ يُدافَعُ عن تطبيقِه وعيشِه على مدارِ هذا السياقِ البنيويِّ برمّته، سواءً تبعثَرَ النظامُ الرأسماليُّ الغربيُّ المهيمنُ أم استمر.
الخاصيةُ الأولى: إذاً؛ يتمُّ هنا اقتراحُ حلٍّ يَدومُ طيلةَ سياقِ المدنيةِ الغربية، بل وقابلٍ لتجاوزِها.
الخاصيةُ الثانية: إنه يَعترفُ بوجودِ المجتمعِ القوميِّ الديمقراطيّ، وبالتالي بشرعيتِه وقدرتِه على الحلّ؛ أياً كانت الكياناتُ البُنيويةُ والمؤسساتيةُ لعناصرِ الحداثةِ الرأسماليةِ داخلَ جمهوريةِ تركيا، وأياً كانت الاحتكاريةُ الأيديولوجيةُ الكائنةُ فيما بينها. عناصرُ الحلِّ الديمقراطيِّ المطروحِ هنا، لا تَقترحُ القضاءَ بالثورةِ على عناصرِ الحداثةِ الرأسمالية (الدولتية القومية، الرأسمالية، والصناعوية)، ولا تَقبَلُ أيضاً بالإبادةِ والصهرِ على يدِ سياسةِ القوةِ العسكريةِ التي تَتَّبِعُها تلك العناصر. هذان الكيانان والوجودان الأوليان، اللذان يعترفان بشرعيةِ بعضِهما بعضاً، يَقتَرحان ويعمَلان أساساً بالحياةِ المشتركة والتنافُسِ الخالي من النزاعِ والتصادم.
الخاصيةُ الثالثة: إنه يَطرحُ تأسيساً على الخاصيتَين السابقتَين فكرةَ استحالةِ الاستغناءِ عن مؤسسةِ السياسةِ الديمقراطية, ذلك أنّ السياسةَ الديمقراطيةَ تُشَكِّلُ أرضيةَ الحلِّ لكافةِ القضايا التي ستَظهرُ للوسط، أو تلك الموجودة أصلاً. هذا وتُدرَجُ المفاوضاتُ والدبلوماسياتُ الديمقراطيةُ أيضاً في لائحةِ السياسةِ الديمقراطية، التي يَقتضي تفعيلُها وتنشيطُها إزالةَ كلِّ العراقيلِ الموجودة. فحضورُ حريةِ الفكرِ الشاملة، والأحزابِ والنقاباتِ والتعاونياتِ ذاتِ البنيةِ الديمقراطيةِ وشتى أشكالِ المجتمعِ المدنيّ؛ أمرٌ غيرُ ممكنٍ إلا بتذليلِ العراقيلِ المنتصبة. أما تخفيضُ مستوى حاجزِ العشرة في المائة 10% في نظامِ الانتخاباتِ بنسبةٍ كبيرة، أو إزالتُه كلياً؛ فهو بمنزلةِ الضرورةِ التي لا غنى عنها.
الخاصيةُ الرابعة: ينبغي تطوير الأنظمةِ التي تُلبي ضروراتِ حقِّ الدفاعِ الذاتيِّ بشأنِ كِلا الوجودَين والكيانَين.
مبدأ الأمة الديمقراطية:
كلُّ قوميةٍ تُحَقِّقُ التكاملَ يجب أنْ تُنشَأَ كأمةٍ ديمقراطية، وليس كأُمّةٍ – دولة؛ أو أنْ تَهدفَ القومياتُ الموجودةُ إلى المرورِ بالتحولِ كأمةٍ ديمقراطية. ويمكنُ للهويةِ المنفتحةِ الأطرافِ ولمفهومِ الأمةِ المرنِ أنْ يُشَكِّلَ بدايةً كافيةً لأجلِ هذا الهدف. المهمُّ هنا هو إنشاءُ الأمةِ التي سيتحققُ التكاملُ بين أركانها، أو إطراءُ التحولِ عليها تأسيساً على الطوعيةِ الديمقراطية، وليس بإرغامِ السلطة. إنّ الحقوقَ والحرياتِ الفرديةَ والجماعيةَ على السواء، تُشَكِّلُ وجهَي الميداليةِ المُتَمِّمَين لبعضِهما بعضاً في الأمةِ الديمقراطية, وهي لا التعددية الثقافية والعرقية كأساس للأمة الديمقراطية
تحقيق التعايش السلمي عبر مبدأ الأمة الديمقراطية
حيث لا مكان للإقصاء القومي أو الطائفي
أ. مصطفى شيخ مسلم
المقدمة:
لطالما عُرف البشر منذ القدم بالصفة الاجتماعية, ما يعني بشكلٍ أو بآخر أنهم كانوا جماعات تتّسم بالتنوع إلى يومنا هذا, والتي كانت تتعايش طوال القرون الماضية جنباً إلى جنب وسط قواسم مشتركة وأخرى غير مشتركة, قواسم كانت في بعض الأحيان بمثابة اللبنة الأساسية للاندماج المجتمعي الحقيقي فيما بين فئتين مختلفتين في العرق أو المذهب أو المعتقد وفي بعض الأحيان الأخرى كانت بمثابة الشرخ الذي كان يتم استغلاله لإشعال الحروب والنعرات فيما بين الشرائح المختلفة عقائدياً أو عرقياً, وذلك لتمرير السياسات من خلالها.
مع تشييد الحضارات عبر التاريخ, كانت معضلة التنوع الثقافي والعرقي بمثابة الحجر الأساس لتمرير أي مشروع سياسي من خلال الفروقات الثقافية والمذهبية والإثنية فيما بين فئات المجتمع ككل.
مشكلة البحث: يتطرق البحث إلى التكوين المجتمعي وما يتسم به من تنوّع واختلاف فيما بين العرق والمعتقدات والمذاهب, وكل ما يميّز فئة مجتمعية عن أخرى.
أهمية البحث: إنَّ البحث يستهدف بنيان المجتمع وركائزه الأساسية من المكونات التي باجتماعها يتكون المجتمع, والخوض في سبل العيش المشترك فيما بين كل المكونات من ذوي الخلفيات المختلفة بعضها عن بعض.
أهداف البحث: يهدف البحث إلى تسليط الضوء على الجماعات التي تشاركت في الانتماء لذات الجغرافيا على امتداد مئات السنين إلى يومنا هذا, وكيفية نبذ الخلافات التي من شأنها إحداث تغييرات جذرية تطال بنية المجتمع, وذلك بالاستناد إلى دراساتٍ وأطروحات لعل أبرزها مفهوم الأمة الديمقراطية للسيد عبدالله أوجلان.
التعددية الثقافية
التعددية الثقافية ما هي إلَّا فلسفة سياسية تختزل الكثير من المفاهيم داخلها, إذ تعدّ بمثابة عقد اجتماعي غير مدوَّن فيما بين المتعايشين في ظل مفهوم التعددية الثقافية, والتي تهدف دائماً إلى تطوير التنوع الثقافي في مجتمعات تنتمي إلى خلفيات دينية أو ثقافية أو عرقية مختلفة.
والهدف منها توطيد التفاهم المشترك بين المكونات الاجتماعية بشكلٍ يرسخ تحقيق المساواة فيما بينها في الواجبات والحقوق على حدٍ سواء, كما أنَّها تسعى إلى تنظيم أمور الجماعات متعددة الانتماءات، وإكسائها شعوراً بالمكانة والقيمة والتقدير، وكذلك تهدف لتطوير الانسجام بين مختلفي الثقافات، لتخفيف حِدِّة الصِّراع الاجتماعي، والتناحر العرقي.
وُجِدَتْ التعددية الثقافية على سبيل الاستجابة للرغبة في كسب الاعتراف بالأقليات وانتماءاتها الثقافية في عصرنا الحديث, أي فيما تلى ظهور الأيديولوجيات المتطرِّفة التي لا تؤمن بالتنوع، بل تحاربه بشتَّى السبل وكذلك الأمر لا تعترف بالتعدد الواقعي، بل على النقيض من ذلك, إنَّما تنتهج نهجاً عنيفاً حدَّ المغالاة في محاولات الصهر بين المكونات المجتمعية، ما نتج عن ذلك شعور الكثير من الجماعات بالحرمان من أدنى مقومات الحياة السياسية, فضلاً عن الشعور بالتهميش، وعدم المساواة في الحقوق والمزايا السياسية، ومن أجل كل ما سبق, كانت أطروحات التعدد الثقافي بمثابة الحل الأمثل في مواجهة هذه المشاكل المستدامة، فيما لو تم تطبيقها بشكلٍ يؤدي بنتيجة الحال إلى انتشال الاحتقانات القبلية والدينية والمذهبية وكذلك الاجتماعية، فينعكس بصورة تلقائية على مكونات المجتمع بأنَّهم سواسية ومتساوون في الحقوق والواجبات، ولعل من أبرز الأمثلة الحية على ذلك الحالة المجتمعية في الهند، أميركا وكندا، وفي هذه الحالة، ينبغي إيجاد نموذج معتدل من التعددية الضامنة للحقوق دونما تفريط بحق أحدٍ على حساب آخر، وبالمحصّلة، ما من مجتمع على وجه المعمورة إلا وكان بحاجة لتعددية ثقافية تأخذ بالحسبان متطلبات الجماعات المكوِّنة لها وحقوقها، ولكن الأخذ بالتعددية في مجتمعات لم تعتد المسؤولية الجمعية, والشراكة المجتمعية الحقيقية في كل مفاصل الحياة، وتفتقر للهوية المجتمعية الجامعة، بل تتسم بواقع كبير من التهميش والاستئثار، سيؤدي ذلك إلى ولادة مخاطر حقيقية، على رأسها خلق حالة من الفوضى العسكرية ما يعني نزاعات مسلَّحة لا تُحمد عُقباها, وبالتالي الانقسام المجتمعي، كما حدث في العراق وبلاد البلقان في السنوات المنصرمة، وذلك الحال في سوريا في يومنا هذا, ولهذا باتت الحاجة ملحّة أكثر من أي وقتٍ مضى لحتمية الأخذ بمبدأ التعددية الثقافية بوعي وتدرّج بما لا يؤدي إلى النزاع, إنما التشاركية الحقيقية بين مكونات المجتمع الأصيل, داخل مجتمع أكبر على توجهاتها الثقافية الفريدة، إذ لا مشكلة لها حيال الثقافة السائدة قيمها وممارساتها، على أن تكون متجانسة مع قيم المجتمع الأوسع. وقد تطور وصف وتعريف التعددية الثقافية، بأنَّها مصطلح اجتماعيّ، إذ نُعِتَتْ بكونها ليستْ مجرد حقيقة، بل هدف مجتمعي ذو مدلولٍ أشمل وأكثر توافقاً.
التعددية العرقية والدينية في الشرق الأوسط:
لدى الحديث عن التعددية العرقية والدينية, يمكننا القول إن منطقة الشرق الأوسط تُعدّ من أكثر المناطق غَنى بالأعراق و الديانات والثقافات والمذاهب, إضافة لكثرة الأقليات فيها ( يهود, دروز, علويون, آشوريون, تركمان, إيزيديون, إسماعيليون, شركس, أرمن.. إلخ) وعلى وجه التحديد في كل من سوريا ولبنان والعراق، وهو ما يتطلب بطبيعة الحال نمطاً خاصاً في التعامل مع هذا التنوع ضمن صفوف المجتمع الذي يحتضن الكثير من الأقليات، وحذراً وحرصاً في كيفية خلق منصّة جامعة لإدارة التنوّع القديم الحاضر بِقوَّة في هذه البلاد لاسيّما في وقت تفتك بتلك البلدان نزاعات طائفية مسلَّحة وكذلك حروب أهلية قديمة مستجدّة.
انطلاقاً مما سبق, وللضرورة الملحّة لإيجاد حلول من شأنها خلق مناخ آمن لترسيخ سبل العيش المشترك فيما بين المكونات المجتمعية باختلافها, برز مصطلح التعايش السلمي في المجتمعات التي تُعرف باختلاف مكوناتها من حيث المذهب والإثنية والعقيدة والديانة والقومية, وهو ما يُقصد به سطوة المنافسة السلمية البعيدة عن أي شكل من أشكال العنف بما فيه العنف اللفظي, في نطاق المعتقدات والأفكار التي تؤمن بها كل دول العالم, إذ يعني مصطلح التعايش السلمي شكل العلاقة فيما بين شركاء الهوية والانتماء الوطني في ذات الدولة, حيث تسودها النُظُم الاجتماعية المختلفة بأصلها, في الوقت الذي يسعى لفرض الاحترام لكينونة الدولة ككل, بما في ذلك السعي للحفاظ على الأمن في أراضيها, إذ برز مفهوم التعايش السلمي إبَّان الثورة البلشفية في روسيا عام /1917م/ وذلك من قبل رئيس الوزراء الأول للدولة السوفييتية, وسُرعان ما ارتفعت الأصوات المطالبة بتبنّي مصطلح التعايش السلمي خلال الحرب العالمية الثانية.
ـ مفهوم التعايش السلمي:
إنَّ المقصود بالتعايش السلمي بإيجاز هو إمكانية تعايش المختلفين دينياً أو عرقياً أو مذهبياً تحت سقفٍ جامع وهو ما يعرف بالمجتمع, وذلك على أسس ومعايير أهمها احترام حقوق الآخرين ومعتقداتهم وثقافاتهم، دون أي تهميش أو تمييز, إذ من المحال إحقاق التعايش السلمي دونما وجود الحدّ الأدنى من السلام الداخلي والاستقرار المجتمعي داخل أروقة مجتمع مختلف الثقافات والانتماءات.
إذ أنَّه ومن خلال التعايش السلمي، يكون بمقدور المجتمع تجأوز الصراعات والأزمات أيً كانتْ، والتركيز بدلاً من الانشغال بالصراعات, على كيفية تحقيق أهداف تنموية مشتركة.
مبادئ التعايش السلمي:
إنَّ أهم مبدأ للتعايش السلمي هو الاتفاق الضمني والمسؤولية المجتمعية حيال ضرورة صون تلاحم أراضي المجتمع وتماسكهِ، كذلك الأمر فيما يتعلق باحترام مبدأ سيادة النظام السياسي التوافقي للدولة الجامعة لكل المكونات.
– السعي بشكلٍ متناسب لاستتباب الأمن والأمان ونشره بين المكوّنات الأخرى التي تتشارك ذات الهوية والانتماء المجتمعي، ونبذ أي اعتداءات أو نزاعات قد تحدث بين المكونات المجتمعية، وتفضيل لغة الحوار المتبادل كأساس في مواجهة أي خلاف.
– المقاربة السليمة المبنية على احترام الكينونة الداخلية للمجتمع ككل وشؤونه، وعدم التدخل بخصوصية باقي فئات المجتمع أو محاولة التضييق عليهم, وكذلك العمل على خلق المساواة في الحقوق والواجبات، والتعامل بكل ما يخص الشأن العام وفق سياسة توافقية مع بقية فئات المجتمع الذين يُعتبرون شركاء في الهوية والانتماء.
