الهيمنة الرأسمالية تأثير الانحطاط الفكري والإيديولوجي للحداثة الرأسمالية على طبيعة وديناميكية الحرب العالمية الثالثة
أحمد دالي
مخطط البحث
أولاً: حقيقة الهيمنة الرأسمالية ـ أدواتها، وسائلها
ثانياً: الحداثة الرأسمالية والانحطاط الفكري والإيديولوجي
ثالثاً: الانحطاط الفكري و الإيديولوجي الحداثي للرأسمالية وحتمية الانهيار
رابعاً: طبيعة وديناميكية الحرب العالمية الثالثة وتأثيراتها على المجتمعات
خامساً: تأثير الانحطاط الفكري والإيديولوجي للحداثة الرأسمالية على طبيعة وديناميكية الحروب
مقدمة
إنّ تحليلَ الأزمات الكبيرة التي تعيشها الحداثةُ الرأسمالية في العصر الراهن، وإفلاس الدولة القومية كما وصفها المفكر عبد الله أوجلان، عادت بنتائجَ كارثية على الشعوب؛ وخاصةً شعوب الشرق الأوسط, كون غالبية الديكتاتوريات التي تم تشكيلها كانت من خلال ذهنية الدولة القومية للحداثة الرأسمالية بالأخص في القرن العشرين, حيث باتت تشكلُ انحطاطاً ووبالاً على شعوبها والشعوب المحيطة, حيث وصل الضغطُ والاضطهاد الذي عانته الشعوب إلى درجةٍ لا تُحتمل, فجرّتها إلى حروب مدمّرة وكوارث.
هذه الهيمنةُ الرأسمالية التسلطية لم تحمل سوى القتلِ والتدمير ونهج الصهر والإبادة والموت والدمار والتجويع والتشريد, والتغييرات الديموغرافية والثقافية الكبيرة من خلال أساليب كثيرة, والتي لا بدّ أن تصلَ إلى نهايتها الحتمية، وهي الانهيار.
كيف يمكن قراءةُ وتحليل الانحطاط الفكري والإيديولوجي للحداثة الرأسمالية على طبيعة وديناميكية الحرب العالمية الثالثة؟.
هذا ما سنجيبُ عنه من خلال بحثنا هذا.
والإشكاليةُ المجتمعية الناجمة عن الأبعاد المتضخمة للقضايا الذهنية والإيديولوجية والسياسية والاقتصادية والعسكرية والديموغرافية والجنسوية والقوموية والدينوية والإيكولوجية, ومخاطر تقسيم القضايا كما وصفها المفكر عبد الله أوجلان الذي ربطها بخطر فقدان الحقيقة, والتساؤل: لماذا تشكل السلطةُ والدولة المنبعَ للقضايا الاجتماعية، وتتربع فوق المجتمع بكل قوتها؟
كيف تفقد المجتمعاتُ المحرومة من الضوابط الفكرية والإيديولوجية والسياسية القدرةَ على تطبيقها في ظلّ هيمنة السلطة والدولة؟
أولاً: حقيقة الهيمنة الرأسمالية ـ أدواتها، وسائلها
إنّ الحقيقةَ الأساسية للهيمنة الرأسمالية القائمة على الثورة التكنولوجية التي تجتازُ العالمَ المعاصر, والتي تمثل تكنولوجيا الاتصال أهمَّ معطياتها، هي في كونها أصبحت مصدراً أساسياً للمعلومات والمعرفة والخبرات وناقلة سريعة لها، وبفعل هذه التغييرات الهائلة المتسارعة ازداد العالمُ ترابطاً, وعلى ذلك ازدياد التأثير المتبادل بين الدول والمجتمعات بعضها والبعض الآخر.
كذلك ساهم التطورُ التكنولوجي في إزالة الحدود الزمانية والمكانية بين الأفراد والمجتمعات والدول والثقافات، كما أدى التطورُ التكنولوجي الهائل في مجال العلم والاتصال إلى ظهور مجال الأقمار الصناعية، التي بفضلها أصبح العالمُ أشبهَ بقرية صغيرة.
