مجلة فكرية سياسية ثقافية تعنى بشؤون الشرق الأوسط

المرأة محور الطبيعة المجتمعية قبل ظهور الدولة والسلطة علاقة تحرّر المجتمع بتحرّر المرأة

 

 

 

 

 

مصطفى عثمان

المقدمة

إشكالية البحث

أهمية البحث

أهداف البحث

مصطلحات البحث

الفصل الأول: المرأة في المجتمع الطبيعي الأمومي, والانقلاب الأبوي ونشوء السلطة والدولة

أولاً: المرأة كأصل للحياة ومركز للكونية.

ثانياً: القداسة الأنثوية في الحضارات القديمة (الأنوثة كإلهة)

ثالثاً: من القداسة الأمومية إلى السلطة الأبوية.

رابعاً: شرعنة دونية المرأة في النصوص (اليهودية – المسيحية – الإسلام )

الفصل الثاني: المرأة بين الأسطورة والفلسفة والتحرّر المجتمعي (المرأة بين التحرّر والاستلاب)

أولاً: تصوير الأنثى في الأساطير (عشتار، كلكامش) وفي الفلسفات القديمة والحديثة (بولس، شوبنهاور، نيتشه، كانت).

ثانياً: التناقض بين المرأة كقوة طبيعية وبين النظرة الأبوية التي همّشتها.

ثالثاً: نقد الخطاب الأبوي والأسطوري وتفكيك التابو الجنسي كمفتاح للتحرّر.

رابعاً: المساواة: المرأة شريك أساسي في التحرّر وبناء المجتمع.

الخلاصة

 

مقدمة:

منذ النشأة الأولى للحياة كانت الأنثى هي من تحاكي الطبيعة وتتعامل معها، وهي من احتوت أولادها, وبعد مرحلة السرحان القطيعي حصل الاستقرار وسكن الإنسان الكهوف والمغاور، وكوّنت الأسرة في المناطق التي تُلبّي حاجاتها، ووقتذاك لم يعرف الإنسان معنىً للدين أو القيادة، وسُمّي بــ “العهد الأمومي” أو “الرحمي” وبات كل شيء مُلكاً للأم، ويتولى الأب الصيد والقتال، وقُدّست المرأة حتى باتت إلهة، ولكنها أُقصيت من مكانتها بعد الخطيئة الأولى عند أكلهما “تفاحة الشهوة” فطُردا ـ آدم وحواء ـ من الفردوس الأعلى.

إن الخطيئـة التي أقصت الأنوثة أخلاقيـاً وحقوقيـاً وسياسيـاً ونفسيـاً وإنتاجياً عن سلطتـها الكونيــة، ومسـحت التقديسيــة الإناثيــة “الأمومـة” وحلـّت بموقعـها التقديسيـة الذكوريـة “الأبوة” مكّنت الانقلاب الأبـوي علـى الأمومـي من إلغاء عبادة الجهاز التناسلي الأنثوي، والانعطاف نحو عبادة الجهاز التناسلي الذكوري، ولوحظ ممارسة هذه الرُقى عند المصريين والهنود القدماء.

ويؤكد المفكر عبد الله أوجلان على أن (أول حرب بدأت في تاريخ البشرية هي الحرب التي أعلنت  ضد المرأة من قبل الرجل). وإذا كان العنف قد تحوّل إلى نظام يحكم كل خلايا حياتنا وترسّخَ في ما تحت شعور البشرية لهذه الدرجة، فإنّ هذا يعود إلى الأساليب الفظيعة التي استخدمها النظام المستبد وحقيقة الدولة المعتمدة على الحاكمية البطرياركية للرجل، بحيث نفذ العنف إلى أعماق سيكولوجية الإنسان، وتحوّل إلى ذهنية أو حتى إلى أمر لايمكن الاستغناء عنه، بحيث يتم الحل أو العمل على حل كل شيء عن طريق العنف.

 

إشكالية البحث:

المرأة كانت المحور و المركز في الطبيعة المجتمعية قبل الدولة والسلطة، لكن مع الانقلاب الأبوي والديني والفلسفي تم إقصاؤها.

 

أهمية البحث:

في بحثنا المتواضع نحاول إبراز العلاقة الجدلية بين تحرّر المرأة وتحرّر المجتمع, والأدوار التي مرّت بها المرأة تاريخياً منذ الطبيعة الثانية وحتى بعد الدولة والسلطة.

أهداف البحث:

  1. تحليل موقع المرأة في المجتمع الأمومي.
  2. دور الأسطورة والدين في التحوّل إلى المجتمع الأبوي.
  3. بيان أثر الحداثة الرأسمالية في إعادة طرح قضية المرأة.
  4. بيان ماهية العلاقة بين الحرية الفردية/الجماعية وتحرّر المرأة.

 

 

مصطلحات البحث:

المجتمع الطبيعي:

المفهوم الذي يشير إلى الحالة الأولى أو البدئية للإنسان قبل ظهور المؤسسات السياسية والدينية والقانونية، أي المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان وفق فطرته الطبيعية وقوانين البقاء والتكافل، بعيدًا عن البنى غير الطبيعية للدولة والسلطة.

عند جان جاك روسو: المجتمع الطبيعي هو حالة البراءة الأولى التي كان فيها الإنسان حرًّا ومتساويًا، قبل أن تفسده الملكية والقوانين.

عند توماس هوبز: المجتمع الطبيعي فوضوي تسوده «حرب الكل ضد الكل»، ولذلك يحتاج الإنسان إلى عقد اجتماعي لضبط غرائزه.

الطبيعة المجتمعية:

تعبّر عن البعد الاجتماعي للطبيعة الإنسانية، أي أنّ الإنسان لا يعيش كفرد معزول، بل تتكوّن طبيعته ضمن شبكة من العلاقات والقيم والرموز التي يصنعها المجتمع.

عند إميل دوركهايم: الطبيعة المجتمعية تتمثل في «الوعي الجمعي» الذي يوجّه سلوك الأفراد.

عند كارل ماركس: الإنسان «كائن نوعي» لا يكتمل إلا من خلال العمل والعلاقات الاجتماعية.

 

الفصل الأول

 

المرأة في المجتمع الطبيعي الأمومي والانقلاب الأبوي ونشوء السلطة والدولة

 

أولاً: المرأة كأصل للحياة ومركز للكونية:

لقد شيدت مؤسسات روحيـة “تعاليميـة” ارتقت من القدسانيـة الأرضويـة إلى القدسانية السماوية بدواعي ارتقاء الوعي الأمومي النسبي المحدود إلى الوعــي الأبوي الكلاني الإطلاقي، والانتقال من كونية أنثوية مدنّسة إلى كونية ذكورية مقدّسة، وحصرُ السيادة والقرار والمقدرات والتشريعات بيدها، أما التحرّر النسبي للمرأة الغربيـة فـي سياق التغيرات التـي أحدثتها النهضة الأوربيـة؛ فلم يأتِ نتيجة التقديس الأبوي، وإنما حصيلة التطور العلمي والصناعـي والاقتصادي الذي نشأ عقب فصل المعتقد اللاهوتـي بوصفه وعياً ميتافيزيقيـاً ما ورائيـاً عن الفكر العلمانـي، بوصفه وعيـاً عقلانياً واقعيـاً يستند إلى حقائق مادية ملموسة.

فنأمل ألاّ يُفسَّر قولنا إن الوعـي “الميتافيزيقـي” قد حال دون انفتاح الوعـي العلمي، وتـأثيـره علـى حركة التـحديث والتـطوير الصنـاعـــي والتـقنــي والتـكنولوجــي والمعلوماتـي، خاصة بعد تحرّر العقل العلمـي من العقل المتعالـي.

 

ثانياً: القداسة الأنثوية في الحضارات القديمة (الأنوثة كإلهة):

من المعلوم أن جوهر الإنسـان مكـوّن من وعي علمي ووعي أخلاقي، أما الدين بوصفه جوهراً أخلاقيــاً، فقد حضّ على  التـفكيــر والتدبيـر فــي شؤون الحيـاة، وجعل طلـب العلم فريـضة على كل مسلم لإدراك قدرة الإله الأعظم الذي خلق الكونية وربطها بمشيئته، وسخّر قواها في خدمة التخلّق العقلانـي الإنسانـي، لكن ما نودّ الإشارة إليـه هو أن مفاهيم أسطورية ظلت عالقة بالمنـظور الرؤيــوي التفسيـري للمعتـقد، وحالت دون تحرّر العقـل النقدي الباحث عن القيم الجماليـة والقوانين الماديـة والإبداعـات العلميـة والبنـاء الحضاري والمدنـي عبر حقب تاريـخيـة غابرة، وقبعت ساكنـة فـي دياجيـر ظلاميــة الثابت دونما إعمال العقل الحداثي والأخذ به بما يواكب تطابقات الدين مع العلوم الدنيوية، ثم مافتىء أن انطلق مارد العلم المُقزّم من قمقمه الأسطوري.

