العنف الرمزي للمركزية الغربية كيفية إعادة إنتاج التبعية في العلاقات الدولية
سهام محمـد
مقدمة:
لو أمعنا النظر في قراءة مفاعيل وتأثيرات وتحليلات القوة في العلاقات الدولية, فإنه يمكننا القول إنه لم يعد مقتصراً على الأبعاد التقليدية المعروفة، مثل القدرات العسكرية أو التفوق الاقتصادي أو المادي أو السياسي، بل أصبح يتطلب مقاربة أكثر تركيباً وتعقيداً تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الرمزية والمعرفية والثقافية والفكرية وحتى الأيديولوجية والإعلام وتكنولوجيا المعلومات، والتي تشكل إدراك الفاعلين الدوليين لأنفسهم وللآخرين المنافسين أو الأعداء المفترضين.
وفي هذا الإطار، ومن خلال بحثنا نودّ الحديث عن مفهوم العنف الرمزي بوصفه إحدى أدوات المركزية لفهم أنماط الهيمنة المعاصرة التي لا تُفرض بالقوة المباشرة، بل تُمارس من خلال إنتاج المعنى وإعادة تشكيل الوعي والتأثير عليه.
يرتبط هذا الشكل من العنف ارتباطاً وثيقاً ببنية المركزية في النظام العالمي وتركيبته، حيث تحتكر مجموعة من الدول المركزية، خصوصاً في الغرب، إنتاج المعرفة والمعايير والقوالب والأنظمة والقوانين التي يتم من خلالها تعريف مفاهيم مثل “التنمية” و”الديمقراطية” و”الحداثة” وتعاريف اصطلاحية تتعلق بالتطرف والعنف والإرهاب وغيرها بما يتناسب تلك المعايير وبما تخدم الهيمنة فقط.
ونتيجة لذلك، تجد الدول الطرفية (دول الأطراف) نفسها مندمجة ضمن منظومة رمزية تجعلها تتبنى نماذج المركز، ليس بفعل الإكراه المباشر، بل نتيجة (التداخل) وبفعل تلك العلاقات والتي تكون مفروضة في الكثير من الأحيان بسبب التداخل البنيوي والوظيفي.
ينطلق هذا البحث من تقاطع نظري بين علم الاجتماع النقدي، ونظرية النظام العالمي، وأدبيات التبعية، بالإضافة إلى النقد الثقافي مع إدماج تحليل مقارن لمدارس العلاقات الدولية الكلاسيكية والنقدية المختلفة.
أهمية البحث: يمكن الحديث عن أهمية البحث من خلال:
إعادة تعريف مفهوم الهيمنة في العلاقات الدولية من خلال نقله من المستوى التقليدي الكلاسيكي إلى المستوى الرمزي، حيث تصبح القدرة على إنتاج المعنى والتحكم في الخطاب الدولي شكلاً من أشكال القوة لا يقل أهمية عن القوة المدية العسكرية والاقتصادية والسياسية.
كما يساهم في سدّ فجوة معرفية بين علم الاجتماع السياسي والنظريات المتعلقة بالعلاقات الدولية وأشكال الهيمنة، من خلال توظيف مفهوم العنف الرمزي في تحليل بنية النظام الدولي.
ويتيح ذلك فهماً كبيراً و أعمق لاستمرار التبعية، ليس بوصفها نتيجة للإكراه، بل كنتيجة لعملية معقدة من إعادة إنتاج القيم والمعايير التي تتبناها قوى الهيمنة تلك.
إن تفكيك مفهوم العنف الرمزي وربطه ببنية العلاقات الدولية، وتحليل المركزية بوصفها بنية معرفية وسياسية ودراسة العلاقة بين العنف الرمزي والتبعية، ومقارنة تفسير الظاهرة عبر مدارس العلاقات الدولية، وتقديم مقاربة نقدية لتحرير الفاعلين الدوليين من الهيمنة الرمزية؛ هي من النقاط التي ركزت عليها في هذا البحث.
إشكالية البحث:
تتعلق المشكلة الأساسية التي تطرحها الدراسة حول كيف يمكن أن يساهم العنف الرمزي الناتج عن المركزية في إعادة إنتاج التبعية داخل النظام العالمي، وكيف تختلف تفسيرات هذه الظاهرة بين المدارس الواقعية والليبرالية والنقدية.
ولتحقيق ذلك، تطرح الدراســة هذه الأسئلة الرئيســة ما هي الآليات والأدوات التــي يتم من خلالها ممارســة العنف المعرفي تجــاه الدول النامية، وما هي انعكاســاته وكيف يمكن التصدي والتغلب على العنف المعرفي؟
تعتمــد الدراســة فــي تحليلهــــا وإجاباتهــا عن الأسئلة علــــى المنهج التحليــلي بالاعتماد على آراء مجموعة من المفكرين والباحثين والسياسيين ومعرفة الخطاب لتبيــان موضــع الدول النامية في خطاب حقل العلاقات الدولية والنظريات الوضعية، إضافةً إلى التوظيف المعرفي لمفهوم العنف المعرفي لفهم آليات اشتغال الهيمنة المعرفية في هذا الحقل، ومفهوم العصيان المعرفــي وكيفية الانفكاك من هــذه الهيمنة.