ومن أهم المزايا التي جاءت بها التقنياتُ الحديثة في مجال الاتصال، هي امتلاكها لأدوات تفاعلٍ بين أطراف التواصل، وفي مقدمة هذه الوسائل شبكةُ الإنترنت وقدرتها على النقل الحيّ والسريع للمعلومات، واستخدامها للوسائط المتعددة كالصوت والصورة الثابتة والمتحركة، وتبادل الرسائل بين أطراف العملية الاتصالية، والجمع بينهم.
ونفهم أنّ القوةَ الناعمة تعتمد على قدرة الدول والمنظمات في صياغة رغبات الآخرين بعد أن تكون بمثابة قدوةٍ لهم, يتبنّون قِيَمها وأسلوب حياتها. ومن أهم مزايا القوة الناعمة أنها تغني عن استخدام أسلوب العصا والجزرة، وهناك دولٌ لا تمتلك قوةً عسكرية أو اقتصادية كبيرة، إلا أنها تتمتع بقوةٍ ناعمة، بسبب مشاركتها في قضايا عالمية جاذبة مثل محادثات السلام ومبادرات الحفاظ على البيئة ومكافحة الأمراض والأوبئة. ولكن ذلك لا يعني بالطبع التقليل من أهمية القوة الصلبة.
ثانياً: الحداثة الرأسمالية والانحطاط الفكري والإيديولوجي
الفكرُ والإيديولوجيا تتبعان القوة، والغربُ لهم مصالحُ أساسية في كل حضارة، ولهم القدرة والتأثير على سياسة واقتصاد كل منطقة، لأنها تمتلك وسائلَ الاتصال العالمية وتسيطر عليها، والعالمُ الغربي اليوم مهتمٌ بدرجة متزايدة بمشاكله واحتياجاته، حيث يعاني من أخلاقيات عمل متدهورة، وتعاني تفككاً اجتماعياً، عدا عن مشاكل الجوع والجريمة وارتفاع تعاطي الموادّ المخدّرة وغيرها الكثير من المشاكل, وتريد السيطرةَ على مناطق العالم لتأمين مجتمعاتهم، والاستفادة القصوى من الأزمات التي يتم صناعتها في الشرق، مثل أزمة اللاجئين وابتزاز الحكومات وتهديد مناطق ونشر الفوضى .
ومن أهم إفرازات الانحطاط الفكري والإيديولوجي:
1- الاغتراب (استلاب الذات): أن يعيشَ الإنسانُ الانهزامَ أمام الآخر، ومحاكاته وتقليده والتماهي معه على حساب ذاته المسلوبة.
2- التغرّب (الارتماء في أحضان الآخر): حينما يعيش شخصٌ أو جماعة اغتراباً واستلاباً، ويفقدون ثقتهم بذواتهم الفردية، وهكذا يدخل فكرُ الآخر (الغازي) إلى البنى المعرفية والإجرائية والعملية.
إن تضليلَ وخديعة عقول البشر كما وصفه باولو فرير ضمن أدوات صناعة القهر, فهي إحدى الأدوات التي تسعى الأنظمةُ والمؤسسات من خلالها إلى «تطويع الشعوب», وتفسّر وتبرر الشروط السائدة للوجود، وتضفي عليها أحياناً طابعاً غير منطقي يضمن التأييدَ الشعبي لنظام اجتماعي لا يخدم في المدى البعيد المصالح الحقيقية للأغلبية. وعندما يؤدي التضليلُ الفكري للشعوب دوره بنجاحٍ، تنتفي الحاجةُ إلى اتخاذ تدابير اجتماعية بديلة.
3- الانحطاط الفكري ينتج خطاب العنف والكراهية
بكلّ تأكيد فإن خطابَ العنف والكراهية لا يميز بين هدفٍ عسكري ومدني, ومع أن مهاجمةَ هدف عسكري قد ينتج عنها خسارةٌ مادية آنية، إلا أن الخسارةَ والشقّ المجتمعي الناتجين عن تأثيرات خطاب الكراهية عادةً ما يستمران لأجيال, وقد تنتج عنهما نزاعاتٌ لا تتوقف لعقود قادمة.
