قراءة في عملية الدمج بين الإدارة الذاتية ودمشق.. التوافقات والإشكاليات وتصوّر حل القضية الكردية
جميل رشيد
تمهيد:
تُعِدُّ قضية الاندماج بين الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية من جهة، والحكومة السورية من جهة أخرى، من أهم القضايا التي تشغل الساحة الكردية والسورية وحتى الإقليمية والدولية أيضاً، لجهة وزنه وتأثيراته في رسم المشهد السوري السياسي والاقتصادي والاجتماعي المستقبلي، ووضعه محددات أولية لولادة وبناء مجتمعي جديد شعاره الأساس “الوحدة في الاختلاف”.
رغم كل ما يعتري مسار الاندماج من مُنغّصات وعوائق، إلّا أنّ الطرفين تمكّنا من تحقيق بعض التقدم، وفي عدة ملفات مختلفة كانت حتى الأمس القريب من أعقد الملفات العصية على الحل، مثل ملف الاندماج العسكري وعودة النازحين وكذلك ملف الأسرى بين الطرفين، إلى ما هنالك من ملفات تتعلق بالموارد النفطية والمعابر وعودة بعض مؤسسات الدولة للعمل في مناطق روجآفا، إلى جانب مشاركة الإدارة الذاتية والكرد في إدارة البلاد، والنقاشات الدائرة حول الدستور وشكل الدولة وما إلى ذلك.
تُوجَّه سهام النقد والهجوم إلى الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية بأنها تخلّت عن ثوابتها ومكاسبها وقَبِلت “تحت التهديد” بفكرة الاندماج مع الحكومة السورية، رغم معرفتها العميقة بطبيعة النظام الحالي في دمشق، وأنها – أي الإدارة الذاتية – تخضع للابتزاز من جانب الحكومة وخسرت معظم ما تمتلكه من أوراق القوة في التفاوض والحوار مع دمشق، خاصة الورقة العسكرية، والادعاء بأنها لم تعد تمتلك سوى عدد قليل من المقاتلين، اندمجوا بشكل شبه فردي مع قوات الحكومة دون الحفاظ على خصوصيتهم العسكرية التي طالما كانت النقطة الأولى والرمزية لشهرتها العالمية، خاصة أثناء مكافحتها لتنظيم “داعش” الإرهابي.
فيما يذهب البعض الآخر إلى القول بأن قوات سوريا الديمقراطية تعرّضت لمؤامرة محلية وإقليمية ودولية كبيرة، ربما أكبر من حجمها، من خلال توافق عدة قوى داخلية وإقليمية ودولية على إضعاف الكرد ومعها الإدارة الذاتية وتوجيه طعنة لها من الخلف، مقابل تعزيز قبضة الحكومة السلفية في دمشق، وبما يتماشى مع مصالحها الحيوية في سوريا. فالدور التركي كان محورياً في الهجمات التي بدأت على مناطق الإدارة الذاتية وحيّي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، التي طالما كانت تدعو وتعمل ليل نهار على حَلِّ قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية، وتعتبرهما تهديداً على خاصرتها الجنوبية. لقد تحيّنت تركيا واقتنصت الفرصة للمشاركة بكل قوة في العملية العسكرية التي بدأت فصولها التراجيدية الأولى في 6 يناير/ كانون الثاني 2026 من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية لتنفيذ مشروعها وحلمها الذي يراودها منذ أكثر من خمسة عشر عاماً.
إلّا أنّ السؤال الأساس الذي يطرح نفسه ونحاول الإجابة عليه في سياق بحثنا: هل يمكن أن يحقّق الاندماج مراميه وأهدافه من خلال الميكانيزمات التي يُعمل بها واعتمدها الطرفان. وقبل ذلك هل تعزّزت الثقة بينهما للمُضيّ قُدُماً في تنفيذ مشروع الاندماج بشكل كلي؟ وهل يمكن أن يصل الاندماج إلى خواتيمه بتقديم طرف واحد التنازلات ومن ثم نقول بأن الاندماج قد تحقق؟ وفي هذه الحالة؛ هل ستدوم الحالة الاندماجية، أم أنها سترتد على الطرفين وتكون سبباً في اندلاع صراع جديد يكون أشد ضراوة من سابقه؟
سنحاول في هذه الدراسة أن ندرس أغلب جوانب الاندماج، وكذلك الظروف التي أدت إلى قبول الطرفين بمشروع الاندماج، إلى جانب موقع القضية الكردية وحلها من هذا الاندماج، وهل يساهم في وضع حل دستوري دائم لها، أم سيكون عبئاً عليها ويغيّبها، وبالتالي يعود الكرد إلى نقطة الصفر وإلى ما قبل عام 2012، وليتماهى ما يجري في روجآفا مع الحلول المطروحة في باكور/ شمال كردستان مع تركيا في عملية “السلام والمجتمع الديمقراطي” التي طرحها ويعمل عليها السيد “عبد الله أوجلان”. فيما الدور الإقليمي والدولي في الدفع نحو الاندماج سيحتلُّ هو الآخر حيّزاً لا بأس به في الدراسة. وكذلك سنجيب على التساؤل المطروح في الشارع السياسي الكردي؛ هل عملية الاندماج تُعتبر صهراً وانحلالاً في بوتقة الدولة المركزية؟
منهجيّة البحث:
سنعتمد في هذه الدراسة على الأسلوب الذي يجمع بين التوثيق والتحليل، كي نتمكن من استنباط نتائج مهمّة تبلور رؤية تسهّل فهم عملية الاندماج بكل تشعّباتها وأشكالها، وتطرح في ذات الوقت أسئلة جريئة بحاجة إلى أجوبة واضحة دون إضفاء أيّ طابع سياسي عليها، كونها تتعلّق بمصير بلد مزّقته الحرب الأهلية أكثر من أربعة عشر عاماً. وسنعمل في ذات الوقت – ومن خلال الوقائع – إلى وضع تصوّر عام يشرح مسارات الاندماج وصيرورته التاريخية، من خلال طرح العديد من الأسئلة التي تمسّ جوهر العملية بوصفها عملية ثنائية ومتبادلة وندّيّة ولا يمكن أن تحقق مآربها من طرف واحد. كما سنضع تصوّراً عاماً نبرز من خلاله أهم مزايا الاندماج وكيف سينعكس إيجاباً على الحالة السورية الراهنة، وتحرّرها من حالة الاختناق التي تمر بها على الصعيد السياسي والاقتصادي والعسكري، وقبلها الاجتماعي، بشرط أن يكون “اندماجاً ديمقراطياً” تتمثّل فيه إرادة الطرفين، وأن تغييب إرادة أي منهما قد تسبّب في انهيار العملية برمتها وترتد وبالاً على كامل المشهد السوري. كما سنركّز بشكل أساس على ضرورة رؤية العملية بعيداً عن الضغوط والمؤثرات الخارجية، مدركين أنّ أي تدخل خارجي فجٍّ غير نزيه، قد يفسد العملية ويجعلها رهينة له. كما سنجيب على السؤال المركزي في البحث؛ ألا وهو: هل يتحقق الاندماج من رأس الهرم من خلال مراسيم رئاسية وتشريعات وقوانين وقرارات إدارية فقط، أم يجب النظر إلى الاندماج بوصفه عملية تكاملية اجتماعية قبل أن تكون سياسية وعسكرية تتطلب أن تبدأ من القاعدة، أي من المجتمع، تُعاد من خلالها التئام اللُّحمة المجتمعية التي مزّقتها الحرب، بشرط الحفاظ على الخصوصيات الثقافية والتاريخية للمجتمعات المتعدّدة داخل النسيج الوطني السوري، وبما يحقق العدالة والمساواة ويمهّد الطريق أمام سوريا جديدة متنوّعة وغنية.