تســــعى هــــذه الدراســــة للبحــث فــي العنــف المعرفي الــذي اعترى حقــل العلاقات الدولية وعلاقته بالمركزية الغربية، ومآلات ذلك على نظريات العلاقات الدولية، وللكشف عن النقاط العمياء تجاه الدول النامية.
وتهدف إلى تحدي الســرديات ووجهات النظر الغربية الســائدة في العلاقات الدوليــة، مــع تأكيد وجود أصــوات ونظريات في الجنوب جرى إســكاتها وتهميشــها تاريخيـاً فــي حقــل العلاقات الدوليــة.
مصطلحات البحث:
العنف الرمزي (Symbolic Violence):
شكل من أشكال الهيمنة غير المباشرة يتم من خلاله فرض أنماط معرفية وثقافية تُقبل باعتبارها طبيعية.
وهذا النوع من العنف يمارس عن طريق اللغة، الأفكار، الثقافة والمعايير, وتفرض هيمنة بطريقة خفية دون استخدام القوة.
المركزية (Centralism):
تعني تمركز القوة والمعرفة في دول محددة تتحكم في تعريف المعايير الدولية, وهو توجّه فكري ومعرفي سياسي وثقافي يجعل من التجربة الغربية مرجعاً ومعياراً للحداثة.
التبعية (Dependency):
علاقة بنيوية غير متكافئة تجعل الدول الطرفية خاضعة للمركز اقتصادياً وثقافياً. وتأخذ أشكالاً في السياسة والاقتصاد والمعرفة والتكنولوجيا, والعلاقة تكون غير متكافئة.
الهيمنة (Hegemony):
القدرة على فرض الرؤية والمعايير، سواء عبر القوة أو عبر الإقناع الرمزي, والسيطرة أو التأثير في أطراف أخرى بحيث يتبع ويتقبل الواقع كالهيمنة السياسية والهيمنة الاقتصادية والسيطرة على التجارة والأسواق والتحكم في الموارد والمعابر، أو التفوق العسكري وفرض النفوذ بالقوة أو السيطرة على إنتاج المعرفة والإعلام.
الأبستمولوجيا (Epistemology):
مصطلح مركب من لفظتين: إحداهما أبيستما (Episteme) وهي المعرفة، والأخرى لوغوس (Logos) وهي النظرية أو الدراسة, بالتالي فمعنى الأبستمولوجيا هو نظرية المعرفة. وهي تعنى بدراسة مبادئ المعارف وفرضياتها ونتائجها دراسة انتقادية توصل إلى إبراز أصلها المنطقي وقيمتها الموضوعية.
المبحث الأول: العنف الرمزي كبنية للهيمنة “العنف الرمزي وإنتاج المعنى:
العنف الرمزي بوصفه شكلًا من أشكال الهيمنة التي تُمارس عبر فرض أنماط إدراكية تجعل الخاضعين لها يقبلون بها كأمر طبيعي كما عرّفها عالم الاجتماع الفرنسي “بيير بورديو” (Pierre Bourdieu) في العلاقات الدولية، يتجلى ذلك في تبنّي الدول الطرفية لنماذج المركز دون إدراك لطابعها الإيديولوجي.
العنف الرمزي عبارة عن عنف غير محسوس، وهو غير مرئي بالنسبة لضحاياه أنفسهم، وهو عنف يمارس عبر الطرائق والوسائل الرمزية الخالصة أي عبر التواصل، وتلقين المعرفة، وعلى وجه الخصوص عبر عملية التعرف والاعتراف.
هناك صنوف من التصرفات والأقوال والأفعال والعنف الثقافي والفكري الذي يؤدي وظائف اجتماعية كبرى، ويمكن تلمّسه في وضعية الهيمنة التي يمارسها أصحاب النفوذ على أتباعهم بصورة مقنّعة وخادعة، إذ يقومون بفرض مرجعياتهم الأخلاقية والفكرية على الآخرين من أتباعهم، ويولّدون لديهم إحساساً عميقاً بالدونية والعطالة والشعور بالنقص.
يشكل مفهوم العنف الرمزي واحداً من أكثر اكتشافات بورديو الفكرية تألقاً وأهمية، ويمثل حجر الزاوية في مملكته الفكرية، وقد عرف بورديو بهذا المفهوم كما عرف هذا المفهوم به وبأعماله المتواترة. يعلن بورديو في كثير من محطاته الفكرية أن هذا المفهوم يشكل منطلقاً منهجياً للكشف عن الفعاليات الذهنية التي يمارسها المجتمع في تشكيل عقول الأفراد عبر سلطة معنوية كلية القدرة، فالعنف الرمزي يرتدي حلة سلطة معنوية خفية تفرض نظاماً من الأفكار والدلالات والمعاني والعلامات بوصفها مشروعة، وفي كل الأحوال فإن هذه السلطة تعمل على إخفاء علاقات القوة الكامنة في أصل هذه السلطة أو في تكوينات العنف الرمزي عينه.
وهذا يعني أن العنف الرمزي يأخذ صورة سلطة قادرة على فرض نظام من الدلالات والمعاني بوصفها مشروعة، وذلك عبر عملية إخفاء علاقات النفوذ والقوة التي توجد في أصل هذه القوة ذاتها.