إنَ الهدف الرئيس لمبدأ التعايش السلمي في المجتمع متعدد الثقافات والأعراق سياسياً واجتماعياً, ينحصر في السعي من خلاله لتأطير ونبذ أي خلافات أو صراعات يُخشى حدوثها فيما بين الجماعات بمختلف أنواعها، سواء كان على المستوى الداخلي المحلي أو الإقليمي أو حتى الدولي، والسيطرة على آلية احتواء النزاعات والسيطرة عليها، مما يعزّز التواصل المفتوح فيما بينهم، وإعلاء مبدأ حرية الرأي، والنهج السياسي، وبالتالي عدم الخوض في صراعاتٍ على أساس هذه الاختلافات.
فيما يتعلق بالشقّ الاقتصادي, تتبلور صورة التعايش في جانبه الاقتصادي في تعزيز العلاقات التعاونية، وتحفيز تبادل المنفعة التجارية، والتي يُعوَّل عليها كثيراً في تحقيق التنمية الاقتصادية في المجتمعات، إذ يُعدّ الانتعاش في الاقتصاد هو السبب والعامل الرئيس لترسيخ الرخاء في الهيكل الاقتصادي لأي مجتمعٍ كان.
أما فيما يتعلق بحرية المتعقد وممارسة الشعائر الدينية؛ فإن للتعايش السمي هدفاً جليّاً في هذا الجانب وهو إحلال مبدأ الأمان والسلام بين أتباع الديانات المختلفة، فضلاً عن السعي لاحترام الأديان جميعها دون استثناء، وكذلك الأمر تقبُّل الاختلافات الدينية بين العامَّة، و نبذ سياسة الترهيب الديني المتمثلة بالإجبار والقمع ضدّ أيّ أشخاص يحملون معتقدات أخرى، وثقافات مختلفة.
ولتعزيز التعايش السلمي في المجتمعات متعددة الثقافات والأعراق, ينبغي على أفراد المجتمع قبول بعضهم بعضاً باختلاف اللهجة، أو اللون أو الثقافة أو القومية أو الديانة أو العرق أو الجنس، إذ يتوجب على كل فرد احترام حياة الأفراد الآخرين، والتعامل معهم وفق القيم الإنسانية المبنية على العدل والمساواة، دون ترهيب المختلف أو تعريضه للعنف سواء أكان مادياً أم لفظياً، أو خلق تهديد يطال حياته وعائلته، أو ممتلكاته, فقط لكونه مختلفاً مذهبياً أو دينياً أو عرقياً.
لمفهوم التعايش السلمي روّاد تاريخيون, إذ تعتبر نظرية ” التطور السلمي ” بمثابة اللبنة الأساسية لأطروحة التعايش السلمي التي عُدِّلتْ مِنْ قِبل جون فوستر دلاس بالاستناد للفكرة التي كان قد أنشأها في الأصل جورج كينان, الذي بدوره اقترح أن الكتل الاشتراكية والرأسمالية يمكن أن تصل إلى حالة من التعايش السلمي في برقية طويلة كتبها في 22 فبراير عام 1946, كما ترجّح مصادر تاريخية أنَّ خروتشوف كان من أوائل الداعيين للتعايش السلمي وذلك عقب وفاة ستالين, كما كان للاتحاد السوفيتي دور بارز في تطوير مفاهيم التعايش السلمي, إذ راح يطبّقها في المقام الأول في سياق السياسة الخارجية الماركسية اللينينية, وتبنّتها فيما بعد الدول الاشتراكية المتحالفة مع الاتحاد السوفيتي.
أما فيما يتعلق بالمفكرين والرُوَّاد المعاصرين فيأتي المفكر عبدلله أوجلان بأطروحته الأمة الديمقراطية في مقدمة المفكرين المعاصرين من دُعاة التعايش السلمي, إذ تتطرَّق الأطروحة لكل مفاصل الحياة اليومية في المجتمعات الغنية بالأعراق المختلفة والإثنيات والأديان والقوميات, حيث يُشخِّص السيد أوجلان في أطروحته “الأمة الديمقراطية” غالبية المعوقات التي كانت بمثابة نقطة الارتكاز لسياسات التفريق من قبل الدولة الحاكمة فيما بين المجتمع بكل أطيافه بدءاً بتعريتها عبر تحليل المقومات التاريخية لها, وصولاً لتقديم حلول عصرية من شأنها خلق حياة كريمة فيما بين المختلفين مذهبياً وعرقياً و دينياً من ذوي الانتماء لذات الجغرافيا.
نظرية الأمةِ الديمقراطية للمفكر عبد الله أوجلان:
إنّ نظريةَ الأمةِ الديمقراطيةِ تُعنى بأهميةِ المجموعةِ والجماعةِ والمجتمعِ المدنيِّ بقدر أهميةِ المواطن، وتُضَمِّنُ وجودَهم بالدستور. وهي تعتقد بأنّ مصطلحَ المواطنِ المجردِ هو ثرثرةٌ ليبرالية، وأنّ المواطنَ لن يكتسبَ معنىً ملموساً إلا بانتسابِه إلى مجموعةٍ أو جماعةٍ أو مجتمعٍ مدنيّ.
أريد أن أوضح وأطرح بنفس الوقت؛ أن كفاحات الأمةِ المتطلعةِ إلى الدولةِ وكفاحات الدولةِ المتطلعةِ إلى الأمةِ هي المؤثِّرُ المِحوريُّ في الواقعِ الدمويِّ للعصر. وتحقيقُ مُلاقاةِ الأمةِ مع السلطةِ والدولة، هو منبعُ قضايا عصرِ الحداثة. وإذا ما قارنّا تلك القضايا مع القضايا الناجمةِ من الدولِ الديكتاتوريةِ والسلالاتية، فسنَجِدُ أنّ القضايا في عصرِ الحداثةِ تنبعُ من أمةِ الدولة، وأنّ هذا الوضعَ يُشَكِّلُ أكبرَ فارقٍ بينهما. إذ تُعرَضُ الدولةُ القومية، التي هي إحدى أشدِّ المواضيعِ تعقيداً في علمِ الاجتماع، وكأنها عصا سحريةٌ وأداةٌ قادرةٌ على حلِّ جميعِ القضايا المناهِضةِ للحداثة بمجردِ لَمسِها. في حين أنها مضموناً تَجعَلُ من القضيةِ الاجتماعيةِ الواحدةِ أَلفاً، بسببِ تسريبِها جهازَ السلطةِ حتى أدقِّ الأوعيةِ الشعريةِ للمجتمعات. والسلطةُ بحَدِّ ذاتِها تُفرِزُ المشاكل، وتنمُّ عن القمعِ والاستغلالِ كقضايا اجتماعية، نظراً لطابعِها الكمونيِّ لرأسِ المال المُنَظَّمِ في هيئةِ العنف, ذلك أنّ مجتمعَ الأمةِ النَّمَطيّةِ الذي تَرمي إليه الدولةُ القومية، يُنشِئُ مواطنين مُصطَنَعين ومُزَيَّفين، مشحونين بالعنف، يَبدون متساوين (حقوقياً كما يُزعَم)، إذ عُمِلَ على مُساواتِهم ببعضِهم بعضاً ببَترِ جميعِ أعضاءِ المجتمعِ بمِنشارِ السلطة. هذا المواطنُ متساوٍ مع غيرِه حسبَ التعبيرِ القانونيّ، لكنه يعاني أقصى درجاتِ اللامساواةِ في جميعِ ميادينِ الحياةِ فرداً وكياناً جماعياً.
إنّ تنظيمَ الحداثةِ الرأسماليةِ لنفسِها كدولةٍ قومية، يؤدي دوراً قمعياً واستغلالياً أكبر من تنظيمِها لذاتِها كاحتكارٍ اقتصاديّ, من هنا فالنقصانُ الفادحُ والتحريفُ الأوليُّ للماركسيةِ خصوصاً وللسوسيولوجيا عموماً، يتجسدان في القصورِ عن رؤيةِ أواصرِ الدولةِ القوميةِ مع القمعِ والاستغلال، أو في تقديمِ الدولةِ القوميةِ كمؤسسةٍ اعتياديةٍ جداً في البنيةٍ الفوقية. ولدى القيامِ بتحليلِ الطبقاتِ ورأسِ المالِ الماديِّ بنحوٍ مستقلٍّ عن الدولةِ القومية، فإنه يُعَدُّ تعميماً تجريدياً أَعشَماً وفَجّاً وعاجزاً عن إفرازِ أيةِ نتيجةٍ اجتماعيةٍ مثمرة. وهذا التجريدُ يتخفّى وراءَ فشلِ الاشتراكيةِ المشيّدة, أو بالأحرى، النتائجُ المرتبطةُ بهذا التجريدِ قد لعبَت دورَها في فشلِها.
الأمةُ اصطلاحاً هي شكلُ المجتمعِ الذي يَلي تَحَوُّلَ الكلاناتِ والعشائرِ وقبائلِ القُربى إلى كياناتٍ كالقومِ أو الشعبِ أو المِلَّة، والذي غالباً ما يُصَنِّفُ ذاتَه وفقَ تَشابُهِ اللغةِ والثقافة. والمجتمعاتُ الوطنية أوسعُ نطاقاً وأكبرُ حجماً من مجتمعاتِ القبائلِ والأقوام, ولهذا فهي تجمعاتٌ بشريةٌ تَربطُها ببعضِها بعضاً روابطٌ رخوة. المجتمعُ الوطنيُّ هو بالأغلب ظاهرةٌ من ظواهرِ عصرِنا, وإذا ما صِيغَ تعريفٌ عامٌّ له، فبالإمكانِ القولُ إنه تَجَمُّعٌ مِمَّن يتشاطرون ذهنيةً مشتركة, أي أنه ظاهرةٌ موجودةٌ ذهنياً, بالتالي فهو كيانٌ مجردٌ وخياليّ, وباستطاعتِنا تسميته أيضاً بالأمةِ المُعَرَّفةِ على أساسِ الثقافة. هذا هو التعريفُ الصائبُ سوسيولوجياً. فبأعمِّ الأشكال، ومن أجلِ التحولِ إلى أمة، يَكفي أنْ يتكوَّنَ عالَمٌ ذهنيٌّ وثقافيٌّ مشترك، على الرغمِ من اختلافِ الطبقاتِ أو الجنسِ أو اللونِ أو الأثنيةِ أو حتى اختلافِ جذورِ الأمة. ولزيادةِ تعقيدِ هذا التعريفِ العامِّ للأمة، فإنّ أمةَ الدولة، أمةَ القانون، الأمةَ الاقتصادية، والأمةَ العسكريةَ (مِلّة الجيش) وغيرَها، تُعَدُّ تصنيفاتٍ أخرى للميولِ القوميةِ المُشتَقةِ التي تُحَصِّنُ الأمةَ العامة, وبالمقدورِ تسميتها بأممِ القوةِ أيضاً, ذلك أنّ التحولَ إلى أمةٍ قويةٍ يُعَدُّ غايةً نموذجيةً وأساسيةً للحداثةِ الرأسمالية, حيث تُسفرُ الأمةُ القويةُ عن امتيازاتِ رأسِ المالِ والسوقِ الواسعةِ وفُرَصِ الاستعمارِ والإمبريالية. بناءً عليه، فمن الأهميةِ بمكان عدم النظر إلى هكذا أممٍ مُحَصَّنةٍ على أنها النموذجُ الوحيدُ للأمة، بل ينبغي تناولها بأنها أممُ القوةِ الشوفينية، والأممُ المُسَخَّرةُ لرأسِ المال. وتشكيلُها لمنبعِ المشاكلِ يُعزى أصلاً إلى سماتِها هذه. أما نموذجُ الأمةِ الديمقراطية، فهو النموذجُ القابلُ للاشتقاقِ من الأمةِ الثقافية، والذي يَلجمُ القمعَ والاستغلالَ ويدحضُهما. فالأمةُ الديمقراطيةُ هي الأمةُ الأقرب إلى الحريةِ والمساواة, وتأسيساً على هذا التعريف، فهي تُشَكِّلُ مفهومَ الأمةِ المُثلى للمجتمعاتِ الهادفةِ إلى الحريةِ والمساواة.
إنّ عدم قيامِ الحداثةِ الرأسماليةِ وعلمِ السوسيولوجيا المُستقى منها بتناولِ صنفِ الأمةِ الديمقراطية، إنما هو بحُكمِ بُنيتِهما وهيمنتِهما الأيديولوجية, ذلك أنّ الأمةَ الديمقراطيةَ هي تلك الأمةُ التي لا تكتفي بالشراكةِ الذهنيةِ والثقافيةِ فحسب، بل وتُوَحِّدُ كافةَ مُقَوِّماتِها وتُديرُها في ظلِّ المؤسساتِ الديمقراطيةِ شبهِ المستقلة, هذا هو الجانبُ المُعَيِّنُ فيها, أي أنّ طرازَ الإدارةِ الديمقراطيةِ وشبهِ المستقلة، هو الشرطُ الرئيسيُّ في لائحةِ صَيرورةِ الأمةِ الديمقراطية, وهي بجانبِها هذا بديلٌ للدولةِ القومية. فالإدارةُ الديمقراطيةُ البديلةُ لحُكمِ الدولةِ فرصةٌ عظيمةٌ للحريةِ والمساواة. في حين أنّ السوسيولوجيا الليبراليةَ تُطابِقُ الأمةَ أساساً مع دولةٍ مُشادة أو مع حركةٍ تَهدفُ إلى تشييدِ دولة. وكَونُ حتى الاشتراكيةِ المشيدةِ سارت في هذا المنحى، هو مؤشرٌ على مدى قوةِ الأيديولوجيا الليبرالية. أما الحداثةُ البديلةُ في الأمةِ الديمقراطية، فهي العصرانيةُ الديمقراطية. في حين يُشَكِّلُ الاقتصادُ المُطَهَّرُ من الاحتكار، والأيكولوجيا الدالةُ على التناغمِ مع الطبيعة، والتقنيةُ الصديقةُ للطبيعةِ والإنسان؛ يُشَكِّلُ الأرضيةَ المؤسساتيةَ للعصرانيةِ الديمقراطية، وبالتالي للأمةِ الديمقراطية.