إن الحريــة التـي نتنفسـها بواسـطة رئـة التـراث يـنـفث زفيـرُها خلائط سلفيــة أسطورية، فهل تفاءل العقل المشرقـي يوماً باستنشاق حريـة لا تشوبـها مثل هذه الخلائط المنحازة للعقل المتزمّت المنغلق، وسوق العقل إلى مهاوي التغريب الجانح مُذ أن نُقشت على صخرة الشرق أول أبجديات القداسة ؟.

إن حريــة المرأة المتعلقة بقدسية المحرّم فـي أبـجديـات القداســـة شبـه معدومـة، ذلك لمـا للتــراث من احتواءات كثيـفة من القيم الروحيـة القدسيـة التي جعلت مستـواها دونيـاً في كافة المجالات، وليست المرأة الغربيـة بأحسن حال من المرأة الشرقية، فهي الأخرى عانت من انتقاص فـي حريتـها وحقوقها حسب المنظور اللاهوتـي, وتنفّست الصعداء إبان بروز ملامح النـهضة الأوربيـة أواسـط القرن (السابـع عشر) الميلادي، التي عزلت المفاهيم الأسطورية الغيبية وحصرتها ضمن الأقبية المعبدية، والأخذ بالمفاهيـم العقلانيـة العلميـة والوجوديـة.
وبذلك أنـهت عهوداً سـوداء من تقاليد الانغلاق والتحجّر، وانطلقت فـي سائر المضاميـر الحضاريــة والميــادين المدنيــة، وقد أوضحت النصوص التشريعيــة والقانونيــة والشرعيــة حقّ حريــة الإنسان العاقل فـي تحديـد مصير شخصيتــه وتدبيــر شؤون حيـاتـه ومقوّمات وجوده، وحقوقه العامة تـحت ما سُمّـي بالحقوق الطبيعيـة للإنسـان كما دعتـها الثورة الفرنـسيـة (1789م)، وأكدت الديـانـات علــى سلطة العقل واستـخدام صلاحيـاتـه فـي حريـة البـحث والتـفكير والتـأويـل لفهم سرّانية الوجود منطلقة من مقولة (لا إكراه في الدين) بيد أن كثيراً من التعاليم الفقهية، حدّت من فعالية العقل إزاء ما يدعى باختراق مخالف لتعاليم المقدّس، وأكدوا بصلابـة مُرّة دور العقل والمنـطق فـي تفسير وتـأويـل وتحليـل المظاهر التي تهمّ الوعي العقلاني إزاء تساؤلاته الأكثر إلحاحاً([1]).

وبالإضافة إلى المرأة التي اكتمل تأنيثها (صُيِّرَت العبدَ الأرقى) على يدِ مدنيةِ الحداثة الرأسمالية (حضارة المدينة الطبقية)، فجرى خَصيُ الرجل وتأنيثه أيضاً (بذريعة المواطَنة)، لتتحققَ بذلك تبعيةُ المجتمع برمّته كزوجات خانعات فحسبَ هتلر: (المجتمعُ كالزوجة الذليلة). إنّ المجتمعَ بالنسبة إلى الدولة القومية أَشْبَهُ بحصانِ الركوب وبِالعَوْرة([2]).

 

لقد دعا الإسلام إلى الاحتكام إلى العقل وممارسة حرية الاجتهاد كي يحدّ من هيمنة السلطة الفقهية التي تحكم وتقضي على هواها، والحد من تمدد السلطة الكهنوتية فـي المسيحيـة التـي تحتكر القرار الروحــي ضد اعتمالات العقل المنفتح على التطورات المعرفـية تجاه العقل الديني المنغلق الراكد الملتزم تلقائيـاً وعفويـاً دون أدنـى تفكيـر بالتعاليم المعبدية، أي تعطيل ملَكات الوعي العقلاني في التفكير والتدبّر.

حاولت رؤى اجتـهادية عقلنة الفكر الدينـي نصاً وفقهاً وتشريعاً بغايـة التصالح بين المنظور الدينـي والحداثـي، والعودة إلى تفعيل حركة الإصلاح الديني إزاء التطورات الفكريـة والثقافـية والعلميـة والصناعيـة الغربية فـي عصر النهضة، إلا أن المنـظور الدينـي قد خلق إشـكـالات عدة فـي الـرؤى الروحيـة برغم وحدة النص وقدسيـة الخطاب الإلهــي، فسـادت مفاهيـم فقهيـة تبنّتـها مؤسسات تتولى تسيير الشؤون الدينيـة التـابعة لأنظمة الحكم، ومفاهيـم إصلاحيـة توفيقية تـتـماشـى مع المعطيـات الحضاريــة والمدنيـة المعاصرة تعتـمد العقل أساســاً فـي طرائق الاجتهاد، ومفاهيم صوفية قبعت تحت ظل الورع والزهد، وباتت فلسفتـها الدنيوية تدعو إلى الاندماج بالإله، وبرزت عنها ما يسمى بالمعرفة الإشراقيـة.

راح بعض من المؤمنيـن بهذه الفلسـفة يعيشـون حالات من التجليـات الذاتيــة، حتـى دخلوا دائرة التواكل والاستلاب والزهد، ومفاهيم عقلانيـة اعتمدت الواقع المادي والاجتماعـي والفكري والرأي الحرّ أساسـاً فـي تطبيــق الشريـعة كونـها تتصف بالزمنيـة والروحيـة معاً، بيـد أنها اتسـمت بالانغلاق والتـعصب لرؤاها، ولم تنفتح وتتصالح لتفعيل الوعي العقلاني المتجرد، وسلكت طرائق متباينة في حركاتـها وتعليـلاتـها وحجمهـا، وأسسـت معارف ثرّة فـي التــراث الإسلامــي الشرقـي، ومن الواضح طرحت هذه المفاهيم مشاريع نهضويـة للحيـاة الروحيــة والماديــة، واتـهمت بعضـها بالـخروج عن أصـول العقيــدة، وبعضهـا بالإلـحاد والزندقة، وبعضها بتزييـف حقائـق الغيب والطعن فـي وحدانيـة الله، وظهرت مذاهب وفِرق وحركات أضفت رؤى معرفيـة وجماليـة وقيماً بديعة أغنت تعاليم الدين، وانسـربت رؤى بِدعية ضالّة تخبيليـة شوّهت تعاليم الدين، ولم تتعرض مجملـها إلـى حريــة المرأة، ولم تتـطرق إلـى إزالـة الرواق الفـاصـل فـي الخبـاء الذكوري القبلي، وتجعله مفتوحاً على الحرم النسوي المعزول.

إن لنا فـي الحداثة رؤيـة تبعث علـى الحزن قيـاساً علـى ما نحن مرتـهنيـن له من تباينات فـي تقاليدنا الحضاريـة والروحيـة. لقد خاض الغرب تجربة حداثيـة عانـى منها ولاقـى الويـلات, صحيح أنه تحرّر من قيم اللاهوت وانتقل إلـى قيم ماديــة أكثر حداثة، وأخذت لبوساً إنسانوياً، إلا أن هذه القيم الممثلة بالأفكار والأيديولوجيات والعلوم والتكنولوجيا، ساقتها إلـى تنافس يخدم مصالح النخبة وتمركز رأس المال، وصراعات علـى الخصوصيـة الحضاريــة، وخلافات أيديولوجية، أقحمتـه فـي دوامة عالم العبث المدمّر، وطفقت تفكك البِنـى الحضاريــة والثقافيـة والروحيـة للشعوب، وأدخلتـها قمقم العولمة البـائس، وأمست البشريـة معنية فيها، ولم تكن الحداثــة تحريـراً لها من خزعبـلات اللاهوت والخرافـة والأساطيـر “الماورائيــة” المفترضة التي لا تمتّ للدين السماوي بصلة من جهة، ومن الاستغلال والاضطهاد والغزو والتخلف من جهة ثانيـة، فاختـلطت عليها الرؤى.
لقد مُورست شتى صنوف الإرهاب والقمع والإفراغ الروحي والثقافـي، ولم تتوانَ عن تهديـد أمنـها وروحـها وممتـلكاتـها، فراحت تفقـد كل معنى روحي نحو إله متعالٍ ينظّم حياتها الداخليـة، ومعنـى مادي  نحو حضارة ومدنية راقيـة تنظّم حياتها الخارجيـة، وتالياً خسرت من جرّاء حضارة العبث جُلّ قيَمها الذاتـيـة المكوّنـة من جملـة السلوكيـات الأخلاقيــة والجماليــة من طرف، ومنجزاتها الماديـة التـي تحقق لها السعادة والرفاه من طرف آخر، فمن إذاً هو إنسان الحداثة أو العولمة؟.