أسئلة البحث:
1 – تعريف الاندماج وأشكاله.
2 – هل تقبل الحالة السورية الاندماج ويكون حلاً للمشاكل والأزمات التي تمر بها البلاد.
3 – هل سيكون الاندماج بداية لفتح الأبواب أمام مصالحة وطنية ومجتمعية شاملة قادرة على ترميم ما دمّرته الحرب.
4 – كيف تؤثّر المرجعية الفكرية والإيديولوجية لكل طرف على مسار الاندماج، هل تعتبر عامل تحفيز، أم تعرقل العملية وتغدو قنبلة موقوتة في قلبها، خاصة إذا ما تمسَّكَ كل طرف بمرجعيته واعتبرها أنها الأساس في كل شيء وأنها شرط في إنجاز الخطوات التي تستدعيها، وأن أي تجاهل لها قد يُنهي العملية، خصوصاً إذا ما تم ربطها بثوابت دينية وميتافيزيقية لا تَحوُّل ولا تَغيُّر فيها.
5 – الأهمّ من ذلك؛ هل يمكن أن يحقق الاندماج غاياته في ظل حكومة أو نظام مركزي يمسك كل شيء بيديه ويفرض سطوته ونمطاً واحداً من التعايش والعلاقات المجتمعية، ويغلق كل مسامات الحرية، ويصدر القرارات بشكل فوقي، ويلغي مبدأ التشاركية في الإدارة، وما هي العلاقة بين الاندماج والمركزية واللامركزية، هل شكل من أشكال المركزية السلطوية، أم هي بجوهرها تمثل لامركزية واضحة ومُعلنة.
6 – من خلال المسار الذي بدأت به عملية الاندماج؛ هل يمكن القول بأن الثقة قد تعززت بين الطرفين، وبما يسهم في استمرارية العملية والوصول إلى نهاياتها المرسومة لها.
7 – السؤال الجوهري الذي يُطرح في الشارع السياسي؛ هل فُرِض الاندماج من قبل قوى إقليمية ودولية نتيجة التغيرات والتحوّلات في المنطقة والعالم تماشياً مع مصالحها الحيوية، وبالتالي لم يجد الطرفان من بُدٍّ إلا القبول به كأهون الشرَّين، وليس رغبة منهما.
8 – في ظل ضعف الثقة بين الطرفين؛ ما هي الأطراف والقوى الضامنة لإكمال عملية الاندماج، وما هو مدى جديتها في متابعتها والإشراف عليها ودفع الطرفين للاستمرار فيها، وهل أبدت تلك القوى انحيازاً لطرف ما، أم حافظت على مسافة واحدة منهما.
9 – ما موقع حل القضية الكردية من عملية الاندماج، وهل المراسيم الرئاسية كافية لوضع القضية على سكة الحل، أم تعتبر قفز فوق الحلول الواقعية لها وتهرّباً منها.
10 – هل جاءت عملية الاندماج بعد انكسار قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية عسكرياً، إثر إعلانها الانسحاب من مناطق دير حافر ومسكنة والرقة ودير الزور، وقبلها من حيي الشيخ مقصود والأشرفية، وهل تم خداعها بعدما أعلنت انسحابها من مناطق دير حافر ومسكنة.
11 – هل شكل الاندماج الحالي يوحي بعملية تكامل بين الإدارة الذاتية والحكومة السورية، أم هي فرض لشروط الطرف المنتصر – كما تدعيه دمشق – خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار موضوع تعيينات معظم المسؤولين الذين يتم تعيينهم في مناطق الإدارة الذاتية وروجآفا.
12 – هل حقق الاندماج العسكري عدالة في تمثيل قوات سوريا الديمقراطية، أم تم صهرها ضمن “الجيش” الذي لم يصل بعد إلى مستوى الجيوش الاحترافية الوطنية.
13 – ما تأثير مشروع المفكر “عبد الله أوجلان” المتمثل بـ”السلام والمجتمع الديمقراطي” على عملية الاندماج بين قوات سوريا الديمقراطية وحكومة دمشق، هل منحه جرعة من التقدم، وكان له تأثيره الإيجابي عليه، هل هذا يستلزم ربط حل القضية الكردية في شمال كردستان مع روجآفا.
14 – ما هو الدور التركي في عملية الاندماج، كقوة فرضت سيطرتها السياسية والعسكرية في سوريا، وهل يمكن أن تقود العملية إلى تفاهمات جوهرية بين الكرد في روجآفا وتركيا.
15 – ما هو مستقبل عملية الاندماج، هل هي مرحلة “مؤقتة” ريثما يتمكن كل طرف من تمكين نفسه وتتغير موازين القوى والتحالفات والصراعات في المنطقة.
الاندماج كضرورة وسياقاته السياسية والعسكرية:
بدأت فكرة عملية الاندماج بعد فشل تنفيذ بنود اتفاقية 10 مارس/ آذار عام 2025 والتي وقّع عليها كل من القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية “مظلوم عبدي” والرئيس السوري المؤقت “أحمد الشرع”، تضمنت ثمانية بنود رئيسة، أهمها تقضي بدمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن صفوف الجيش السوري، وكذلك الاعتراف بخصوصية “المجتمع الكردي”، وأهمها وقف إطلاق نار شامل على كامل الأراضي السورية.
تعثّرَ تنفيذ بنود الاتفاقية كثيراً، وانتهت المهلة المحدد لها في أواخر عام 2025، وكل طرف كان يتهم الآخر بالمماطلة والتهرب من استحقاقاتها، ما أوصل الأوضاع إلى شن حرب من قبل الحكومة السورية وحلفائها على مناطق الإدارة الذاتية. تلك الحرب التي بدأت من حيي الشيخ مقصود والأشرفية وانتهت على تخوم مدينة الحسكة ومدن الجزيرة في روجآفا وخلّفت ورائها جرحاً وطنياً ربما لا يندمل خلال فترة قصيرة.
يوم الثلاثاء 06 يناير/ كانون الثاني 2025 كان بداية تغيير موازين القوى على الساحة السورية، من خلال شن قوات الحكومة السورية هجوماً واسعاً على حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، عبر حشد آلاف عناصر الفصائل العسكرية، بالإضافة إلى مؤازرة ومشاركة قوات من دول إقليمية مثل تركيا والسعودية، مستخدمة أحدث صنوف الأسلحة من دبابات وراجمات الصواريخ والمصفحات والمدافع إضافة إلى الطائرات المسيّرة والأسلحة الثقيلة.
إلا أنّه من الضروري استعراض وفهم السياقات السياسية التي بدأت منها الحرب، فأي حرب لا تندلع إلا بعد توافقات سياسية بين الخصم وحلفائه، أو بعد فشل عمليات الحوار والتفاوض بين الطرفين واختلاف وجهات النظر والتصوّرات والأهداف من التفاوض.