لقد تم تأسيس مفهوم العنف الرمزي ومنحه المشروعية الفلسفية، وكان عليه من أجل ذلك أن يبذل جهوداً مضنية من أجل التعريف بأبعاده وحدوده، وأن يعمل بالضرورة على استكشاف دينامياته السوسيولوجية وملابساته الفكرية، وأن يحدد الآثار والوظائف الإيديولوجية التي يؤديها هذا النوع من العنف الذي يتصف بذكائه ودهائه وقدرته على التخفي ونصب الكمائن لضحاياه في مختلف المستويات الإيديولوجية, وقدرة هذا العنف على المراوغة إلى درجة يستطيع فيها أن يتخفى على ممارسيه وضحاياه في آن واحد.
وبعبارة أخرى، يمكن القول إن العنف الرمزي أكثر قدرة وفاعلية من العنف الفيزيائي الذي تمارسه الدولة عبر رجال الأمن، وإنه من أكبر أخطاء الكلاسيكيات الماركسية، ولهذه القوة الرمزية الخفية اهتمامها لاسيما تلك التي تمارس فعلها في ظروف محددة على “أنها لم تُعر الاهتمام ولاسيما تلك التي تمارس فعلها في المجال الاقتصادي والسياسي والهيمنة([1]).
وتأسيساً على هذه المقارنة بين العنف الرمزي والعنف المادي يمكننا من حيث المبدأ أن نعرّف العنف الرمزي بأنه: كل سلطة قادرة على فرض نظام من الدلالات والمعاني بوصفها مشروعة، وذلك عبر عملية إخفاء علاقات النفوذ والقوة التي توجد في أصل هذه القوة ذاتها، وهذا يعني:
- أن العنف الرمزي يأخذ صورة سلطة تفرض نفسها على نسق من الأفراد.
- أن هذه السلطة تفرض نظاماً من الدلالات والقيم والمعاني الرمزية.
- يأخذ العنف الرمزي صورته المشروعة بقدرته على إخفاء مقاصد علاقات القوة.
- يأخذ العنف الرمزي صورة خفية حيث يتغلغل تأثيره في وعي ضحاياه بصورة عفوية دون إحساس
منهم بالإكراه وطرق العنف التقليدية.
المبحث الثاني: المركزية وإعادة إنتاج النظام العالمي
من خلال التركيز على الارتباط بين القوة والمعرفة، يمكن فهم الأمر الذي يُخيّل إلى ميشيل فوكو(Michel Foucault) الذي أخرج المعرفة من نظريات الحداثة التي تراها على أنها حيادية، مقدماً تصوراً نقيضاً لذلك.
فالمعرفة عنده مرتبطة بنظام القوة، معارضاً بذلك الفكرة الشائعة المتمثلة في أن القوة شيء والمعرفة شيء آخر؛ إذ أوضح فوكو أن “القوة والمعرفة نقيضان إحداهما للأخرى، وأنه لا توجد بينهما أي ارتباط”.
يشدد هذا الطرح على العنف المتأصّل بعمق في المعرفة نفسها، بأصولها وتشكيلها وتنظيمها وتأثيرها, ويلقي الضوء على السبل التي يمكن أن تقمع من خلالها أنظمة المعرفة وهياكلها.
لقد أثّرت المركزية الغربية واقترنت المعرفة بالقوة في حقل العلاقات الدولية بخاصة في التنظير في هذا الحقل، ونتج منها ما يسمى “نقاط عمياء” في داخل النظريات الكبرى لعدم اكتمال البنية الفكرية، في الوقت الذي تدعي فيه هذه النظريات أنها تنطلق من هذه النقاط العمياء مقترنة في ادعاءات العمومية([2]).
تُنتج المركزية نظاماً هرمياً يتم فيه تحديد المعايير من قبل المركز, وكيف تُبنى صورة “الآخر” بطريقة تخدم الهيمنة.
يؤكد إيمانويل والرشتاين أن تاريخ الرأسمالية ليس مجرد نظام اقتصادي، بل تعتبر بنية عالمية شاملة أعادت تشكيل العالم خلال ما يقارب سنوات طويلة وعلى جغرافيا واسعة, وذلك من خلال الآليات الخفية التي تنظم النظام العالمي وتضمن استمراره عبر إعادة إنتاج علاقاته غير المتكافئة.
إن المركزية الغربية وعبر الرأسمالية لم تنشأ كنظام محلي أو وطني، بل ظهرت منذ البداية كنظام عالمي قومي مركزي نشأ في أوروبا الغربية خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، ثم توسّع تدريجياً ليشمل بقية العالم وليخضع الكثير من القوى وتزداد شراسة بعد الرحلات التجارية الاستكشافية أثناء الكشوفات الجغرافية الكبرى.
وقد شكّل تفكّك النظام الإقطاعي شرطاً لولادة هذا النظام الجديد، الذي يقوم على منطق التوسع والتراكم والهيمنة العابرة للحدود.
والتمييز بين الاقتصاديات القومية المغلقة وبين الاقتصاد الرأسمالي العالمي، لا يمكن فهمها إلا من خلال منظور “النظام العالمي”، لأن هذا النظام عبر تقسيم دولي للعمل أسّس لبنية هرمية واضحة تتكوّن من دول مركزية مهيمنة، ودول هامشية, وهذه البنية لم تكن ظرفية، بل أصبحت جزءاً أساسياً من النظام العالمي يصعب تغييره.