ظاهرتا الوطنِ المشتركِ والسوقِ المشتركةِ المطروحتان كشرطٍ أساسيٍّ للمجتمعاتِ الوطنية بوصفِهما عاملاً مادياً، لا تُعتَبَران سمةً مُحَدِّدةً للأمة, فمثلاً وبالرغمِ من بقاءِ اليهودِ بلا وطنٍ حقبةً طويلةً من الزمن، إلا أنهم عاشوا مدى التاريخِ في كافةِ الأقاصي الثريةِ من المعمورةِ كأقوىِ أمة, ورغمَ عدمِ امتلاكِهم سوقاً وطنية، إلا أنهم عَرِفوا كيف يصبحون الأمةَ الوحيدةَ الأقوى في أسواقِ العالَمِ جمعاء. ما من شكٍّ في أنّ الوطنَ والسوقَ أداتان تحصينيتان منيعتان جداً من أجلِ أمةِ الدولة. وقد شُنَّت أكثرُ الحروبِ عدداً وأشدُّها دمويةً في التاريخِ في سبيلِهما, فالوطنُ ثمينٌ جداً كساحةِ مُلك، والسوقُ نفيسةٌ جداً كميدانٍ يَدُرُّ الربح. أما مفهومُ الوطنِ والسوقِ في الأمةِ الديمقراطية، فهو مغاير, إذ تَنظرُ الأمةُ الديمقراطيةُ بعينِ التثمينِ إلى الوطن لأنه فرصةٌ عظيمةٌ من أجلِ ذهنيةِ الأمةِ وثقافتِها، بحيث يستحيلُ التفكيرُ في ذهنيةٍ أو ثقافةٍ لا مكانَ للوطنِ في ذكرياتِها وذاكرتِها, ولكن يجب ألاّ ننسى قطعياً أنّ مصطلحَ الوطنِ أو البلد، الذي أَضفَت الحداثةُ الرأسماليةُ مسحةً من الفَاشيّةِ عليه، وصَيَّرَته أعلى مَنزِلةً من المجتمع؛ يَهدفُ إلى الربحِ والكسب. لذا من المهمِّ عدم المغالاةِ في الوطن, فمفهومُ “كلُّ شيءٍ في سبيلِ الوطن” ينبعُ من مفهومِ الأمةِ الفاشية, والأجدرُ هو نَذرُ كلِّ شيءٍ في سبيلِ مجتمعٍ حرٍّ وأمةٍ ديمقراطية. هذا ومن الضروريِّ عدم إعلاءِ ذلك أيضاً إلى مستوى العبادة, فلُبُّ الأمرِ يكمنُ في تصيير الحياةِ قَيِّمَةً ثمينة, أي أنّ الوطنَ ليس غاية، بل هو مجردُ وسيلةٍ بالنسبةِ لحياةِ الأمةِ والفرد. وبينما تَنساقُ أمةُ الدولةِ وراءَ المجتمعِ النمطيّ، فغالباً ما تتألفُ الأمةُ الديمقراطيةُ من التجمعاتِ والكياناتِ المختلفة، وترى اختلافاتِها مصدرَ غِنى. والحياةُ بذاتِ عينِها ممكنةٌ أصلاً بالاختلاف, والدولةُ القوميةُ، التي تُرغِمُ على صيرورةِ نمطٍ واحدٍ من المواطنِ وكأنه خرجَ من مِخرطةٍ واحدة، مُناقِضةٌ للحياةِ بجانبِها هذا أيضاً. ذلك أنّ هدفَها النهائيَّ هو خلقُ إنسانٍ آليّ. وهي في الحقيقةِ بمَنحاها هذا تنساقُ صوب الفناءِ والعَدَم. أما مواطنُ أو عضوُ الأمةِ الديمقراطية فهو مختلف, وينتهلُ اختلافَه هذا من مختلفِ التجمعات. وحتى وجودُ العشائرِ والقبائلِ أيضاً يُعَدُّ مصدرَ غنىً بالنسبةِ للأمةِ الديمقراطية.
وإلى جانبِ أهميةِ اللغةِ بقدرِ الثقافةِ من أجلِ كينونةِ الأمة، إلا أنها ليست شرطاً حتمياً, فالتبعيةُ إلى لغاتٍ مختلفةٍ ليست عائقاً أمام الانتماءِ إلى الأمةِ عينِها. وهكذا لا معنى للاقتصارِ على لغةٍ أو لهجةٍ واحدةٍ من أجلِ كلِّ أمة. من هنا، وإلى جانبِ ضرورةِ اللغةِ القومية، لكنها ليست شرطاً حتمياً, بل بالمستطاعِ النظر إلى تعددِ اللغاتِ واللهجاتِ بعينِ الغِنى بالنسبةِ إلى الأمةِ الديمقراطية, لكنّ الدولةَ القوميةَ تَعملُ أساساً بإرغامِ اللغةِ الواحدةِ بمنوالٍ صارم، ولا تُتيحُ الفرصةَ يسيراً للتعددِ اللغويّ، وخاصةً لتعددِ اللغاتِ الرسمية, بل تسعى بجانبِها هذا إلى الاستفادةِ من امتيازاتِ كينونةِ الأمةِ الحاكمة.
بالوِسعِ الحديثُ عن أمةِ القانونِ مفهوماً ووِفاقاً، في الأجواءِ التي يتعسرُ على الأمةِ الديمقراطية النماءُ فيها، والتي تَعجزُ الدولةُ القوميةُ عن حلِّ القضايا ضمنها. وما الحلُّ الذي يُعَبَّرُ عنه بصيغةِ “المواطَنةِ الدستوريةِ” في حقيقتِه، سوى حلٌّ مرتكزٌ إلى أمةِ القانون. فالمواطَنةُ القانونيةُ المُحَصَّنةُ بضمانٍ دستوريّ، لا تَتَّخذُ من التمييزِ العِرقيِّ أو الأثني أو القوميِّ أساساً. وهكذا خصائص لا تُوَلِّدُ الحقوق. وأمةُ القانونِ معيارٌ مُتَنامٍ بجانبِها هذا. ونخصُّ في هذا الصددِ الأممَ الأوروبيةَ التي تنتقلُ تدريجياً من الأممِ المِلّيةِ صوبَ أممِ القانون. الأساسُ في الأممِ الديمقراطية هو الإدارةُ شبهُ المستقلة، وفي أمةِ القانون هو الحقوق. أما في الدولةِ القومية، فالمُعَيِّنُ هو حُكمُ السلطة. في حين أنّ النموذجَ الأخطرَ للأمةِ يتشكلُ مع ذهنيةِ “مِلّة الجيش” ومؤسساتها. فهذا النموذج من الأمة، وعلى الرغمِ من مَظهرِه الذي يُوحي بأنها تُمَثِّلُ الأمةَ القوية؛ إلا أنه يُعبِّرُ مضموناً عن أمةٍ لا يُطاقُ العيشُ فيها، ويحتوي بين طياتِه ذهنيةً تفرضُ الوظائفَ بالإرغامِ وتَصِلُ حدَّ الفاشية. أما الأمةُ الاقتصادية، فهي تصنيفٌ قريبٌ من الدولةِ القومية, ومفهومُ الأمةِ هذا في البلدانِ التي تَعتَرفُ بالدورِ الرئيسيِّ والمِحوريِّ للاقتصاد، كأمريكا واليابان وحتى ألمانيا، كان أكثر رسوخاً في أوروبا ماضياً. في حين، يتعسرُ القولُ بنجاحِ صنفِ الأمةِ الاشتراكية فيها، على الرغمِ من محاولاتِ تجريبِه. وهو مثالٌ نُصادفُه جزئياً في كوبا، ولكنه الشكلُ الاشتراكيُّ المشيَّدُ للدولةِ القومية, أي أنه شكلٌ تَحلُّ فيه الدولةُ القوميةُ التي تَطغى عليها رأسماليةُ الدولة، مَحلَّ الدولةِ القوميةِ التي تَسُودُها الرأسماليةُ الخاصة.
الخاصيةُ التي ينبغي توخي الحساسيةِ في تصنيفِها لدى وضعِ نظريةِ الأمةِ في الأجندة، هي حقيقةُ تقديسِ وتأليهِ الأمة. فالحداثةُ الرأسماليةُ قد أَنشَأَت ألوهيةَ الدولةِ القوميةِ بالتحديد، بدلاً من الدينِ والإلهِ التقليديَّين. هذه نقطةٌ جدُّ مهمة, فإذا ما فسَّرنا الأيديولوجية القومويةَ بكونِها دينَ الدولةِ القومية، فسنتمكنُ من الإدراكِ أنّ الدولةَ القوميةَ نفسَها هي إلهُ هذا الدين. والدولةُ بالذات قد شُيِّدَت في عصرِ الحداثةِ بمنوالٍ يَحتوي زُبدةَ كافةِ مصطلحاتِ الألوهيةِ السائدةِ في العصورِ الوسطى، بل وحتى في العصورِ الأولى أيضاً. فالظاهرةُ المسماةُ بـ”الدولةِ العلمانيةِ” ما هي إلا تشييدٌ أو تجسيدٌ عينيٌّ لجميعِ ألوهياتِ العصورِ الأولى والوسطى، أو هي خُلاصتُها كدولة. يجب عدم الانخداعِ في هذا الموضوعِ بتاتاً, وإذا ما نَبَشنا في طِلاءِ الدولةِ القومية، علمانيةً كانت أم عصرية، فستظهرُ من تحتِه الدولةُ الألوهيةُ السائدةُ في العصورِ الوسطى والأولى. إذاً، ثمة عُرى وثيقةٌ للغاية بين الدولةِ والألوهية, وبنفسِ المنوال، هناك علاقةٌ متينةٌ جداً بين مُلوكِ العصورِ الأولى والوسطى من جهة، ومصطلحِ الإلهِ من الجهةِ الثانية. ولدى زوالِ تأثيرِ شخصِ المَلِكِ عقبَ العصورِ الوسطى، ولدى تَحَوُّلِ المَلَكِيات إلى مؤسساتٍ ثم إلى دولٍ قومية؛ فقد تنحى الإلهُ– المَلِكُ أيضاً عن مكانِه لإلهِ الدولةِ القومية. تأسيساً عليه، فما يتوارى خلفَ تقديسِ مؤسساتِ الدولةِ القوميةِ بنحوٍ مشابِهٍ لتقديسِ مصطلحاتِ الوطنِ والأمةِ والسوق، هو الهيمنةُ الأيديولوجيةُ للحداثةِ الرأسمالية، والتي تُمَكِّنُها من حصدِ الربحِ الأعظم. ذلك أنّه بقدرِ ما تُحَوِّلُ الهيمنةُ الأيديولوجيةُ تلك المصطلحاتِ المعنيةِ بالأمةِ إلى دين، فهي تستطيعُ بذلك شرعنةَ قانونِ الربحِ الأعظم، وتَجعلُه قيدَ التنفيذ.
والهتافُ بشكلٍ يَصُمُّ الآذانَ بالشعاراتِ والرموزِ الأساسيةِ للدولةِ القوميةِ في عصرِنا، من قبيلِ “عَلَمٌ واحد”، “لغةٌ واحدة”، “وطنٌ واحد”، “دولةٌ واحدة”، و”دولةٌ مركزيةٌ واحدة”؛ وكذلك تَحَسُّسُ العيونِ من الأعلامِ ذاتِ الألوانِ المُغايِرة، واستصغارُها؛ وتصيير العالَمِ الذهنيِّ مارداً ومَعطوباً؛ وتأجيجُ نعرةِ الشوفينيةِ القومية، والإعلاءُ من شأنِها لدرجةِ جعلِها طقوساً تُطلَقُ في كلِّ تظاهُرة، وخاصةً في الأنشطةِ الرياضيةِ والفنية؛ كلُّ ذلك يتوجبُ تقييمُه بأنه أشكالُ العبادةِ في الدينِ القومويّ. في الحقيقة إن عبادات العصورِ القديمةِ أيضاً كانت تؤدي الوظيفةَ نفسَها. المَرامُ الأصلُ هنا هو تأمينُ سَرَيانِ منافِعِ احتكاراتِ السلطةِ ورأسِ المال، وتَمريرُها إما خِفيةً أو بتقديسِها وشرعنتِها. من هنا، نستطيعُ استيعابَ حقيقةِ الواقعِ الاجتماعيِّ بنحوٍ سديدٍ أكثر، إذا ما تناولنا جميعَ المقارباتِ والممارساتِ الراهنةِ المبالِغةِ والمُوارِيةِ المعنيةِ بالدولةِ القوميةِ مُؤَطَّرةً بهذه البراديغما الأساسية.
الأمةُ الديمقراطيةُ هي نموذجُ الأمةِ الذي يُعاني بأقلِّ الدرجات من هذه الأمراض. فهذا النموذج لا يُقَدِّسُ إدارتَه، لأنّ الإدارةَ فيه ظاهرةٌ شفافة مُسَخَّرةٌ لخدمةِ الحياةِ اليومية. والجميعُ فيه مُؤَهَّلٌ لأنْ يَكُونَ موظفاً إدارياً، في حالِ تلبيتِه المتطلباتِ والمقتضيات. أي أنّ الإدارةَ فيه قَيِّمة، لكنها ليست مقدَّسة. ومفهومُ الهويةِ الوطنيةِ فيه منفتحُ الأطراف، وليس كعضويةٍ أو عقيدةٍ دينيةٍ منغلقة. والانتماءُ فيه إلى أمةٍ ما، ليس امتيازاً ولا عَيباً, بل يُمكن الانتماء فيه إلى عدةِ أمم. أو بالأصح، قد تُعاشُ فيه قومياتٌ مختلفةٌ متداخلة, إذ بمقدورِ الأمةِ الديمقراطيةِ وأمةِ القانونِ أنْ تعيشا سوية، وبكلِّ يُسر، في حالِ تمكينِ الوِفاقِ بينهما. أما الوطنُ والعَلَمُ واللغة، وإلى جانبِ قيمتِهم العالية، لكنهم ليسوا مقدَّسين. والعيشُ في ظلِّ تشاطُرِ الوطنِ المشترك واللغاتِ والأعلامِ المشتركةِ بشكلٍ متداخلٍ على دربِ الصداقةِ بدلَ التضاد، ليس ممكناً فحسب، بل وإنه من ضروراتِ حياةِ المجتمعِ التاريخيّ. من هنا، فظاهرةُ الأمةِ الديمقراطيةِ بكلِّ مزاياها هذه، تأخذُ مكانَها ومكانتَها في التاريخِ ثانيةً كبديلٍ قويٍّ للدولتيةِ القومية، التي هي آلةُ حربٍ طائشةٍ وجنونيةٍ في يَدِ الحداثةِ الرأسمالية.