رغم أن العديد من المراقبين يشيرون إلى التوافقات التي حصلت في اجتماع باريس بتاريخ 05 مارس/ آذار 2025 بين الحكومة السورية وإسرائيل وبرعاية عرّاب السياسة الأمريكية في سوريا ومنطقة الشرق الأوسط “توم براك”، وبحضور وزير الخارجية التركي “حقّان فيدان”، والتوافق حول تقويض الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية. إلا أنّه ليس من المنطقي حصر الحرب الظالمة التي شُنّت على مناطق الإدارة الذاتية بذاك الاجتماع وحده، فعملية الإعداد لها كانت تتم قبل ذلك بفترة طويلة، ضمن إطار توجّهات الولايات المتحدة الأمريكية وكلّ من إسرائيل وتركيا بتغيير سياساتها وتحالفاتها في المنطقة، ولكنها تجلّت بدفع الحكومة السورية وتركيا إلى الواجهة. كشفت تصريحات مبعوث الخارجية الأمريكية إلى سوريا “توم باراك” بعد الاجتماع بشكل لا لُبس فيه ما تمخض عنه من صفقات، ما أكد على توجه أمريكي بإعادة ترتيب أولوياتها في سوريا وفق مقتضيات مصالحها المتمثلة بالطغمة الأوليغارشية المتحكمة بالقرار السياسي والعسكري في الولايات المتحدة من خلال الرئيس “ترامب” وفريق عمله في الخارجية والاستخبارات والبيت الأبيض، وواجهته العلنية “براك”. وقد وجدت الولايات المتحدة نفسها أنها خسرت موقعها كدولة عظمى في المنطقة وتحديداً في سوريا من خلال السياسات المتخبّطة التي ينفذها “براك”، بحسب مسؤولين كبار في الكونغرس الأمريكي، وأن ما يرسمه “ترامب – براك” يخدم مصالحهما فقط وليس الولايات المتحدة، وتتماهى مع توسيع النفوذ التركي في سوريا. ولعل الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران كشفت الكثير من ترتيبات وسيناريوهات مدمّرة يعمل عليها “براك” مع كل من تركيا وإسرائيل والحكومة السورية، في رسم خرائط نفوذ جديدة مغايرة لما هي موجودة على الأرض، من خلال إزالة كل العراقيل أمام تنفيذ مشاريع تركية، سعودية، قطرية، تركية وسورية، وبموافقة ضمنية من إسرائيل، التي تسعى إلى توقيع اتفاقات “إبراهام” مع جميع تلك الأطراف، وأولها مع الحكومة السورية وإرغامها على التنازل عن الجولان، وكذلك دفعها لمحاربة حزب الله في جنوب لبنان، لنزع سلاحه. فيما وجدت تركيا أنها فرصتها الذهبية للقضاء على الإدارة الذاتية وحلم الكرد بالحصول على حقوقهم.
اجتمعت كل تلك العوامل الخارجية والمحلية، إضافة إلى ضعف بنية مؤسسات الإدارة الذاتية نتيجة الإنهاك الذي كانت تعاني منه بسبب الحروب والهجمات المتواصلة التي شُنّت عليها منذ نشأتها وحتى يومنا هذا، لتشكّل مشهداً ينذر بمخطط واسع لتقويض الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية. ولن نذهب بعيداً لنكون أسرى ما تُسمَّى “نظرية المؤامرة” التي قد يُروّج لها البعض، ولكن الحقائق على الأرض أثبتت صحة هذا الرأي والتصوّر. وهنا نستذكر قول المفكر الأمريكي البروفيسور “نعوم تشومسكي” عندما قال في مؤتمر حول عفرين قبل سنوات إن “استمرار الإدارة الذاتية يُعتبر معجزة”. بالطبع هو يعي ويدرك ما يقوله، حيث أراد من خلالها توضيح حجم المخططات التي تستهدفها وتحاول القضاء عليها كبؤرة ومركز إشعاع ديمقراطي وحيد في سوريا، بل في منطقة الشرق الأوسط، رغم كل الأخطاء والنواقص التي مرّت بها.
إذاً يمكن قراءة عملية الاندماج وفق النتائج التي أفضت إليها الهجمات المنظمة والواسعة التي شُنّت على الإدارة الذاتية، وعبر مخطط دولي – إقليمي – محلي، تقاطعت فيه خيوط مصالح الأطراف المشاركة، لترسم مساراً جديداً في سوريا تحت عنوان “الاندماج”. فالاتفاقية التي تم التوقيع عليها في 29 يناير/ كانون الثاني 2026 بين قائد قوات سوريا الديمقراطية “مظلوم عبدي” والرئيس السوري المؤقت “أحمد الشرع” وضعت إطاراً معيناً لمستقبل الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، عبر بنودها المتعددة، والتي أقل ما يُقال عنها أنها “مجحفة” بحق جميع مكونات شمال وشرق سوريا، وخاصة الكرد.
لم تأتِ عملية الاندماج عبر سيرورة وسياق وطني من التفاهمات والحوار، بل فرضت على الطرفين كجزء من ترتيبات الداخل السوري وفق متطلبات مصالح القوى الفاعلة على المسرح السوري، بدءاً من أمريكا، تركيا، دول الخليج. القراءة والنظرة الأولية لشكل الاندماج الحاصل يوحي بأنه لا يحقق أي شكل من أشكال “الاندماج الديمقراطي” ولا يعبر عن إرادة كل من الإدارة الذاتية والحكومة السورية أيضاً. حيث أن أي اندماج لا يحظى بتعزيز الثقة بين الطرفين ولا يُعيد التئام اللُّحمة الوطنية السورية، ولا يسعى نحو تطبيق العدالة والمساواة في المشاركة ببناء سوريا وصنع القرار، يبقى اندماجاً هشاً وقابلاً للانهيار أمام أي هزة أو حدث عرضي يواجهه، لأنه غير مبني على أسس صحيحة نابعة من متطلبات مصالح كل طرف وحتى السوريين أيضاً.
حدت تعقيدات المشهد السياسي والعسكري في سوريا بالإدارة الذاتية للقبول بعملية الاندماج كمدخل لحل الأزمات التي تعاني منها البلاد، قناعة منها أنها ستمهد الطريق أمام إجراء مصالحات وطنية بين مختلف مكونات وأطياف المجتمع السوري، وتضمّد الجراحات، خاصة بعد سقوط النظام السابق، وتكون تجربة سبّاقة تحفّز باقي المكونات مثل العلويين والدروز للانضمام إليها، وبما يعيد بناء سوريا جديدة، وقد تخلصت من كل عُقد وأدران الطائفية والمذهبية والقوموية والتقسيمات الجغرافية.
إنّ حصر عملية الاندماج بمسألة توزيع المناصب والوظائف، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تفضي إلى عملية تكامل بين مؤسسات الإدارة الذاتية والحكومة السورية، إن لم تحل قضية الهويات المتعددة داخل المجتمع السوري ويعزز الانتماء الوطني، ولم يقترن بتوزيع عادل وإنصاف في إحقاق الحقوق وبما يخلق واقعاً مغايراً وأفضل مما كان عليه في زمن نظام البعث وحتى في فترة الإدارة الذاتية. أي أن يكون أكثر كفاءة ومساواة وعدالة منهما في كل مناحي الحياة السياسية، الاقتصادية، الثقافية. وأهم من كل ذلك يستوجب أن يحقق التوافق المجتمعي ويرمّم ما مزقته سنوات الحرب، ويعيد بناء مجتمع سوريّ خالٍ من أمراض اللهاث وراء السلطة والمناصب والامتيازات. وإن سارت العملية مسار رؤية سلطوية، فإنه لا يعد أكثر من إعادة إنتاج نظام البعث وفق رؤية دينية – قوموية – دولية ضبابية لا يمتلك رؤية مستقبلية واضحة، على الأقل هذا ما يتم رؤيته من جانب الحكومة السورية. وهذا ما يجعلها خاضعة لأهواء وأمزجة من يمتلك بزمام السلطة، وبالتالي يُسقط عنها الصفة التكاملية والاندماج الحقيقي والديمقراطي، ولا يغدو أكثر من فرض واقع سياسي لا يلبث أن ينهار أمام أي تحدٍّ حقيقي. فإن كان الاندماج نتيجة فرضتها وقائع عسكرية وسياسية عملية، فإنه بحاجة إلى تصحيح مساره وبما يحقق اندماجاً يتجاوز الإيديولوجيات والسياسات قصيرة المدى، وينتقل إلى مستوى بناء منظومة مؤسساتية تعكس مبادئ عادلة في التمثيل وتوزيع الثروات ويعزز من ثقة المواطن بها، ليكون قادراً للدفاع عنها، ويلبي متطلبات تطوير البلاد على جميع المستويات، بالتالي الاندماج محكوم بخلق قوة ديناميكية دافقة، يشكل كموناً جاذباً يجد الكل نفسه ضمنه ولا ينفرّ منه. بهذه الذهنية المنفتحة فقط يمكن أن يصل الاندماج إلى نهاياته المرسومة له، وكل غير ذلك قد يفتح الأبواب أمام صراع قد يكون الطرفان المعنيان به بغنى عنه.