وتقوم هذه البنية على فكرة المركزية بوصفها القلب المحرّك للنظام العالمي، حيث تتمركز القوة الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية والثقافية في دول محددة تُعرف بدول المركز. وتمتلك هذه الدول القدرة على توجيه الاقتصاد العالمي والتحكم في مسارات الإنتاج والتجارة، كما تفرض معاييرها كنموذج عالمي يُحتذى به. وتُعدّ المركزية بذلك أداة أساسية في الحفاظ على عدم التوازن، لأنها تضمن استمرار تدفق الموارد من الأطراف نحو المركز، وتُبقي هذا الأخير في موقع الهيمنة الدائمة.
تُعدّ هذه التراتبية مهمة لفهم آلية إعادة إنتاج النظام العالمي، حيث لا يقتصر الأمر على توزيع اقتصادي غير متكافئ، بل يمتد إلى منظومة متكاملة من العلاقات السياسية والتكنولوجية والثقافية, فدول المركز تحتكر التكنولوجيا المتقدمة ورأس المال والمعرفة، بينما تبقى دول الهامش في موقع التبعية، وتعتمد على تصدير المواد الأولية والعمالة الرخيصة، مما يضمن استمرار الفجوة التنموية بينها.
وتتم عملية إعادة الإنتاج هذه عبر عدة آليات مترابطة, فمن الناحية الاقتصادية يفرض النظام العالمي تقسيمًا دوليًا للعمل يعيد إنتاج الأدوار نفسها بين الدول. ومن الناحية المؤسساتية، تلعب المنظمات الدولية دورًا في تنظيم الاقتصاد العالمي بطريقة تحافظ على توازن يخدم مصالح المركز.
أما من الناحية الثقافية، فيتم نشر نموذج المركز باعتباره معياراً للتقدم والحداثة، مما يعزز قبول الهيمنة بشكل غير مباشر.
إضافة إلى ذلك، يسهم احتكار المعرفة والتكنولوجيا في ترسيخ التفاوت بين الدول ويجعل من الصعب على الأطراف كسر دائرة التبعية.
إن هذه الآليات المتداخلة تجعل من النظام العالمي بنية ديناميكية قادرة على إعادة إنتاج نفسها باستمرار، حتى عندما تبدو في حالة تغيّر أو تحديث, فالتغيّر داخل النظام لا يعني تغيّر منطق الهيمنة، بل غالبًا ما يؤدي إلى إعادة توزيع المواقع داخله دون المساس بجوهره([3]).
وهنا يمكن القول إن النظام الرأسمالي العالمي ليس مجرد مرحلة اقتصادية، بل هو بنية تاريخية معقدة تُعيد إنتاج عدم المساواة على نطاق عالمي، وتُرسّخ المركزية بوصفها آلية أساسية لاستمرار الهيمنة.
المبحث الثالث: التداخل بين الاقتصاد والرمزية، ونتائج الهيمنة الرمزية
حينما يقدّم المفكر الأمريكي ايمانويل والرشتاين (Wallerstein) في تعريفه لليبرالية تحليلاً بوصفها الإيديولوجيا المهيمنة في العالم منذ القرن التاسع عشر وهي قادرة على ضمان استقرار النظام العالمي.
لا ينظر والرشتاين إلى هذه الأزمة باعتبارها مجرد خلل عابر، بل يراها جزءاً من تحوّل بنيوي طويل الأمد في النظام الرأسمالي العالمي بشقيه الاقتصادي والسياسي.
والنظام العالمي الحديث، الذي تأسس على توازن دقيق بين السوق والدولة والمجتمع، بدأ يفقد قدرته على الاستمرار, فقد كانت الليبرالية تاريخيا تؤدي دور “الوسيط” الذي يخفف من حدة التناقضات داخل الرأسمالية، عبر إصلاحات تدريجية تضمن الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي, إلا أن هذه الآلية بحسب تحليله، لم تعد فعّالة في ظل التغيرات الاقتصادية والسياسية المتسارعة.
ويبرز في هذا السياق ما يسميه “تفكك التوازن القديم”، حيث لم تعد الأدوات التقليدية مثل سياسات الرفاه أو الإصلاحات الليبرالية قادرة على احتواء الأزمات المتكررة. نتيجة لذلك، بدأت تظهر بدائل أيديولوجية متناقضة، تتراوح بين النزعات القومية المتشددة والحركات الراديكالية، وكلها تعكس حالة من فقدان الثقة في المشروع الليبرالي.
كما يؤكد والرشتاين أن العالم يعيش مرحلة انتقالية مفتوحة لا يمكن التنبؤ بنتائجها بشكل حاسم, فالنظام العالمي الحالي يتجه نحو نهاية تدريجية، لكن النظام الذي سيحلّ محله لم يتشكل بعد، وهذه المرحلة، التي تتسم بعدم اليقين تتيح إمكانيات متعددة, فقد تؤدي إلى نظام أكثر عدالةً ومساواةً، أو على العكس، إلى نظام أكثر استبداداً وتفاوتاً وعنفاً وفوضى.
