فلسفة الاستشراق وأصالة الهوية المجتمعية
الباحث منير الحافظ
مقدمة
سنعرض أهم ما تضمنته بنية فلسفة الاستشراق المُحدثة، وفاقاً مع ما تطرحه أنساق البحث، سنتناول محورَين إشكاليَين. ففي البدء يتعيّن التمييز بين مصطلحين ثقافيين مختلفين في دلالاتهما المعانية، وقد لا نجد تطابقاً في التشكيل الحَرفي للكلمة، بوصفها شكلاً لغوياً، بيد أنها تختلف في الدالّ المعاني جوهراً، فمفردة شرق المشتق منها “الاستشراق على غير ما هي عليه مفردة إشراق. فأولاها: تُشير إلى الموقع الإقليمي “الجغرافي”، بمعنى التشريق أو مدائن الشرق، ومن المعلوم تاريخياً تُعنى “السياسة الثقافية” للشرق في جوهرها بالتراث والتاريخ واللغة والديانة والحضارة، في حين تُعنى “الثقافة السياسية”، أن فلسفة الإشراق تُعنى بالفعل الثقافي التنويري في سائر مجالات النشاط التي يُنتجها العقل الآدمي على نحو إبداعي مؤتلق، ويتصف بالتطهير الوعيوي الشامل لكافة الأفهومات الظلامية المتخلفة المنغلقة الجامدة.
لا غروَ أنه ثمة منهجية جدلية تُرسم على نحو مؤُدلج في تاريخ السياسة الثقافية المجتمعية، ما ينتج عنها صراعات دراماتيكية، إذ تتناول منظومة الثقافات البشرية، يقابلها جدلاً الثقافة السياسية المُجندة بغرض تحقيق مصالح ونفوذ في تلك المواقع الإقليمية “الشرق” يتبعها الفكر الاستشراقي الموجّه والمؤدلج، وأخصُّ هنا الفكر الغربي المُتقحّم لكينونة الشرق. في هذه الحال، يتخذ المُثقف موقفاً ثورياً في حدود المُجاهدة أو النضال إزاء هذا المتقحم والتصدي له ومقاومته من طرف، والنهوض بالمجتمع من جهة ثانية.
تعريف مصطلح الاستشراق
لقد عرف العديد مفهوم “الاستشراق” على نحو متباين بين الباحثين والمفكرين، فرأى البعض أن الاستشراق هو توجّه فكري نحو الشرق، إذ اشتغل المفكرون والباحثون الأنثروبولوجيون الغربيون على تناول ديانته وتراثه ولغته ومنظومته الأخلاقية وتقاليده وآدابه وحضارته وسائر مكونات تراثه التاريخي العريق. ونحن نزعم أن الاستشراق هو حركة فكرية وفلسفية ، كانت قد أوسست على فلسفة بيروقراطية في بريطانيا إبّان احتلالها للهند بحدود /1779م/، وإبّان الحملة النابوليونية “الفرنسية” على مصر في القرن الثامن عشر للميلاد، وباتت أحد أهم البحوث والدراسات الأكاديمية في الغرب الأوربي.
أهداف البحث هو تبيين السياسة الغربية من فلسفة الاستشراق التي تستهدف الكينونات الروحية والمادية وفق مرتسمات أيديولوجية وتمرير القرارات السياسية لأنظمة تلك الدول الخارجية، وتم التركيز الديني على ذلك المؤدلج أنه يقف ضد الإسلام والمسلمين والنص القرآني “الخطاب الإلهي” والأحاديث النبوية وتعاليم السُّنة ونشر الشُبهات والطعن بشخصية النبي “محمد /ص”.
من الشخصيات التي ساهمت في مأسسة الفكر الاستشراقي الغربي “آرثبنوت، البرت حوراني، الفريد بيستون، أوكلي، والعربي إدوارد سعيد بكتابه (الاستشراق) الذي جاء دفاعاً عن الإسلام وكل حضارات الشرق، وكان أشهر المستشرقين في العصر الحديث هو “غولد تسهير، وفاسيلي بارتولد الروسي عام / 1869م/.
أهمية البحث
تكمن أهمية البحث في الكشف عن فلسفة التفكيك لكافة القوى والمحتويات الحضارية والثقافية والروحية للفكر الاستشراقي المتمثل بنظرية الشوملة “أو “العولمة” وما تفرّعت عنها من نظرية “الليبرالية الجديدة. وغزو الشرق وفق فلسفة الإلحاقية أو التبعية.
المحور الأول
الاستشراق في موضوعة المواطنة وثقافة الانتماء
(الهوية المُركبة بين الأصالة العَرض)
رأيت أن من الضرورة بمكان إقرانُ مفهوم الحرية بمفهوم المواطنة، نظراً لنمطية العلاقة بينهما، ولا جرم، تفقد الحرية وظيفتها وينتفي فعلها في ظل العبودية, وسأحاول الكشف عن طبيعة العملية الجدلية من خلال المسرود النظري لهذه المُطارحة على نحو أكثر إيضاحاً.
في البدء، ما كان الدينُ أسطورةً أو خُرافة أو تعويذة، كما خمّنها البعض ممن نفوا حقيقة الإله والدين معاً، علماً كان الدين في الأزمان القديمة، بمثابة منظومة تشريعات تنظّم سلوك الناس وأخلاقياتهم وتعاملاتهم، وتُجسّد مواطنتهم بوصفهم يشكلون مجتمعاً يخضع لتقاليد واحدة، وتتشابه قيم الدين الناظمة لسلوكيات الناس بالقوانين والتشريعات الحديثة، وإن ارتبطت بمعبودية إله مفترض، وتنوّعت أنماط العبادات المختلفة.
لا شكّ يُمثل الدين ثقافة وقوانين ومعارفَ وأعراف وعلاقات المجتمعات القديمة، وأزعم، جاءت الرؤية الدينية ضرورة لتجميع الناس، وكان الغرض منها، تشكيل مجتمعات مستقرة، وما تجدر الإشارة إليه، أنها أسهمت في بلورة المعنى الدلالي أو الرمزي للمواطنة، ومن هنا بُنيت على قاعدة هذا الموروث من الوعي الآدمي سائر أنماط الحضارات اللاحقة, التي تم استهدافها من قبل الفكر الاستشراقي.