تتغذّى مشاعرُ الكراهية لدى الأفراد أو الجماعات باستغلال الجانب الغرائزي والانتماءات الضيّقة والهويّات المغلقة التي تقوم على التعصّب, بادعاء الأفضليات وامتلاك الحقيقة تحت مسوّغات دينية أو عرقية (إثنية) أو طائفية أو مذهبية أو أيديولوجية أو عشائرية أو غير ذلك، وهذه بدورها تنمّي الشكوكَ وتزرع الأحقاد بين الناس، لأنها تقوم على ادعاءات التفوّق، فيُصبح “الآخر”، أي آخر, خصمًا أو عدوّاً “وكلّ غريب مريب”، وبالتالي فهو لا يستحقّ ذاتَ المكانة التي ينتمي إليها الفردُ أو المجموعة.
والتعصّبُ يتضمّن الرغبةَ في الإقصاء والإلغاء والتهميش، والحطّ من قدر الآخر، وذلك قبل أن يتحوّلَ إلى فعلٍ أو سلوك، إلّا أنه يُصبح خطرًا حين ينتقل من التفكير إلى التنفيذ فيتحوّل إلى تطرّف.
ثالثاً: الانحطاط الفكري و الإيديولوجي الحداثي للرأسمالية وحتمية الانهيار
في كتابه “نهاية التاريخ والإنسان الأخير” قدم المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما تصوراً تحوّل فيما بعد إلى واقع حول حتمية استمرار النظام الرأسمالي بعد الانتصار المفترض في معركته مع النظام الاشتراكي. جاء نتيجةً لطرح الأفكار المتجددة، حيث تمكنت الرأسماليةُ الحداثية بالفعل من معالجة المشكلات والأزمات التي واجهتها في المرحلة الأولى من تأسيسها، ولكن بطريقتها وأسلوبها .
وهي تشكل مرحلةَ نهاية التطور الإيديولوجي للإنسان، وبالتالي عولمة الديمقراطية الليبرالية كصيغة نهائية للحكومة البشرية، بغض النظر عن كيفية تجلي هذه المبادئ في مجتمعات مختلفة .
الإفرازاتُ الكبيرة لمرحلة الرأسمالية المالية تعدّ من أهمّ مراحل التطور الرأسمالي البرجوازي وأكثرها عمقاً، لسببين اثنين هما:
أولاً: إن الطبيعةَ المعقدة والمتشابكة للعلاقات المالية فيما بين الشركات والقطاعات الإنتاجية والدول، والتي أدت إلى تغيير ملامح النظام الرأسمالي بشكلٍ كبير في بعض جوانبه بصورة جذرية، وأوهمت حتى جزءاً من الراديكاليين بأنه نظامٌ يملك القدرةَ اللامتناهية في توليد الإنتاج وتطوير الأرباح، وبالتالي التحقيق الفعلي لنمو الناتج المحلي الإجمالي عالمياً بمعدلات مرتفعة، وهي وهميةٌ في حقيقتها, وخاصةً بعد وأد أفكار المدرسة الكينزية وتطبيق أفكار المدرسة الليبرالية الجديدة.
ثانياً: انتقالُ مراكز الثقل والقرار السياسي والرأسمالي، ولو بصورة جزئية، من أوروبا ممثلاً بالرأسمالية الأوروبية إلى الولايات المتحدة الأمريكية ممثلاً بالرأسمالية الأمريكية المنتصرة نتيجة ظروف الحربين العالميتين الأولى والثانية، وخاصةً الثانية منهما، دون أن تؤدي عمليةُ الانتقال إلى تأجيج صراعات عسكرية داخلية بين الأقطاب الرأسمالية، على العكس تماماً من المراحل السابقة، على أن ذلك لا يعني مطلقاً انتهاءَ الصراعات الداخلية للنظام الرأسمالي، وإنما بدأت الصراعاتُ تأخذ منحىً جديداً في شكلها ومضمونها.