الاندماج القسري وفكرة المركزية والديمقراطية:
لا شكّ أنّ الاندماج “الديمقراطي، الطوعي”، يُعدّ المسألة الأولى والأساس التي تُبنى عليها العملية برمتها. فلا اندماج دون رغبة حقيقية وصادقة من الطرفين. ولن تكتمل العملية إن لم يبدِ الطرفان مرونة سياسية كافية لإنجاح العملية، وبما يحقّق سلاسة في تنفيذ بنود اتفاق 29 يناير/ كانون الثاني 2026.
لقد عانت سوريا لعقود طويلة من المركزية المتشددة في إدارة الدولة ومؤسساتها، بشكل أفرغها من مهامها ومسؤولياتها، وباتت حكراً على فئات ونخب محسوبة على الأنظمة المتعاقبة على السلطة، ما أبعد الغالبية العظمى من التفاعل معها والمشاركة في صنع قراراتها وإداراتها. فانتشر الفساد بكل أشكاله داخل جميع دوائر ومؤسسات الدولة، إلى جانب المحسوبيات وهدر المال العام وانتشار السرقات، ما حدا بها لتكون وكراً لتخريج الفاسدين. والقوانين المعمول بها في البلاد، هي من جانبها كانت تساهم في ترسيخ بنية الفساد، حيث مؤسسة العدالة كانت غائبة ويستطيع الفاسد من خلالها النجاة وكانت تمنحه نوعاً من “الحصانة”.
إنّ المركزية المفروضة في سوريا لم تنتهِ مع رحيل النظام البائد، بل استمرت الذهنية السائدة سابقاً داخل مؤسسات الدولة وإداراتها المختلفة، إن كان لجهة استمرار القوانين والتشريعات والأنظمة الداخلية، أو لجهة إضافة ما تسمى السلطة الموازية داخل المؤسسات والمتمثلة بسلطة ما تسمى بـ”الشيوخ”، حيث فرض على كل مؤسسة إن كانت وزارة أو دائرة ما “شيخ” حصرَ كل القرارات الإدارية والمالية بيده، وغدا الآمر الناهي، لا يستطيع أي موظف كبير أو صغير اتخاذ وإن قراراً بسيطاً دون نيل موافقته واستشارته، وغلب على معظم “الشيوخ” المعينين من قبل السلطة الجهل التام بأمور الإدارة والتكنوقراط. إضافة إلى أنه بات يُقرن القرارات التي يتخذها بما يسمى “الشرع الإسلامي” وفي كثير من الأحيان لا تتوافق مع متطلبات الواقع وروحية القرارات المُتَّخذة وصوابيتها، وباتت أقرب ما تكون إلى “فتاوى دينية” منها إلى قرارات علمية تستند إلى قوانين واضحة وصريحة تصبّ في خدمة المجتمع.
إسباغ الصفة الدينية على الدولة وانتشار مظاهر التشدد الديني داخل المؤسسات والإدارات، واعتماد الدين وحده معياراً أساساً في إصدار القرارات، أضفى عليها مزيداً من المركزية الجامعة ما بين الذهنية القوموية والدينية الإسلاموية، وأفضت إلى إقصاء مكونات أساسٍ من التمثيل في مؤسسات الدولة وتهميشها، وبروز شرخ مجتمعي واسع. وبهذه النظرة والتصور أبدت الحكومة مقارباتها من مسألة الاندماج مع الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية. حيث عيّنت مسؤولين وشخصيات في مناطق الإدارة الذاتية لديهم جهل تام وكامل بالطبيعة المجتمعية للمنطقة، إضافة إلى اتسام خطابهم باللغة الدينية المتشددة، وعدم مراعاتها للتنوع الأثني والديني فيها، ما شكّل حالة عدم ارتياح لدى معظم المكونات في المنطقة. هذا إلى جانب محاولات تسويق الحكومة لمفاهيم خاصة بها تحت مزاعم “فرض سيادة الدولة”، وبأساليب استعراضية لا تمت للسيادة بشيء، وتثير مخاوف لدى غالبية سكان المنطقة، لقناعتهم بأن السلطة تمارس “التقوى السياسية” تحت مزاعم عودة مؤسسات الدولة وإداراتها إلى المنطقة، ودمج تلك الموجودة لدى الإدارة الذاتية معها، معتقدين بأنّ العملية لا تحقق التكافؤ والندية في التمثيل حتى تخلق ارتياحاً لديهم، وبأن الاندماج مثلما يجري على الأرض لا يمثل عودة الجزء إلى الأصل، أي الإدارة الذاتية إلى الدولة بمفهومها الإداري والسياسي والعسكري والاقتصادي، بل هناك حالة قسرية لا طوعية.
المشكلة التي ظهرت أثناء دمج القصر العدلي والمحاكم في الحسكة؛ كشفت حجم التباين الواضح بين تصورات الحكومة السورية والإدارة الذاتية، في مؤشر بدا أنّ مسار الدمج لن يكون سلساً في الملفات السيادية، فضلاً عن إبراز ملف القضاء بوصفه أحد أولى نقاط الاحتكاك بين الجانبين.
لا يُعدّ التعثر في دمج القضاء بوصفه تفصيلاً عابراً ضمن عملية الاندماج، بل يشكل نقطة اختلاف جوهرية جسدت فيها مدى صلابة كلّ طرف في قبول تصوّرات الطرف الآخر، وعكست في ذات الوقت فهماً مغايراً لدى كليهما لمسألة القضاء والعدالة، من حيث أنها تشكل إحدى أهم الملفات الأساس والسيادية وأعقدها التي يتمسك بها كل طرف، وربما كان أول اختبار حقيقي لمدى قدرة الاتفاق على الصمود في الملفات السيادية. ومشكلة اللوحة التعريفية التي كُتبت باللغة العربية وحدها وعُلِّقت في مبنى القصر العدلي، وعدم كتابتها باللغة الكردية إلى جانبها، ومن ثم الكتابة باللغتين العربية والإنكليزية، وضعت مصداقية الطرف الحكومي على المحك، وكشفت مدى تمسّكه بالذهنية القوموية والدينية، ورفضها قبول اللغة الكردية، وهو ما شكل ردَّة فعل غاضبة من قبل أبناء الشعب الكردي ليمزّقوا تلك اللافتة التعريفية عدة مرات، ليضطر في النهاية القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية “مظلوم عبدي” للتدخل وتهدئة مخاوف الشارع الكردي وينزع فتيل الأزمة، ويَعِدْ المحتجّين بعودة الأمور إلى طبيعتها بعد فترة قصيرة. إلا أن الخلاف الجوهري أكثر من اللوحة التعريفية كان يدور حول طبيعة السلطة القضائية ومَنْ يتحكّم بها ويديرها، وهل ستخضع للشريعة الإسلامية فقط، أم ستطبّق القوانين السارية في سوريا، تلك القوانين الجامعة ما بين الشرع والنصوص الوضعية.