ولعل الراصد لحركة النزوع الروحي لدى البشر في الحضارات القديمة، يجد أن الدين، كان العامل المساعد على تشكيل البِنى الاجتماعية تاريخياً، بخاصة في بلاد الشام والرافدين وفارس، وبات الجذر الأساس لها. ولكن، وجد الباحثون والدارسون “الأنثروبولوجيون” عند رصدهم نشاط حياة الأجناس البشرية المتوضعة في مختلف أقاليم الأرض، وبخاصة عند شعوب الشرق التي أنتجت الحضارات ومدنياتها، وكشفهم عن طرائق وعيهم، وأشكال حاضراتهم، أن ثمة ظاهرة متجلية لحالة نازع الحرية إزاء ما كان يُناظرها، من ظاهرة العبودية بأشكالها الروحية والمادية وقتذاك, والغزو الثقافي الاستشراقي الحديث.
وتعني الدلالة المعانية لمفهوم الحرية، أن فارقاً يميز بين إنسان مملوك “نبيل” أو “شريف”، وإنسان غير مملوك “عبد”، وهذا ما كشفت عنه المُدونات التاريخية لدى الشعوب الفارسية والبابلية واليونانية والرومانية والفرعونية، والتي سادت فيها ظاهرة “الرِق”, بمعنى، تصرُّف المالك بالعبد المملوك كما يشاء، وليس للعبد أي حق اجتماعي أو ملكية أو نشاط سياسي، أي، عدم “ممارسة الديمقراطية”. ومُنذ ذلك الوقت، حصلت ثورات تحررية عديدة، عُرفت بـ “ثورة العبيد”، ما لبثت أن تعددت أنماط العلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي غيّرت من طبيعة علاقة العبد بالمالك، والمواطن بالوطن. وتجلى الفارق في الوجود الكينوني لهذه الشعوب المستهدفة من الدخيل الخارجي المتجسد في فلسفة الاستشراق الحديث.
من الطبيعي، لكل مرحلة تاريخية أوضاعها الحضارية والمدنية والإنتاجية، فضلاً عن أنماط أوضاعها السياسية وطبقاتها الاجتماعية والثقافية والدينية، الأمر الذي ينعكس طرداً على طبيعة الأوضاع الاقتصادية. وما يبعث على الاستغراب، كانت قد اتصفت كل تشكيلة اجتماعية مُحدثة، بممارسة نفس الظلم الطبقي، غير أنها أخذت تسميات ميّزت بين صفات هذه الطبقة المقهورة (عبد، رقيق، سخرة، فلاح، عامل، أجير، خادم،..) وظلت على هذا الحال من البؤس الاجتماعي لسياسة الطبقات الثرية والحاكمة. والحق، ليس وقتنا المعيش، بأحسن حال مما سبقه من ظلم اجتماعي نتيجة التطور الصناعي “الآلي” بعد النهضة الأوربية، وتجلّي ظاهرة الاستعمار، واضطهاد الشعوب، ونهب خيراتها، ما شكّل الظلم امتداداً قاسياً من التهتّك بأوضاع الناس في تلك العصور المظلمة.
يذكر المؤرخون الغربيون أن العصور الوسطى المُبكرة أو العصور الوسطى الأولى، هي بعد سقوط “الإمبراطورية الرومانية الغربية”، في سنة (500) حتى (1000) للميلاد، ويُشار إليها باسم “العصور المظلمة”، نتيجة للجهل وفقدان الثقافة. وقد انتشرت العبودية واسعاً في نهاية العصور القديمة للمجتمعات البشرية التي تبنّت العبودية والقنانة سبيلاً إلى العمل والثراء، ما أنتج مستويات اجتماعية، شكلت المثنوية الطبقية المتضادة بين البشر. ساق هذا إلى إلغاء أفهوم المواطنة.
دون استطراد؛ ما يزال الإنسان يبحث عن الحرية والعدالة بغرض تثبيت أخلاقيات تُنظم سلوكه الغريزي “الوحشي” عبر الفلسفة، والديانات، والقوانين الوضعية، والعقود الاجتماعية، والروابط الأيديولوجية، والدساتير، والمواثيق الدولية. وكانت قد أجمعت القواميس على تعريف الحرية، وتوصيفها، على أنها حالةٌ يكون عليها الكائن الحيّ الذي لا يخضع لقهر أو قيد أو غلبة، ويتصرّف طبقاً لإرادته وطبيعته على خلاف منهج العبودّية التي تُكبل إرادته, وأما حين تنتفي أسباب الظلم، فسيزول حُكماً أفهوم الحرية الافتراضي.
لقد انبهر العقل الشرقي بديمقراطية “روسو” و نخبوية “فولتير” واستبدادية “هوبز”، وسحر أفكار الثورة الفرنسية (1789م)، بيد أن هذا العقل، أورث أفهومات “ديماغوجية” أكثر حداثة بنظر أرباب التنوير، وقد تجسدت بالرأسمالية الاحتكارية، والاشتراكية الشيوعية، والديمقراطية الغربية المعاصرة، والفلسفة الليبرالية، فتوغّل العقل في متاهات تناقضاتها. يقول”جون ستيوارت ميل” (1806 ــ 1873م):إن مشكلة الحرية تُطرح بإلحاح داخل الدول الديمقراطية، فبقدر ما تزداد الحكومة ديمقراطية، بقدر ما ينقص ضمان الحرية الفردية (1).
ويُخالف “أليكس دوتكفيل” (1805 ــ 1859م) أفهوم المواطنة بقوله:” إن معنى الحرية الصحيح، هو أن كل إنسان، نفترض فيه أنه خلق عاقلاً، يستطيع حسن التصرف، ويملك حقاً لا يقبل التفويت في أن يعيش مستقلاً عن الآخرين في كل ما يتعلق بذاته، وأن ينظمَ كما يشاء حياته الشخصية وفق ما تطرحه الليبرالية الحديثة”.(2).