هنري كيسنجر يرى أنّ المبدأ الذي نبحث عنه وكذلك النظام الداخلي للأمم المتحدة والحقوق الدولية الحديثة حطم من النظام العالمي الذي انبثق من معاهدة ” westhfalia ” في القرن السابع عشر، و يُقيِّمها على أنه مبدأ ثوري تقدمي، ورغم وصفه بمبدأ تقدمي، إلا أنه ينتقد أسلوب وطراز تطبيقها.
إن السيد كيسنجر يضع شرطاً كهذا، ويقول بضرورة عدم تعميم هذا المبدأ، وهذا يعني أنه متى أرادت أمريكا أن تقوم بالحملة لوحدها، فلها الحقّ في القيام بها، ومتى أرادت يمكنها أن تعطي هذا الحق لأحد حلفائها للقيام بها، دون تعميم هذا الحق للآخرين. يجب أن نقبل كمبدأ أخلاقي، بأنّ ما يتم تطبيقه على الآخرين علينا أن نطبقه على أنفسنا أيضاً، وكذلك فإن هذا المبدأ وتجربته الأولى تم نقده من جوانب عديدة من قبل الكثيرين. وأحد هؤلاء الذين انتقدوا هذا المبدأ هو المؤرخ الأمريكي الأكثر احتراما “Arthur schlesinge ” آرثر شليزينكر. عندما ألقت أمريكا القنبلة الأولى على بغداد فإنه يذكرنا بجملة روزفلت ((rooswelt)) -عندما كانت اليابان تقصف بيرل هاربورد- و التي تقول: “هذا اليوم هو يوم اللاشرف لنا“. وعندما ألقت أمريكا قنبلتها الأولى على بغداد كانت أمريكا تعيش وضع اللاشرف، لأنهم كانوا يطبقون و يمارسون السياسة التي مارستها حكومةُ اليابان الإمبريالية. وكان شليزينكر يقول أيضا:ً بأن بوش وإدارته، بسياساتهم المتكبرة كمرض العظمة والعسكريتارية، فإنهم حولوا من ودّ ومحبة الآخرين للأمريكان إلى الحقد والكراهية لهم. وحسب الإحصاءات أو الدراسات التي تمت في العالم فإنه تبين بأن الوضع سيتجه نحو الأسوأ خلال عام آخر.
إنّ سطوةَ التحولات الفكرية لما بعد الحداثة الليبرالية القائمة أساساً على علاقات التبعية والتفسخ الاقتصادي أو الاستغلال الممارس ضدّ المحيط من قبل المركز الرأسمالي العالمي، فتح البابَ أمام عديد الأزمات التي يمكن أن نحصرها في ثلاث أزمات رئيسية تستحوذ على الاهتمام وهي:
الأزمة الأولى: إنّ التطورات الاقتصادية الاجتماعية الحديثة تركت الآثارَ السلبية على النظم الإيكولوجية في العالم, حيث إن إطلاقَ عمل الشركات العملاقة بدون أي ضوابط أو حماية أدى إلى ظهور كوارث مثل ذوبان الجليد، تلوث البحار، اختفاء الغابات، اضطرابات مناخية في الشتاء وجفاف في الصيف، فقر الملايين، جوع وتهديد بيئي ، فقدان البشر لممتلكاتهم، وبالتالي حروب وصراعات وأزمات لا تنتهي .
لقد لعبت السياسةُ الدورَ السلبي على البيئة و القضايا البيئية في ظل تزايد حدة الحروب والصراعات والعنف وعمليات ضرب البنية التحتية البيئية، والمساهمة في ارتفاع درجات الحرارة عبر التسبب في الحرائق والكوارث والتغيرات المناخية .
أكد موراي بوكتشين بقوله إن المجتمعَ الصناعي شرير، تسيطر فيه الآلاتُ على الإنسان. و هذا يؤدي إلى نزع صفة الإنسانية عنه، وتفكك شخصيته؛ وخنق الإبداع لديه .