لا مندوحة، أبدع الإنسان معارف أسطورية متنوعة، وكشفت لنا الُلقى والرسوم عن فلســفة الجنس عند إنسان الأسـطورة، وبيّنـت جوانب هامّـة من حيـاتـه الثقافيـة والمعتقدية، وارتقت ممارساته الجنسية إلى مستوى القدسيـة فـي حياتـه الخـاصة والـعامـة، وظلـت منـهجيـة الـعزل والانـقسام والتـمييـز بيـن الذكـورة والأنوثة منسربة في الأمشاج الدينية والروحية، سواء أكانت معتقدات روحية “دنيوية” أم تعاليم عُلوية “سماويـة”. وهكذا صارت رؤيـة العزل شريعة السماء، واعتُبرت من الأحكام الأخلاقيـة الإلهية المقدّسة، وبرغم التزام المرأة بهذا الإقرار وفق ما تضمّنه وعي ما بعد أسـطورة البدء المقدّس بشأن العزل الأنـوثـي؛ فقد ظلت المرأة المحور الذي ترتبط به الفعاليات البشرية برمتها([3]).

 

ثالثاً: المرأة من القداسة الأمومية إلى السلطة الأبوية:

شُبِّهت المرأة بالأرض التي تُحرث وتَخصب، وبالشجرة التي تُلقّح وتثمر، حتى صارت آلـهة أو “ربة” تُعبد، وبخاصة عند اليونانيين والبابليين والفينيقيين والفراعنة والهنود. يقول الداعيـة الروحـي “القديـس بولـس الأول” فـي رسالتـه: “المرأة مجد الرجل، لأن الرجل ليس من المرأة، بل المرأة من الرجل، ولأن الرجل لم يُخلق من أجل المرأة، بل المرأة من أجل الرجل”([4]).

قد نلحظ تطابقاً أو عُرى ارتبـاط بيـن الرجل والمرأة فـي محتـوى رسالة “بولــس” بمعناه الخلقاني “الإلهي” أما فـي معناه الدلالـي، فتتبدّى لنا فروقات فـي القوى الجسديـة والذهنيـة والنفسيـة والمعرفيـة، فالمرأة في المعتقد الديني كائن دوني “أرضـاني” والرجل كائن فوقـي “إلهـي”، وقوّام علـى المرأة فـي كافة المجالات الحيـاتيـة، أما فـي تكويـن المرأة، فلا نـجد فروقـاً اعتبـاريـة فـي بنيتـها البدنيـة أو تركيبـتـها الذهنيـة أو دوافعـها الجنسيــة أو نزوعاتـها العاطفيـة أو انفعالاتها النفسيــة، وتفكيرها في مجمل القضايا الحياتية العامة والإنتاجية.

من الطبيعي أنّ لكل كائن ميّزاته وفروقاتـه الشخصيـة الاعتبارية، بيدَ أن شرعنة الوعـي الذكوري فصلَ وميـّزَ وسيّـدَ الذكر علـى الأنثـى لاعتبارات شتـى، منها سياسيـة واقتصاديـة ودينيـة وقبليـة، ولعلنا نلمس أيضاً فوارق صارخـة عند الأنثى حسب واقعها البيئـي والاجتماعـي والاقتصادي والثقافـي والدينـي والسلطوي والتاريخي على المعمورة، وأن تحريرها وفق معطيات هذه الميـادين ستُـفصح بحق عن قدرتـها الهائـلة التي تتفوق كثيراً على قدرات الرجال، ولدينا من التجارب والأدلة التاريخية ما يثبت ذلك من حيث هي قوة معطاءة، وكائن مستقل كباقي الكائنات، وسرّ حجبها ودونيتـها وعزلها إلى أسطورة البدء الأول لعهد السيـادة الذكوريـة على مقاليد الحياة التي صارت نمطاً تقليدياً وعرفاً ثابتاً غير قابل للخرق، في حين مَثلُ الزوجيــة البشـريــة مَثلُ أي زوجيـن من أنـصاف النـباتـات أو الأجنــاس الحيوانيـة ..إلخ.

هناك قول للسيد المسيح: “إنني ما جئت لأنقض الناموس وإنمـا لأكمل” فهذا الإتـمام، دعوة إلـى إطاعـة “الأب” أي الإله الواحد واهب الحيـاة وخالق الكونيـة، وتحديد أفهومات عدم إطاعة, وثـمة ما شُـرعن فـي صحف “التوراة” أو”التلمود” من بعد، المكتوبـة بأيدي كهنوت سنّوا ما يُحرّم أو يُباح كما يقضـي هواهم.

وما يدعو إليـه بالامتثال والخضوع لإله خارجـي عنيف، يكرّس النزعة القومية “العرقية” العنصرية والقبلية تحت ما سُمّي ” شعب الله المختار” . وأكد العهدان القديم والجديد علـى دونيـة الأنثـى وعليّة الذكر، ” إني لا أُبيــح للمرأة ان تُعلّم ولا أن تتسلط على الرجال، بل عليها أن تلزم الصمت”([5]).

إن حضارة الدولة الأبوية (البطرياركية) مارست الظلم والاستبداد بكل بشاعة على المرأة والبشرية وتركتهما عرضة للألم والعذاب، تتخبّط في دمائها على مرّ خمسة ألاف سنة خلت، ونجدها اليوم تواجه مرحلة ترتجّ بأزمةٍ مزمنة, حيث تحولت الأزمة إلى مرحلة مليئة بالفوضى والمشاكل المستعصية الحل والعقد الكأداء في يومنا الراهن, بسبب النظام الإمبريالي – ممثل الحلقة الأخيرة لهذه الحضارة ـ فتفاقمت المشاكل والأزمات في جميع أنحاء العالم وانتشرت بين كافة الشعوب كالنار في الهشيم, ولم تبقَ ساحةٌ لم تنل حصتها من مشاكل هذا العصر.

 

رابعاً: شرعنة دونية المرأة في النصوص (اليهودية – المسيحية – الإسلام ):

من الملاحظ أن المؤدلج الأبوي يضع المرأة في قفص الاتهام حينما يحكم عليها بأنـها تبـحث عن مجـاراة الرجل بالـقوة، ومنـافستـه علـى السـلطان والهيمنـة، وتخليها عن أنوثتها وحنانها ودفئها وواجباتها تجاه أسرتها عند مطالبتها بحقوق المسـاواة الإنســانيـة.

ســأعرض قـولاً لأحـدّ أهـم فلاســـفة العصـر الـحديـث (شوبنهاور 1788ـ 1860م)  الـذي يبـرر فيـه عدم مسـاواة الـمرأة بـالرجـل بمقولـة غايـة فـي السذاجة “أعدِّت إعداداً عقليـاً يلائم الغرض من وجودها فجاءت ضعيـفة العقل، قصيـرة النظر، حتـى لكأنها طفل كبير لكـي يتم بينها وبين أطفالـها شـيء من التناسق والانسجام”.

إن موجوديـة المرأة وانخراطها في مجالات العمل ضرورة بوصفها كائناً يشترك فـي مقونن ديمومة الحيـاة، ويتحكم في أساسيات الوجود أوالزوال.

إن المسـاواة أمر غايـة فـي الإطلاقيـة العقلانيـة باعتبارها سنـة الحيـاة القائمة علــى الشراكة الطبيعية (غريزياً وروحياً وعاطفياً وتناسليا وعقلياً) من ناحية، واشتراكهما عن باقي الكائنات الحية في العقلنة (معرفياً وتنظيمياً ومعتقدياً وإبداعياً).

لقد جاء الإسـلام بتعاليـم تخصّ العدالـة والمسـاواة تـحت حكـم إلهـي يحمل مفهومـاً محورياً في فلسفة الدين هو “الأمر بالمعروف والنهـي عن المنكر” إثابة للحق، وجعل من حكـم القصاص عقابـاً صارمـاً لمن يخالفون النـصوص التشريعيــة ويتـجاوزون روح المفـهوم، إلا أنـه ظل دينـاً سمحـاً وعقلانيـاً فـي تـعاملـه مـع المخـالفـة استنـاداً إلـى قولـه تعالـى (ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنـة وجادلـهم بالتـي هـي أحسـن).([6])

لكن بُعيـد وفاة الرسول محمد (ص)  / 12 / للهجرة، دبّت الخصومات والنزعات والاغتيالات والانشقاقات،  وتـمخّض عن هذا الصـراع نشوء محاكم الإفتـاء، والأخذ بآراء الفقهاء، رافقتها أحكـام طُبـقت بـحد السـيـف، وعلـى إثرهــا بـرزت ظـاهرة الإفتـاء السـلطـوي “السياسـي” وإفتـاء “الفقـه التبريري” وإفتاء “الأحكام القانونيـة” وانبرت معظمـها تـخدم سـطوة السـلطان، محاولـة إزاحـة خصومـه ومعارضيـه بحجـة الدفاع عن تعاليم الدين. يذكّرنـا هذا بنشوء محاكم التفتيش المرتبطة بالعرش إبان تألّق الإمبراطوريات الغربية  في القرون الوسطى. إذاً، أين موقع المرأة في خضمّ هذه النواميس الإفتائية المرتبطة سواء بالعروش أم بالإله؟.