كما طالبت الإدارة الذاتية بأن يشكّل قُضاتها وموظفوها نسبة 50% من عدد العاملين في المحاكم والسلك القضائي في محافظة الحسكة، في إشارة إلى تمثيل محلي واسع ضمن مؤسسات الدولة جميعها وليس القضاء وحده.
تجلّت المركزية المفرطة لدى حكومة دمشق من خلال التعيينات، وكذلك سلوكها وتعاملها الفوقي مع مؤسسات الإدارة الذاتية، ومحاولاتها فرض رؤيتها وتصورها لأشكال الاندماج وتوزيع المهام والمسؤوليات، فيما تعاملت الإدارة مع العملية من منطلق المسؤولية التاريخية والوطنية، جاهدة أن تكون أساساً يُبنى عليها في توحيد الأشلاء الممزّقة للدولة السورية، ولم تبدِ مقاربات براغماتية صرفة، كما حكومة دمشق. ولا يصح القول بأن الإدارة الذاتية قبلت بعملية الاندماج من منطلق “المهزوم”، حيث لا تزال تمتلك الكثير من أوراق القوة التي تمكّنها من التفاوض بها، إلا أنها فضّلت التماهي مع العملية لقناعتها أنها السبيل الأنجع للرد على كل الاتهامات التي تطالها من قبل خصومها وأعدائها.
الدمج القسري أشبه ما يكون بفرض الوصاية، وبعيد كل البعد عن الديمقراطية، ولا يحقق التكامل والتجانس الإداري ضمن مؤسسات الدولة، بل على النقيض من ذلك يترك مسافة كبيرة بين المجتمعات والمكونات الأساس في سوريا. ويتعارض مع ما طرحه كلٌّ من فلاسفة القانون والحقوق مثل “جون لوك” و”توماس هوبز” و”جان جاك روسو” – يُعدّ الفلاسفة الثلاث من روّاد عصر التنوير في أوروبا – من خلال طرح وثيقة العقد الاجتماعي، والتي تفسّر نشأة الدولة ويتم بموجبه تحديد العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتنظّم فيه العلاقات السياسية والاقتصادية بين أفراد المجتمع والسلطة الحاكمة. ففيما اعتبر “هوبز” أنه يجب على الأفراد التنازل عن حريّاتهم الفردية الخاصة والمطلقة لسلطة حاكمة قوية لضمان وتثبيت الأمن ومنع الفوضى وإغلاق الباب أمام أي حرب أهلية داخلية استناداً إلى “العقد الاجتماعي” والذي يشكل الدستور المفصّل الأساس الذي يحدد الحقوق والواجبات ضمن المجتمع والدولة. ويفرض “هوبز” في طرحه هذا نوعاً من الدكتاتورية من خلال القول بأن “الإنسان بطبعه أناني ويميل إلى العنف”، وهو ما جعله يميل إلى المركزية في الحكم. مقارنة بهذا الفهم؛ يبدو الاندماج الذي تسير وفقه حكومة دمشق يتفق إلى حد ما مع هذه الرؤية التي تحصر السلطات كلها في المركز، ولا تبدي أي نوع من المرونة واللامركزية في توزيع السلطات على الأطراف. في حين يخالف “جون لوك” رأي “هوبز” عبر القول إن “الأفراد يتنازلون عن بعض حقوقهم مقابل حماية حقوقهم الطبيعية مثل “الحياة، الحرية، والملكية”. وبما أن الدولة والعقد الاجتماعي والاندماج “حالة تعاقدية، أي وفق عقد بين طرفين”؛ أي حالة “توافقية”، وفق “لوك”؛ فإنه للشعب الحق في الاعتراض وإبداء رأيه في كل تفصيل صغير وكبير إزاء مسار الاندماج الحاصل بين حكومة دمشق والإدارة الذاتية. ولكن إذا تمت قراءة عملية الاندماج وفق ما طرحه “جان جاك روسو” في كتابه “العقد الاجتماعي”؛ فإنه لن ينجز الاندماج بشكله الصحيح إلا كانت السيادة ملك للشعب، لأنه بموجب عملية الاندماج الذي هو جزء من صيرورة “العقد الاجتماعي”، يجب أن يتّحد الأفراد معاً ليصيغوا ما أطلق عليه اسم “الإرادة العامة”، أي أن يشارك الشعب في عملية الاندماج وألا تكون على مستوى النخب السياسية فقط.
القناعة الثابتة أن الدمج العسكري وحده لن يحقق الغاية الأساس من العملية إن لم يُقترن بخطوات سياسية وإدارية واضحة، قادرة على تعزيز أواصر التواصل والثقة بين الطرفين. وفي ظل غياب تلك الثقة المطلوبة؛ يتوجب على القوى والأطراف الضامنة للعملية أن تستمر في تقريب وجهات النظر بين الطرفين الرئيسيين وألا تبدي انحيازها لطرف على حساب آخر، بل يجب أن تكون منصفة وتتعامل مع المسألة من زاوية المصلحة الوطنية السورية لا من زاوية مصالحها هي فقط، وتكون على مسافة واحدة من الطرفين.
تأثير خطاب الكراهية على عملية الاندماج:
خلّفت الحرب الأهلية في سوريا طيلة 14 عاماً تراكمات سلبية أدّت إلى حدوث شروخ مجتمعية بالغة الخطورة، وتفاقمت أكثر بعد سقوط النظام السابق، وتجلت بشكل أوضح من خلال اعتماد بعض الأطراف تأجيج خطاب الكراهية ومعاداة الأقليات والمكونات الأخرى التي لا تنتمي إلى طائفتها، عبر وسائل الإعلام المختلفة، وإطلاق التهديدات المتواصلة بتكفيرها وقتالها، معتبرة أنها جزء من “واجبها” و”جهاداً يفرضه الدين”. وغدت الساحة السورية مسرحاً للتحريض على الفتنة والقتال غير المبرر. أحداث الساحل السوري والسويداء، ومن بعدها الهجمات على حيّي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، وكذلك على قوات سوريا الديمقراطية المنسحبة من مناطق دير حافر، مسكنة، الرقة ودير الزور، كانت نتيجة مباشرة للحملات المكثفة والممنهجة للتحريض والكراهية التي رعتها أطراف في السلطة. ولم تبادر أي جهة من الحكومة إلى محاسبة الأطراف التي عملت على رفع وتيرة التحريض حتى وصلت إلى تفشي ظاهرة الانتقام والقتل على الهوية والانتماء الطائفي، خاصة في مناطق الساحل والسويداء. ولا تزال تلك الأطراف تعمل كل جهدها على تنفيذ أجندات طائفية تخدم أطرافاً خارجية، وتزيد من حجم الكراهية والبُغض بين مكونات المجتمع السوري. فالحملات التي أطلقتها بعض تلك الأطراف مثل حملة مقاطعة “العلويين” وحملة “لا تكن كالشجرة” والتي تدعو إلى مقاطعة الأقليات، وتحديداً الطائفة العلوية، داعية السلطة للقيام بفرز اجتماعي وعقاب جماعي، عبر عدم شراء منتجاتهم وطردهم من وظائف الدولة ومؤسساتها ووضع اليد على ممتلكاتهم وحتى ترحيلهم من سوريا. وحسب مختصين بالشأن السوري فإن هذه الحملات التحريضية ” قد تؤدي إلى إشعال الفتنة الطائفية، وتغذية خطاب الكراهية، وقد تخلق شرخاً مجتمعياً عميقاً يهدد النسيج المجتمعي السوري العام”.