إن مستقبل العالم لا يمكن أن يتحدد فقط من خلال القوى الاقتصادية الكبرى، طالما هناك استمرار للحركات النضالية وهي الحركات الاجتماعية وقدرتها على فرض بدائل جديدة, فالصراع في هذه المرحلة ليس مجرد صراع اقتصادي، بل هو صراع على شكل النظام العالمي القادم بما تحمله من رمزية.
بالمحصلة لا يمكن فصل الهيمنة الاقتصادية عن الرمزية، حيث يعمل النظام العالمي عبر تقسيم العمل، بينما يدعم العنف الرمزي هذا التقسيم([4]).
في هذا الصدد يرى المؤرخ الفرنسي ” فرناند بروديل” (Fernand Braudel ) التطابَقَ بين الاقتصادِ والسوق، حيث يقول إنّ رأسَ المالِ يحققُ الربحَ عن طريقِ هذه السوقِ بالاستفادةِ من فارقِ الأسعارِ في التجارةِ ضمن المسافاتِ الطويلة، وبالتالي تَحَدَّثَ عن وضعِ الرأسماليةِ المضادِّ للسوق, والسوق التي تتسم بالمنافسة والاحتكار والهيمنة والتي تحمل دلالات رمزية للعنف الاقتصادي والتحكم.
ويوضح المفكر عبد الله أوجلان من خلالِ تعريف تضادِّ هيمنةِ النظامِ الرأسماليِّ مع المجتمعيةِ من خلالِ الحروبِ الاستعماريةِ والإمبرياليةِ التي تؤدي إليها، وفاشيةِ الدولةِ القوميةِ التي تُنتِجُها، ودمارِ البيئةِ الذي تُفضي إليه على خلفيةِ الصناعوية، وبُنيتِها المتأزمةِ على الدوام، وتجذيرِها الأقطابِ والأطرافِ الاجتماعيةِ المتطرفةِ بما لا يَحتَمِلُ الإنكارَ أو التفنيد.
وكل هذه الكوراث والأزمات التي حدثت ما تزال تحمل دلالات رمزية ومؤشرات على استمرار تآكل المجتمعات وتدميرها بفعل الهيمنة الرأسمالية والمركزية الغربية.
إذ من الساطعِ أنّ ما هو مضادٌّ للمجتمعِ سيَكُونُ مضاداً للاقتصادِ أيضاً بما يَزيدُ عن الحد. فالرأسماليةُ تُحَقِّقُ “قانونَ الربحِ الأعظميِّ” في ميدانِ المجتمعِ الاقتصاديّ. وتضادُّ الرأسماليةِ كنظامٍ مع الاقتصادِ قد أُثبِتَت صحتُها في كلِّ الميادينِ عبر تجاربِها على طولِ تاريخِها. ولَئِنْ أُضفِيَت المعاني على الرأسماليةِ بصفتِها نسيجاً تاريخياً عن طريقِ المجتمعِ والمجتمعِ الاقتصاديِّ باعتبارِهما تراكُمَ الثقافةِ الماديةِ والمعنوية، وليس عن طريقِ عبدِها البروليتاريِّ بشكلِ تناقضٍ ثانويّ؛ ففي الحقيقة، لن يُكتَبَ تاريخُ “رأس المال” فحسب، بل وسيَكُونُ ممكناً تدوينُ “تاريخِ الرأسماليةِ” أيضاً بمنوالٍ صحيح
المجتمعُ الاقتصاديُّ يتَّخِذُ من جميعِ القوى الاقتصاديةِ الاجتماعيةِ المتأثرةِ سلباً من التحالفِ الاحتكاريِّ أساساً له. وبينما يَتَّخِذُ الاقتصادُ الاشتراكيُّ من القوى الاقتصاديةِ للظروفِ العصريةِ أساساً، فإنّ المجتمعَ الاقتصاديَّ يَستوعبُ القوى الاقتصاديةَ التقليديةَ أيضاً. والأهمُّ من ذلك أنّ الاقتصادَ غيرَ المتحولِ إلى سوق، والطبيعيَّ، وغيرَ المتَبَضِّع، وذا قيمةِ الاستخدامِ الواسعةِ النطاقِ يندرجُ ضمن هذا الإطارِ أيضاً. ونخصُّ بالذكرِ كدحَ المرأةِ والطفلِ الواسعِ الانتشار، والذي غالباً ما يُنتجُ قيمةَ الاستخدام([5]).
المبحث الرابع: التبعية كبنية تاريخية “هيمنة المركزية الغربية على حقل العلاقات الدولية”:
إن عدم قدرة الفكر المهيمَن عليه من قبل الغرب عن العالم الذي نعيش فيه، لا يمكن فهمه من دون أخذ العوامل الكامنة فيه في الحسبان، وهي الإبستيمولوجيا والأنطولوجيا والأيديولوجيا وبنية القّوة، وهي الأسس التي تقوم عليها المركزية الغربية.
التعريف الغربي يعكس العلاقات المركبة بين المعرفة والقّوة؛ إذ إنه لم يكن نتاجاً لتطور الهيمنة الغربية
الاستعمارية على بقية العالم فحسب، بل شكّل وكرّس أيضاً جزءاً من وجودها، فأفكار المركزية الغربية متأثّرة إلى حد بعيد بالامبريالية.