حاول الفكر الثوري التحرري لعموم بلاد الشرق صياغة مؤدلج نظري مجلوب من البراني، اشتغل على تطبيق أفكاره وقيمه وهو موروث عن العقل الاستشراقي عبر بعثاته التنويرية والعلمية والتنقيبية والأكاديمية والاستطلاعية، ومارسها ضمن أحزاب تولّت مسؤولية قيادة الدولة والمجتمع، بيد أنها اصطدمت بالواقع العملي، الأمر الذي أدخلها دونما أن يحتسب في اعتياصات التجربة، وباتت أشبه بالثعلب الذي أكل الدجاجات، فتعذّر عليه الخروج من فتحة الخُم الضيق. يقول “جان بول سارتر”(1905 ــ 1980م) : ” إننا لا ندرك ذواتنا إلا من خلال اختياراتنا، و ليست الحرية سوى كون اختياراتنا دائما غير مشروطة (3).
ويبدو تعددت تعاريف وأغراض الحرية بالمقارنة مع المواطنة، وانبرت تشمُل مستويات الحياة الاجتماعية والفكرية والسياسية والاقتصادية والروحية، وبهذا لا يصح البتة لأحد أن يُكره الناسَ على الاعتقاد بما يرغبون به فلسفياً أو سياسياً أو دينياً.
ويعني مصطلح المواطنة من ناحية الأفهوم المجرد، المُشاغلة، ومن ناحية التجسيد، هي فعل مُعالقة مع الوجود المادي والبشري، وتُمارس المواطنة في الموطن الذي يعيش فيه الفرد مع أقرانه. وينبغي في هذا السياق، تناول مسألة المواطنة ربطاً بما تفرضه التحولات الحضارية العالمية، وموقف الفرد “المواطن” والمجتمع إزاء هذه التغيرات المتسارعة. وحسب ما يقع في ظننا، تُعدُّ المواطنة من القضايا القديمة الحديثة، ولمّا تزل من أكثر الأمور جدلاً على كافة الميادين، وعلى وجه الخصوص مسألة واجباته وحقوقه، بوصفه فرداً له شخصيته الاعتبارية، مع وجوب تربيته جمالياً في البناء الوطني والدفاع عن حرماته وكرامته ومقدراته، ولهذا ارتبطت المواطنة بالحرية ارتباطاً وثيقاً، بخاصة الهجوم الفكري / السياسي لفلسفة الاستشراق الحداثي الذي يطرح مفاهيم صدام الحضارات وصراع الثقافات، بل تحوّلت إلى نازع مقدس عند الأحرار، كما شملت العلاقة الجدلية بين الفرد والمجتمع والدولة من جانب، ومناهج العمل السياسي في إدارة شؤون المجتمع كمواطنين، والدولة كوطن حاضن من جانب آخر.
لقد كثُرت النظريـات التي دعت إلــى “كوننة” العالم من دينية وعرقية ولغويـة وثقافيـة واقتصادية وأيديولوجية.. بيـد أنها لم تتناغم مع نمط كينونة التماثُل والتوّحد الثقافــي في المجتمع الواحد، وتراعي حقوق المواطنة، والطائفية بكافة صورها، هي من ألد أعداء الوحدة والمساواة والديمقراطية، وضد أنساق التطابـقات الدينيـة والسياسية والاجتماعيـة، ولنـا في نماذج أشـكال الأنظمة الإمبراطورية والمَلكيّة، ما تُفصح عن رؤية متأصلة في وعي الرعية، أنها تتبع الفرد وليس العكس، وهنا يفقد كلّ من الفرد والمجتمع حق المواطنة، وأن موضع الطائفية علـى قدر سواء من هذا النمط المُعرّض فـي أيـة لحظة لخرق الدستور أو هز جُدر النـظام، والانقلاب علــى العيش المشترك، وحينها لا تعدو هنالك “مواطنة”، بل تتشظى “تعددية الهوية” أو “الهويـة المُركّبة”، خلافاً لما هو مُتعاقد عليـه تحت مبدأ الولاء للمجتمع فــي الوطن الواحد.
التعددية للهويات المركبة يستغلها العقل الغازي لخلق تناحرات في لونيات المكوّنات، ويُعد نمطاً من المرتسمات التفكيكية للاستشراق، ولنا فــي التاريخ أمثـلة كثيرة تعلّقت بسيـاسة التـفكيـك التي انتهجتـها دول وإمبراطوريات وتحالفات شتى، ويمكن إرجاع أسبابها إلى العصبيات القبلية والطائفية والعرقية والمذهبية، فما أحوجنا اليومَ إلـى “ثقافة الانتماء” التي تُعزز الانتماء الثقافي والتاريخي . ولا جرم في أن “هوية الانتماء” تُحقق بالضرورة مبدأ المواطنـة في سائر حمولاتها السياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية .
إن المواطنة أكبر من الانتماء لدولة وطنية في شكلها المُجرد. والحق، هي انتماء إقليمــي، يضمُّ هويـات متـعددة خارج الحدود الجغرافيـة، تفرضها سيـرورة الحاجـة التاريخية تحت مبدأ “حق الإنسان في العيش المشترك على الأرض”، وأجد في فكرة التمدد الحيوي، ما ينم عن وعي تاريخي لمعطيات المرحلة، والعمل على ديمقراطية الانتماء، وإثبات صوابية القرار الحر المستقل.
إن من المهام والواجبات الأخلاقية للمواطنة، المحافظة على القيم والمبادئ الأساسية للمجتمع، والتجاوب مع الطموحات الوطنية، ويتجلى المفهوم المعاصر للمواطنة على مبادئ عامة مُلزمة لخلق توافق جماعي يضمن الحقوق الفردية والجماعية، وتحت إدارة دولة المؤسسات، التي تكفل بدورها تنمية المعارف والقدرات، والمحافظة على القيم الروحية والأخلاقية والتربوية، مع عدم إناطة ضرورة التنمية المستدامة بدولة لحالها، وإنما هي مسؤولية الدول التي تتولى إعداد المواطنين وفاقاً للظروف والمُتغيرات الدولي التي تنعكس على طبيعة المواطنة، ولهذا تتقلد منظومة المعارف والتربية والتعليم والمؤسسات الثقافية مهام التربية الجمالية للمواطنة. مع وجوب معرفة المرء، أن الوطن ليس كما تعرفه القواميس والمعاجم اللغوية، أنه المَنزل الذي يُقيم فيه الإنسان، فالوطن هو أوسع أفهوم، يحتوي في مظاناته معارف متعددة القيم، وتتخذ مستويات متباينة من الاشتغالات.