وبحسب “موراي بوكتشين “فإن النأيَ بالمشكلات البيئية عن المشكلات الاجتماعية – أو حتى الإقلال منها، أو القبول الرمزي، بهذه العلاقة المتداخلة سوف يعني بالتأكيد سوءَ فهمٍ كبير لروافد الأزمة البيئية المتنامية، فالأسلوبُ الذي تتعامل به الكائناتُ البشرية بعضها البعض أمرٌ أساسي للبحث في الأزمة البيئية. وإذا لم نقرّ بهذا الأمر بوضوح تام، فسوف نفشلُ – بشكل مؤكد في فهم أن العقليةَ التراتبية الهرمية للعالقات القائمة على الطبقية التي تنتشر بعمقٍ كبير داخل المجتمع, تتسبب في ظهور فكرة الهيمنة على عالم الطبيعة”.
على هذا الأساس، إنّ ما يحدد على نحو واضح اجتماعية الإيكولوجيا الاجتماعية وهي أنّ جميعَ مشاكلنا البيئية « هو إقرارُ الأخيرة بحقيقة ما تم تغافلها كثيراً في الوقت الحالي, تقريباً تنشأ نتيجةَ مشاكل اجتماعية مستحكمة. وعلى العكس، لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال إدراكُ المشكلات البيئية في الوقت الحالي بوضوح، ناهيك عن إيجاد حلول لها، دون التعاطي مع تلك المشكلات داخل إطارها الاجتماعي.
زيكانوف بريجينسكي يقول ما يلي: إنّ الدورَ الذي تلعبه الولاياتُ المتحدة في أمن المنطقة وحاكميتها العسكرية تلعب دورَ التنمية وترفع وتيرة اقتصاد أوروبا وآسيا المرتبطة بالطاقة. ويقول أيضاً: إنّ القلقَ الأساسي الناتج عن التحكم بالعالم يكمن في أن تأخذ كلٌّ من أوروبا وآسيا دوراً مستقلاً لهما في المستقبل، وهذا هو القلقُ الأساسي الذي تعاني منه أمريكا.
الأزمة الثانية: التعايش وفق النظم السياسية المحتكرة
التعايشُ هو المفهوم الأوسعُ الذي يسعى لتحقيق التلاحم ما بين الأفراد و الجماعات، و تأسيس علاقاتهم على أسسٍ سلمية بعيدة عن بؤرة الصراعات والاشتباكات التي تؤدي إلى تصادمٍ فكري و ثقافي وأخلاقي.
يقول ميشيل فوكو: ” لا شيء أصعبُ من نظامٍ سياسي لا يكترث بالحقيقة، ولكن لا شيء أخطر من نظام سياسي يحتكر الحقيقة “.
وتصبح المسألةُ أكثر تعقيداً على التعايش إن تمّ الاحتكارُ والانحطاط الفكري والإيديولوجي للحداثة الرأسمالية, فتؤثّر بشكلٍ كبير على فعل التذكر, وبناء ذاكرة من جهة واحدة تجعل باقي الجهات تتهمها بالانحياز من قبل مكونات أو محاولة إلغاء ذاكرة الآخرين أو منعهم من التذكر، إذ إنّ بناءَ الذاكرة واللجوء إلى الماضي والاحتكام إليه من أجل حسم النزاعات، لا يمكن أن يبني أرضيةً لذاكرة مشتركة, لأنّ لكل حدثٍ خاصيته غير القابلة للتكرار، والتذكر ما هو إلا نقلٌ للماضي من طابعه الحدثي المتفرد والذي يمر سريعاً إلى طابعه المتمثل ذهنياً، أي الماضي كذاكرة أو صورة تومض .