وأنتج ذلك ما أطلق عليها جون هوبسون (John Hobson) اسم الهيمنة الغربية التي قامت عليها المركزية الغربية، وهي: الهوية النبيلة، والأسطورة الوضعية، والسيادة، والعولمة، وأسطورة الجدالات الكبرى.
وهو الذي نقد المركزية الغربية حيث رأى أن معظم العلاقات الدولية مبنية على تجارب الغرب فقط , وتتجاهل مساهمات الجغرافيا الجنوبية والشرقية من العالم.
وكذلك لا يمكن فهم الهيمنة الأمريكية بمعزل عن المركزية الغربية الأوروبية التي حددت معاييرها الباحثة الفرنسية في العلاقات الدولية أودري أليخاندرو (Audrey Alejandro)، والتي تقوم على ثلاثة أسس:
أولاً: إنكار الفاعلية الجنوبية أو المقصود بها الدول النامية باعتبار ‘الغرب’ هو الذات و الذات الفاعلة الاستباقية الفريدة (هنا يوصف ‘الغرب’ على أنه عامل السياسة الفاعلة، في حين يكون سائر العالم مفعولاً به مغّيباً تماماً.
ثانياً: التمركز الغائي على الذات، بحيث يكون الغرب هو المرجع و الخيار الوحيد المتاح.
ثالثاً: تعميم الغرب على أنه المرجع المعياري الأمثل. وقد تُرجم ذلك كله عملياً من خلال الإحالة المستمرة في أدبيات العلاقات الدولية، مثل ثيوسيديدس (Thucydides)، وتوماس هوبز (Thomas Hobbes)، وإميانويل كانط (Immanuel Kant).
في حين أن المفكرين غير الغربيين أمثال عبد الرحمن بن خلدون أو فرانز فانون (Franz Fanon) ، قد تم تهميشهم على الرغم من إسهاماتهم التي لا يمكن إنكارها.
وقد أصبح هذا التوجه الذي يبرز عالم الشمال ويهمّش عالم الجنوب أكثر مع استيعاب الدراسات الأمريكية في أدبيات العلاقات الدولية، ومع تحولها إلى إطار مرجعي، فنشأت علاقات غير متزنة بين الشمال والجنوب؛ إذ جرى اعتبار الباحثين الغربيين هم المنتجين، والجنوبيين هم المستهلكين.
هل هناك حاجة إلى نظرية ذات طابع عالمي؟
فنظريات العلاقات الدولية لا تفسر السياسة العالمية بموضوعية وشمولية، بل على العكس؛ فهي تشيد بالنموذج الغربي وتدافع عنه، وتُصوّره بوصفه المثال المثالي، في حين تهمّش عالم الجنوب وقضاياه.
فمنذ أن بدأت مأسسة العلاقات الدولية بوصفها حقلاً معرفياً، لم تتمكن دول الجنوب من جذب اهتمام المنظّرين والباحثين، واستمر هذا الوضع حتى الحرب الباردة، حيث انحصر الاهتمام بدراسة المواجهة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
وحتى عندما حظيت دول الجنوب بالاهتمام، لم يكن ذلك إلا من خلال علاقتها بالصراع ” الشرقي / الغربي”. ولم يتغير الكثير بعد انتهاء الحرب الباردة؛ إذ لم تشهد العلاقات الدولية ثورات نظرية حقيقية، ولم تُبذل محاولات جادة لإعادة النظر في أسسها، وظلت دول الجنوب خارج دائرة الاهتمام.
إضافة إلى ذلك، فإن هذه النظريات تتجاهل أهم القضايا التي تواجه دول الجنوب، وعلى رأسها الحروب والصراعات المستمرة. فهي من جهة تتناول هذه الظواهر من منظور القوى العظمى، ومن جهة أخرى تتجاهل معظم الصراعات التي تدور في الجنوب، رغم الحاجة الملحّة لفهمها([6]).
المبحث الخامس: العنف الرمزي كآلية استدامة
إن السلطة الرمزية المنتجة للعنف هنا هي امتلاك رأسمال لغوي يجعل من الكلام ذا قوة، من منطلق قوة الكلام الناتج عن السلطة؛ فليس هناك تأثير أو فاعلية للكلام إلا بسلطة، والعكس كذلك، لأن النفوذ السلطوي يقويه ويؤكده النفوذ اللغوي.
وإن العلاقات عند “بيير بورديو” (Pierre Bourdieu) هي علاقات القوة هي التي تعيّن دائماً حدود فعل قوة الإقناع التي يمتلكها النفوذ الرمزي”
و أن التفويض الكلامي لن يُسند إلا لمن كان حائزاً على رأسمال رمزي كثيف، كما أن هذه الشروط التي تجعل المفوَّض مخوّلاً للكلام باسم الجماعة تحتاج إلى شرط آخر، وهو التوافق بين المتكلم عن الجماعة والمكانة التي يشغلها في المجتمع.
لا يتم انتقاء المفوَّض إلا إذا توفرت فيه عدة شروط، من بينها أن يكون حائزاً على رأسمال لغوي كبير حتى يستطيع الكلام باسم الـ”نحن”. وفي الوقت نفسه فإن الكلام لا يُعتد به إلا إذا كان صادراً عن مفوَّض، وهنا تتجلى علاقة معقدة نوعًا ما، جدلية، وإن شئنا قلنا شرطية استلزامية، الذي يخرج الجماعة من العدم إلى الوجود، ومن التستر إلى الظهور([7]).