لدى البحث التاريخي المتعقّب أثرَ المرأة في بيداء الفقه الذكوري، تبيّن دونما لبس أن المرأة كانت أكثر إذعاناً لشرعنته، وتطبيقاً لأحكام قصاصه القاسيـة، وأسـتطيع القول: مازالت المرأة في أزمة تاريخية، وما فتئت تعاني مأساة القيد، برغم تـطلعها صوب التجانس والمسـاواة فـي الحقوق، والنضال فـي سبيل إثبات وجودها في الوسط البشري الأناسـي، ولعل الحديث العقلانـي عن تحرّر المرأة دون منـحـها مقومات الحريـة الطبيعية كحقّ مشروع لها في الحيـاة، هو نفيٌ لوجودها أصلاً, ومن المؤكد أنّ لديها القدرة على التكيّف وإنتاج حريتها، واستثمار قواها كذات عاقلة ومؤثرة داخل لعبة الصراع بين الوعي الخلاق وقوى الطبيعة المقابلة، ولعمري ستظل أبداً معنيـة فـي توسيع رقعة وعـي الإرادة الأناثية التي ترسم الصياغات الكفيـلة بمساواتـها مع الذكورة المؤسسـة للقوى الاجتماعيــة، وتستعيـد مكانتـها اللائقة في سيرورة قانون التطور المتكافىء.

تظهر أنماط النـُظم السياسيـة إزاء صلابـة النـظم الاجتماعيـة وقيـمها الروحيــة هشاشتها وعجزيتها، فإذا شخّصنا موضوع العلة, فسنجده يكمــن فـــي الجوهر الأيديولوجي للنظم السلطوية المتماهية فـي الأمشاج الثقافية الأسطورية لقيم البدء التـي تستبطن في ثنياتها ـ حتـى الأنساق العلمانية ـ مفاهيـم أثنية وقومية وطائفية وعرقية تمارس على المرأة ثقافة الخطيئة وعقوبة الإقصاء, وشعورها بمحكومية دواخلها الذاتية الدونية وانسياقها بآلية سطوة الذكورة.

لا ننكــر أن الدين بكافــة مفاهيمــه ومنظوماتــه التشريعيــة والحقوقيـــة والفقهيـة واجتهاداته الفكرية التــي برزت إبان تشكيل الدولـة الإسلامية المترامية الأبعاد, قد تأثر بالمؤسسة المعرفية الأرسطوية (منطق أرسطو) ودعـوة فلاسفة عـرب وشرقيين إلـــى علمنة النزوع الدينــي, وامتداد هذا الفكر في المنظومـة الدينيـة الروحية لغاية النهضة الأوربية الحديثة, والسعي إلى تقارب فكري “نظري” فــي الاجتهــاد والفقه الدينـي مع الفكر الأوربــي المادي “العلمانــي” ومحاولة التخلـــي عن أفكار ومفاهيــم التلقين التلقائــي للتقليد الروحي. إلا أن هـذه التيارات، قد حُوربت، وحُيّدت، وصُنّفت على أنها أفكار تناهض الفكر الديني, وتُفسد قلوب العامــة من المؤمنين, وتهزّ عفوية القناعـة بالإله, كما طُرحت شعارات تدعو إلى وحدة الرأي والفكر الإسلاميَّين للتحرّر ومناهضة الاستعمار الغربــي  الحديث، وا تصفت أشكال الأنظمـــة وقتـذاك بـ ( شورى ـ دستوري ) وانضوت تحت أحكامها جميـع القوى المنتميـة دينيـاً وقوميـاً وطائفيـا ًوعرقياً لإعلاء لواء الإسلام والأمة الإسلامية الواحدة.

كتـب “محمد رشيـد رضا” فــي  مقدمــة مجلته ” المنار” لعـــام / 1899م/ , شارحاً فيها الدخائل التـي مازجت عقائد الأمة, والتأويلات الباطنة التـي شبّهت الحق بالباطل, حتــى صار الجبر توحيداً, وأفكار الأسباب إيماناً, وترك الأعمال توكلاً, ومعرفـة الحقائق كفراً وإلحاداً, والتسليــم بالخرافات صلاحــاً, واختبال العقل وسفاهــة الرأي ولايــة وعرفاناً, والتقليد الأعمى علماً ويقيناً.

 

الفصل الثاني

 

المرأة بين الأسطورة والفلسفة والتحرّر المجتمعي (المرأة بين التحرّر والاستلاب)

 

أولاً: تصوير الأنثى في الأساطير (عشتار، كلكامش) وفي الفلسفات القديمة والحديثة (بولس، شوبنهاور، نيتشه، كانت):

تشـيـر أحداث الحكايــات الأسطوريــة إلـى ألوهية الأنثـى، فمن خلال البحوث الأثريـة والحفريات “الآركيولوجيــة” والتنقيبـات؛ عُثر فـي المعابد علـى تماثيل إناثية تدل علـى عبـادة الأنثـى فـي أزمان ما قبل  تعاليـم العهد القديـم، وتشي بحصول الانـقلاب الذكوري على الألوهيـة الإناثية.

يمكن  علـى سبيل المثال لا الحصر إيراد عنصر جوهري من عناصر تكوين المعتقد الديني الأسطوري، أبيّن فيه قدرتـه الانسرابية فـي النسيـج الروحـي، وتماهيـه في سائر الديانات الإنسانية، فلنا في أسطورة  “كلكامش” ( 1800 ق. م) بيان يعبّر عن رمزيـة ظاهرة الانقلاب الطقسـي أو المعتــقدي أو الاقتـصـادي أو الســلطوي وقتـذاك، حيث يتـجلى الـرمز الأخلاقــي المستفيض عن إثم الخطيئة عندما عاد “كلكامش” من معركته مزهوّاً بالنصر المبين.

مشهد خروج “عشتار” عارية من النهر الذي كانت تستحم فيه، وقد أثار جمال جسدها مشاعر وغرائز “كلكامش”، وبالمقابل أثارت شخصيته الفارعة حسّ “عشتار” واستحوذ على مشاعرها، بل يمكن القول  حرّض غرائزها الأنثوية، فعرضت عليه الزواج, وتجدر الإشارة إلى أن عشتار “ربة” علوية ، وكلكامش إنسان دنيوي، إلا أن كلكامش أبــى ورفض عرضها الدوني، واستخفّ بانحدار مستوى عشتار من مقام النبالة المتعالية “السماوية” إلى تلك الوضاعة الدونية “الأرضية”، فعند استقرائنا لهذه الرموز الأسطورية، يتبين أنها تُفصح عن دلالات معانيـة، تنمُّ عن إخصـاء أنثوي يـمارسـه المتــسلط الذكوري، ولعل تقاليـد الإخصاء، قد تـوسـعت إلـى درجة تقديم الإناث قربانــاً، ونذوراً، وتحويلهن إلى عاهرات مقدّسات، والأنكى من ذا وذاك، أنه مورس في الشرق نزوع إجرامي متخلف بحقّ الأنثـى نتيجة إباحة التقليـد القبلـي المتزمّت مبـدأ “الوأد” الإناثـي عند الولادة، بحجة واهيـة، تبـرّر جريـرة هـذا المعتــقد الوحشـي الذي يـلوذ خلف الخشيــة من وقوع خطيئـة الزنـى الآبق الذي يمثّل رمز النزوع الغريزي الشهوانـي “الجنـس” تيمّنـاً بتـعاليم أسـطورة البدء المقدس.

ونتساءل: هل إخصاء الأنثى في أدبياتنا وتعاليمنا وأخلاقياتنـا وتقاليدنـا وأساطيرنا, هو تحصين لنبالتها وطهارتها وعلوّها وقدسيتها في المنظور الذكـوري أم إقصاء لها, وإحلال الذكورة بدلاً عنها في السيادة الكونية؟.

يلوح لنا أنّ الإخصاء ليس إقصاء أبدياً، فالدين الأسـطوري رفع من شـأن الأنثـى أزمانـاً وخفضه أزمانـاً أخرى، ولا بد من أن تعود السيـادة الإناثيـة الكونيـة، وتتطهّر من عقدة الإقصاء والخوف الأزلـي الذي لازمـها دهوراً عديدة، وغرّبـها عن الواقـع الذي خُلقت من أجله.