باعتبار الفكر والإيديولوجية مفهوماً وقيمة وثقافة وسلوكاً، وباعتباره مشروعاً يجسد قيماً إنسانية، تسعى مختلفُ المجتمعات إلى ترسيخها وحمايتها، من حيث كون هذا المشروع شرطاً من شروط التوازن الاجتماعي والتنوع الثقافي والعيش المشترك في عالم اليوم، وهو عالمٌ تغيرت فيه الهياكلُ الديموغرافية نتيجة التداخلات السياسية والهجرات السكانية والغزو الثقافي والفكري.
وما إن يغادر الماضي أرضيةَ الحدث ويدخل دائرةَ الصورة والتمثل الذهني حتى يغيّر جلده، ويصبح خاضعاً لعمل المخيلة, وعندئذ فقط يصبح التاريخُ قابلاً للنسخ والتكرار، وحتى التلفيق والاختلاف والفبركة بصورٍ متعددة وإلى ما النهاية.
ويترتب على ما سبق ذكره بأنّ عمليةَ بناء ذاكرةٍ تستوعب الهوياتِ الفكرية والإيديولوجية المتعددة في معظم المجتمعات وبخاصة في الشرق الأوسط, ومسألة ظهور خطاب الكراهية التي أدت إلى تجهيل الأنا والذات من أجل استمرار رفضه للآخر وانفتاحه الفكري، إذ ينتهج سبل إسباغ المؤامرة على كل واردٍ وحديث، ليس لشيء بل لفرض استمرارية هيمنته على المجتمع وسيادة الطائفية والقطعية والوثوقية، بما يجعلها سمةً لروحها العميقة, لذا فإنّ خطابَ الكراهية والاستفزاز والاحتقار للآخر، ما كان له أن يتصاعدَ نجمه لولا القابلية الذهنية في استحضار المقدسات، والاحتماء بها عند تناول أقرب القضايا الفكرية المعاصرة .
الأزمة الثالثة: إنّ ظهورَ العنف والإرهاب والتطرف، وكذلك انتشار أسلحة الدمار الشامل والتسارع الكبير في سباق التسلح مقترناً بحالات يلوح فيها إمكان استخدام العنف الجمعي، أثّرت ولا تزال على البنية الفكرية والإيديولوجية للشعوب والمجتمعات، وتمثل مشكلة العنف واحدةً من أصعب القضايا التي تواجه العالم، وليست المشكلة مجرد تراكم العتاد العسكري فحسب، بل تفاقم التوترات المحلية في عدد من المناطق والمقترنة في الغالب بانقسامات عرقية ودينية ومذهبية، وبروز ظاهرة الإرهاب العالمي العابر للقارات، وتنامي الأصولية الدينية.
حيث يبرر جالتون أستاذ الاجتماع في أوكسفورد العنف بالقول: ” أيّ حاجز يحول دون تحقق الممكن، حيث يكون هذا الحاجزُ اجتماعياً وليس طبيعياً، فإذا كان الناسُ يتضورون جوعاً ولا سبيل إلى تجنب هذه الحال موضوعياً يغدو العنف لازماً “. وخاصة عندما تكون تلك الأعمالُ العنيفة من تداعيات وسياسات ومخرجات الليبرالية الجديدة .
يقول شليزنكر في شأن المخاطر التي يجلبها التوزيع غير العادل واللامتكافئ للأراضي والثروات الباطنية، بين الأغنياء والفقراء والتي تتسبب في تفجير ثورات شعبية كالثورة الكوبية والفيتنامية وغيرها، وعندما تنتشر بذورُ أفكار حقّ تقرير المصير للشعوب وحلّ مشاكلها بنفسها، حينها تتمزق الأنظمةُ المتسلطة والمتحكمة بمصير الشعوب وتنهار، لأنها لا تستقبلُ التحدي المنتصر لساحة الصراع بفرحٍ وإيجابية، فهم يعطون هذا الجانبَ أولويةً أكثر من مكافحته للإرهاب، وهذا يعرفه حقَّ المعرفة ضحايا هذا النمط، فهو المبدأ الذي لا يفهم الكل. حدثت ضجة كبيرة عندما توضحت الأولويات في الأنظمة الأمريكية، وهذا ما تأكد أكثر في الاجتماعات المكثفة التي عُقدت حول حادثة 11 أيلول, فقد ترسخ ذلك الفهمُ في الأذهان والفكر، الأخطاء والنواقص العجيبة لهذا النظام تعتبر مثالاً آخر يمكن التحدث فيه في أوقات أخرى.