ويشمل أفهوم المواطنة، الاعتراف الشرعي والدستوري بحق الفرد، ومشاركته في إدارة البلاد، وتقرير شؤونه، مع ضرورة تطبيق نصوص الدستور وفق “العقدية الاجتماعية” في الحقوق والواجبات، بوصفها قواعد شرعية كفيلة بتحقيق قيم المساواة، والعدالة، ومنح الحريات الفردية والاجتماعية، بالرغم من تبايُن التوضعات الاجتماعية من حيث الانتماءات الجنسية، القومية و(العرقية الإثنية) والمذهبية والقبلية، والتوجه إلى تربية الشعور الجمعي على الذوقية الجمالية .
أما مصطلح المواطنة في المنظور الإسلامي، فله رؤية ذات صفة شمولية، إذ يعتبرُ وطن الفرد المؤمن، كلّ الأمصار التي تضم وتحتوي الأمة الإسلامية، وينضوي الفردي تحت تعاليم عقيدة سماوية، تُحدد واجباته وحقوقه، وتنتظم الأمة التي ينتمي إليها بسلك، هو الدستور الإلهي، أيّ، “القرآن الكريم”. وكان النبي أول من وضع أفهوم المواطنة، وحدد المسؤوليات الروحية والدنيوية، وأوضح ملامح دستور الإسلام، الذي تمثل بـ (صحيفة المدينة)، والتي تضمّنت ما يقارب من (47) مادة خاصة بأوضاع أهل المدينة على اختلاف دياناتهم وجنسياتهم وأعراقهم. وأخذت المواطنة الإسلامية طابعاً أممياً “الأمة الإسلامية”، كونها لا تقتصر المشاركة على ديانة بذاتها. وتنضوي سائر الشعوب تحت راية الإسلام مواطنين، فلا فرق بين عربي أو أعجمي إلا بالتقوى، فهنا تلتغي الجنسيات الإثنية والقومية لتحل بدلها الهُوية التي تمنح الأمة بدورها وحدة هُويتها. وهذه التقاليد الروحية المستقاة من وحي المقدس هي ما اشتغلت عليه التفكيكية الاستشراقية.
إن طلب حقوق المواطنة، إزاء التفكيكية الاستشراقية، ليس هو أهم من الشعور العاطفي “الوجداني” تجاه حب الوطن والتضحية من أجله، بحيث نجد فوارق بين الوطنية والمواطنة من الناحية التجريدية، وإن كانا رتقاً واحداً في قضية الانتماء. ويجري تجسيد روح المواطنة من خلال أحكام القوانين الناظمة للشأن الوطني العام في نظام الحكم التي تمتثل وترضخ له طائعة كل القوى الحيوية الفاعلة في الوطن.
آ ـــ سمات المواطنة وخصائص الهُوية الجامعة
في البدء يتعيّن التمييز بين أفهومي المواطنة والهُوية الناظمة لحياة الشعوب وأجناسها، فالهُوية هي ما يميز بين جواهر خصائصها، فعلى سبيل المثال، إن ما يتعلق بين العروبة والأديان مختلفة على نحو مثير للجدل، فالعروبة كينونة جامعة لكل الأديان على مختلف يقينياتها الإيمانية، بيد أنها ليست بالضرورة جامعة للأعراق والإثنيات العلوقة بها، من حيث، أن الهُوية، نمط يختلف في ماهيته أو جوهره عن التركيب الجمعي أو المنسوج الاجتماعي في ذات الكينونة، بمعنى يفتقد لطبيعة التطابق في مسألة الأصالة العرقية التي تنضوي تحت أفهوم العروبة، كون الأعراق الأخرى، تمتاز بحالات اندماجية بالهوية الأصل الجامعة لها، والتي تنتمي إليها في ذات الوطن الواحد، وهنا نعتبرها تحت مصطلح “الهوية المُركبة” الجامعة.
يصح القول إن هناك تطابقاً واقعياً وعملانياً في مسألة المواطنة، إذ إن سمة المواطنة، جامعة لكل الهُويات أو العرقيات أو القوميات، فلا تمييز بين الأفراد أو الجماعات أو المذاهب أو العراق أو القوميات في الوطن والمجتمع الواحد. وفي هذا الحال، لا يصح البتة الإقرار بوجود عرقية أو قومية محضة بين الشعوب، فهناك عوامل عديدة تُفند هذه الرؤية أو تلك في هذا الشأن المتعاوص (حروب، غزو، هجرة، سبي، تزاوج، ..) حيث تشكل تخالطاً دموياً وجينياً عبر التاريخ الآدمي.
لا غروَ أن الدفاع عن الهُوية بذاتها، هو فعل إسقاط مجحف وظالم بحق الهويات المندمجة في ذات الهوية الأكبر، أما الدفاع عن المواطنة، فهو دفاع عن سائر المكوّنات العرقية أو القومية، وفي ذلكم الحال يأخذ نازع الدفاع عن الوطن أو الهُوية منحيين جوهريين نجما عن ظاهرة الاستشراق المتقحم وبات من أدبيات تلكمُ الأحزاب القومية والدينية وهما: المقاومة والممانعة.