إن أسطورة البدء هي فلسفة تعبّر عن حقيقة وعــي الذات نفسها، بيد أنها مكثت قابعة تحت ظل مسكونيـة ارتهانيـة لتعاليم قيم الفصل أو العزل، وراح الوعــي متــوغلاً إلزاميـات مشوبـة بالتضليـل، ما جعل المرأة فـي مسـكونيــة الفصـل والتضليل تفقد ميزة البنـاء المعرفـي الذي اقتصر علـى الذكورة وحدها، فانقسـم الـعالم الأناسي إلى نصف يتملك وعياً ممنهجاً يمثل الذكورة في وعيها لذاتها إزاء الواقع، والنصف الآخر الذي يمثل المرأة الجاهلـة لذاتـها إزاء الواقع، ومن هنا امتازت أسطورة البدء الكونية بروح ذكورية مُقدسة إزاء روح أنثوية مُدنسة، فأســدلت على القيم  أستاراً شفافة من الأخلاقيات التي تخدم جنوح الأبوة، وتحيّد الوعي القيمــي الأمومـي. ويجوز لنا القول بأن الوعـي الذكوري يُزيّـف الحقائـق، وينصرف مستقلاً في عملية البناء المعرفي والروحي والحضاري والمدني عبر المراحل التاريخيـة الأبويـة، لكنـه فـي حقيـقة أمره، أرسـى قواعد متنوّرة، أقـام عليــها أنساق الوعـي الأناسي الذي كشف زيف العزل، وعدم قبول الحوار والنقد والتغيير، والحيـلولـة دون أخذ المنطق الجدلـي مكانـة فعالة فـي قضيـة الصراع الثنائي بين الذكورة والأنوثة، ولم يتوانَ العقل الحداثي عن دراسة قضية التحييد الإناثي في بواكير نشوء الحضارة وارتقائها، وما زال يتقحّم المسكونية ليكشف زيف معتقده فيما يتعلق بقضية الإقصاء الأناثي، ويصحّح المسـار الطبيعـي لحركة العلاقة الإزدواجيـة بين كائنين عاقلين، واستنطاق جوهر الكينونـة الطبيعية لوحدة البناء المعرفي السوي.

وليس يكتـفـي النـقد بالتـفسير والرفض والمعرفة، وإنمـا يـتطلع إلـى صيـاغة نظريــة معرفية شاملة لإمكان التحرّر من تقاليـد الثنائيـة والتحييـد الأنثـوي رغم صعوبـة وخطورة وألم مهمة البحث عن الحقيـقة، كون الإنسـان يمتـلك عقلاً متميزاً عن الكائنات الأخرى، وامتيازه هذا جعلـه فعالاً ومتفاعلاً مـع عالمه بعلاقـة تَـخلـُّق وإبداع، إذاً فإن من الضرورة بمكان، خلق حالة من البناء العقلاني المحض للمعرفة الكونية والتكيّف مع الواقع الطبيـعي، يقول “نيتـشه” ( 1844 ـ 1900م) : ” إن شيئـاً ما بداخلنـا يريد أن يحيا ويؤكد ذاته”.

إن الأفكار التقليديـة الثابتـة تحول دون البحث عن حقيـقة المرأة وتـحفيزها على تغيير الواقع ،علماً أن الكائن العاقل سواء كان ذكراً أم أنثى هو المسؤول المباشر عن بنـاء الواقـع حسب مقتضيــات الحاجة ومتطلبـات التـكيُّف، من حيـث أن مفتاح الكونيـة هو الـعقل، وهذا ما أقرّتـه شريـعة الـربّ، وتقاليـد الأسطورة، وتعاليـم الأديان، والمنطق العقلاني.

ثانياً: التناقض بين المرأة كقوة طبيعية وبين النظرة الأبوية التي همّشتها:

إن دفاع العقل الحرّ عن مشروعية سيادته على بناء الحياة بمعزل عن المؤسسات القبليـة والسلطويـة والدينيـة؛ حق تقرّه سيــرورة التحوّل المعرفـي والاجتماعــي والإنتاجي والإبداعـي، وليس للتراث قيمة معرفيـة ما لم يُفصح عن حقيقة كُنهه، وحريـة نقده، وفتـح باب الإبداع علـى مصراعيـه ليتمّ الإقرار بأنـه المخزون العريق الذي يحتوي ذاكرة الشعوب وفخرها.

إن ما يمارسه الفكر “الأوتوقراطي” العتيق من إهانـة لجسد المرأة بسبب لعنة الخطيئة الأولى، واحتقاره لعقلها، وحجبها عن المشاركة في فعاليـات الحيـاة، هـي ما جعلت الجهل ينسرب فـي نسيـج التراث العقلانـي، ونُرجـع الأسبـاب المنطقيـة لتفشـّي الجهل إلـى عمليات حجب الحرية المعرفية التي تنظمها قواعد المشرعن الأسطوري للحيلولة دون الإفصاح عن جوهر الحياة الحقيقية، ولكن البـحث عن الحرية ينتـج  حينـاً أحكاماً تحدّ من الحرية نفسها، فتجعل قيمة ما من قيم الحريــة ارتهانـاً بائسـاً مُقيـّداً للإبـداع، يقول “نيـتشـه” بتـصرف: “المرضــى والمحتضرون هم الذين يحتـقرون الجسـد والأرض، والذين اختـرعوا الأشيـاء العلوية .. لكنهم يدينون بكل شىء لذلك الجسد وهذه الأرض”.

نستطيـع القول إن خطابات “أيتولوجيـا” الأسـطورة التـي بـوّأت الذكـورة المقام السيـادي والهيمنـة “الأبوية”، قد شكلت عندها انفصاماً أليماً ساقها إلى نهايات وهميـة كارثية خلافاً لحقائق الواقع، فحملت الذكورة ازدواجية إشكالية المرأة، وأثـّـرت علـى كثـيـر من الجوانب الحضاريــة والمعرفيــة والثـقافيــة إزاء ذلـك المستبطن الأنثـوي الذي تهفو إليه النفس والمشاعر، وكل ما تفرضه الوقائع، من حيث أن الأنوثة رغبـة وحاجـة مقدسة من جهة، ومحتـقرة ومُدنسـة من جـهة أخــرى, وحـدّت من غلـواء النـقـد والتـشـخيـص والمعالجـة لشـفـاء الـذكــورة من مرض الانفصام، وتعنّتـها حيـال أي خرق للمحصّـن الذكـوري، والمسـاس بنـصوص الخطاب السلفي الأسطوري الذي يحمي شرعيته، ويقيه من الانقراض أو محاولة مسحه من الذاكرة الجمعية الأناسية.

تبيـّن من خـلال الأبحاث والتحليـلات المعمّقة فـي خصائـص السـلوك الأناســي الذكوري سواء من جانبـه السوي المتوافق من حيث دافع الرغبـة والحاجة إلـى دفء الأنوثة أم من جانبه الشاذّ المنافـي الذي تنـاوله العاملون فـي ميـادين الصحة والنفس وكشوفهم من خلال تحليلاتهم واستقراءاتـهم السريريـة الروحية والنفسيـة والعقليـة عن خصائص السلوك القويم السليم, وما كشـف عنه أيـضاً علماء النـفــس المرضـي الذين شخّصــوا الاضـطرابـات الشـخصيـة وما أفصـحوا عنه من حـالات انفصاميــة شديـدة عنـد الذكورة، قد أرجـعوا منشـأ هذه الاضطرابـات والخلـل والـعجزيــة ســواء فـي النشـاطـات الشـخصيـة “الفرديـة” أم فـي النشـاطـات الاجتماعية “الجمعيـة” إلـى عوامل نفسيـة أكثر منها عضويـة، وذهانية أكثر منها واقعية تتحكم بقدرات المجتمع ذكوراً أم إناثاً، وبإرادتهم ومشاعرهم وتقاليدهم، وأرجع ذلك إلـى مشروطيـات الخطاب الأيتولوجـي الأسـطوري الذي وضع مرتسـمات القوى الروحية والعرفية والجنسيـة والثقافيـة والمعتقديـة والحقوقيـة والتشريعيـة التي حالت دون إشباع القوى رغباتها وحاجاتها، فشكلت في المستبطن الذكوري البائس اللاسويـة واللاتوافق مع التكوين المنظوماتـي للجوهر الأناسـي الحقيقـي الذي ينزع نحو التوافق والتفاعل الإنساني.

يقول أوكتافيو باث: “إن صوت  الرغبـة هو صوت الوجود نفسـه، ذلك أن الوجود ليس سـوى رغبـة الوجود”. ويقول أيضاً في هذا الشأن: “إن الإنسان قادر أن يحوّل العالم بأكمله إلى صورة من صور شهواته”.

لا مندوحة، تناولت أسطورة البدء المقدس الحياة الجنسيـة فـي خصائصها الخلقانيــة الفطريـة، وركزت باللائمة أي “الخطيئة” علـى الأنثى “حواء” وحمّلتـها الشـذوذ وجريرة (ذنب) خرق المحرّم وتجاوز حدود “الرّب” مما أثار سخطه وأعلن حلول اللعنـة عليـها، ولم يرضَ أن يغفر لـها ذنبـها، فحملت أثقال أوزارها الأبـديـة، لكنـه غفر للرجل “آدم” المخدوع وزرَه، ثم سيّده على المرأة الآثمة الموبقة, تلك الكائنة التـي تـأخـذ مكانـة الأم والابنـة والأخت والزوجـة، ولـعل الميـل العاطفــي تـجاه الأم أوالحبيبـة بسبب أنها امرأة أنثى هو من أشد الدوافع الغريزيـة التـي تعتمل داخل الذات الأناسيـة، وإذا ما استعرضنا لفظة “أمّ” فسنجدها قد اشتُـقّت من مفردة  “أمَة” أي خادمة  ولفظة “امرأة” قد اشتُـقت من مفردة ” مَرَأ ”  ومردها إلـى لفظة الطـعام، أي هو بموضع الأكل، ولفظـة “حريـم” مشتقة من المحرّم، ولـدى تقصّي الحقائق في الإبداعات الفنية، نجد نزوعاً ميثياً يُقحم الفن في دائرة الاتهام إبان خرقه للتقاليد المحظورة, فالرقص كان طقساً تعبّدياً، ومن الرُقى القدسية في الـزمن الأمومـي، أمّا فـي الزمن الأبـوي، أي زمن “يوتـوبيـا” التـقاليـد، فصار فـي نظر الفكر المتـطرف مجرد حركات مثيـرة للشهوة بصورة فاضحة، وحيناً ينحدر إلى مستوى البذاءة، ويغدو في منظور الديانات الأخرى ضرباً من اللهو والانشغال عن الطاعة والعبـادة والتأمل الإلهـي.