بالعودة إلى موضوع الإرهاب، فالمساومة أصبحت بارزةً بين الخبراء المختصين بمعرفة كيفية تقليل خطر الإرهاب, وإذا لم ينفذ ذلك عندها كيف سيتم العكس حيث يزداد خطره وظلمه أكثر من السابق، احتلالُ العراق كان مثالاً لاجتماع وتوحد أسلحة الدمار الشاملة والإرهاب معاً, فهي مسألة وقتٍ، وهذا بالضبط ما كان يعتقد قبل حدوث 11 أيلول, فلغة التقنية هامةٌ في هذا الموضوع، فتوحّد الاثنين إنما يخلق العنفَ الذي يحتوي بداخله الكره وردة الفعل.
إنّ النظامَ الرأسمالي العالمي- ضمن مخططاته الجديدة- هو السيطرةُ المطلقة على العالم وإنتاج الممثلين المحليين في المناطق المتفرقة للعالم المؤيدين والمنفذين لبرمجياته, وقد حدث ذلك في العراق تماماً, وليس من وسيلةٍ لإنكار هذا.
إنّ الرأسمالية حققت إنجازاتٍ هائلة في تعضيد مقومات الدولة, لأن المفهومَ المجرد للدولة قد حقق على طول تمأسسه خطواتٍ متقدمة في ضرب دفاعات المجتمع وبوسائل مختلفة لها نفس الهوية الإرهابية، بالتأكيد هو منتجٌ دولتي وهو لصيق بالدولة فكراً وممارسةً, وإذ نأتي إلى تعريف للإرهاب يكون مفيداً للبحث: (إنّ الإرهابَ يعني الفاعلية المبرمجة للعنف ضد السكان، والتلويح به وإنتاج الخوف لتحقيق أهداف ذات طبيعة دينية أو سياسية او فكرية).
وحين نعود إلى المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي، نجده يؤكد (إنّ الإرهابَ حسب التعريفات الرسمية هو ببساطة جزءٌ من عمل الدولة في عقيدتها الرسمية, وليس بالتأكيد فقط بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، فليس الإرهابُ كما يدّعون غالباً هو سلاح الضعيف).
خامساً: تأثير الانحطاط الفكري والإيديولوجي للحداثة الرأسمالية على طبيعة وديناميكية الحروب
لا يخفى على أحدٍ في الوقت الحاضر، ومنذ الحروب المسلحة التي فرضت على شعوب ومجتمعات الشرق الأوسط تارة، والقائم على أساليب الإغراء تارةً أخرى, ولأن الواقعَ في الشرق الأوسط حالياً يبدو منقاداً إلى الإيديولوجيات الفكرية الليبرالية، فقد غدا الفكرُ والإيديولوجيا في مجتمعات الشرق تواجه تحدياتٍ كبيرة، على الرغم من المحاولات المكثفة والمجهودات الكثيرة التي تُمارس للدفاع عنها وللحفاظ عليها، و ليس فقط الحفاظ عليه وإنما العمل به, وخاصة ذلك الفكر القائم على القيم البنيوية للمجتمعات والمتعمقة في الأصالة .
وهكذا نرى الازدواجيةَ أو التصارع بين شكلين أو فلنقل ثلاثة أشكال والتي يمكن تسميتها كالتالي: الفكر المعاصر الحديث، الفكر الأصيل، والفكر الازدواجي الذي يطالب بالازدواجية, والانسجام بين الفكرين السابقين.
ولكننا لسنا بصدد اختيار الأشكال السابقة، فالحداثةُ إن لم تدخل علينا عبر السلاح كانت ستدخل عبر إغراءات التكنولوجيا وتأثيرها في عقول الشباب والمجتمعات رغماً عنا, عدا عن أساليب الحروب الخاصة والحروب الناعمة التي تُخاض هنا وهناك من أجل الهيمنة والتغيير والتطويع .