ترى الحداثة أنه ينبغي الحث على تعدد الثقافات والآراء لمعرفة الهوية الاجتماعية للشعوب والمجتمعات، من خلال تجاوز الأطر القومية الكلاسيكية، والانتماءات العقائدية الدينية والقبلية والقوموية والأثنية الضيقة، الأمر الذي دفع إلى صياغة أفكار وأيديولوجيات سياسية باسم الحرية، والديمقراطية، وتعزيز الطموح للسلطة، ذلك ابتغاء تنفيذ برامجها وأجنداتها.
يعتبر المفكر الأمريكي “نعوم تشومسكي” أن دعوة الليبرالية إلى الحرية هي مجرد كذبة زائفة، إذ أنها تُشجع على استعباد الشعوب، وذكر في كتابه “الحرية واللغة” أن الفوضوية هي الوريثة الشرعية لليبرالية الكلاسيكية.
و المفكر الفرنسي”جان جاك روسو” في كتابه “العقد الاجتماعي” حينما يقول: يولد الناس أحراراً دوماً، بيد أنهم في كل مكان هم، مكبّلون بالأغلال”.
وكذلك “بوكتشين” عندما يقول: إنّ سبب الصراع الدولي يقوم على انعدام المساواة بين التنوّع البشري المدعوم من قبل الرأسمالية التي تشجع استغلال الإنسان للإنسان في تحقيق الربح واستغلال الطبيعة، فالحفاظ على خصوصيّة كلّ مكوّن طبيعي بشري من أصغر مكون إلى أكبر مكون هو الذي يدعم انتفاء الصراع العالمي بين الدول التي بنيت على أساس قومي.
يُحوّل العنف الرمزي التبعية من علاقة مفروضة إلى علاقة مقبولة، حيث يتم إعادة إنتاجها عبر التعليم، والإعلام، والسياسات الدولية.
المبحث السادس: تفكيك الخطاب المهيمن، إعادة تعريف التنمية
تتعدد الأطروحات التي تحمل خطاب الهيمنة والتي تبدأ من المتغيرات على الصعيد العالمي والمبني على العلاقات الدولية, ومن أبرزها زيادة الترابط الاقتصادي بين الدول والعلاقات السياسية والمصالح الجيوسياسية وتعاريف التنمية والمشاريع المشتركة، وبالمقابل من ذلك حيث هناك تزايد في الأزمات الاقتصادية والمالية العالمية التي غيرت من اتجاهات التعامل وفق ضوابط جديدة تحكم العلاقات على جميع الصعد, ولتحقيق أكبر قدر من الاستقرار والمنافع السياسية والاقتصادية.
وتعد العلاقات الآنفة الذكر قوة اقتصادية ذات نمو سريع من قارات متعددة في العالم، استطاعت بأدواتها ومرجعياتها الاقتصادية والسياسية والثقافية المختلفة أن تشكل قوة دولية لا يستهان بها, وتتجه لأن تكون ذات وزن سياسي في كافة الهيئات الدولية وتقف بإمكانياتها المتوفرة في التحكم في القضايا الدولية.
انطلاقاً من الاهتمام الواقعي بالفوضى بوصفها عاملاً رئيسياً، أغفلت النظرية الواقعية العوامل الداخلية، مما جعلها عرضة للانتقاد، إذ تنظر إلى الدولة كصندوق مغلق. لكن في حالة دول الجنوب، لا يمكن تجاهل هذه العوامل، لأنها أساسية في فهم الأحداث.
أما النيوليبرالية فرغم اهتمامها بالعوامل الداخلية، فإن هذا الاهتمام مرتبط أساساً بالديمقراطية, وبناءً عليه تصنّف الدول إلى “جيدة” و”سيئة”. فالدول الديمقراطية تُعدّ تعاونية وسلمية، بينما تُتهم غير الديمقراطية بإشعال الصراعات.
ومن ثم، ترى النيوليبرالية أن تحقيق السلام يتطلب نشر الديمقراطية. لكن هذا الطرح يعجز عن تفسير واقع الصراعات في دول الجنوب، لأنه يربط الاستقرار بالنموذج الغربي فقط.
نحو نظرية أكثر شمولاً:
إن الوعي النقدي والتحرر المعرفي يتطلبان تجاوز المركزية الغربية، وهو ما لم يتحقق في مشروع “العلاقات الدولية العالمية” الذي طرحه أشاريا وبوزان، إذ ظل هذا المشروع محافظاً على الهيمنة الغربية بدلاً من تفكيكها.
لذلك، فإن مواجهة الهيمنة المعرفية لا تتحقق من خلال مشاريع حوارية سطحية، بل عبر مشروع مضاد يبدأ بالعصيان المعرفي، وبناء نظريات جديدة تنطلق من تجارب الجنوب.
كما يجب تشجيع الإنتاج المعرفي باللغة الأم، لضمان عدم إقصاء الباحثين غير الناطقين باللغات المهيمنة. فاللغة ليست عائقاً حقيقياً في ظل توفر الترجمة، وقد أثبت التاريخ ذلك من خلال انتشار أعمال كُتبت بلغات محلية ثم تُرجمت عالمياً.