ومما لا شك فيه، أن المواطنة هي الوعاء الذي تنصهر فيه سائر أنماط الهويات أو القوميات أو العرقيات، لذلك نجد مصطلح المواطنة أشمل وأعمق وأكثر صلاحية ومصلحة في أشكال العلاقة المجتمعية وتماسك مكوناتها. وحسبنا، لا تتوفر حيناً لدن شعب ما مقومات الأمة أو القومية ، من حيث أنها لا تمتلك عناصر مشتركة في الوطن الواحد خصائص وسمات انتماء، فعلى سبيل المثال لا الحصر، الجذر العربي أصيل دونما أدنى شك، بيد أنه فقد وحدة الأصالة حينما فقد مقوماته الأساسية، والتي نرجعها إلى الأسباب التالية (لا يمثلها علم واحد، ولا دين واحد، ولا جيش واحد، ولا نظام سياسي أو سلطة واحدة، ولا اقتصاد واحد، ولا مال وعملة واحدة، ولا لغة واحدة بسبب تعدد لهجات ولغات عرقية، ولا نلمس ثمة تقاليد ثقافية واحدة. وبالتالي لا جغرافيا واحدة بسبب تجزئة الوطن العربي إلى أشكال متعددة، وخضوعه لنظام حكم ( جمهوري، ملكي، دولة ، سلطنة، أمارة ..).
تجمعُ المواطنة رعايا الأمة العربية أكثر مما تجمع القومية والعرقية والدين مثل( كورد، شركس، أرمن، أمازيغ، سريان، تُرك، يزيدين، …)، ويصدق القول، إذا اعتبرنا أن المواطنة هي مجموعة هويات مُركبة تاريخياً، تقبل الهوية فعل التطور مع الزمن، وقد تتغيّر سماتها وخصائصها، فالحياة العملانية شكلت هويات متعددة (سياسية، مهنية، دينية، عرقية ..) هناك مُطارحات اقتصادية ورؤى سياسية، هي أشمل من فلسفة الهوية أو المواطنة، إذ تعتمد على قاعدة “التحالفات الإقليمية” القائمة على “الاستقطابات المُحايثة”، فمثلاً ، تم طرح ما سُمي “ربط البحار الخمس”.
إن المواطنة التي لا تخضع للمبادئ الديمقراطية، تظل منقوصة, وتالياً، يقود هذا المصطرع البائس إلى انهيار الدولة، وتفكك المجتمع، وتدخل البلاد أو الأوطان في حالة الفوضى والجريمة. وكان قد وصف البعض أن حالات قاهرة، شكلت أزمة ضمير في الذات الآدمية. ونحن رأينا صوراً من هذا القبيل، أطلقنا عليها (جرح الوطن)، ولا نخاله جرحاً في العقائد أو المبادئ أو القضايا الاقتصادية أو المالية .. إلخ. إنما هو جرح غائر في بواطن الضمير.
المحور الثاني {الليبرالية الحديثة}
{ منهج الشوملة في كوننة الاقتصاد الحر}
تقتضي حاجة البحث العلمي ضرورة النظر بما طرحته فلسفة الليبرالية، ومؤدلجها، وأهدافها، وآدابها، ابتغاء الوقوف على حقيقة هذه النظرية، وتجاذبات جدلية بين النظرية الشوملية والفكر الليبرالي وهي من منتجات الفكر الاستشراقي الّذي يلائم طبيعة الأوضاع والقضايا مجتمعات الشرق.
آ ـــ الثقافة الليبرالية الحديثة
يُعتبر منهج الليبرالية نمطاً ثقافياً جمعياً، تعتمد فلسفته على ثقافة التفاعل والتشاركية أو الصراع مع الكينونات الطبيعية عملاً بما قاله “جون ديوي”:” الثقافة حصيلة التفاعل بين الإنسان والبيئة”. وتُركز مسارات الفعل الليبرالي على موضوعة ما أنجزه الإنسان، وليس الإنسان بذاته، وأن الموروث، هو التجربة المُنجزة لثقافة ذلك الإنسان، وليس لابتكار مصير الإنسان وتعزيز التراث القيمي الأخلاقي.
لقد آثرنا التوقف عند نمط مُحدث، هو “الليبرالية” الجديدة التي تُريد أن تحيا وتؤكد ذاتها في خضم صراعات منوّعة ومتعاوصة، كانت قد رأت في مُطارحاتها الفكرية ما هو أنسب لحياة آدمية مُثلى، بيد أنها أخفقت ويتلاشى ريحها، ويمضى هبوباً نحو العدم. بوصفه من مخلفات ثقافة الاستشراق.
إن فلسفة القيمي الأخلاقي في الفلسفة الليبرالية، هي المعيار الجمالي ، بمعنى، خلق شوملة كائن إنساني قيمي جمالي تماثُلي. هو تكرار للمواريث العتيقة المحفوظة في الذاكرة الجمعية عبر صياغات مُحدثة، وهو من أجل تحرير الإنسان من ربقة الخوف، وجعله سيد نفسه، ودفعه للتخلي عن ثقافة السلف والتبعية العمياء. يقوده هذا إلى عملية إفراغ للذاكرة والثقافة والأصالة، يعني تجريده عن هويته الوطنية.
ب ـــ جوهر اللِّيبراليّة: هي نزعة ترمي إلى التَّحرُّر السِّياسيّ والاقتصاديّ، وحركة سياسيّة تدعو إلى الحرِّيّة غير الخاضعة لسلطة استبداديّة. وهي نظريّة اقتصاديَّة, وتُصنف علوم الاجتماع هذا المذهب أنه يقوم على الاعتقاد في أهميّة حرِّيَّة الفرد ورفاهيته، وإمكانيّة التقدّم الاجتماعيّ من خلال تغيير التنظيم الاجتماعيّ وتجديده.
والليبرالية مصطلح أجنبي معرّب مأخوذ من (Liberalism) في الإنجليزية ، وهي تعني ” التحررية “. وهي مذهب فكري يركز على الحرية الفردية ، ويرى وجوب احترام استقلال الأفراد ، ويعتقد أن الوظيفة الأساسية للدولة هي حماية حريات المواطنين ، مثل حرية التفكير ، والتعبير، والملكية الخاصة، والحرية الشخصية وغيرها، وهي فلسفة سياسية مبنية على افتراض أن الأفراد عبارة عن عناصر مستقلة تتمتع بحقوق لا يجوز خرقها وأن سلطات الحكومة تستمد من الشعب.