بهذا أصبـح الفن صنـاعة رذيلة، إلا أن ممارسة الشعائر الطقسيـة الاحتفاليـة للمظاهر الدينية فهي مباحة، في حين أنـها تمثل أيضاً نمطاً فنيـاً لـه قدسيتـه, ونذكر علـى وجـه الخصوص فــي العصور القديـمة التـي نعتـبرها محاكـاة للإلـه، وصـلوات وابتـهالات تُـقدم لـه تـضرّعـاً وتـعبّـداً وغفرانـاً([7]).

يـقول “نيـتـشه” بما معنـاه: “الإنسـان هو من أعطى الأشياء قيمتها، وهو من أبدع معناها كي يحافظ على ذاته”.

يمكن إسقاط مقولتـه علـى نصوص الخطاب “الأيتـولوجـي” الذكوري فــي حيثياته ووقائـعه من خلال ممارسـة الطقوس المقدّسـة عبر التـاريخ الروحــي الأناســي التـي تدعم ترسيـخ قيـم تقاليـد الأسرة أو القبيـلة أو نـظام كهنوتـي أو ملكـي، وتخصّ هيـمنـة تـتـلطى خلفـها مصالـح الـذكورة، وتـحريـك راكـد ” الأنيـمـا” المؤسطرة، أما إعـادة بنـائه فيرجـع إلـى اتّباع مسألتـي النقد الثقافي وثقافة النقد المتبادلتين في عملية التنهيض الوعيوي وتناميه، بغرض التحرّر من القيم الميثية المتـأصلة فـي التقاليد الثقافيـة والروحيـة المتوارثة، والانتقال بالهويـة المجتمعيـة التي تشعر بأن ذاتها الثقافية هي نفسها منذ أسطورة البدء المقدس.

 

ثالثاً: نقد الخطاب الأبوي والأسطوري وتفكيك التابو الجنسي كمفتاح للتحرّر:

إن ما يجدر عرضه فـي سياق بحثنا، هـو إشكاليـة النقد الثقافـي التي تعنـى بثقافة الأسطرة التـي نجمت عن فلسـفة التحليل والتأويل للخطاب الديني، وإعادة إنتاجه عبر الحقب التاريخية لصناعة ثقافـة الارتهان المرحلي، وما أسـفرت عن مفاهيم معقدة، وتوسيع مسـاحة التقييد القيمـي الميثــي، و تشكيل ثقافـات مضافـة علــى الأصـل الأسـطوري، فاختـلـط الأصل بالـفرع، فشرع يـأخذ صفة المقدّس والمـحرّم، وركزت جـلّ رموزهـا المعانيـة المُـكوّنـة للنسيـج النصـي فـي أنسـاق الخطـاب الميثـي علـى مسألتـي الجنس المغلّف بهالة التحريم المحدودة، والخلود المغلف بهالة الفضيلة الإطلاقـيـة، اللتين تحكمان سلوكنا الجمعـي، فهل نتمكن من القول إن ثقافتنـا ومعرفتنـا مفتوحة، وتسمح لنا بصناعة خطاب مفتوح علـى رحيب إطلاقي، وتحريره من التلطي خلف ربقة مرعيات سلفية؟.

أخلص إلى القول: إن محاصيلنـا المعرفيـة ومنـظوماتـنـا الثقافيـة ظلـت ترسف تحت أصـفاد تعاليـم الخطـاب الميثـي التـي حالت دون تحرّرها وتـحليـقها فـــي فضاءات الإطلاقي.

لقد اندرج الخطاب الميثـي تحت منظومة قوانيـن وضعيـة وتشريعيـة وقيـم أخلاقيـة شكلت حسب التصور الدينـي الشرقـي وحدة كلانية النواميس الأخلاقية التي تخصّ الإله وحده، وإن طاعة النواميس هـي إطاعة إرادة الإله بحد ذاتـها، لذلك باتت شريعة ثابتة، ومن يُخلّ بها تُطبَّق بحقه قواعد القصاص. وقد سـاد هذا المبدأ  فـي بلاد الرافدين وما بيـن النـهرين، والمعروف  بشريـعة “حمورابـي” ( 1792 ــ 1750 ق . م)، والألـواح الأثنـى عشر لـدى الإغريــق الرومان، والتشريـع التوراتـي زمن الأسر البابلــي (586 ــ 539ق.م)، وكانـت الدعوة المسيحية تتطلع إلـى تحقيق قيم أخلاقيـة، وتدعو إلـى تطهير الأنفـس من دوافع الشـهوات الجنسـيــة، وتُشـجعهـا علــى التــضحيـة ونـكران الـذات والـغفران، والنـزوع إلـى المحبـة والشـفقة والـسلام، وحافظت المسيـحيـة علـى الشـريــعة اليهوديـة، وبقيـت معتبَرة فـي نصوصها كونـها وحيـاً إلهيـاً، علاوة علـى أنـها خطاب إلهـي يتساوى مع القوانيـن الوضعيـة ( الرومانيـة)، فأضحت جملـة الشرائع السماوية والقوانين الوضعية الأرضيـة دستور الدولة، وهكذا سيطرت الكنيسة على مقدّرات ومصائر وإرادات الناس، وتصريف شؤونهم، وانحصر القضاء في السلطة الدينية، وتولى أمره القائمون على شؤون المؤسـسة الكنسية التـي تستـمد قراراتـها من التشـريـع الإلهـي ” الحق الإلهـي المقدس” المطلق الأحكام، ومنه برزت ظاهرة تـنصيب الأباطرة فوق كل السلطات، أما القوانين، فكانـت تُسـنّ من قبل الهيئـة الكنسيـة، وتـصدر على شكل فرمانات عن الـعرش الملكي، ويمكن الـقول: إن ظاهرة إزدواجيــة القرار حوّلت الذهنيــة الكهنوتيــة “الروحيـة” إلــى ذهنيــة سياسيـة “زمنيـة“، وباتت الحاضنة الكهنوتية تُفرّخ الملوك والقادة الذين نصّبوا أنفسهم خلفاء الله على الأرض، وأن سلطتهم الأبوية لا اعتراض عليها.

يقول الفيلسوف الرواقـي الرومانـي “شيشرون” ( 106 ــ 43 ق.م) : “إن هنـالك ربّاً واحداً مشتركاً بيـن جميع النـاس حاكماً وسيـداً، فهو الذي يسـنّ هذا القانـون، وإن من يتـمرّد عليـه، هو خارجٌ علـى نفسـه، ولأنه بفعلـه هذا يتنـكر لطبيـعة الإنسان”.

وبصرف النـظر عن القانـون الإلـهي وجبريـة تطبيقه، فإن “شيشـرون” يبين لنا صراحة أن الخروج عن القانـون هو تغريب للذات عن ذاتها، ومخالفة للعرف الروحي الذي يجسد إرادة الإنسان، ولم يخوّل أية سلطة، سواء روحية أم زمنية بإقامة الحدّ، بوصفها وصيّة على قدسية القانون الإلهي، ومن الواضح أن قولـه يتضمن مساحة من الحريـة والعقلانيـة تجاه حساب أو عقاب الآخر، إلا أنه يغمز في دلالته عن معنى يقارب حكم الإلزام.

أستشفّ من جملة هذه الأطروحات, أنه منذ انهيار أنماط الهيمنة للنخبة “العليا” السلطانية والتفوق النهضوي العلماني الأوربي, قد أثّرا بشكل مباشر وغير مباشر علــى تحديث الفكر الروحي “الغريزي” بخاصة مكانة المرأة في تلك اللحظات التاريخية الانتقالية المعاشة, ونظرتها القلقة التي تحدّق بعين المترقب الحالم

لمستقبلهـا المجهول إزاء الصراع التاريخـي الذي يصنع أحداثـه الفكر الروحـي الذكوري في الشرق بالتناظر مع الفكر المادي الغربــي, وانبعاث الأمل لديها عند ظهور حركات فكريــة ثوريـــة وتحرّريـــة وأصولية وقومية وأيديولوجيـة، وانسرابها فـي ثنيّات البِنــى الثقافية والتراثية والدينيـة لهذا العالـم المحافظ علـى التقليدية الجامدة, برغـم ما مرّ عليه مـن أحداث مهولة وثقافات مختلفة, وأفكـار متنـاقضة, وألوان من الغزو والحروب والاستعمار ومنـاهج أنظمة, وأساليـب حكام, وتبعيات اقتصادية وثقافيه ودينية.