هذه الحملات طالت كل المعارضين لسلوك النظام الحالي والجماعات الموالية لها، ومن بينهم الكرد، حيث تعالت الأصوات التي ترفض الاندماج معهم، مطالبة القتال ضد الكرد وقوات سوريا الديمقراطية حتى النهاية، ولا تزال الحملات المعارضة للكرد مستمرة حتى بعد بدء عملية الاندماج. المنطق السائد لدى تلك الجماعات المرتبطة بأجندات لا وطنية، هو منطق الاستسلام، وأنه يجب ألا يرفض أحد ما تمليه سلطة دمشق، وكل من يعترض عليها وينتقدها يجب أن يحارب وبكل الوسائل ويتوجب “تكفيره”.
لا شك أنّ الحملات التحريضية المعادية تؤثر سلباً على سير عملية الاندماج، وتكشف عدم جدية دمشق من العملية وتخلق مناخاً من عدم الثقة والشكوك في قناعتها بالاندماج، وثبت أن صمت حكومة دمشق عنها وعدم وضع حد لها، إنما يُعبّر عن موافقتها ضمنياً على مضامين حملات التشويه والحضّ على الكراهية والتقليل من شأن كل المختلفين معها في السياسة والرأي والمذهب والدين. ويذهب البعض إلى وصف تلك الهجمات بأنها ممنهجة تقف ورائها أطراف متنفذة في السلطة ولا تريد أن تكتمل عملية الاندماج وفق اتفاقية 29 يناير/ كانون الثاني 2026.
القضية الكردية والاندماج:
لا شك أن الإدارة الذاتية معنية أكثر بتقديم فهم واسع لـ”الاندماج”، بوصفه عملية إضفاء شرعية قانونية على إدارة الأمر الواقع، مؤسساتياً وسياسياً، ضمن إطار “المواطنة الدستورية”. في حين الإقرار بالشرعية التاريخية والثقافية والسياسية للهوية الكردية، باعتباره مكوناً أساساً في سوريا؛ ينطوي على تجاوز المفاهيم والتصورات السابقة في المنطقة وبما يختلف جذرياً على نموذج المحاصصة الطائفية في لبنان، أو الصيغ التوافقية في العراق، لأن المبدأ الأساس المعتمد عليه في الاندماج، على الأقل وفق تصور ومطلب الإدارة الذاتية، لا يتمثل ويتبلور في تقاسم السلطة بين الطرفين، بقدر ما يعتبر حضوراً متساوياً للهويات والتمثيل العادل والمنصف في المشهد العام وضمن الدولة ومؤسساتها. هذا التصور – الديمقراطي – لمفهوم الاندماج، إنما يصطدم بجملة من المعوقات والقيود البنيوية في السياق السوري، في ظل غياب عقد اجتماعي جامع، وتفكّك بنية الدولة، وتآكل النسيج الاجتماعي بفعل سنوات الحرب الطويلة، فضلاً عن هيمنة الإيديولوجيا السلفية في بنية السلطة القائمة، وهو ما يزيد من تعقيد إمكان تحويل هذا التصور إلى صيغة عملية قابلة للتطبيق.
من الناحية العملية، لم يحقق الاندماج أيّة قيمة إضافية نحو حل القضية الكردية في سوريا ضمن الإطار الدستوري والقانوني وتحت سقف الدولة. والمرسوم 13 يُنظر إليه بوصفه تصوّراً منقوصاً يعبّر عن رؤية سلطوية قاصرة وضبابية لحل القضية الكردية، ويُعدُّ تقزيماً لحجمها وثقلها وحضورها الفاعل في معادلات الحل وتحديد مستقبل سوريا. ويبدو أنّ السلطة تخشى فتح ملف حل القضية الكردية ولا تمتلك الجرأة في طرح رؤى وتصورات شجاعة تفضي إلى تعزيز الثقة بين الطرفين. حصرها في إدارة الخلافات، وتنظيم الصلاحيات بين المركز والأطراف، من خلال تبادل الأسرى، وعودة أهالي عفرين المهجَّرين القسريين إلى ديارهم، وكذلك دمج بعض المؤسسات، والاعتداد بها إعلامياً، لا يعد “إنجازاً” أو “هبة” تقدمها السلطة للكرد والإدارة الذاتية، فهي لا تزال تُخضع التفاوض لـ”سردية المنتصر”، وتستند في مفاصل رئيسية منه إلى “منطق القوة”، بدلاً من قوة المنطق والحجة، وهذا ما يَحُدُّ من ترجمة المبادئ المُتّفَق عليها بموجب بنود الاتفاقية، إلى واقع ومرجعية للوصول إلى تفاهمات مشتركة وخلق وقائع جديدة مغايرة على الأرض.
تجاهل سلطة دمشق مطالب الوفد الكردي المنبثق عن كونفرانس وحدة الصف الكردي، بالحوار لحل القضية الكردية، ولجوئها إلى استخدام سياسة “فرّق تسد”، عبر استمالة بعض الأطراف من المجلس الوطني الكردي، لا تشي بنية صادقة للحل، بقدر ما تظهر مقاربة دوغمائية قاصرة، عبر “هوامش إدارية وأمنية محدودة، أو تسويات مؤقتة هشة” تزيد من تعقيد الملف، حيث أن كل تلكؤ ومماطلة في الحل والهروب منه، إنما يراكم من أعبائها، ويدفع الأوضاع عن التفكك والانفجار. وعدم البحث عن معالجة جذرية مستندة إلى الحقوق، يخلق صراعات جديدة، سوريا بمنأى عنها في الظروف الراهنة.
الثابت أن السلطة تستند في فهمها وتصورها لعملية الاندماج وحل القضية الكردية إلى سردية “المنتصر والخاسر”، متجاهلة حجم الدعم الذي تحظى به عملية الاندماج من قبل القائد الكردي عبد الله أوجلان والقوى الكردية في إقليم كردستان، وكذلك تأييد ودعم الكرد في المهجر، وكذلك التأييد الذي ما يزال يحظى به الكرد والإدارة الذاتية من قبل بعض الأطراف الإقليمية والدولية. كل تلك العوامل مجتمعة؛ تجعل من الكرد والإدارة الذاتية طرفاً ندياً في المعادلة التفاوضية وتُقلّل من شأن “منطق الغلبة” الذي تعمل به السلطة.
من الخطأ الكبير تقييم عملية الاندماج واعتباره “نتيجة” فرضته الوقائع الميدانية والتوازنات القائمة وتغير التحالفات السياسية والعسكرية، وأنه جاء بعد انسحاب قوات التحالف الدولي – القوات الأمريكية – والادعاء بأنه “تم رفع الغطاء السياسي والعسكري عن قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية” ضمن ترتيبات فرضتها مصالح الولايات المتحدة والقوى الغربية في سوريا، وأن هذا يمنح سلطة دمشق فرصة للتهرب من استحقاقات حل القضية الكردية، وعلى ضوء هذا الفهم الدوغمائي؛ تحاول سلطة دمشق إعداد رؤى تخالف ما جاء في التفاهمات وجولات التفاوض بين الإدارة الذاتية وسلطة دمشق. فهو – أي الاندماج – يستند إلى مرجعيات محددة، وفي مقدمتها اتفاقية 29 يناير/ كانون الثاني، وقبلها اتفاقية 10 مارس/ آذار 2025 الموقعة بين القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية “مظلوم عبدي” والرئيس السوري المؤقت “أحمد الشرع”، وتتضمن بنوداً والتزامات محددة لا تختلف كثيراً عما ورد في اتفاقية 29 يناير/ كانون الثاني، رغم تغير الظروف وموازين القوى وشروط التفاوض. وهو ما يستدعي العودة إلى المرجعيات، بشكل يحقق التوازن لدى الطرفين، ويكون حل القضية الكردية والأمن والاستقرار من الأولويات لديهما، وعدم حصر الاندماج بالموضوع العسكري، أو النظر إلى حلّ قوات سوريا الديمقراطية بأنه المآل الأول والأخير للعملية.