حيث ما انفكت الخطابات المتضاربة بين الاتجاهين الليبرالي الحديث والأصالة المجتمعية المبنية على المحافظة على الموروثات الفكرية والقيم الأخلاقية منذ بداية المجتمع الطبيعي، بحيث الأول كان ومازال يشكّل ندًّا للتراث ومصارعًا ذا جبروت وعظمة. يدعو المثقفون الليبراليون إلى الأخذ بالحضارة الغربية الحديثة وأشادوا بتطورها و تقدمها و تغنّوا برقيّها ممجّدين لها, في حين أنّ المحافظين على القيم الأخلاقية والأصالة يجدون بأنّ الرجوع إلى التاريخ وقراءته وفهمه والتراث هو السبيلُ للإصلاح و التطور.
هناك في المجتمعات طلاقٌ بين التنمية والثقافة النخبوية وانتماءات أيديولوجية أكثر من اللازم ــ
وغياب الأولويات، وكذلك غياب المشروع الثقافي التنويري وتعثر النظم السياسية في الشرق الأوسط, فانعكس كلُّ ذلك على النتاج الثقافي ،وكذلك ضعف المأسسة في المجتمعات واختفاء و تخدير الحس النقدي… إلخ.
الخاتمة:
إنّ مخططات الهيمنة الغربية وعبر الحداثة الرأسمالية, إذا ما امتدّ العمل بها لفترة أخرى مقبلة، فسوف تنتج فوضى متفاقمة، تقود إلى إدارةٍ أكثر فأكثر شراسة، تردّ الضربة بأخرى دون أن تمتلك رؤيةً استراتيجية طويلة المدى.
وعملياتُ الدمج المجتمعي ستتعلق بإدارة شتى المجتمعات بهدف دمجها في نظام رأسمالي متماسك، وهي إنما تقتصر على نهب مواردها. إنّ اختزالَ الفكر الاجتماعي للمبادئ الأساسية للاقتصاد المبتذل والسياسة المبتذلة والعسكرة واستخدام الوسائل والأدوات الأكثر تدميراً، والخاص بالاهتمام أحادي الجانب الهادف لتعظيم العائد قصير المدى لرأس المال المهيمن، والذى تدعمه الآلةُ العسكرية الموضوعة في خدمة رأس المال، مسؤولٌ بشكل أساسي عن هذا الانحراف الكبير الذى يحمله رأس المال في داخله، منذ لحظة تخلصه من القيم الإنسانية التي يستبدلها بمتطلبات الخضوع لقانون السوق المزعوم. ونجد أنّ الرأسمالية الحداثية تخضع لأسباب تعود إلى تاريخ نشأتها، لهذا فإنّ الاختزالَ بشكل يفوق خضوع المجتمعات في الغرب له. فقد تمت صياغة الدول الرأسمالية المهيمنة ورؤيتها السياسية لتكونا في خدمة الاقتصاد وحده، منحّية بذلك جانباً العلاقة المتناقضة والجدلية بين السياسة والاقتصاد.
المراجع:
- موراي بوكتشين، الفلسفة البيئية من حقوق الحيوان إلى الإيكولوجيا الجذرية، الجزء الثاني، تحرير مايكل زيمرمان، ترجمة معين شفيق رومية، سلسلة المعرفة، العدد ،888 المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2002م
- ميشيل فوكو، مسارات فلسلفية ،ترجمة محمد سبيال، دار الحوار، دمشق ، 2004م
- عبد الله محمد عبد الرحمن، علم الاجتماع الســـــیاســـــي، دار النهضــــــة العربية، بیروت ، 2001 م
- محمد عابد الجابري ،التراث الحديث و تحديات العصر في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، ١٩٨٥م.
- نعوم تشوميسكي، العروض و المخططات الشاملة العالم من سيديره؟ وكيف، 2004م
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.