مع أنّ هذا هو المصطرع المضطرب الــذي عانى منـه الشرق الحديث, إلا أن المرأة ظلت بشكل عام غير فعالة فـي صناعة تاريخه وثقافته وحريته, كما لم يجرِ تفعيلها لتأخذ موقعها الطبيعي فــي حياة الأمم، يتم تقرير مصيرها كل لحظة من لحظات تاريخهـــا المهول المرعب, فظلّت تنوس بين وعي الشرق وتخلفه في لحظات بروز حركات التحرّر الثوري بمختلف دعواتها, ولم يتــجلّ فكر أنثوي نقدي يثور علــى ثقافة المقدس التــي أطّرتها فـي تقاليدها الطقسية, وغرّبتها عن واقعها، وقيّدتـها بأخلاقيـات “التابو الجنساني“.

أمّا نقد الثقافة المسكونة بمشروطية المحرّم الموجّه بالمنظور التعليمي المتعالـي، فيحتاج إلـى إعادة إنتاج بِنـى التراث وفق منـهج نقدي عقلانـي حداثوي، يُشرع درف بوابـات صروح أبنيـة الثقافة الموصـودة، والولوج علـــى قاعاتـها الباهتة المغبّرة العفنـة، وتطهير زواياهــا من أعشاش عناكب الصمت، وتبديـد السكون المطبـق الذي يرفض الانفتاح علـى التيارات النقية التــي تُخلص الثقافة من الدرن المستـوطن شعاب رئتيها, وتتجاوز الواقع المنغلق داخل جدار النص وأطر الخطابات, وكأن الثقافة هي التي تطوّر وتغيّر أنماط الحياة الأناسية, وليس الفعل الخلاق الذي يطوّرها ويُغيّرها حسب ما تقتضيه وقائع الحياة([8]).

 

رابعاً: المساواة… المرأة شريك أساسي في التحرّر وبناء المجتمع:

إن الدفاع عــــن أنساق ثقافيــة جامدة ومتحوصلة فــي نسغ الحياة أمر غايـــة فــي الموات, وإن الدفاع عن سكونيــة ثقافيــة غاية ترجوها النخب القائمة علــى تأبيد التابو الــذي يضمن مصالحها ويكفّ عنها الصخب الثقافي الذي يناهض أيديولوجيتها. وفي هذا السياق، ما موقف المرأة إزاء أدلجة قوى المصالح ؟.

لا تكف قوى المصالح عبر أجندتهــا عن الحفاظ علـى التقاليد التربوية الأناثية الموحــدة ضمن أطر أيديولوجية جماعيــة متجانسة لا تقبل التحوّل والتعامل مع المستجد, والحيلولة دون تكوين منظور أيديولوجي مضاد يتضمن في صيـاغات خطابه رؤى فلسفية وأخلاقية وتربوية وثقافية جديدة لتحرير المرأة, قد لا أكون مغالياً أو متطرفاً إن أقرنت موضوعة تحرّر المرأة بـ “التابو الجنساني” , مــن حيث أن فلسفة العزل أو الفصل الأناثي منذ أسطورة البدء, ستكشف النقاب عن الوجه القبيـــح للفكر العقلاني المدعـــي الذي تمارســـه الذكــورة تجنياً بحق الأنوثــة المستضعفة؛ بمعنـى الفصل بين فكر يقدس تسيّد الذكورة علـى فكر يقدس تسيّد الأنوثة, ويبشّر بفكــر عقلاني حداثي حــرّ يعمل علـى تعريـة تقاليد المؤدلــج، ويفصح عــن عوامل هزيمتــه تاريخياً ومعرفياً وروحـياً, ويرســي دعائـم فكر خلاصي أمومي, ويحطم أصنام تعاليم البدء المقدسة, ويعلن عـن عودة العهــد الأمومي والتسيّد الأناثي.

من الطبيعي أن حرية الأنثى مرهونة بخلاصها من روابط المقدس الذكوري, وبرغم رفض النواميس الكونية لأسطورة البدء الذكوري لهذا الفكر الحداثي لم تكفّ مهمة الوعــي العقلاني عن خلـــق إشكالات محفزّة لموجوديـة المرأة في الأنماط الثقافية المتطورة لأجل أن يتم على الدوام وعــي مكانة الأنثــى طبيعياً وإناسياً, وتدرك الأنثــى حجم دورها في فلسفة الخلاص بهدف إيجاد توازنات سويـة متوافقة معها, أي جعل الطبيعة تفكر بكامل وعيها.

رغم الشيوعية البدائيـة وممارسة الإنسان العاقل ( nomosapiens ) تلقائيته وفق طبيعته الحيوية “الفطرية” إلا أنه منذ النشء الأول، حدد سلوكه الاجتماعي، ونشاطه الاقتصادي، ووعيـه الثقافـي، ومستواه الأخلاقي ضمن تقاليد دينيـة ثابتة، تـحوّلت مع سيرورة الزمن إلـى طقوس ( rituals ) عباديـة مقدسـة، وتجسّـدت بشـكل صريح بعد الانقلاب الأبوي على العهد الأمومي البائد.

ليس الدين ناظماً اجتماعيـاً لسلوكيـات الناس وصور تعاملاتـهم فحسـب، وإنما هو انتماء أخلاقـي معتقدي، وزيادة فـي الحرص على قيم الثوابت، فصار الدين فلسفة أخلاقيـة مرتبطة بالمتـعالـي “الغيبـي” فأخذت القدسانيـة شريـعة المحرّم والحكم الإطلاقـي، ولما كانت الأبوة قائـد حركة نشـاط المجتـمع المتـمدن، تم تأسيس القواعد الأخلاقية لتحديد فعالية الانفلاتية الأمومية، بهذا أمسى الدين وعياً أخلاقياً أبوياً مدنياً ينظم الحياة الإباحية للأمومة القبليـة, لذا يمكن القول: إن الدين أكثر الظـواهر الاجتـماعيــة وعيــاً، من حيث أنـه يعمل علـى نقل البـشر من الأحـوال البدائيـة “الوحشيـة ” إلـى الأحوال البدائيـة “الأناسيـة“.

وقد اعتبر الباحثون أن عبـادة الأسلاف “الطوطمية” (totem) أحد الألوان الدينيـة الألمعيـة فـي قوس قزح العبـادة, إذ حددت نظاماً اجتماعياً بدائيـاً له تقاليده الثقافيـة رغم غلبـة الطقس السحري والتعويـذي عليــه، واتـجه النـاس إلـى الاعتـقاد بتـقديس كائنات شخصية أو حيوانيــة، هـي بمثابـة رموز “طوطمية”، أي لقب روحـي “دينـي” يُميز القبيـلة أو المجتمع المحلـي أو الوطن الذي ينتمـي إليه الفرد، والطوطم نـظـام اجتـماعــي، وهو موضع تقديــس وارتبـاط, وأجـدنـي لا أرى فـي الـقول حرجـاً إذا أرجـعت فـن الأوابـد واللقــى الأثـريــة لمجتـمعات ما قبـل التاريـخ التـي عبـدت الأسلاف ” الطوطميــة “، وشخّصتــهم بأشكال ممسوخة غاية في الجمال الفني الأسطوري, يعبّر بحق عن وعي ديني أسطوري له مغازيه ومعانيه وأخلاقياته المقدسة. وقد عرض الكاهن البابلي “بيرو سوس” في القرن (الثالث) قبل الميلاد أنساقاً من النصوص الأسطورية: “أنه ظهر رجـال مزوديـن بجناحيـن … وجسـد واحد ورأسـين … رأ س امرأة ورأس رجل .. وأعضاء جنسيـة ثنائية ، مذكرة ومؤنثة فـي آن معاً .. وآخرون لهم قوائم وقرون ماعز وحوافر خيل .. وثيران برؤوس إنسانية “.

ويعتبر (دور كهايـم) “أن الطوطميـة تمثل أقدم ديانـة إنسانية منتمية ” كما يعتـقد ” جيـمس فريزر “: “أن المرأة هي السبب فـي نشأة الطوطميــة لشـعورها بأن الجنين الذي تتحسس حركته في بطنها مخلوق تبعاً لنوع الطعام الذي تناولته سواء حيــواني أم نباتــي”. ويـؤكد أيضاً علـى “أن الأسـلوب التـلقائـي غير الواعي في تنظيم الحياة الاجتماعية عند البدائيين مرتبط أشد الارتبـاط بالشيوعية البدائية، وهو أسلوب يتجلـّى في شعور جماعي يؤدي إلى تجانس الأعمال التي يقومون بها، ويجعل الملكية الجماعية ممكنة”.

إن ظاهرتَي الخوف والتـحريم أسهمتا فـي تـكويـن الوعــي الدينـي وإرساء القواعد الأخلاقيــة. إذاً: ما المواقـع التـي تـقف عنـد حـدودها الظـاهرتـان إزاء التـلقائيـة الفطريـة؟ وهل هنالك من تجانـس وتطابق بين الأخلاق والحريـة، أم تنافر واختلاف؟.