أيدت الليبرالية ما جاء به عصر التنوير القاضي بعزل السلطة الدينية عن الدولة، فضلاً عن فصل السلطات الثلاثة ( التنفيذية، القضائية، التشريعية) ومنح الفرد الحرية المفتوحة، لكنه نظم العلاقة ما بين الحرية الفردية والحرية الاجتماعية . الأمر الذي شجع على تنمية وتألق النُخب الثرية “الصناعية”، واشتغلت بذات الوقت على نشوء أو تكوين طبقات وفوارق صارخة بين المُلاك والعبيد المملوكين لهم. لم تخرج الليبرالية عن هذا النهج ، وظلت محافظة على مبدأ الاقتصاد الحُر، وثراء الأفراد الملاك، ما عزز الصراع الطبقي. ولا تختلف عن “العولمة” في شيء، فهما وجهان لعملة واحدة.
لقد شجعت الليبرالية الرأسمال الصناعي على اتباع فكرة الحرية الاقتصادية والتطلع خارج أحياز بلادها، واعتمدت على مبادئ وأفكار التنوير، ما شجع على الكشف الجغرافي الخارجي . ولهذا رأت الليبرالية، أنه ينبغي الحث على تعدد الثقافات لمعرفة الهوية الاجتماعية للشعوب، مع تجاوز الأطر القومية القديمة، والانتماءات العقائدية الدينية والقبلية، الأمر الذي دفع إلى صياغة أفكار وأيديولوجيات سياسية باسم الحرية، وتعزيز الطموح للسلطة، ذلك ابتغاء تنفيذ برامجها وأجنداتها. واعتبر المفكر اللغوي “نعوم تشومسكي” : أن دعوة الليبرالية إلى الحرية هي مجرد كذبة زائفة، إذ أنها تُشجع على استعباد الشعوب، ورأى في كتابه “الحرية واللغة:” أن الفوضوية، هي الوريثة الشرعية لليبرالية الكلاسيكية .يقول “جان جاك روسو” في كتابه “العقد الاجتماعي” المنشور في عام (1762م) :” يولد الناس أحراراً دوماً، بيد أنهم في كل مكان هم مكبّلون بالأغلال”.
من يطّلع على كتابَي المفكرَين التنويريين،”شارل مونتسيكو” (1689 ــ 1755م) في كتابه ” روح القوانين”، و “جان جاك روسو” ( 1712 ــ 1778م) في كتابه ” العقد الاجتماعي” و(فولتير، ديكارت، بيكون، لوك ..) الذين طرحوا فكرة الحرية، لا يجدها تختلف قط عن مبادئ النزعة الليبرالية. ونراهم يجمعون على أن الإنسان كائن متضامن أو اجتماعي متعاقد. ويزعمون أنه هذا الترابط يحقق التشاركية ووحدة الإرادة العامة، ابتغاء إخضاع الدولة لإرادتها، وبالتالي تسيُّد إرادة الشعب على إرادة الدولة، بوصف الشعب، هو مؤسس الدولة والدولة مجرد كيان خادم له، وتحكمهما علاقات من القوانين الناظمة والثابتة والمصونة والمُحصنة للأفراد والأمم وفق رابط يدعى “الروح الإنسانية ووحدة المصير”.
كتب المفكر الأمريكي “توماس جيفرسون” عام (1779م) سأقتطف جزءاً منه :”لا يجوز إجبار أي شخص على ممارسة أو تبني أي عبادة أو مكان أو هيئة دينية، كما لا يجوز اضطهاد أي شخص، أو التضييق عليه، أو التحرش به، أو الاعتداء على بدنه وماله، ولا يجوز أن يعاني بسبب أفكاره أو معتقداته الدينية، بل يجب أن يملك الجميع حرية اعتناق أفكارهم الخاصة في المسائل الدينية وحرية الإبقاء عليها، ولا يجب بأي حال من الأحوال التقليل، أو التضخيم، أو التأثير على أهليتهم المدنية”. وترى “إن الحرية، “الديمقراطية”، ليست مهمة أو ضرورية للناس في أماكن أخرى؛ فقد تصلح “الليبرالية” في بلد، وليس تصلح في بلد آخر، ويرجع ذلك لاختلاف ظروفه وثقافته وموارده وتقاليده عن الآخر، الذي يفرض أنموذجها عليه. أو حرية العهد الإقطاعي الزراعي عن العهد البرجوازي الصناعي، أو الحرية في الفكر الشيوعي غير ما هي عليه في الفكر الرأسمالي”.
يجادل “جون ستيوارت”( 1806 ــ 1873م) في كتابه المُعنْون “الحرية والنفعية والحكومة النيابية” قائلاً: “إن الحرية الليبرالية في جوهرها، هي إطلاق العنان للناس ليحققوا خيرهم بالطرق التي يرونها صالحة لحياتهم وسلوكهم”. وتعتبر الليبرالية القيم الأخلاقية الدينية مقيدة لحرية الفرد، ترى في مفهوم الحرية الطبيعة الغرائزية (اللذة والمنفعة)، ولهذا تظل قيم الليبرالية في صراع مع القيم الدينية والأخلاقية؛ وأن تشجيعِها نزعة الفردانية، تجعل من المرء معزولاً عن مجتمعه، ولا يعنيه ما يصيبَهُ أو يحصل له، ثقافياً أو دينياً أو روحياً أو سياسياً أو معرفياً، بل يظل متقوقعاً داخل ذاتيه الأنوية، وهذه من الاشتغالات السياسية التي نهجها الفكر الاستشراقي، وقد غالى نقاد الفلسفة الليبرالية، حين أجمعوا على أن الفرد الليبرالي هو فاقد للشعور بأي فعل مثالي، ومجرد من أية قيمة فاضلة، بل يفتقد إلى الهوية الوطنية (2).
وعلى حد زعم المفكر “فرنسيس فوكوياما ” في كتابه “نهاية التاريخ” :أن الليبرالية هي نهاية تاريخ الصراع”، وسبق أن طرح “هيجل” ما يشابه طرح “فوكوياما” في كتابه ” فينومينولوجيا الروح ” الصادر عام ( 1807م) ” أن العالم ينتقل من المتنافر إلى المتجانس، ومن المتفكّك إلى المتوحّد.