وفي الواقع لا تستطيع الاستراتيجيات المحددة بمصالح الرأسمال المسيطر، أن تقدم شيئاً للشعوب التي لا تعترف أصلاً بهذه المصالح، إن مجمل السياسات التي تتبعها قوى السيطرة الرأسمالية لم تنتج إلا البؤس والفقر والموت لملايين البشر، وليست الشعوب وحدها ضحايا هذا النظام، فخضوع المجتمعات لمنطق الربح الأقصى للرأسمال المسيطر ينتج أعداداً غفيرة من العاطلين عن العمل، والمفقرين والمهمشين والمبعدين حتى في مراكز تلك الدول نفسها.
الخاتمة:
يؤكد البحث أن العنف الرمزي ليس مجرد عنصر ثانوي، بل هو جوهر الهيمنة في النظام الدولي المعاصر، حيث يُعاد إنتاج التبعية عبر آليات غير مرئية. كما يظهر أن المدارس النقدية توفر الأدوات الأكثر قدرة على تفسير هذه الظاهرة، مقارنة بالمقاربات التقليدية.
ويمكن القول في ختام هذا البحث، إن فهم العنف الرمزي، وبوصفه الآلية الخفية التي تجعل الهيمنة تبدو طبيعية ومقبولة داخل المجتمع، دون الحاجة إلى استخدام القوة المباشرة, فهو وإن اعتمد على أدوات وأساليب لا تُمارس عبر الإكراه المادي، بل من خلال اللغة، والثقافة، والتعليم، والمؤسسات التي تُعيد إنتاج التصورات نفسها التي تخدم مراكز القوة.
وتتجلى الرمزية في المركزية وفي تحليل النظام العالمي، ونجد أن هذا العنف الرمزي يتجلى على نطاق أوسع، حيث تقوم دول المركز بفرض نموذجها الثقافي والمعرفي والاقتصادي والسياسي باعتباره النموذج “الطبيعي” و”الأكثر تقدمًا”. وبهذا المعنى، لا تقتصر الهيمنة على السيطرة الاقتصادية أو السياسية فقط، بل تمتد إلى تشكيل الوعي والإدراك والفكر، وإعادة إنتاج القيم والمعايير التي تجعل تبعية الأطراف أمراً يمكن قبوله أو غير مُشكَّك فيه.
أما في إطار الهيمنة، فإن العنف الرمزي يُعدّ أحد أهم أدواتها، لأنه يضمن استمراريتها دون صراع مباشر دائم, فبدل أن تُفرض السلطة بالقوة، يتم تثبيتها عبر القبول الاجتماعي والاعتراف غير الواعي بشرعيتها. وهكذا تتداخل المركزية مع الهيمنة والعنف الرمزي في شبكة واحدة، تُعيد إنتاج النظام العالمي غير المتكافئ، وتُرسّخ الفوارق بين المركز والهامش بوصفها واقعًا “طبيعيًا” لا يبدو قابلاً للتغيير بسهولة.
المراجع والمصادر:
- بيير بورديو، الرمز والسلطة، ترجمة عبد السلام بن علي، دار المعرفة للنشر، الدار البيضاء2007م
- محمد حميش، الانتقائية التحليلية في حقل العلاقات الدولية سياسات عربية، العدد 28 أيلول 2017
- ايمانويل والرشتاين، الرأسمالية التاريخية، ترجمة عومرية سلطاني، دار مدارات للأبحاث والنشر، القاهرة 2024
- ايمانويل والرشتاين، بعد الليبرالية، ترجمة: محمد حمشي، مدارات للأبحاث والنشر، القاهرة،1995
- عبد الله أوجلان، مانفيستو الحضارة الديمقراطية، المدنية الرأسمالية، المجلد الثاني، مطبعة آزادي، 2013م
- صلوخ، باسل، ومي درويش، تدريس العلاقات الدولية في العالم العربي، مجلة سياسات عربية، العدد 61، مارس 2023
[1] – بيير بورديو، الرمز والسلطة، ترجمة عبد السلام بن علي، دار المعرفة للنشر، الدار البيضاء2007م
[2] – محمد حميش، الانتقائية التحليلية في حقل العلاقات الدولية سياسات عربية، العدد 28 أيلول 2017
[3] – ايمانويل والرشتاين، الرأسمالية التاريخية، ترجمة: عومرية سلطاني، دار مدارات للأبحاث والنشر، القاهرة 2024
[4] – ايمانويل والرشتاين، بعد الليبرالية، ترجمة: محمد حمشي، مدارات للأبحاث والنشر، القاهرة،1995
[5] – عبد الله أوجلان، مانفيستو الحضارة الديمقراطية، المدنية الرأسمالية، المجلد الثاني، مطبعة آزادي، 2013م
[6] – صلوخ، باسل، ومي درويش، تدريس العلاقات الدولية في العالم العربي، مجلة سياسات عربية، العدد 61، مارس 2023
[7] – بيير بورديو، الرمز والسلطة، ترجمة عبد السلام العالي، دار توبقال للنشر،الدار البيضاء 2007، صفحة 36
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.