نموذجُ الأمةِ الديمقراطيةِ باعتبارِه نموذجاً حَلاّلاً، يُنعِشُ ثانيةً دمقرطةَ العلاقاتِ الاجتماعيةِ التي مَزَّقَتها النزعةُ الدولتيةُ القوميةُ إرباً إرباً، ويُفعِمُ الهوياتِ المتباينةَ بروحِ الوفاقِ والسلامِ والسماحة, لذا، فانعطافُ أمةُ الدولةِ صوب الأمةِ الديمقراطية، سيَجلبُ معه مكاسب عظمى, فنموذجُ الأمةِ الديمقراطيةِ يتسلحُ بوعيٍ مجتمعيٍّ سديدٍ للقيامِ أولاً بتطويعِ الإدراكاتِ المجتمعيةِ المشحونةِ بالعنف، ثم لتصييرها إنسانية (الإنسان العاقل والمفعم بالمشاعر، الذي يشعر بالآخرِ ويتقمصُه). لا ريب أنّ هذا النموذجَ يُقَلِّلُ كثيراً من علاقاتِ الاستغلالِ المُطَعَّمةِ بالعنف، رغم أنه لا يقضي عليها كلياً, ويحقق ذلك بإتاحتِه الفرصةَ لمجتمعٍ أكثر حريةً ومساواة. إنه لا يؤدي وظيفتَه هذه بالاقتصارِ فقط على استتبابِ الأمنِ والسلامِ والسماحِ بين صفوفِه، بل وبتخطّيه أيضاً للمقارباتِ المُشَرَّبةِ بالقمعِ والاستغلالِ تجاه الأممِ الأخرى خارجياً، وبتحويلِه المصالحَ المشتركةَ إلى تداؤبٍ وتضافُر. لدى هيكلة المؤسساتِ الوطنيةِ والعالميةِ بناءً على البنيةِ الذهنيةِ والمؤسساتيةِ الأساسيةِ للأمةِ الديمقراطية، فسوف يُدرَكُ أنّ النتائجَ التي ستُسفِرُ عنها الحداثةُ الجديدة، أي العصرانيةُ الديمقراطية، ستَكُونُ بمثابةِ النهضة، ليس نظريّاً فحسب، بل وعملياً أيضاً, أي إنّ بديلَ الحداثةِ الرأسماليةِ هو العصرانيةُ الديمقراطية، والأمةُ الديمقراطيةُ الكامنةُ في أساسِها، والمجتمعُ الاقتصاديُّ والأيكولوجيُّ والسِّلميُّ المنسوجُ داخلَ وخارجَ ثنايا الأمةِ الديمقراطية.
السبيلُ الأخلاقيُّ والسياسيُّ الصائبُ على الإطلاقِ للنفاذِ من أزمةِ رأسِ المالِ الماليِّ العالميّ، هو الإنشاءُ السريعُ للأممِ الديمقراطيةِ الجديدةِ بمزاياها المناسبة للحل بنحوٍ متفوقٍ وخارق، عوضاً عن بناءِ الدولةِ القومية، التي باتت جوفاء أو أُفرِغَت من محتواها راهناً؛ وعوضاً عن اتحاداتِها الإقليميةِ والعالمية، وبالأخصِّ هيئة الأمم المتحدة. وهو لا يقتصرُ على إقامةِ الأمةِ الديمقراطيةِ مقامَ الدولةِ القوميةِ الواحديةِ أو على اعتبارِها حالتَها المُحَوَّلة فحسب؛ بل وينسحبُ على تطويرِ النماذجِ الإقليميةِ (الاتحاد الأوروبيّ يسيرُ في هذا المنحى نسبياً) والعالميةِ أيضاً بشكلٍ متداخل.
تعريف الأمة الديمقراطية:
الأمةِ الديمقراطيةِ هي التي تتألف من الأفرادِ الذين يتشاطرون حقوقَهم وحرياتِهم الرئيسيةَ بالتساوي، بقدرِ ما تتألفُ من شتى أنواعِ الثقافاتِ والأثنياتِ والأديان (مفهوم الهوية المرنة والمنفتحة الأطراف)، والمستندةِ بالتالي إلى دعامةِ وحدةِ الحقوقِ الفرديةِ والجماعية؛ هذا التعريفُ يتحلى بالقدرةِ على تأمينِ التكامُلِ الأشملِ ضمن تناغُمٍ مع تعريفِ الوطنِ المشترك.
وإلى جانبِ هذه الخصائصِ العامة، بمقدورِنا إعادة ترتيبِ بعضِ المبادئِ الأساسيةِ لحلِّ الأمةِ الديمقراطية:
1 – الأمة الديمقراطية:
تُعَبِّرُ عن حالةِ الأمةِ في المجتمعِ الديمقراطيِّ الذي لا يستندُ إلى لغةٍ أو أثنيةٍ أو طبقةٍ معينة، ولا يرتكزُ إلى الدولة، بل هو متعددُ اللغاتِ ومتنوعُ الأثنيات، ولا يتيحُ المجالَ للتمايزِ الطبقيِّ أو لامتيازِ الدولة، بل يعتمدُ على الأفرادِ الأحرارِ والمتساوين. فالأمةُ الديمقراطيةُ تتكونُ من المواطنِ الديمقراطيِّ والجماعاتِ الديمقراطية. وهي تعمَلُ أساساً ببراديغما الأمةِ المرنةِ المتألفةِ من الهوياتِ الثقافيةِ المنفتحةِ الأطراف.
2 – الوطن المشترك (الوطن الديمقراطيّ):
يُعَبِّرُ عن مجموعِ الأوطانِ التي تتمُّ مشاطرتُها بحريةٍ ومساواة، بحيث لا يُقصي شخصٌ شخصاً آخر، ولا تُقصي مجموعةٌ مجموعةً أخرى.
3 – الجمهورية الديمقراطية:
تُعَبِّرُ عن انفتاحِ الدولةِ على المجتمعِ الديمقراطيِّ والفردِ الديمقراطيّ. فتنظيمُ الدولةِ ظاهرةٌ مختلفةٌ عن التنظيمِ الديمقراطيِّ للفرد, بالتالي فهي تتَّخِذُ من احترامِ كلٍّ منهما شرعيةَ الآخرِ أساساً لها.
4 – الدستور الديمقراطيّ:
وهو الدستورُ المُعَدُّ بتوافقٍ اجتماعيٍّ يعملُ أساساً بحمايةِ المواطنِ الديمقراطيِّ والجماعاتِ الديمقراطيةِ في وجهِ الدولةِ القومية.
5 – التحام الحقوقِ والحريات الفردية والجماعية:
مثلما أنّ المجتمعَ المتكونَ من الأفرادِ أمرٌ مختلفٌ عن إجماليِّ أو مجموعِ أولئك الأفراد، فالحقوقُ الفرديةُ والجماعيةُ أيضاً تُعَبِّران عن وجهَين مختلفَين للمجتمعِ نفسِه، رغمَ أوجُهِ الاختلافِ بينهما. فمثلما ما مِن ميداليةٍ بوجهٍ واحد، كذا لا وجودَ لمجتمعٍ ذي حقوقٍ جماعيةٍ فقط، ولا وجودَ لأفرادٍ ذوي حقوقٍ فرديةٍ فحسب.
6 – الحريةُ الأيديولوجية والاستقلالُ الأيديولوجيّ:
محالٌ تطبيقُ حلِّ الأمةِ الديمقراطية، من دونِ تخطّي الهيمنةِ الأيديولوجيةِ الوضعيةِ للحداثةِ الرأسماليةِ والعبوديةِ الليبراليةِ المُعاد إنشاؤُها في هيئةِ الفردية, والوعيُ الذاتيُّ بخصوصِ الطبيعةِ الاجتماعيةِ للذات، إنما هو شرطُ وعيِ الحلّ القوميِّ الديمقراطيّ.
7– التاريخانية والحاضرية:
الوقائعُ الاجتماعيةُ وقائعٌ تاريخية, فالوقائعُ المُعاشةُ في التاريخِ تُعاشُ أيضاً في الحاضرِ وفيما هو يوميٌّ راهن، مع فارقٍ بسيطٍ جداً. ومن دونِ عقدِ الأواصرِ بين التاريخِ والحاضرِ بمنوالٍ صحيح، لا يُمكنُ تخطّي الفرديةِ المُجَرَّدةِ من التاريخِ في الحداثةِ الرأسمالية، ولا تجاوز ذهنيةِ المجتمعِ النمطيةِ واللحظيةِ والحاضرية. من هنا، فالاستيعابُ السليمُ للتاريحِ والحاضر، شرطٌ ضروريٌّ من أجلِ حلِّ الأمةِ الديمقراطية.
8– الأخلاق والضمير:
مستحيلٌ البلوغُ بأيةِ قضيةٍ اجتماعيةٍ إلى حلٍّ صائبٍ وقويم، ما لَم يُلجَأْ إلى الأخلاقِ والضمير. وحلولُ الحداثةِ في القوةِ والقانونِ بمفردِها، لن تُثمرَ عن نتيجةٍ أبعد من طمسِ القضايا وتشويهِها. إنّ التقمصَّ العاطفيَّ والشعورَ بالآخر، والذي ينبعُ من الأخلاقِ والضمير، شرطٌ أوليٌّ في حلِّ الأمةِ الديمقراطية.
9– الدفاعُ الذاتيُّ في الديمقراطيات:
مثلما أنه لا وجود لكيانٍ بلا دفاعٍ ذاتيّ، كذا فالمجتمعاتُ الديمقراطية التي تُعتَبَرُ الكيانَ الأرقى في الطبيعة، لن تتحققَ ولن تستمرَّ بوجودِها من دونِ دفاعٍ ذاتيّ. لذا، يجب تلبية متطلباتِ مبدأِ الدفاعِ الذاتيِّ بالتأكيد، في الحلولِ القوميةِ الديمقراطية.
هذه المواقفُ المبدئية، التي ينبغي تطويرها أكثر، تُؤَمِّنُ تعرُّفَنا على حلٍّ الأمةِ الديمقراطيةِ عن كثب. هذه المبادئُ التي يَضَعُها الاتحادُ الأوروبيُّ أيضاً في جدولِ أعمالِه دوماً بنحوٍ طبيعيٍّ وتدريجيّ، هي حقاً بمثابةِ العلاجِ الشافي، سواءً بالنسبةِ للقضايا الاجتماعيةِ في الشرقِ الأوسطِ عموماً، أم من أجلِ القضيةِ الاجتماعيةِ الكرديةِ بالأكثر, والحلُّ الديمقراطيُّ، الذي سيُصاغُ ويُطَبَّقُ في كردستان على أرضيةِ هذه المبادئِ وعلى مسارِ تعريفِ الحياةِ القوميةِ الديمقراطية، يتميّزُ بأهميةٍ تاريخية.
دخول تركيا سياقَ الدمقرطة، والحلُّ الديمقراطيُّ في القضيةِ الكردية، هما بمثابةِ وجهَي الميدالية, حيث لا وجهَ من دونِ الآخر. سيَكونُ الأمرُ منيراً أكثر، فيما لو حاولنا إسقاطَ أبعادِ الحلِّ على تركيا بنحوٍ عينيٍّ أكثر. قبل كلِّ شيء، لا يمكن غضّ النظرِ عن الموقفِ المبدئيِّ المذكورِ والمُكَرَّرِ أعلاه باقتضاب. ذلك أنّ الحلولَ المجردةَ من المبدأِ والنظام، لن تَكُونَ مفهومة، ولن تُسفِرَ عن نتيجةٍ أبعد من كونِها مُداواةً بالتضميدِ اليوميِّ المؤقت. إنّ الحلَّ الذي يُعتَقَدُ به، هو حلٌّ محتمَلٌ يُدافَعُ عن تطبيقِه وعيشِه على مدارِ هذا السياقِ البنيويِّ برمّته، سواءً تبعثَرَ النظامُ الرأسماليُّ الغربيُّ المهيمنُ أم استمر.
الخاصيةُ الأولى: إذاً؛ يتمُّ هنا اقتراحُ حلٍّ يَدومُ طيلةَ سياقِ المدنيةِ الغربية، بل وقابلٍ لتجاوزِها.
الخاصيةُ الثانية: إنه يَعترفُ بوجودِ المجتمعِ القوميِّ الديمقراطيّ، وبالتالي بشرعيتِه وقدرتِه على الحلّ؛ أياً كانت الكياناتُ البُنيويةُ والمؤسساتيةُ لعناصرِ الحداثةِ الرأسماليةِ داخلَ جمهوريةِ تركيا، وأياً كانت الاحتكاريةُ الأيديولوجيةُ الكائنةُ فيما بينها. عناصرُ الحلِّ الديمقراطيِّ المطروحِ هنا، لا تَقترحُ القضاءَ بالثورةِ على عناصرِ الحداثةِ الرأسمالية (الدولتية القومية، الرأسمالية، والصناعوية)، ولا تَقبَلُ أيضاً بالإبادةِ والصهرِ على يدِ سياسةِ القوةِ العسكريةِ التي تَتَّبِعُها تلك العناصر. هذان الكيانان والوجودان الأوليان، اللذان يعترفان بشرعيةِ بعضِهما بعضاً، يَقتَرحان ويعمَلان أساساً بالحياةِ المشتركة والتنافُسِ الخالي من النزاعِ والتصادم.
الخاصيةُ الثالثة: إنه يَطرحُ تأسيساً على الخاصيتَين السابقتَين فكرةَ استحالةِ الاستغناءِ عن مؤسسةِ السياسةِ الديمقراطية, ذلك أنّ السياسةَ الديمقراطيةَ تُشَكِّلُ أرضيةَ الحلِّ لكافةِ القضايا التي ستَظهرُ للوسط، أو تلك الموجودة أصلاً. هذا وتُدرَجُ المفاوضاتُ والدبلوماسياتُ الديمقراطيةُ أيضاً في لائحةِ السياسةِ الديمقراطية، التي يَقتضي تفعيلُها وتنشيطُها إزالةَ كلِّ العراقيلِ الموجودة. فحضورُ حريةِ الفكرِ الشاملة، والأحزابِ والنقاباتِ والتعاونياتِ ذاتِ البنيةِ الديمقراطيةِ وشتى أشكالِ المجتمعِ المدنيّ؛ أمرٌ غيرُ ممكنٍ إلا بتذليلِ العراقيلِ المنتصبة. أما تخفيضُ مستوى حاجزِ العشرة في المائة 10% في نظامِ الانتخاباتِ بنسبةٍ كبيرة، أو إزالتُه كلياً؛ فهو بمنزلةِ الضرورةِ التي لا غنى عنها.
الخاصيةُ الرابعة: ينبغي تطوير الأنظمةِ التي تُلبي ضروراتِ حقِّ الدفاعِ الذاتيِّ بشأنِ كِلا الوجودَين والكيانَين.
مبدأ الأمة الديمقراطية:
كلُّ قوميةٍ تُحَقِّقُ التكاملَ يجب أنْ تُنشَأَ كأمةٍ ديمقراطية، وليس كأُمّةٍ – دولة؛ أو أنْ تَهدفَ القومياتُ الموجودةُ إلى المرورِ بالتحولِ كأمةٍ ديمقراطية. ويمكنُ للهويةِ المنفتحةِ الأطرافِ ولمفهومِ الأمةِ المرنِ أنْ يُشَكِّلَ بدايةً كافيةً لأجلِ هذا الهدف. المهمُّ هنا هو إنشاءُ الأمةِ التي سيتحققُ التكاملُ بين أركانها، أو إطراءُ التحولِ عليها تأسيساً على الطوعيةِ الديمقراطية، وليس بإرغامِ السلطة. إنّ الحقوقَ والحرياتِ الفرديةَ والجماعيةَ على السواء، تُشَكِّلُ وجهَي الميداليةِ المُتَمِّمَين لبعضِهما بعضاً في الأمةِ الديمقراطية, وهي لا تشملُ المواطنَ فحسب، بل وتنظرُ إلى مختلفِ أشكالِ المجتمعِ المدنيِّ والجماعاتِ ومجموعاتِ الشعوبِ على أنها مصدرُ غِنى باعتبارِها وَحَداتٍ جماعية, فبقدرِ ما يُصبحُ المواطنون عناصرَ من الأنشطةِ الوظيفيةِ والفعّالة، فإنهم يُشَكِّلون بذلك وضعاً منيعاً بنفسِ القدر.