وكانت قد لاحت عند دخول الألفية الثالثة، وبدء المئوية الأولى منها في الأفق المنظور ملامح إعادة إنتاج كوننة جديدة للعصر، عبر مشروع “مؤدلج العولمة” ، الذي طرح مهامه ومبادئه وطرائق اشتغالاته سبيلاً إلى بناء عالم حداثي جديد يتصف بالشمولية، يمكننا الإطلاق عليه جوازاً “الشوملة الأممية”، ومن هذا التوجه جاء أفهوم “كوننة العالم”، بمعنى، توحيد الشعوب تحت أفهوم “اللبرلة”، وهي في جوهرها محاولة تحطيم حُب الأوطان. ولعلها أحد أنماط ثقافة الاستشراق المُحدثة. الشكلانية الليبرالية: هو التفكير الحر أو الرأي السائد أو الفلسفة السياسية، وقد استندت هذه الفلسفة على مبدأ الحرية والمساواة مع الأفكار، وتجدر الإشارة إلى أن الليبرالية الكلاسيكية تؤكد على الحرية المطلقة مع الأفكار الفردية، بينما يشير المبدأ الثاني لليبرالية إلى المساواة، والتي تجلّت بشكل أكثر وضوحاً في الليبرالية. ما يؤكد على أن هذا المؤدلج الحداثي الذي يُمضي بالبشرية إلى ذاتيات منغلقة، سواء على مستوى الدول أو الشعوب، أي ليس شوملة العالم، أعني “لبرلة” العالم، بجعله قرية نموذجية مثالية واحدة البنية، وإنما هي انفصال تغريبي، ينزع نحو عنصرية مقيتة. إن الشوملة أو اللبرلة، هي تمرير لفكر “دوغمائي” جمودي استلابي ممثل في أيديولوجية العولمة الليبرالية، وربطهـا بعلاقات “كولونيالية”، ـــ مستعمرات ـــ وإدخال العالم تلقائياً في دائرة النمذجة العشوائية، حيث تُصادر بها حرية الشعوب في سيادتها، واتخاذ قرارها المستقل، والسيطرة على مقدراتها وثرواتها الوطنية.
يقول المفكر الأمريكي “مارشال بيرمان” حول مفهوم الوحدة العولمية : “وحدة تجعلنا تحت وطأة الهلع والخوف” . ومن اهتمامات اللبرلة، دمقرطة نظام العالم الحر الجديد القائمة على تجمُّع إقليمي موّحد، يخضع لكينونة “كوزموبوليتارية”. بمعنى، وحدة المواطنة الأممية لاقتصاد السوق. وتبدى الربيع العربي الذي انطلق في بدايات ( 2011 م) شكلاً شوملياً إلحاقياً ذرائعياً، تحت ما سُمي سياسة “مسؤولية الحماية” برعاية القانون الدولي القار، أو “الشرعية الأممية”.
والتطلع إلى بناء عالم حداثي جديد يتمثل بفلسفة “الليبرالية” ويأخذ مصطلح الشوملة، ومن هنا جاء أفهوم “كوننة العالم”، والذي يُمثل وحدة السوق التجارية العالمية الحرة القائمة على في تفعيل حركة الاستثمارات وتوظيف الرأسمال في مختلف الأقاليم ( regionals) المتقاربة، والهيمنة على اقتصادات العالم المتعددة الأقاليم وفق “منهج العولمة اللانمطي” . هذا النمط من الثقافة المؤدلجة التي تدعي تحقيق تنمية ديمقراطية السوق الحرة، هي أكذوبة الحرية في ظل الشوملة “الليبرالية، وهناك حالة تلقائية انسيابية في حركة التلاقحات الثقافية “الإيكسينولوجية”، أو التشميلات الثقافية، بين الشعوب، وهي تختلف عن حالة الغزو الثقافي، أو الصدامي، أو الحلولي، فمثلاً، برزت نظرية “الشوملة الليبرالية” المعاصرة استكمالاً لتجليات النظرية الاستشراقية بلونيات مُحدثة، كما أشرنا من قبل، تقوم على مبدأ “الإلحاقيات”، أي ربط الأطراف بالمركز، والتي تتولى عملية التفكيك والتركيب والحلولية. وتهدف تلكمُ “الشوملة” في سائر اشتغالاتها إلى تحقيق حالة الاندغام المعرفي القائم على مبدأي “التلاقح”، والذي يأخذ حيناً طابعاً ثقافياً صدامياً، وليس على غرار ما أطلق إليه البعض جُزافاً مصطلح “الصدام الحضاري” في العصر الحديث، ونزعم أنها من مخلفات الفكر الاستشراقي.
وكانت قد تسللت الليبرالية إلى البلاد الإسلامية من خلال ” الجمعيات السرّية ” التي كوّنها رهط من أفراد تأثروا بالفكر الغربي وانبهروا بحضارته المادية. وهناك عوامل ثقافية وسياسية واجتماعية ومذهبية وعقيدية واستعمار ساهمت في بلورة الثقافة الليبرالية .
الليبرالية الجديدة” : هي حزمة من السياسات الاقتصادية التي انتشرت على نطاق واسع في العقود الأخيرة. وبرغم ندرة استخدام المصطلح، إلا أن تأثيراته واضحة؛ حيث يزيد الفقراء فقراً، ويزيد الأثرياء ثراءً، وتشير الليبرالية إلى أفكار سياسية واقتصادية وحتى دينية. وتتبنى الليبرالية إستراتيجية تهدف لمنع الصراع الطبقي.
* هيمنة السوق: ورفع كافة القيود التي تفرضها الحكومات على المشروعات الخاصة، مهما كانت التبعات الاجتماعية والأضرار التي يتسبب فيها رفع هذه القيود. ومزيد من الانفتاح على التجارة والاستثمار الدولي. وتخفيض الأجور، وحل النقابات العمالية وتهميش حقوق العمال التي حصلوا عليها عبر سنوات من الكفاح. وعدم التدخل لضبط الأسعار. وإتاحة الحرية الكاملة لحركة رؤوس الأموال والبضائع والخدمات، وتقليص الإنفاق على الخدمات الاجتماعية والتعليم والرعاية الصحية، وتخفيض الإنفاق على الضمان الصحي، وصيانة الطرق والكباري، وخدمات المياه النظيفة والكهرباء، تحت مسمى تقليص دور الدولة. وبالطبع لا يعارضون الدعم الحكومي لرجال الأعمال.