تُبقي هذه الرؤية الفجوة قائمة بينهما وتبعث على التشكيك لدى الأوساط الكردية ويتنامى السخط لديها، لتصل إلى حَدِّ النظر إلى مسار الاندماج بوصفه واعتباره “مَدخلاً محتملاً لديناميات صهر تدريجي”. وتترسخ هذه القناعة أكثر عند تجنب السلطة الحديث عن حقوق الكرد ومسائل الدستور والمشاركة السياسية والاقتصادية الفاعلة للكرد في المفاصل الرئيسية لإدارة الدولة، ويعتقد معظم الكرد أن السلطة تهدف من وراء الاندماج إلى تقويض بُنى الإدارة الذاتية، وإعادة إنتاج رؤية النظام البائد وموقفه الإلغائي الإقصائي للكرد، وتسعى إلى طرح الحلول وتسييلها ضمن مفهوم هلامي تحت اسم “المواطنة”.
إنّ صدور مرسوم الرئيس السوري المؤقت “أحمد الشرع” واعترافه باللغة الكردية بوصفها “لغة وطنية” وليست “رسمية”، يكشف فجوة قائمة بين تصوّرات متناقضة، من حيث أن “اللغة الوطنية” هي أقرب إلى حالة ثقافية منها إلى حالة رسمية معتمدة لدى الدولة. وفي هذه الحالة الدولة غير معنية بتنمية هذه اللغة ودعمها وليست مضطرة لوضع آليات تنفيذية لحمايتها، لتغدو، حسبما ورد في المرسوم، تعبيراً “رمزياً” منها إلى لغة الدواوين في المؤسسات والدوائر، على النقيض ما حصل وتم التوافق عليه في العراق. فالذهنية الإنكارية وعدم قبول الكرد شركاء في الوطن، يدفع بالسلطة إلى اعتبار اللغة الكردية “ديكوراً” منها إلى لغة ثانية ورسمية في الدولة. في حين أن التعليم بها في المدارس والجامعات، جاء في المرسوم بشكل مشوه ومنقوص لا يرقى إلى مستوى ما وصلت إليه من الدرجة العلمية والأكاديمية طيلة سنوات تدريسها في روجآفا.
ولا تزال السلطة تماطل في الاعتراف بشهادات الجامعات والمدارس الكردية في روجآفا، رغم تشكيل لجنة مشتركة خاصة معنيّة بمسار التعليم، فهي لم تتعامل على قدم المساواة مع الشهادات والجامعات في مناطق سيطرتها السابقة في إدلب ومناطق الشمال السوري، رغم أن السويّة العلمية لتلك الشهادات في مناطق سيطرتها في إدلب والشمال السوري لا ترقى إلى ما هي عليها في مناطق شمال وشرق سوريا وروجآفا. إن اقتصار التعليم بحصتين في الأسبوع، لا يحقق الفائدة المرجوة منه، كما يعد تهميشاً وإضعافاً للغة الكردية. في حين يطالب المجتمع الكردي بأن تكون لغة التعليم الأساس في مناطق روجآفا هي اللغة الأم وتكون العربية لغة ثانية رديفة لها. وكذلك اعتبار عيد “نوروز” عيداً “وطنياً ويوم عطلة”، لا يتناسب مع حجم ووزن القضية الكردية، رغم أنّ تلك الخطوات تبدو مشجعة، ولكنها من جانب آخر تعتبر التفافاً ومناورة على الحل السياسي، وتعطل الجهود في سبيل حل دستوري واضح وصريح لها.
بالتوازي مع عملية الاندماج؛ تعمل السلطة بكل دأب وإصرار على خلق حالة من الانقسام والتشظي داخل البيت السياسي الكردي، عبر إعادة إنتاج شبكات ولاءات جزئية حزبية بدل التمثيل الجمعي المستند إلى مرجعيات كردية أساس مثل التعامل المزدوج مع أطراف من الوفد الكردي المنبثق عن كونفرانس وحدة الصف الكردي. فعمدت السلطة إلى التعامل مع أطراف “المجلس الوطني الكردي” واختيار ما أسمته “ممثلين في مجلس الشعب”، عبر تفاهمات سرية – علنية بين الطرفين، في محاولة منها لتشتيت المطالب الكردية وتفتيت “البيت الكردي”، وعدم التعامل مع الكرد كـ”كتلة تفاوضية واحدة متماسكة”، وبالتالي البحث عن ثغرات للهروب من استحقاقات حل قضيتهم.
إن السلطة في دمشق تسعى إلى اختزال “الخصوصية والحقوق الكردية” عبر بعض ديناميات شكلية لا تمس جوهر الاندماج، وما يكتنفه من رمادية، تتراوح ما بين الشراكة في إدارة الدولة والتكافؤ في الحقوق والواجبات، وما بين الإلحاق السياسي والذوبان في بوتقة الدولة القوموية – الإسلاموية. حيث أن السلطة “تتغافل أن “الاندماج” في جوهره، يقوم على الندية والشراكة في إعادة إنتاج الدولة، وعلى توسيع صلاحيات الإدارة المحلية، وضمان الحقوق الجماعية الكردية بوصفها حقوقاً سياسية ومؤسساتية ودستورية، لا مجرد ترتيبات إدارية ظرفية، وذلك في سياق سلطة انتقالية مؤقتة تُقدّم نفسها بوصفها “الدولة”، حسب أحد الباحثين.
الموقف التركي من الاندماج:
على خطٍ موازٍ؛ ومثلما كانت تركيا حاضرة في كامل المشهد السوري؛ كذلك لها بصمتها الواضحة في كل مفاصل اتفاقية 29 يناير/ كانون الثاني الماضي والإعداد لها، وقبلها في التحضير لشن هجمات على مناطق الإدارة الذاتية وحيي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، بعد أن شاركت في اجتماع باريس 05 يناير/ كانون الثاني مع المبعوث الأمريكي إلى سوريا “توماس باراك” ووزير الخارجية السوري “أسعد الشيباني”، عبر وزير خارجيتها “حقان فيدان”، ورُسم مخطط الهجمات وإجراء الترتيبات لما بعد توجيه ضربة إلى قوات سوريا الديمقراطية وإضعاف الإدارة الذاتية.
ففي حين عطّلت تركيا مسار السلام مع الكرد على أراضيها، فإنها ضغطت بقوة على الإدارة الذاتية للقبول بفكرة الاندماج؛ واعتقد الكثير أن مسار السلام سيُلجم ويقيّد سياسات أنقرة تجاه سوريا، لكن ما حدث أظهر العكس، حيث شجّعت أنقرة المقاربة الجديدة لدمشق تجاه الإدارة الذاتية، وتماهت مع فكرة دمج قوات سوريا الديمقراطية ومؤسسات الإدارة الذاتية مع الدولة السورية، وفق شروطها، دون الأخذ بعين الاعتبار مطالب الكرد وحقوقهم المشروعة في سوريا.