الخاتمة:
إنَّ الكينونة الإنسانية, تتطلب دائماً سبلاً فعَّالة لضمان السلم الأهلي والتعايش السلمي فيما بين المتعايشين سوياً, وهنا الحديث عن الأقليات على وجه الحصر, مع ضرورة الحفاظ على خصوصيّاتها و ضمان عدم المساس بها أو محاولة صهرها في بوتقة الأغلبية المجتمعية.
الكثير من روَّاد الفِكر عبر التاريخ, حاولوا جاهدين بلورة نظام اجتماعي متماسك في بنيانه يسمو بالفرد وفق أسس التعايش السلمي والتعايش المشترك, أكثر من أيّ نظام شمولي آخر يهدف لإقصاء دور الأقليات وصهرهم, ما يعني بشكلٍ أو بآخر تعدّياً صارخاً على كينونتهم.
المراجع:
– تقرير “الإعلام والتنوع في دول المشرق العربي” لمركز “الأزمات والدعم” للخارجية الفرنسية.
– الأمةِ الديمقراطية للمفكر عبد الله أوجلان.
تشملُ المواطنَ فحسب، بل وتنظرُ إلى مختلفِ أشكالِ المجتمعِ المدنيِّ والجماعاتِ ومجموعاتِ الشعوبِ على أنها مصدرُ غِنى باعتبارِها وَحَداتٍ جماعية, فبقدرِ ما يُصبحُ المواطنون عناصرَ من الأنشطةِ الوظيفيةِ والفعّالة، فإنهم يُشَكِّلون بذلك وضعاً منيعاً بنفسِ القدر.
الخاتمة:
إنَّ الكينونة الإنسانية, تتطلب دائماً سبلاً فعَّالة لضمان السلم الأهلي والتعايش السلمي فيما بين المتعايشين سوياً, وهنا الحديث عن الأقليات على وجه الحصر, مع ضرورة الحفاظ على خصوصيّاتها و ضمان عدم المساس بها أو محاولة صهرها في بوتقة الأغلبية المجتمعية.
الكثير من روَّاد الفِكر عبر التاريخ, حاولوا جاهدين بلورة نظام اجتماعي متماسك في بنيانه يسمو بالفرد وفق أسس التعايش السلمي والتعايش المشترك, أكثر من أيّ نظام شمولي آخر يهدف لإقصاء دور الأقليات وصهرهم, ما يعني بشكلٍ أو بآخر تعدّياً صارخاً على كينونتهم.
المراجع:
– تقرير “الإعلام والتنوع في دول المشرق العربي” لمركز “الأزمات والدعم” للخارجية الفرنسية.
– الأمةِ الديمقراطية للمفكر عبد الله أوجلان.
تعددية الثقافية والعرقية كأساس للأمة الديمقراطية
تحقيق التعايش السلمي عبر مبدأ الأمة الديمقراطية
حيث لا مكان للإقصاء القومي أو الطائفي
أ. مصطفى شيخ مسلم
المقدمة:
لطالما عُرف البشر منذ القدم بالصفة الاجتماعية, ما يعني بشكلٍ أو بآخر أنهم كانوا جماعات تتّسم بالتنوع إلى يومنا هذا, والتي كانت تتعايش طوال القرون الماضية جنباً إلى جنب وسط قواسم مشتركة وأخرى غير مشتركة, قواسم كانت في بعض الأحيان بمثابة اللبنة الأساسية للاندماج المجتمعي الحقيقي فيما بين فئتين مختلفتين في العرق أو المذهب أو المعتقد وفي بعض الأحيان الأخرى كانت بمثابة الشرخ الذي كان يتم استغلاله لإشعال الحروب والنعرات فيما بين الشرائح المختلفة عقائدياً أو عرقياً, وذلك لتمرير السياسات من خلالها.
مع تشييد الحضارات عبر التاريخ, كانت معضلة التنوع الثقافي والعرقي بمثابة الحجر الأساس لتمرير أي مشروع سياسي من خلال الفروقات الثقافية والمذهبية والإثنية فيما بين فئات المجتمع ككل.
مشكلة البحث: يتطرق البحث إلى التكوين المجتمعي وما يتسم به من تنوّع واختلاف فيما بين العرق والمعتقدات والمذاهب, وكل ما يميّز فئة مجتمعية عن أخرى.
أهمية البحث: إنَّ البحث يستهدف بنيان المجتمع وركائزه الأساسية من المكونات التي باجتماعها يتكون المجتمع, والخوض في سبل العيش المشترك فيما بين كل المكونات من ذوي الخلفيات المختلفة بعضها عن بعض.
أهداف البحث: يهدف البحث إلى تسليط الضوء على الجماعات التي تشاركت في الانتماء لذات الجغرافيا على امتداد مئات السنين إلى يومنا هذا, وكيفية نبذ الخلافات التي من شأنها إحداث تغييرات جذرية تطال بنية المجتمع, وذلك بالاستناد إلى دراساتٍ وأطروحات لعل أبرزها مفهوم الأمة الديمقراطية للسيد عبدالله أوجلان.
التعددية الثقافية
التعددية الثقافية ما هي إلَّا فلسفة سياسية تختزل الكثير من المفاهيم داخلها, إذ تعدّ بمثابة عقد اجتماعي غير مدوَّن فيما بين المتعايشين في ظل مفهوم التعددية الثقافية, والتي تهدف دائماً إلى تطوير التنوع الثقافي في مجتمعات تنتمي إلى خلفيات دينية أو ثقافية أو عرقية مختلفة.
والهدف منها توطيد التفاهم المشترك بين المكونات الاجتماعية بشكلٍ يرسخ تحقيق المساواة فيما بينها في الواجبات والحقوق على حدٍ سواء, كما أنَّها تسعى إلى تنظيم أمور الجماعات متعددة الانتماءات، وإكسائها شعوراً بالمكانة والقيمة والتقدير، وكذلك تهدف لتطوير الانسجام بين مختلفي الثقافات، لتخفيف حِدِّة الصِّراع الاجتماعي، والتناحر العرقي.
وُجِدَتْ التعددية الثقافية على سبيل الاستجابة للرغبة في كسب الاعتراف بالأقليات وانتماءاتها الثقافية في عصرنا الحديث, أي فيما تلى ظهور الأيديولوجيات المتطرِّفة التي لا تؤمن بالتنوع، بل تحاربه بشتَّى السبل وكذلك الأمر لا تعترف بالتعدد الواقعي، بل على النقيض من ذلك, إنَّما تنتهج نهجاً عنيفاً حدَّ المغالاة في محاولات الصهر بين المكونات المجتمعية، ما نتج عن ذلك شعور الكثير من الجماعات بالحرمان من أدنى مقومات الحياة السياسية, فضلاً عن الشعور بالتهميش، وعدم المساواة في الحقوق والمزايا السياسية، ومن أجل كل ما سبق, كانت أطروحات التعدد الثقافي بمثابة الحل الأمثل في مواجهة هذه المشاكل المستدامة، فيما لو تم تطبيقها بشكلٍ يؤدي بنتيجة الحال إلى انتشال الاحتقانات القبلية والدينية والمذهبية وكذلك الاجتماعية، فينعكس بصورة تلقائية على مكونات المجتمع بأنَّهم سواسية ومتساوون في الحقوق والواجبات، ولعل من أبرز الأمثلة الحية على ذلك الحالة المجتمعية في الهند، أميركا وكندا، وفي هذه الحالة، ينبغي إيجاد نموذج معتدل من التعددية الضامنة للحقوق دونما تفريط بحق أحدٍ على حساب آخر، وبالمحصّلة، ما من مجتمع على وجه المعمورة إلا وكان بحاجة لتعددية ثقافية تأخذ بالحسبان متطلبات الجماعات المكوِّنة لها وحقوقها، ولكن الأخذ بالتعددية في مجتمعات لم تعتد المسؤولية الجمعية, والشراكة المجتمعية الحقيقية في كل مفاصل الحياة، وتفتقر للهوية المجتمعية الجامعة، بل تتسم بواقع كبير من التهميش والاستئثار، سيؤدي ذلك إلى ولادة مخاطر حقيقية، على رأسها خلق حالة من الفوضى العسكرية ما يعني نزاعات مسلَّحة لا تُحمد عُقباها, وبالتالي الانقسام المجتمعي، كما حدث في العراق وبلاد البلقان في السنوات المنصرمة، وذلك الحال في سوريا في يومنا هذا, ولهذا باتت الحاجة ملحّة أكثر من أي وقتٍ مضى لحتمية الأخذ بمبدأ التعددية الثقافية بوعي وتدرّج بما لا يؤدي إلى النزاع, إنما التشاركية الحقيقية بين مكونات المجتمع الأصيل, داخل مجتمع أكبر على توجهاتها الثقافية الفريدة، إذ لا مشكلة لها حيال الثقافة السائدة قيمها وممارساتها، على أن تكون متجانسة مع قيم المجتمع الأوسع. وقد تطور وصف وتعريف التعددية الثقافية، بأنَّها مصطلح اجتماعيّ، إذ نُعِتَتْ بكونها ليستْ مجرد حقيقة، بل هدف مجتمعي ذو مدلولٍ أشمل وأكثر توافقاً.
التعددية العرقية والدينية في الشرق الأوسط:
لدى الحديث عن التعددية العرقية والدينية, يمكننا القول إن منطقة الشرق الأوسط تُعدّ من أكثر المناطق غَنى بالأعراق و الديانات والثقافات والمذاهب, إضافة لكثرة الأقليات فيها ( يهود, دروز, علويون, آشوريون, تركمان, إيزيديون, إسماعيليون, شركس, أرمن.. إلخ) وعلى وجه التحديد في كل من سوريا ولبنان والعراق، وهو ما يتطلب بطبيعة الحال نمطاً خاصاً في التعامل مع هذا التنوع ضمن صفوف المجتمع الذي يحتضن الكثير من الأقليات، وحذراً وحرصاً في كيفية خلق منصّة جامعة لإدارة التنوّع القديم الحاضر بِقوَّة في هذه البلاد لاسيّما في وقت تفتك بتلك البلدان نزاعات طائفية مسلَّحة وكذلك حروب أهلية قديمة مستجدّة.
انطلاقاً مما سبق, وللضرورة الملحّة لإيجاد حلول من شأنها خلق مناخ آمن لترسيخ سبل العيش المشترك فيما بين المكونات المجتمعية باختلافها, برز مصطلح التعايش السلمي في المجتمعات التي تُعرف باختلاف مكوناتها من حيث المذهب والإثنية والعقيدة والديانة والقومية, وهو ما يُقصد به سطوة المنافسة السلمية البعيدة عن أي شكل من أشكال العنف بما فيه العنف اللفظي, في نطاق المعتقدات والأفكار التي تؤمن بها كل دول العالم, إذ يعني مصطلح التعايش السلمي شكل العلاقة فيما بين شركاء الهوية والانتماء الوطني في ذات الدولة, حيث تسودها النُظُم الاجتماعية المختلفة بأصلها, في الوقت الذي يسعى لفرض الاحترام لكينونة الدولة ككل, بما في ذلك السعي للحفاظ على الأمن في أراضيها, إذ برز مفهوم التعايش السلمي إبَّان الثورة البلشفية في روسيا عام /1917م/ وذلك من قبل رئيس الوزراء الأول للدولة السوفييتية, وسُرعان ما ارتفعت الأصوات المطالبة بتبنّي مصطلح التعايش السلمي خلال الحرب العالمية الثانية.
ـ مفهوم التعايش السلمي:
إنَّ المقصود بالتعايش السلمي بإيجاز هو إمكانية تعايش المختلفين دينياً أو عرقياً أو مذهبياً تحت سقفٍ جامع وهو ما يعرف بالمجتمع, وذلك على أسس ومعايير أهمها احترام حقوق الآخرين ومعتقداتهم وثقافاتهم، دون أي تهميش أو تمييز, إذ من المحال إحقاق التعايش السلمي دونما وجود الحدّ الأدنى من السلام الداخلي والاستقرار المجتمعي داخل أروقة مجتمع مختلف الثقافات والانتماءات.
إذ أنَّه ومن خلال التعايش السلمي، يكون بمقدور المجتمع تجأوز الصراعات والأزمات أيً كانتْ، والتركيز بدلاً من الانشغال بالصراعات, على كيفية تحقيق أهداف تنموية مشتركة.
مبادئ التعايش السلمي:
إنَّ أهم مبدأ للتعايش السلمي هو الاتفاق الضمني والمسؤولية المجتمعية حيال ضرورة صون تلاحم أراضي المجتمع وتماسكهِ، كذلك الأمر فيما يتعلق باحترام مبدأ سيادة النظام السياسي التوافقي للدولة الجامعة لكل المكونات.
– السعي بشكلٍ متناسب لاستتباب الأمن والأمان ونشره بين المكوّنات الأخرى التي تتشارك ذات الهوية والانتماء المجتمعي، ونبذ أي اعتداءات أو نزاعات قد تحدث بين المكونات المجتمعية، وتفضيل لغة الحوار المتبادل كأساس في مواجهة أي خلاف.
– المقاربة السليمة المبنية على احترام الكينونة الداخلية للمجتمع ككل وشؤونه، وعدم التدخل بخصوصية باقي فئات المجتمع أو محاولة التضييق عليهم, وكذلك العمل على خلق المساواة في الحقوق والواجبات، والتعامل بكل ما يخص الشأن العام وفق سياسة توافقية مع بقية فئات المجتمع الذين يُعتبرون شركاء في الهوية والانتماء.
إنَ الهدف الرئيس لمبدأ التعايش السلمي في المجتمع متعدد الثقافات والأعراق سياسياً واجتماعياً, ينحصر في السعي من خلاله لتأطير ونبذ أي خلافات أو صراعات يُخشى حدوثها فيما بين الجماعات بمختلف أنواعها، سواء كان على المستوى الداخلي المحلي أو الإقليمي أو حتى الدولي، والسيطرة على آلية احتواء النزاعات والسيطرة عليها، مما يعزّز التواصل المفتوح فيما بينهم، وإعلاء مبدأ حرية الرأي، والنهج السياسي، وبالتالي عدم الخوض في صراعاتٍ على أساس هذه الاختلافات.
فيما يتعلق بالشقّ الاقتصادي, تتبلور صورة التعايش في جانبه الاقتصادي في تعزيز العلاقات التعاونية، وتحفيز تبادل المنفعة التجارية، والتي يُعوَّل عليها كثيراً في تحقيق التنمية الاقتصادية في المجتمعات، إذ يُعدّ الانتعاش في الاقتصاد هو السبب والعامل الرئيس لترسيخ الرخاء في الهيكل الاقتصادي لأي مجتمعٍ كان.