من خلال تقصّـي الوقائع، تبيّن أن ظاهرة التحريم موجودة في كل العصور، سواء بدائية كانت أم طوطميـة أم أموميــة أم أبويــة، وخضع إنسانـها وخاصـة المرأة لـعُرف ethos)) القبـيـلة المتـوارث، ولنـمطيـة التـقاليــد وأساليب التعامل السائدة اجتماعياً ودينياً واقتصادياً،  والتي اتخذت معايير ثابتة  فـي الشعور الجمعـي في ظل نـظام المشاعة البدائيـة للقبيـلة المتـحكمة في تقاليد المقدس التـي نعيـش نـحن أبنـاء العصر الحالـي أنسـاقاً كثيـرة منـها فـي حياتنـا الروحيـة والاجتماعيـة والثقافيـة والفنيـة والسياسيــة والاقتصاديــة، وأزعـم أن الحريـة تجسيد عملـي فـي حياتنـا الاجتماعيـة منذ بدء الوعـي التـلقائـي الفطري للعالم، إلا أنها مقيدة بأحكام التقاليد، إذاً أين الحريـة؟.

كما ينبـغي الإشارة إلى أن المتقصّي لحركة تاريخ الوعـي الأناسـي من خلال أنماط التـطور الحضاري والمدنـي، يحسّ عن كثب مدى الانـفلاق بيـن مسـاحة التـلقائيـة “الفطـريـة” ومسـاحـة الوعـي “المكتـسب” من بـعد مـا كانـا رتـقـاً محكمـاً. وتـطالـعنــا أشـكال التـطور وما أفرزتـه من قيـم عليـا ناظمـة، شرنـقت الإنسـان، وحجبت حريته، وحالت دون تلقائية التحليق المعرفي، إذ لا يعمل الوعي عبر سيرورة  التطور على حقيقة الإفصاح عن القيم الجمالية العليا التي تضمن للناس حريتهم وسعادتـهم، وإنما يعمل بعماء على تفريغ الحرية من محتواها الفطري، وتعطيل الوعي عن حركته العفوية([9]).

إن القيــام بـفعل يـبـعث علــى الجـمال فــي النـفس هـو تعـبير عن قيـمة أخلاقية، ولا جرم في أن الجمال صفة فضيلـة، أمّا الفعل الذي يبعث علــى النفور والاشمئزاز فهو فعل قبيـح، والقبـح صفـة رذيلـة تنـافـي الجمال حكمـاً، والمنافاة وعي دوني متخلف، ولدى معرفتنا معايير الفضيلة يتعيّن ممارستها دون إلزام الإرادة وإكراه العقل، وفرض العقوبات الجزائية الرادعة.

يقول “سقراط”(470 ــ 399 ق.م): “إ ن الرذيلة ليست إلا جهلاً، ويكفي أن نعرف الخير حتى نفعله “. 

إن الإخـلاق بنظرنـا تـرجع إلـى قدرة الإرادة علـى الاقتراب من الجميـل حسـب استطاعة المرء الفاضل فعله بإرادة حرة، فهنا يتجسد الفعل النبيل بألقه العقلاني.

كما رأى الفيلسوف الألمانـي “كانت”( 1724 ــ 1804 م)، وقد تعرّض رأيـه لنقد متعدد الرؤى، وعيَّب عليـه, يقول: “تصرّف بحيث يمكن للقاعدة التـي تخضع لها إرادتك أن تسري كمبدأ يُتخذ أساساً لتشريع عام”.

 

الخلاصة :

أرى فـي قول “كانت” حقيقة وحكمة، فالقاعدة التي عناها، تشير إلى الجميل، والإرادة إلى الحرية، والتشريع إلى الحكم الأخلاقي المجرد من نازع الضرر بمصالح الناس وتقاليـدهم ومعتقداتهم، ويتمخّض عن هذا القول سؤال:

لماذا نُـخضـع تـصرفاتـنا وأفعالنـا لقواعد أخلاقيــة مسبـقة الصنـع وتـأطيـرهـا وتحجيرها وتقديسها وتعطيل حرية الإرادة وملكة العقل إزاءها، في حين ينبغي علـى القواعد أن تـخضع لسيـرورة اللحظات الجماليــة المستـجدة التـي تصنـعها الإرادة الحرة والمعرفة العقلانيـة عبرالفعل التجريبي الخلاق، ومن المعلـوم، ليـست التـقاليـد الأخلاقيــة واحـدة لـدى الشـعوب علــى مختـلف جنسياتها، فما هي صالحة فاضلة عند قوم  قد تكون باطلة آثمة عند أقوام .

إن إنشاء الأنظمة الأُسَرِيّة الجديدة المعتمِدةِ على تَوَجُّهِ المرأة من عبوديتها الغائرة نحو حريتها المتجذرةِ ومساواتها العميقة، عِوضاً عن النظام الذكوري المستند إلى الأسس الهرمية والدولتية الوطيدة؛ تكفي هذه البنودُ الأساسية للتعبير عن وجهةِ نظرنا البراديغمائية التي يمكننا زيادةُ تعدادها وذِكْرُ تفاصيلها الدقيقة بإسهابٍ أشمل. إننا نَعي تماماً أنَّ زمانَ الحداثة الرأسمالية هو في نفسِ الوقت الزمانُ الذي أقامت فيه يوتوبياتُ الحرية والمساواة القيامةَ ولَم تُقعِدها, وقد بذلَت الشعوبُ جهوداً حثيثةً وعظيمة في سبيلِ إحياءِ هذه اليوتوبيات، وأُريقَت الدماءُ كالسيول, وتَعَرَّضَت الشعوبُ لتعذيبٍ لا حصر له، وعانت آلاماً مريرة. لذا، لا يمكننا اعتبارُ أنّ كلَّ ذلك ذهَبَ سُدى.

وعلى النقيض، فسعْيُنا لتحليلِ كافةِ هذه المعضلات هو بغايةِ الوصول بهذا التاريخ إلى تفسيرٍ سليم لإنارةِ دربنا، وتحقيقِ الالتحام والتكامل بين يوتوبياتنا وحياتنا كي نتمكّنَ من التوجّه قُدُماً ومجدداً صوبَ الحياةِ الخلابة والجذابة، والملتحِفة بالعشق والهيام, فالانتقالُ إلى أنماطِ الحياة الطوباوية المتميزة بالآمال الراسخة، يستلزم بذلَ الجهود الحثيثة دون كللٍ أو ملل([10]).

المرأة ليست مجرد عنصر اجتماعي، بل هي أساس الحرية المجتمعية, وإنّ التأكيد على أن كل تحرّر مجتمعي يظل ناقصاً ما لم يشمل تحرّر المرأة و الدعوة إلى إعادة قراءة التراث والأسطورة والدين, يجب أن يكون بوعي نقدي لتحقيق المساواة.

 

 

المصادر والمراجع:

[1] – سيرغي توغاريف، الأديان في تاريخ شعوب العالم، ترجمة أحمد فاضل، دمشق.

2 – عبد الله أوجلان ، مانيفستو الحضارة الديمقراطية، المجلد الأول (المدنية) الطبعة الثانية، 2013

3 – فريدريك شيلر، مقالات في علم الجمال، دار النشر الحكومية، موسكو.

4 – العهد الجديد، رسالة القديس بولس إلى  تيمو ثاوس،الرسالة الأولى

5 – منير الحافظ، الجنسانية وأسطورة البدء المقدس، دار الفرقد، دمشق.

6 – دنيس هويسمان، علم الجمال، ترجمة أميرة حلمي مطر ، القاهرة.

 

 

[1] – سيرغي توغاريف، الأديان في تاريخ شعوب العالم، ترجمة أحمد فاضل، دمشق ، ص20

[2] – عبد الله أوجلان، مانيفستو الحضارة الديمقراطية، المجلد الأول (المدنية) الطبعة الثانية، 2013 ، ص 103

 

[3] – فريدريك شيلر، مقالات في علم الجمال، دار النشر الحكومية، موسكو، ص 229

[4] – العهد الجديد، رسالة القديس بولس إلى  تيمو ثاوس،الرسالة الاولى ص 2

 

[5] – العهد الجديد، رسالة القديس بولس إلى  تيمو ثاوس،الرسالة الاولى ص 10

 

[6] – منير الحافظ، الجنسانية وأسطورة البدء المقدس، دار الفرقد، دمشق ، ص 88/89

 

 

[7] – منير الحافظ، الجنسانية وأسطورة البدء المقدس، دار الفرقد، دمشق، ص 88/89

 

[8] – منير الحافظ، الجنسانية وأسطورة البدء المقدس، دار الفرقد، دمشق ، عام ، ص 120

 

[9] – دنيس هويسمان، علم الجمال، ترجمة أميرة حلمي مطر ، القاهرة ، ص 118

 

[10] – عبد الله أوجلان ، مانيفستو الحضارة الديمقراطية، المجلد الأول (المدنية) الطبعة الثانية، 2013 ، ص 106

 

كاتب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.