مقاربة أنقرة من عملية الاندماج أظهرت براغماتية صرفة لأبعد الحدود. قبولها بتنفيذ اتفاقية 29 يناير/ كانون الثاني جاء إثر تفاهمات سرية مع دمشق والمبعوث الأمريكي إلى سوريا “باراك”. لقد وجدت تركيا مساحة كافية وفرصة مواتية للسير بمشاريعها في توسيع نفوذها في سوريا وكذلك العراق، عبر استخدام الاتفاقية وعملية الدمج مطيّة لها لفتح الحدود أمامها وتكون لها السيادة الخفية – الظاهرة في رسم مستقبل سوريا من زاوية مصالحها الاقتصادية والعسكرية والسياسية. تسيير قوافل التجارة بين العراق مروراً بأراضي الإدارة الذاتية، وتجنّب عبورها أراضي إقليم كردستان العراق ومعبر “إبراهيم الخليل”، والانتقال إلى دخول الأراضي السورية عبر معبر “تل أبيض” و”تل كوجر”، يحيي من جديد فكرة مشروعها “طريق التنمية” الذي اعتمدته مشروعاً حيوياً خاصاً بها في المنطقة، وكذلك تهدد من منطلق جيوسياسي إقليم كردستان العراق وتفرض عليه حصاراً اقتصادياً غير معلن. تماهت كل من الحكومة العراقية والولايات المتحدة عبر مبعوثها “باراك” مع التحركات التركية في إعادة رسم خرائط نفوذ وسيطرة تجارية واقتصادية جديدة، وربما تفتح الأبواب أمام مد خطوط الطاقة (النفط والغاز) عبر الأراضي السورية لتصب في موانئها على البحر الأبيض المتوسط، بعد أن ضمنت “وصايتها” على معظم الجغرافيا السورية..
كانت تركيا تعتبر قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية عقبة كأداء أمام مد نفوذها الاقتصادي والعسكري والسياسي في سوريا، إلا أن عملية اندماج الأخيرة مع الحكومة السورية؛ يسهّل عليها – أي تركيا – التحكم برسم مستقبل سوريا، كما تمدها بمزيد من القوة لعرقلة المشروع الإسرائيلي “ممر داود”. ووفق هذه الرؤية شجّعت تركيا الحكومة السورية على قبول فكرة الاندماج مع الإدارة الذاتية، حيث كانت تشعر بالقلق من تنامي دور الكرد والإدارة الذاتية في سوريا، واطمأنت إلى ما كانت تعتبره حتى الأمس القريب كابوساً يؤرّقها دائماً.
من جانب آخر؛ ترى تركيا في عملية الدمج نهاية للمشروع التحرري للكرد في سوريا لنيل حقوقهم المشروعة، أو على الأقل تعتقد أن الكرد أصبحوا “تحت أعينها” المباشرة. إلا أن هذا التصور التركي تنسفه التغيرات الجارية في المنطقة على وقع وضع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أوزارها، وإعادة رسم خرائط النفوذ والمصالح. ورغم انتكاسة الكرد في روجآفا؛ إلا أن القوة الكمونية لا تزال كافية لتثبيت حضورهم السياسي والعسكري في سوريا والمنطقة، ولم تتمكن حتى الولايات المتحدة والغرب عموماً تجاهل هذا الوزن الإستراتيجي الهام للكرد في معادلات السياسة والاقتصاد في منطقة الشرق الأوسط، خاصة بعد التنسيق المستمر والذي تعزز أكثر بين الإدارة الذاتية وحكومة إقليم كردستان العراق في العديد من الخطوات الهامة، وهي بالتأكيد ستعيد ما فقده الكرد في روجآفا، وفي ذات الوقت تبدّد كل التحدّيات التي يواجهها إقليم كردستان.
ويبدو أن تركيا تقود مشروعاً سياسياً أوسع لإنهاء ما تدعيه بـ”الأزمات” في محيطها، وتعيد هندسة التوازنات الإقليمية، وأن تأثيرها سيكون حاضراً. ولكن في ذات الوقت يعتقد خبراء في الشأن التركي أن العامل الأبرز في تحريك “قسد” نحو الاندماج يبقى الضغط الأمريكي، وأن دور تركيا يأتي بعد واشنطن، حيث يعتبرونه “مساراً مكمّلاً يعيد تشكيل التوازن السياسي في شمال وشرق سوريا، بينما تبقى الملفات الأكثر حساسية في التفاوض بين “قسد” ودمشق محصورة في اللامركزية وآليات دمج المؤسسات القائمة مع مؤسسات الدولة”.
إلا أنّ الدور التركي في التأثير على عملية الاندماج بين الإدارة الذاتية وحكومة دمشق، خاضع بدرجة كبيرة إلى التفاهمات بين القائد الكردي عبد الله أوجلان والدولة التركية، وهو مرتبط بشكل أو آخر بتقدم عملية السلام في تركيا وحل القضية الكردية فيها، حيث غدت الحلول الجزئية غير مجدية في عالم تتشابك فيه خيوط المصالح والتحالفات، وبات معه تهميش الكرد واستبعادهم من الحلول ضرباً من المستحيل والخيال، رغم الانكسارات المحلية وتلقي حركاتها التحررية ضربات موجعة في أكثر من جزء، إلا أنها أثبتت قدرتها على التعافي وتجاوز الخسائر، وبدأت حراكاً سياسياً ودبلوماسياً وفق متطلبات المرحلة الراهنة، وخاصة في روجآفاي كردستان.
الخاتمة:
إنّ مستقبل عملية الاندماج بين الإدارة الذاتية وحكومة دمشق مرتبط إلى حد كبير بالتوازنات الداخلية والخارجية، فادعاء البعض بأن الإدارة فقدت جميع أوراق القوة للتفاوض بها، توصيف لا يجانب الحقيقة ولا يقدم تقييماً موضوعياً لواقع الإدارة. فمثلما كشفت الإدارة في أكثر من مناسبة أنها لم تعتمد على القوى الخارجية في بناء ذاتها، بل سارت منذ البداية على مشاركة مجتمعاتها في بناء الإدارة وسير عمل مؤسساتها المختلفة، ومؤكدة دائماً أنها القوة الأساس في استمرارها ولو بأشكال وصيغ أخرى جديدة ضمن هياكل الدولة السورية. لقد ثبت من خلال مسار الاندماج خلال الأشهر الماضية أن حكومة دمشق أيضاً أحوج ما تكون إلى العملية بوصفها تعزيزاً لقوتها المادية والمعنوية ورفدها بمقومات جديدة، تمدها بنسغ البقاء والاستمرار، بل غدت سلطتها مرهونة بدرجة كبيرة إلى نجاح عملية الاندماج، وبما يحقق شروطاً عادلة من التمثيل والتكامل. فرغم محاولات وضع العصي في عجلات الاندماج من قبل البعض، لكن يستطيع المرء أن يلمس إرادة على استكمال المسار، لطالما أنها خاضعة بشكل أو بآخر لمراقبة ومتابعة إقليمية ودولية، ويوماً بعد آخر تترسخ بنية المؤسسات المُدمَجة، وتغدو جزءاً من كيان الدولة السورية، وهي بالتأكيد ليست مرحلة “مؤقتة” يمر بها كل طرف، ولا يمكن اعتبارها فترة “تمكين” يبني كل طرف تصوراته الخاصة ريثما تتغير موازين القوى على الأرض والتحالفات والصراعات في المنطقة.
ورغم التناقض الفكري والإيديولوجي بين الطرفين، من حيث أن الحكومة تحمل إيديولوجية ثيوقراطية تكفّر الديمقراطية، فيما الحامل الإيديولوجي للإدارة الذاتية علماني ديمقراطي، إلا أن التقاطعات بينهما تتركز في ضرورة إنقاذ الدولة السورية، ريثما يتم إعداد دستور جديد مستقبلاً يمثل كل السوريين. بالتأكيد ستظهر عراقيل عديدة خلال مسار الاندماج، من هذا الطرف أو ذاك، لكن نجاحها يتوقف على نوايا الطرفين في إيصاله إلى غاياته المنشودة، وكذلك دعم الأطراف الراعية للاتفاق بينهما، وعدم التدخل بشكل سلبي لفرض املاءاتهم على أي من الطرفين، أو الانحياز لأحدهما على حساب الآخر، بل التدخل لدفع العملية نحو النجاح.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.