أما فيما يتعلق بحرية المتعقد وممارسة الشعائر الدينية؛ فإن للتعايش السمي هدفاً جليّاً في هذا الجانب وهو إحلال مبدأ الأمان والسلام بين أتباع الديانات المختلفة، فضلاً عن السعي لاحترام الأديان جميعها دون استثناء، وكذلك الأمر تقبُّل الاختلافات الدينية بين العامَّة، و نبذ سياسة الترهيب الديني المتمثلة بالإجبار والقمع ضدّ أيّ أشخاص يحملون معتقدات أخرى، وثقافات مختلفة.
ولتعزيز التعايش السلمي في المجتمعات متعددة الثقافات والأعراق, ينبغي على أفراد المجتمع قبول بعضهم بعضاً باختلاف اللهجة، أو اللون أو الثقافة أو القومية أو الديانة أو العرق أو الجنس، إذ يتوجب على كل فرد احترام حياة الأفراد الآخرين، والتعامل معهم وفق القيم الإنسانية المبنية على العدل والمساواة، دون ترهيب المختلف أو تعريضه للعنف سواء أكان مادياً أم لفظياً، أو خلق تهديد يطال حياته وعائلته، أو ممتلكاته, فقط لكونه مختلفاً مذهبياً أو دينياً أو عرقياً.
لمفهوم التعايش السلمي روّاد تاريخيون, إذ تعتبر نظرية ” التطور السلمي ” بمثابة اللبنة الأساسية لأطروحة التعايش السلمي التي عُدِّلتْ مِنْ قِبل جون فوستر دلاس بالاستناد للفكرة التي كان قد أنشأها في الأصل جورج كينان, الذي بدوره اقترح أن الكتل الاشتراكية والرأسمالية يمكن أن تصل إلى حالة من التعايش السلمي في برقية طويلة كتبها في 22 فبراير عام 1946, كما ترجّح مصادر تاريخية أنَّ خروتشوف كان من أوائل الداعيين للتعايش السلمي وذلك عقب وفاة ستالين, كما كان للاتحاد السوفيتي دور بارز في تطوير مفاهيم التعايش السلمي, إذ راح يطبّقها في المقام الأول في سياق السياسة الخارجية الماركسية اللينينية, وتبنّتها فيما بعد الدول الاشتراكية المتحالفة مع الاتحاد السوفيتي.
أما فيما يتعلق بالمفكرين والرُوَّاد المعاصرين فيأتي المفكر عبدلله أوجلان بأطروحته الأمة الديمقراطية في مقدمة المفكرين المعاصرين من دُعاة التعايش السلمي, إذ تتطرَّق الأطروحة لكل مفاصل الحياة اليومية في المجتمعات الغنية بالأعراق المختلفة والإثنيات والأديان والقوميات, حيث يُشخِّص السيد أوجلان في أطروحته “الأمة الديمقراطية” غالبية المعوقات التي كانت بمثابة نقطة الارتكاز لسياسات التفريق من قبل الدولة الحاكمة فيما بين المجتمع بكل أطيافه بدءاً بتعريتها عبر تحليل المقومات التاريخية لها, وصولاً لتقديم حلول عصرية من شأنها خلق حياة كريمة فيما بين المختلفين مذهبياً وعرقياً و دينياً من ذوي الانتماء لذات الجغرافيا.
نظرية الأمةِ الديمقراطية للمفكر عبد الله أوجلان:
إنّ نظريةَ الأمةِ الديمقراطيةِ تُعنى بأهميةِ المجموعةِ والجماعةِ والمجتمعِ المدنيِّ بقدر أهميةِ المواطن، وتُضَمِّنُ وجودَهم بالدستور. وهي تعتقد بأنّ مصطلحَ المواطنِ المجردِ هو ثرثرةٌ ليبرالية، وأنّ المواطنَ لن يكتسبَ معنىً ملموساً إلا بانتسابِه إلى مجموعةٍ أو جماعةٍ أو مجتمعٍ مدنيّ.
أريد أن أوضح وأطرح بنفس الوقت؛ أن كفاحات الأمةِ المتطلعةِ إلى الدولةِ وكفاحات الدولةِ المتطلعةِ إلى الأمةِ هي المؤثِّرُ المِحوريُّ في الواقعِ الدمويِّ للعصر. وتحقيقُ مُلاقاةِ الأمةِ مع السلطةِ والدولة، هو منبعُ قضايا عصرِ الحداثة. وإذا ما قارنّا تلك القضايا مع القضايا الناجمةِ من الدولِ الديكتاتوريةِ والسلالاتية، فسنَجِدُ أنّ القضايا في عصرِ الحداثةِ تنبعُ من أمةِ الدولة، وأنّ هذا الوضعَ يُشَكِّلُ أكبرَ فارقٍ بينهما. إذ تُعرَضُ الدولةُ القومية، التي هي إحدى أشدِّ المواضيعِ تعقيداً في علمِ الاجتماع، وكأنها عصا سحريةٌ وأداةٌ قادرةٌ على حلِّ جميعِ القضايا المناهِضةِ للحداثة بمجردِ لَمسِها. في حين أنها مضموناً تَجعَلُ من القضيةِ الاجتماعيةِ الواحدةِ أَلفاً، بسببِ تسريبِها جهازَ السلطةِ حتى أدقِّ الأوعيةِ الشعريةِ للمجتمعات. والسلطةُ بحَدِّ ذاتِها تُفرِزُ المشاكل، وتنمُّ عن القمعِ والاستغلالِ كقضايا اجتماعية، نظراً لطابعِها الكمونيِّ لرأسِ المال المُنَظَّمِ في هيئةِ العنف, ذلك أنّ مجتمعَ الأمةِ النَّمَطيّةِ الذي تَرمي إليه الدولةُ القومية، يُنشِئُ مواطنين مُصطَنَعين ومُزَيَّفين، مشحونين بالعنف، يَبدون متساوين (حقوقياً كما يُزعَم)، إذ عُمِلَ على مُساواتِهم ببعضِهم بعضاً ببَترِ جميعِ أعضاءِ المجتمعِ بمِنشارِ السلطة. هذا المواطنُ متساوٍ مع غيرِه حسبَ التعبيرِ القانونيّ، لكنه يعاني أقصى درجاتِ اللامساواةِ في جميعِ ميادينِ الحياةِ فرداً وكياناً جماعياً.
إنّ تنظيمَ الحداثةِ الرأسماليةِ لنفسِها كدولةٍ قومية، يؤدي دوراً قمعياً واستغلالياً أكبر من تنظيمِها لذاتِها كاحتكارٍ اقتصاديّ, من هنا فالنقصانُ الفادحُ والتحريفُ الأوليُّ للماركسيةِ خصوصاً وللسوسيولوجيا عموماً، يتجسدان في القصورِ عن رؤيةِ أواصرِ الدولةِ القوميةِ مع القمعِ والاستغلال، أو في تقديمِ الدولةِ القوميةِ كمؤسسةٍ اعتياديةٍ جداً في البنيةٍ الفوقية. ولدى القيامِ بتحليلِ الطبقاتِ ورأسِ المالِ الماديِّ بنحوٍ مستقلٍّ عن الدولةِ القومية، فإنه يُعَدُّ تعميماً تجريدياً أَعشَماً وفَجّاً وعاجزاً عن إفرازِ أيةِ نتيجةٍ اجتماعيةٍ مثمرة. وهذا التجريدُ يتخفّى وراءَ فشلِ الاشتراكيةِ المشيّدة, أو بالأحرى، النتائجُ المرتبطةُ بهذا التجريدِ قد لعبَت دورَها في فشلِها.
الأمةُ اصطلاحاً هي شكلُ المجتمعِ الذي يَلي تَحَوُّلَ الكلاناتِ والعشائرِ وقبائلِ القُربى إلى كياناتٍ كالقومِ أو الشعبِ أو المِلَّة، والذي غالباً ما يُصَنِّفُ ذاتَه وفقَ تَشابُهِ اللغةِ والثقافة. والمجتمعاتُ الوطنية أوسعُ نطاقاً وأكبرُ حجماً من مجتمعاتِ القبائلِ والأقوام, ولهذا فهي تجمعاتٌ بشريةٌ تَربطُها ببعضِها بعضاً روابطٌ رخوة. المجتمعُ الوطنيُّ هو بالأغلب ظاهرةٌ من ظواهرِ عصرِنا, وإذا ما صِيغَ تعريفٌ عامٌّ له، فبالإمكانِ القولُ إنه تَجَمُّعٌ مِمَّن يتشاطرون ذهنيةً مشتركة, أي أنه ظاهرةٌ موجودةٌ ذهنياً, بالتالي فهو كيانٌ مجردٌ وخياليّ, وباستطاعتِنا تسميته أيضاً بالأمةِ المُعَرَّفةِ على أساسِ الثقافة. هذا هو التعريفُ الصائبُ سوسيولوجياً. فبأعمِّ الأشكال، ومن أجلِ التحولِ إلى أمة، يَكفي أنْ يتكوَّنَ عالَمٌ ذهنيٌّ وثقافيٌّ مشترك، على الرغمِ من اختلافِ الطبقاتِ أو الجنسِ أو اللونِ أو الأثنيةِ أو حتى اختلافِ جذورِ الأمة. ولزيادةِ تعقيدِ هذا التعريفِ العامِّ للأمة، فإنّ أمةَ الدولة، أمةَ القانون، الأمةَ الاقتصادية، والأمةَ العسكريةَ (مِلّة الجيش) وغيرَها، تُعَدُّ تصنيفاتٍ أخرى للميولِ القوميةِ المُشتَقةِ التي تُحَصِّنُ الأمةَ العامة, وبالمقدورِ تسميتها بأممِ القوةِ أيضاً, ذلك أنّ التحولَ إلى أمةٍ قويةٍ يُعَدُّ غايةً نموذجيةً وأساسيةً للحداثةِ الرأسمالية, حيث تُسفرُ الأمةُ القويةُ عن امتيازاتِ رأسِ المالِ والسوقِ الواسعةِ وفُرَصِ الاستعمارِ والإمبريالية. بناءً عليه، فمن الأهميةِ بمكان عدم النظر إلى هكذا أممٍ مُحَصَّنةٍ على أنها النموذجُ الوحيدُ للأمة، بل ينبغي تناولها بأنها أممُ القوةِ الشوفينية، والأممُ المُسَخَّرةُ لرأسِ المال. وتشكيلُها لمنبعِ المشاكلِ يُعزى أصلاً إلى سماتِها هذه. أما نموذجُ الأمةِ الديمقراطية، فهو النموذجُ القابلُ للاشتقاقِ من الأمةِ الثقافية، والذي يَلجمُ القمعَ والاستغلالَ ويدحضُهما. فالأمةُ الديمقراطيةُ هي الأمةُ الأقرب إلى الحريةِ والمساواة, وتأسيساً على هذا التعريف، فهي تُشَكِّلُ مفهومَ الأمةِ المُثلى للمجتمعاتِ الهادفةِ إلى الحريةِ والمساواة.
إنّ عدم قيامِ الحداثةِ الرأسماليةِ وعلمِ السوسيولوجيا المُستقى منها بتناولِ صنفِ الأمةِ الديمقراطية، إنما هو بحُكمِ بُنيتِهما وهيمنتِهما الأيديولوجية, ذلك أنّ الأمةَ الديمقراطيةَ هي تلك الأمةُ التي لا تكتفي بالشراكةِ الذهنيةِ والثقافيةِ فحسب، بل وتُوَحِّدُ كافةَ مُقَوِّماتِها وتُديرُها في ظلِّ المؤسساتِ الديمقراطيةِ شبهِ المستقلة, هذا هو الجانبُ المُعَيِّنُ فيها, أي أنّ طرازَ الإدارةِ الديمقراطيةِ وشبهِ المستقلة، هو الشرطُ الرئيسيُّ في لائحةِ صَيرورةِ الأمةِ الديمقراطية, وهي بجانبِها هذا بديلٌ للدولةِ القومية. فالإدارةُ الديمقراطيةُ البديلةُ لحُكمِ الدولةِ فرصةٌ عظيمةٌ للحريةِ والمساواة. في حين أنّ السوسيولوجيا الليبراليةَ تُطابِقُ الأمةَ أساساً مع دولةٍ مُشادة أو مع حركةٍ تَهدفُ إلى تشييدِ دولة. وكَونُ حتى الاشتراكيةِ المشيدةِ سارت في هذا المنحى، هو مؤشرٌ على مدى قوةِ الأيديولوجيا الليبرالية. أما الحداثةُ البديلةُ في الأمةِ الديمقراطية، فهي العصرانيةُ الديمقراطية. في حين يُشَكِّلُ الاقتصادُ المُطَهَّرُ من الاحتكار، والأيكولوجيا الدالةُ على التناغمِ مع الطبيعة، والتقنيةُ الصديقةُ للطبيعةِ والإنسان؛ يُشَكِّلُ الأرضيةَ المؤسساتيةَ للعصرانيةِ الديمقراطية، وبالتالي للأمةِ الديمقراطية.
ظاهرتا الوطنِ المشتركِ والسوقِ المشتركةِ المطروحتان كشرطٍ أساسيٍّ للمجتمعاتِ الوطنية بوصفِهما عاملاً مادياً، لا تُعتَبَران سمةً مُحَدِّدةً للأمة, فمثلاً وبالرغمِ من بقاءِ اليهودِ بلا وطنٍ حقبةً طويلةً من الزمن، إلا أنهم عاشوا مدى التاريخِ في كافةِ الأقاصي الثريةِ من المعمورةِ كأقوىِ أمة, ورغمَ عدمِ امتلاكِهم سوقاً وطنية، إلا أنهم عَرِفوا كيف يصبحون الأمةَ الوحيدةَ الأقوى في أسواقِ العالَمِ جمعاء. ما من شكٍّ في أنّ الوطنَ والسوقَ أداتان تحصينيتان منيعتان جداً من أجلِ أمةِ الدولة. وقد شُنَّت أكثرُ الحروبِ عدداً وأشدُّها دمويةً في التاريخِ في سبيلِهما, فالوطنُ ثمينٌ جداً كساحةِ مُلك، والسوقُ نفيسةٌ جداً كميدانٍ يَدُرُّ الربح. أما مفهومُ الوطنِ والسوقِ في الأمةِ الديمقراطية، فهو مغاير, إذ تَنظرُ الأمةُ الديمقراطيةُ بعينِ التثمينِ إلى الوطن لأنه فرصةٌ عظيمةٌ من أجلِ ذهنيةِ الأمةِ وثقافتِها، بحيث يستحيلُ التفكيرُ في ذهنيةٍ أو ثقافةٍ لا مكانَ للوطنِ في ذكرياتِها وذاكرتِها, ولكن يجب ألاّ ننسى قطعياً أنّ مصطلحَ الوطنِ أو البلد، الذي أَضفَت الحداثةُ الرأسماليةُ مسحةً من الفَاشيّةِ عليه، وصَيَّرَته أعلى مَنزِلةً من المجتمع؛ يَهدفُ إلى الربحِ والكسب. لذا من المهمِّ عدم المغالاةِ في الوطن, فمفهومُ “كلُّ شيءٍ في سبيلِ الوطن” ينبعُ من مفهومِ الأمةِ الفاشية, والأجدرُ هو نَذرُ كلِّ شيءٍ في سبيلِ مجتمعٍ حرٍّ وأمةٍ ديمقراطية. هذا ومن الضروريِّ عدم إعلاءِ ذلك أيضاً إلى مستوى العبادة, فلُبُّ الأمرِ يكمنُ في تصيير الحياةِ قَيِّمَةً ثمينة, أي أنّ الوطنَ ليس غاية، بل هو مجردُ وسيلةٍ بالنسبةِ لحياةِ الأمةِ والفرد. وبينما تَنساقُ أمةُ الدولةِ وراءَ المجتمعِ النمطيّ، فغالباً ما تتألفُ الأمةُ الديمقراطيةُ من التجمعاتِ والكياناتِ المختلفة، وترى اختلافاتِها مصدرَ غِنى. والحياةُ بذاتِ عينِها ممكنةٌ أصلاً بالاختلاف, والدولةُ القوميةُ، التي تُرغِمُ على صيرورةِ نمطٍ واحدٍ من المواطنِ وكأنه خرجَ من مِخرطةٍ واحدة، مُناقِضةٌ للحياةِ بجانبِها هذا أيضاً. ذلك أنّ هدفَها النهائيَّ هو خلقُ إنسانٍ آليّ. وهي في الحقيقةِ بمَنحاها هذا تنساقُ صوب الفناءِ والعَدَم. أما مواطنُ أو عضوُ الأمةِ الديمقراطية فهو مختلف, وينتهلُ اختلافَه هذا من مختلفِ التجمعات. وحتى وجودُ العشائرِ والقبائلِ أيضاً يُعَدُّ مصدرَ غنىً بالنسبةِ للأمةِ الديمقراطية.
وإلى جانبِ أهميةِ اللغةِ بقدرِ الثقافةِ من أجلِ كينونةِ الأمة، إلا أنها ليست شرطاً حتمياً, فالتبعيةُ إلى لغاتٍ مختلفةٍ ليست عائقاً أمام الانتماءِ إلى الأمةِ عينِها. وهكذا لا معنى للاقتصارِ على لغةٍ أو لهجةٍ واحدةٍ من أجلِ كلِّ أمة. من هنا، وإلى جانبِ ضرورةِ اللغةِ القومية، لكنها ليست شرطاً حتمياً, بل بالمستطاعِ النظر إلى تعددِ اللغاتِ واللهجاتِ بعينِ الغِنى بالنسبةِ إلى الأمةِ الديمقراطية, لكنّ الدولةَ القوميةَ تَعملُ أساساً بإرغامِ اللغةِ الواحدةِ بمنوالٍ صارم، ولا تُتيحُ الفرصةَ يسيراً للتعددِ اللغويّ، وخاصةً لتعددِ اللغاتِ الرسمية, بل تسعى بجانبِها هذا إلى الاستفادةِ من امتيازاتِ كينونةِ الأمةِ الحاكمة.
بالوِسعِ الحديثُ عن أمةِ القانونِ مفهوماً ووِفاقاً، في الأجواءِ التي يتعسرُ على الأمةِ الديمقراطية النماءُ فيها، والتي تَعجزُ الدولةُ القوميةُ عن حلِّ القضايا ضمنها. وما الحلُّ الذي يُعَبَّرُ عنه بصيغةِ “المواطَنةِ الدستوريةِ” في حقيقتِه، سوى حلٌّ مرتكزٌ إلى أمةِ القانون. فالمواطَنةُ القانونيةُ المُحَصَّنةُ بضمانٍ دستوريّ، لا تَتَّخذُ من التمييزِ العِرقيِّ أو الأثني أو القوميِّ أساساً. وهكذا خصائص لا تُوَلِّدُ الحقوق. وأمةُ القانونِ معيارٌ مُتَنامٍ بجانبِها هذا. ونخصُّ في هذا الصددِ الأممَ الأوروبيةَ التي تنتقلُ تدريجياً من الأممِ المِلّيةِ صوبَ أممِ القانون. الأساسُ في الأممِ الديمقراطية هو الإدارةُ شبهُ المستقلة، وفي أمةِ القانون هو الحقوق. أما في الدولةِ القومية، فالمُعَيِّنُ هو حُكمُ السلطة. في حين أنّ النموذجَ الأخطرَ للأمةِ يتشكلُ مع ذهنيةِ “مِلّة الجيش” ومؤسساتها. فهذا النموذج من الأمة، وعلى الرغمِ من مَظهرِه الذي يُوحي بأنها تُمَثِّلُ الأمةَ القوية؛ إلا أنه يُعبِّرُ مضموناً عن أمةٍ لا يُطاقُ العيشُ فيها، ويحتوي بين طياتِه ذهنيةً تفرضُ الوظائفَ بالإرغامِ وتَصِلُ حدَّ الفاشية. أما الأمةُ الاقتصادية، فهي تصنيفٌ قريبٌ من الدولةِ القومية, ومفهومُ الأمةِ هذا في البلدانِ التي تَعتَرفُ بالدورِ الرئيسيِّ والمِحوريِّ للاقتصاد، كأمريكا واليابان وحتى ألمانيا، كان أكثر رسوخاً في أوروبا ماضياً. في حين، يتعسرُ القولُ بنجاحِ صنفِ الأمةِ الاشتراكية فيها، على الرغمِ من محاولاتِ تجريبِه. وهو مثالٌ نُصادفُه جزئياً في كوبا، ولكنه الشكلُ الاشتراكيُّ المشيَّدُ للدولةِ القومية, أي أنه شكلٌ تَحلُّ فيه الدولةُ القوميةُ التي تَطغى عليها رأسماليةُ الدولة، مَحلَّ الدولةِ القوميةِ التي تَسُودُها الرأسماليةُ الخاصة.
الخاصيةُ التي ينبغي توخي الحساسيةِ في تصنيفِها لدى وضعِ نظريةِ الأمةِ في الأجندة، هي حقيقةُ تقديسِ وتأليهِ الأمة. فالحداثةُ الرأسماليةُ قد أَنشَأَت ألوهيةَ الدولةِ القوميةِ بالتحديد، بدلاً من الدينِ والإلهِ التقليديَّين. هذه نقطةٌ جدُّ مهمة, فإذا ما فسَّرنا الأيديولوجية القومويةَ بكونِها دينَ الدولةِ القومية، فسنتمكنُ من الإدراكِ أنّ الدولةَ القوميةَ نفسَها هي إلهُ هذا الدين. والدولةُ بالذات قد شُيِّدَت في عصرِ الحداثةِ بمنوالٍ يَحتوي زُبدةَ كافةِ مصطلحاتِ الألوهيةِ السائدةِ في العصورِ الوسطى، بل وحتى في العصورِ الأولى أيضاً. فالظاهرةُ المسماةُ بـ”الدولةِ العلمانيةِ” ما هي إلا تشييدٌ أو تجسيدٌ عينيٌّ لجميعِ ألوهياتِ العصورِ الأولى والوسطى، أو هي خُلاصتُها كدولة. يجب عدم الانخداعِ في هذا الموضوعِ بتاتاً, وإذا ما نَبَشنا في طِلاءِ الدولةِ القومية، علمانيةً كانت أم عصرية، فستظهرُ من تحتِه الدولةُ الألوهيةُ السائدةُ في العصورِ الوسطى والأولى. إذاً، ثمة عُرى وثيقةٌ للغاية بين الدولةِ والألوهية, وبنفسِ المنوال، هناك علاقةٌ متينةٌ جداً بين مُلوكِ العصورِ الأولى والوسطى من جهة، ومصطلحِ الإلهِ من الجهةِ الثانية. ولدى زوالِ تأثيرِ شخصِ المَلِكِ عقبَ العصورِ الوسطى، ولدى تَحَوُّلِ المَلَكِيات إلى مؤسساتٍ ثم إلى دولٍ قومية؛ فقد تنحى الإلهُ– المَلِكُ أيضاً عن مكانِه لإلهِ الدولةِ القومية. تأسيساً عليه، فما يتوارى خلفَ تقديسِ مؤسساتِ الدولةِ القوميةِ بنحوٍ مشابِهٍ لتقديسِ مصطلحاتِ الوطنِ والأمةِ والسوق، هو الهيمنةُ الأيديولوجيةُ للحداثةِ الرأسمالية، والتي تُمَكِّنُها من حصدِ الربحِ الأعظم. ذلك أنّه بقدرِ ما تُحَوِّلُ الهيمنةُ الأيديولوجيةُ تلك المصطلحاتِ المعنيةِ بالأمةِ إلى دين، فهي تستطيعُ بذلك شرعنةَ قانونِ الربحِ الأعظم، وتَجعلُه قيدَ التنفيذ.
والهتافُ بشكلٍ يَصُمُّ الآذانَ بالشعاراتِ والرموزِ الأساسيةِ للدولةِ القوميةِ في عصرِنا، من قبيلِ “عَلَمٌ واحد”، “لغةٌ واحدة”، “وطنٌ واحد”، “دولةٌ واحدة”، و”دولةٌ مركزيةٌ واحدة”؛ وكذلك تَحَسُّسُ العيونِ من الأعلامِ ذاتِ الألوانِ المُغايِرة، واستصغارُها؛ وتصيير العالَمِ الذهنيِّ مارداً ومَعطوباً؛ وتأجيجُ نعرةِ الشوفينيةِ القومية، والإعلاءُ من شأنِها لدرجةِ جعلِها طقوساً تُطلَقُ في كلِّ تظاهُرة، وخاصةً في الأنشطةِ الرياضيةِ والفنية؛ كلُّ ذلك يتوجبُ تقييمُه بأنه أشكالُ العبادةِ في الدينِ القومويّ. في الحقيقة إن عبادات العصورِ القديمةِ أيضاً كانت تؤدي الوظيفةَ نفسَها. المَرامُ الأصلُ هنا هو تأمينُ سَرَيانِ منافِعِ احتكاراتِ السلطةِ ورأسِ المال، وتَمريرُها إما خِفيةً أو بتقديسِها وشرعنتِها. من هنا، نستطيعُ استيعابَ حقيقةِ الواقعِ الاجتماعيِّ بنحوٍ سديدٍ أكثر، إذا ما تناولنا جميعَ المقارباتِ والممارساتِ الراهنةِ المبالِغةِ والمُوارِيةِ المعنيةِ بالدولةِ القوميةِ مُؤَطَّرةً بهذه البراديغما الأساسية.
الأمةُ الديمقراطيةُ هي نموذجُ الأمةِ الذي يُعاني بأقلِّ الدرجات من هذه الأمراض. فهذا النموذج لا يُقَدِّسُ إدارتَه، لأنّ الإدارةَ فيه ظاهرةٌ شفافة مُسَخَّرةٌ لخدمةِ الحياةِ اليومية. والجميعُ فيه مُؤَهَّلٌ لأنْ يَكُونَ موظفاً إدارياً، في حالِ تلبيتِه المتطلباتِ والمقتضيات. أي أنّ الإدارةَ فيه قَيِّمة، لكنها ليست مقدَّسة. ومفهومُ الهويةِ الوطنيةِ فيه منفتحُ الأطراف، وليس كعضويةٍ أو عقيدةٍ دينيةٍ منغلقة. والانتماءُ فيه إلى أمةٍ ما، ليس امتيازاً ولا عَيباً, بل يُمكن الانتماء فيه إلى عدةِ أمم. أو بالأصح، قد تُعاشُ فيه قومياتٌ مختلفةٌ متداخلة, إذ بمقدورِ الأمةِ الديمقراطيةِ وأمةِ القانونِ أنْ تعيشا سوية، وبكلِّ يُسر، في حالِ تمكينِ الوِفاقِ بينهما. أما الوطنُ والعَلَمُ واللغة، وإلى جانبِ قيمتِهم العالية، لكنهم ليسوا مقدَّسين. والعيشُ في ظلِّ تشاطُرِ الوطنِ المشترك واللغاتِ والأعلامِ المشتركةِ بشكلٍ متداخلٍ على دربِ الصداقةِ بدلَ التضاد، ليس ممكناً فحسب، بل وإنه من ضروراتِ حياةِ المجتمعِ التاريخيّ. من هنا، فظاهرةُ الأمةِ الديمقراطيةِ بكلِّ مزاياها هذه، تأخذُ مكانَها ومكانتَها في التاريخِ ثانيةً كبديلٍ قويٍّ للدولتيةِ القومية، التي هي آلةُ حربٍ طائشةٍ وجنونيةٍ في يَدِ الحداثةِ الرأسمالية.
نموذجُ الأمةِ الديمقراطيةِ باعتبارِه نموذجاً حَلاّلاً، يُنعِشُ ثانيةً دمقرطةَ العلاقاتِ الاجتماعيةِ التي مَزَّقَتها النزعةُ الدولتيةُ القوميةُ إرباً إرباً، ويُفعِمُ الهوياتِ المتباينةَ بروحِ الوفاقِ والسلامِ والسماحة, لذا، فانعطافُ أمةُ الدولةِ صوب الأمةِ الديمقراطية، سيَجلبُ معه مكاسب عظمى, فنموذجُ الأمةِ الديمقراطيةِ يتسلحُ بوعيٍ مجتمعيٍّ سديدٍ للقيامِ أولاً بتطويعِ الإدراكاتِ المجتمعيةِ المشحونةِ بالعنف، ثم لتصييرها إنسانية (الإنسان العاقل والمفعم بالمشاعر، الذي يشعر بالآخرِ ويتقمصُه). لا ريب أنّ هذا النموذجَ يُقَلِّلُ كثيراً من علاقاتِ الاستغلالِ المُطَعَّمةِ بالعنف، رغم أنه لا يقضي عليها كلياً, ويحقق ذلك بإتاحتِه الفرصةَ لمجتمعٍ أكثر حريةً ومساواة. إنه لا يؤدي وظيفتَه هذه بالاقتصارِ فقط على استتبابِ الأمنِ والسلامِ والسماحِ بين صفوفِه، بل وبتخطّيه أيضاً للمقارباتِ المُشَرَّبةِ بالقمعِ والاستغلالِ تجاه الأممِ الأخرى خارجياً، وبتحويلِه المصالحَ المشتركةَ إلى تداؤبٍ وتضافُر. لدى هيكلة المؤسساتِ الوطنيةِ والعالميةِ بناءً على البنيةِ الذهنيةِ والمؤسساتيةِ الأساسيةِ للأمةِ الديمقراطية، فسوف يُدرَكُ أنّ النتائجَ التي ستُسفِرُ عنها الحداثةُ الجديدة، أي العصرانيةُ الديمقراطية، ستَكُونُ بمثابةِ النهضة، ليس نظريّاً فحسب، بل وعملياً أيضاً, أي إنّ بديلَ الحداثةِ الرأسماليةِ هو العصرانيةُ الديمقراطية، والأمةُ الديمقراطيةُ الكامنةُ في أساسِها، والمجتمعُ الاقتصاديُّ والأيكولوجيُّ والسِّلميُّ المنسوجُ داخلَ وخارجَ ثنايا الأمةِ الديمقراطية.
السبيلُ الأخلاقيُّ والسياسيُّ الصائبُ على الإطلاقِ للنفاذِ من أزمةِ رأسِ المالِ الماليِّ العالميّ، هو الإنشاءُ السريعُ للأممِ الديمقراطيةِ الجديدةِ بمزاياها المناسبة للحل بنحوٍ متفوقٍ وخارق، عوضاً عن بناءِ الدولةِ القومية، التي باتت جوفاء أو أُفرِغَت من محتواها راهناً؛ وعوضاً عن اتحاداتِها الإقليميةِ والعالمية، وبالأخصِّ هيئة الأمم المتحدة. وهو لا يقتصرُ على إقامةِ الأمةِ الديمقراطيةِ مقامَ الدولةِ القوميةِ الواحديةِ أو على اعتبارِها حالتَها المُحَوَّلة فحسب؛ بل وينسحبُ على تطويرِ النماذجِ الإقليميةِ (الاتحاد الأوروبيّ يسيرُ في هذا المنحى نسبياً) والعالميةِ أيضاً بشكلٍ متداخل.
تعريف الأمة الديمقراطية:
الأمةِ الديمقراطيةِ هي التي تتألف من الأفرادِ الذين يتشاطرون حقوقَهم وحرياتِهم الرئيسيةَ بالتساوي، بقدرِ ما تتألفُ من شتى أنواعِ الثقافاتِ والأثنياتِ والأديان (مفهوم الهوية المرنة والمنفتحة الأطراف)، والمستندةِ بالتالي إلى دعامةِ وحدةِ الحقوقِ الفرديةِ والجماعية؛ هذا التعريفُ يتحلى بالقدرةِ على تأمينِ التكامُلِ الأشملِ ضمن تناغُمٍ مع تعريفِ الوطنِ المشترك.
وإلى جانبِ هذه الخصائصِ العامة، بمقدورِنا إعادة ترتيبِ بعضِ المبادئِ الأساسيةِ لحلِّ الأمةِ الديمقراطية:
1 – الأمة الديمقراطية:
تُعَبِّرُ عن حالةِ الأمةِ في المجتمعِ الديمقراطيِّ الذي لا يستندُ إلى لغةٍ أو أثنيةٍ أو طبقةٍ معينة، ولا يرتكزُ إلى الدولة، بل هو متعددُ اللغاتِ ومتنوعُ الأثنيات، ولا يتيحُ المجالَ للتمايزِ الطبقيِّ أو لامتيازِ الدولة، بل يعتمدُ على الأفرادِ الأحرارِ والمتساوين. فالأمةُ الديمقراطيةُ تتكونُ من المواطنِ الديمقراطيِّ والجماعاتِ الديمقراطية. وهي تعمَلُ أساساً ببراديغما الأمةِ المرنةِ المتألفةِ من الهوياتِ الثقافيةِ المنفتحةِ الأطراف.
2 – الوطن المشترك (الوطن الديمقراطيّ):
يُعَبِّرُ عن مجموعِ الأوطانِ التي تتمُّ مشاطرتُها بحريةٍ ومساواة، بحيث لا يُقصي شخصٌ شخصاً آخر، ولا تُقصي مجموعةٌ مجموعةً أخرى.
3 – الجمهورية الديمقراطية:
تُعَبِّرُ عن انفتاحِ الدولةِ على المجتمعِ الديمقراطيِّ والفردِ الديمقراطيّ. فتنظيمُ الدولةِ ظاهرةٌ مختلفةٌ عن التنظيمِ الديمقراطيِّ للفرد, بالتالي فهي تتَّخِذُ من احترامِ كلٍّ منهما شرعيةَ الآخرِ أساساً لها.
4 – الدستور الديمقراطيّ:
وهو الدستورُ المُعَدُّ بتوافقٍ اجتماعيٍّ يعملُ أساساً بحمايةِ المواطنِ الديمقراطيِّ والجماعاتِ الديمقراطيةِ في وجهِ الدولةِ القومية.
5 – التحام الحقوقِ والحريات الفردية والجماعية:
مثلما أنّ المجتمعَ المتكونَ من الأفرادِ أمرٌ مختلفٌ عن إجماليِّ أو مجموعِ أولئك الأفراد، فالحقوقُ الفرديةُ والجماعيةُ أيضاً تُعَبِّران عن وجهَين مختلفَين للمجتمعِ نفسِه، رغمَ أوجُهِ الاختلافِ بينهما. فمثلما ما مِن ميداليةٍ بوجهٍ واحد، كذا لا وجودَ لمجتمعٍ ذي حقوقٍ جماعيةٍ فقط، ولا وجودَ لأفرادٍ ذوي حقوقٍ فرديةٍ فحسب.
6 – الحريةُ الأيديولوجية والاستقلالُ الأيديولوجيّ:
محالٌ تطبيقُ حلِّ الأمةِ الديمقراطية، من دونِ تخطّي الهيمنةِ الأيديولوجيةِ الوضعيةِ للحداثةِ الرأسماليةِ والعبوديةِ الليبراليةِ المُعاد إنشاؤُها في هيئةِ الفردية, والوعيُ الذاتيُّ بخصوصِ الطبيعةِ الاجتماعيةِ للذات، إنما هو شرطُ وعيِ الحلّ القوميِّ الديمقراطيّ.
7– التاريخانية والحاضرية:
الوقائعُ الاجتماعيةُ وقائعٌ تاريخية, فالوقائعُ المُعاشةُ في التاريخِ تُعاشُ أيضاً في الحاضرِ وفيما هو يوميٌّ راهن، مع فارقٍ بسيطٍ جداً. ومن دونِ عقدِ الأواصرِ بين التاريخِ والحاضرِ بمنوالٍ صحيح، لا يُمكنُ تخطّي الفرديةِ المُجَرَّدةِ من التاريخِ في الحداثةِ الرأسمالية، ولا تجاوز ذهنيةِ المجتمعِ النمطيةِ واللحظيةِ والحاضرية. من هنا، فالاستيعابُ السليمُ للتاريحِ والحاضر، شرطٌ ضروريٌّ من أجلِ حلِّ الأمةِ الديمقراطية.
8– الأخلاق والضمير:
مستحيلٌ البلوغُ بأيةِ قضيةٍ اجتماعيةٍ إلى حلٍّ صائبٍ وقويم، ما لَم يُلجَأْ إلى الأخلاقِ والضمير. وحلولُ الحداثةِ في القوةِ والقانونِ بمفردِها، لن تُثمرَ عن نتيجةٍ أبعد من طمسِ القضايا وتشويهِها. إنّ التقمصَّ العاطفيَّ والشعورَ بالآخر، والذي ينبعُ من الأخلاقِ والضمير، شرطٌ أوليٌّ في حلِّ الأمةِ الديمقراطية.
9– الدفاعُ الذاتيُّ في الديمقراطيات:
مثلما أنه لا وجود لكيانٍ بلا دفاعٍ ذاتيّ، كذا فالمجتمعاتُ الديمقراطية التي تُعتَبَرُ الكيانَ الأرقى في الطبيعة، لن تتحققَ ولن تستمرَّ بوجودِها من دونِ دفاعٍ ذاتيّ. لذا، يجب تلبية متطلباتِ مبدأِ الدفاعِ الذاتيِّ بالتأكيد، في الحلولِ القوميةِ الديمقراطية.
هذه المواقفُ المبدئية، التي ينبغي تطويرها أكثر، تُؤَمِّنُ تعرُّفَنا على حلٍّ الأمةِ الديمقراطيةِ عن كثب. هذه المبادئُ التي يَضَعُها الاتحادُ الأوروبيُّ أيضاً في جدولِ أعمالِه دوماً بنحوٍ طبيعيٍّ وتدريجيّ، هي حقاً بمثابةِ العلاجِ الشافي، سواءً بالنسبةِ للقضايا الاجتماعيةِ في الشرقِ الأوسطِ عموماً، أم من أجلِ القضيةِ الاجتماعيةِ الكرديةِ بالأكثر, والحلُّ الديمقراطيُّ، الذي سيُصاغُ ويُطَبَّقُ في كردستان على أرضيةِ هذه المبادئِ وعلى مسارِ تعريفِ الحياةِ القوميةِ الديمقراطية، يتميّزُ بأهميةٍ تاريخية.
دخول تركيا سياقَ الدمقرطة، والحلُّ الديمقراطيُّ في القضيةِ الكردية، هما بمثابةِ وجهَي الميدالية, حيث لا وجهَ من دونِ الآخر. سيَكونُ الأمرُ منيراً أكثر، فيما لو حاولنا إسقاطَ أبعادِ الحلِّ على تركيا بنحوٍ عينيٍّ أكثر. قبل كلِّ شيء، لا يمكن غضّ النظرِ عن الموقفِ المبدئيِّ المذكورِ والمُكَرَّرِ أعلاه باقتضاب. ذلك أنّ الحلولَ المجردةَ من المبدأِ والنظام، لن تَكُونَ مفهومة، ولن تُسفِرَ عن نتيجةٍ أبعد من كونِها مُداواةً بالتضميدِ اليوميِّ المؤقت. إنّ الحلَّ الذي يُعتَقَدُ به، هو حلٌّ محتمَلٌ يُدافَعُ عن تطبيقِه وعيشِه على مدارِ هذا السياقِ البنيويِّ برمّته، سواءً تبعثَرَ النظامُ الرأسماليُّ الغربيُّ المهيمنُ أم استمر.
الخاصيةُ الأولى: إذاً؛ يتمُّ هنا اقتراحُ حلٍّ يَدومُ طيلةَ سياقِ المدنيةِ الغربية، بل وقابلٍ لتجاوزِها.
الخاصيةُ الثانية: إنه يَعترفُ بوجودِ المجتمعِ القوميِّ الديمقراطيّ، وبالتالي بشرعيتِه وقدرتِه على الحلّ؛ أياً كانت الكياناتُ البُنيويةُ والمؤسساتيةُ لعناصرِ الحداثةِ الرأسماليةِ داخلَ جمهوريةِ تركيا، وأياً كانت الاحتكاريةُ الأيديولوجيةُ الكائنةُ فيما بينها. عناصرُ الحلِّ الديمقراطيِّ المطروحِ هنا، لا تَقترحُ القضاءَ بالثورةِ على عناصرِ الحداثةِ الرأسمالية (الدولتية القومية، الرأسمالية، والصناعوية)، ولا تَقبَلُ أيضاً بالإبادةِ والصهرِ على يدِ سياسةِ القوةِ العسكريةِ التي تَتَّبِعُها تلك العناصر. هذان الكيانان والوجودان الأوليان، اللذان يعترفان بشرعيةِ بعضِهما بعضاً، يَقتَرحان ويعمَلان أساساً بالحياةِ المشتركة والتنافُسِ الخالي من النزاعِ والتصادم.
الخاصيةُ الثالثة: إنه يَطرحُ تأسيساً على الخاصيتَين السابقتَين فكرةَ استحالةِ الاستغناءِ عن مؤسسةِ السياسةِ الديمقراطية, ذلك أنّ السياسةَ الديمقراطيةَ تُشَكِّلُ أرضيةَ الحلِّ لكافةِ القضايا التي ستَظهرُ للوسط، أو تلك الموجودة أصلاً. هذا وتُدرَجُ المفاوضاتُ والدبلوماسياتُ الديمقراطيةُ أيضاً في لائحةِ السياسةِ الديمقراطية، التي يَقتضي تفعيلُها وتنشيطُها إزالةَ كلِّ العراقيلِ الموجودة. فحضورُ حريةِ الفكرِ الشاملة، والأحزابِ والنقاباتِ والتعاونياتِ ذاتِ البنيةِ الديمقراطيةِ وشتى أشكالِ المجتمعِ المدنيّ؛ أمرٌ غيرُ ممكنٍ إلا بتذليلِ العراقيلِ المنتصبة. أما تخفيضُ مستوى حاجزِ العشرة في المائة 10% في نظامِ الانتخاباتِ بنسبةٍ كبيرة، أو إزالتُه كلياً؛ فهو بمنزلةِ الضرورةِ التي لا غنى عنها.
الخاصيةُ الرابعة: ينبغي تطوير الأنظمةِ التي تُلبي ضروراتِ حقِّ الدفاعِ الذاتيِّ بشأنِ كِلا الوجودَين والكيانَين.
مبدأ الأمة الديمقراطية:
كلُّ قوميةٍ تُحَقِّقُ التكاملَ يجب أنْ تُنشَأَ كأمةٍ ديمقراطية، وليس كأُمّةٍ – دولة؛ أو أنْ تَهدفَ القومياتُ الموجودةُ إلى المرورِ بالتحولِ كأمةٍ ديمقراطية. ويمكنُ للهويةِ المنفتحةِ الأطرافِ ولمفهومِ الأمةِ المرنِ أنْ يُشَكِّلَ بدايةً كافيةً لأجلِ هذا الهدف. المهمُّ هنا هو إنشاءُ الأمةِ التي سيتحققُ التكاملُ بين أركانها، أو إطراءُ التحولِ عليها تأسيساً على الطوعيةِ الديمقراطية، وليس بإرغامِ السلطة. إنّ الحقوقَ والحرياتِ الفرديةَ والجماعيةَ على السواء، تُشَكِّلُ وجهَي الميداليةِ المُتَمِّمَين لبعضِهما بعضاً في الأمةِ الديمقراطية, وهي لا تشملُ المواطنَ فحسب، بل وتنظرُ إلى مختلفِ أشكالِ المجتمعِ المدنيِّ والجماعاتِ ومجموعاتِ الشعوبِ على أنها مصدرُ غِنى باعتبارِها وَحَداتٍ جماعية, فبقدرِ ما يُصبحُ المواطنون عناصرَ من الأنشطةِ الوظيفيةِ والفعّالة، فإنهم يُشَكِّلون بذلك وضعاً منيعاً بنفسِ القدر.
الخاتمة:
إنَّ الكينونة الإنسانية, تتطلب دائماً سبلاً فعَّالة لضمان السلم الأهلي والتعايش السلمي فيما بين المتعايشين سوياً, وهنا الحديث عن الأقليات على وجه الحصر, مع ضرورة الحفاظ على خصوصيّاتها و ضمان عدم المساس بها أو محاولة صهرها في بوتقة الأغلبية المجتمعية.
الكثير من روَّاد الفِكر عبر التاريخ, حاولوا جاهدين بلورة نظام اجتماعي متماسك في بنيانه يسمو بالفرد وفق أسس التعايش السلمي والتعايش المشترك, أكثر من أيّ نظام شمولي آخر يهدف لإقصاء دور الأقليات وصهرهم, ما يعني بشكلٍ أو بآخر تعدّياً صارخاً على كينونتهم.
المراجع:
– تقرير “الإعلام والتنوع في دول المشرق العربي” لمركز “الأزمات والدعم” للخارجية الفرنسية.
– الأمةِ الديمقراطية للمفكر عبد الله أوجلان.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.