تقليص التدخل الحكومي في أي شيء قد يخفض الربح، حتى فيما يختص بتهديد البيئة والأمان * الخصخصة بيع المشروعات والبضائع والخدمات التي تمتلكها الدولة إلى رجال الأعمال. ويتضمن هذا بيع البنوك والصناعات الحيوية والسكك الحديدية والكهرباء والمدارس والمستشفيات وغيرها. برغم أن البيع يتم بحجة البحث عن كفاءة الإدارة، بيد أن الخصخصة تسببت في مركزة الثروة في يد قلة من رجال الأعمال. نخلص إلى القول:
أولًا: الليبرالية الجديدة هي أيديولوجية وبرنامج اقتصادي ذو أجندة محددة،
وثانيًا: هي وسيلة لممارسة النهب على نطاق هائل.
لقد نجحت الصين نجاحاً كبيراً في تبني الاختيارات الجيدة لدول أخرى، فقد أخذت الجوانب الجيدة من الليبرالية باختيارها خيار الحرية الاقتصادية, والمزج بين التغيير المنهجي (التحوّل) وسياسات التنمية. وتمكّنت من تطويعها لصالح الاقتصاد الوطني.
ثمة بلد شاسع ثالث هو روسيا، فهي تملك تجربة ليبرالية جديدة ذات طابع خاص، لقد كانت تجربة مأساوية. وهذا لا يعزى إلى الإرث السوفييتي، بقدر ما يعزى إلى السياسات الخاطئة التي طُبقت في التسعينيات، والتي أدت إلى انخفاض الإنتاج بنسبة بلغت ٦٠٪ خلال ذلك العقد.
لقد تعددت أنماط المؤدلج الليبرالي، حيث أصبحنا نطلع على ليبرالية سياسية، وليبرالية اجتماعية، وليبرالية اقتصادية، وليبرالية ثقافية وفكرية، وليبرالية دينية، وليبرالية علمانية، وليبرالية مُحافِظة، وليبرالية الرفاهية.. وأخيرا الليبرالية الجديدة أو الـ (نيوليبرالية) وتقول “ويندي براون” عالِمة السياسة الأمريكية: الليبرالية الجديدة تعني أن البشر مُشكّلون بالكامل ليكونوا ”كائنات اقتصادية”، وأن جميع أبعاد الحياة البشرية مُشكّلة وفق عقلانية السُوق..
وتعمل على تخفيض قيمة العملة، والخصخصة، وهيمنة القطاع الخاص، وزيادة الضرائب، ورفعُ الأسعار، ورفعُ الدّعم عن السلع الأساسية، وتقليص النفقات على الخدمات الاجتماعية، وتقليص دور الدولة في مسؤوليتها عن الأوضاع المعيشية والخَدَمية والبطالة، وتخفيض الأجور، وتهميش حقوق العمال، وعدم التدخل لضبط الأسعار، والضغط على الشرائح الأفقر في المجتمع، ونقص الرعاية الصحية والتعليم والضمان الاجتماعي، وتمركز الثروة في يد فئة قليلة بالمجتمع، وزيادة في فقر المجتمع مقابل زيادة الثراء للقليل منه.
هناك أيضا من يهاجمون الليبرالية الجديدة، بذريعة أن هذه خطيرة على قيم المُجتمعات وثقافتها، وتقود إلى الشذوذ الجنسي، والمثلية، والإباحية، والإلحاد، والاستخفاف بالأديان، وتعاطي المخدرات.. الخ..
تؤكد الليبرالية الجديدة أنه يجب على الحكومات أن تضطّلع بمسؤولياتها إزاء مُجتمعاتها، فلا تتركها فريسة للفقر والبؤس والجوع والمرض والبطالة والجهل والتخلُّف، فهذه العوامل سوف تدفعُ بالأجيال الشابّة للانحراف. والمسؤولية هنا تقع في الدرجة الأولى على حكومات الدول، وإن كانت عاجزة عن مكافحة تلك العوامل والأسباب، فليس عليها أن تهرب للأمام، وتُحمِّل مسؤولية ذلك لليبرالية الجديدة. ونرى أن مصطلح (الليبرالية الجديدة) يترادف مع نظرية (البراغماتية الجديدة)، يراها “عبد الله الغذامي” بقوله: “الليبراليّة الجديدة جاءت كتحوّل للعولمة” .
المصادر والمراجع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ــ نقلا عن كتاب مفهوم الحرية، جون ستيوارت ميل، في الحرية، هارموند رورت ، 1974 ، ص 62 .
2 ــ نقلا عن كتاب مفهوم الحرية .أليكس دوتكفيل ، الحالة الاجتماعية و السياسية في فرنسا سنة 1836 ضمن المؤلفات الكاملة ، باريس غاليمار ، ج2 ، ص62 .
3 ــ نقلا عن كتال مفهوم الحرية .جون بول سارتر ، الكون و العدم ، باريس ، غاليمار‘ ص ، 369
4ـــ عبد الله الغذّامي، الليبرالية الجديدة- أسئلة في الحرية والتفاوضية الثقافيّة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الثانية المغرب، 2013م نعوم تشومسكي، الربح فوق الشعب- الليبراليّة الجديدة والنظام العولمي، ترجمة مازن الحسيني، دار التنوير، الطبعة الأولى، فلسطين، 2000
الرواية التاريخية في تمثلاتها السياسية
منير الحافظ
تاريخ نشأة فن الرواية
في البدايات الأولى للحياة، كانت الطبيعة هي المهيمنة، وكان الوعي الغريزي علوقاً بظواهرها، وأن كل ما ينتجه يخضع كلياً لها . ولكن مع تقدم محاكاة الوعي، شرع يحفر مساراته ويتحرر من بدائياته الغريزية بواقعه المادي بفضل العمل، وتجلى الوعي الفني الاستيحائي وسخرها لمصلحته، بواسطة التخييل الإستيحائي الغريزي لظواهر الطبيعة، ما لبث أن ارتقى إلى مظاهر دينية وفيزيولوجية، تحكمت في قيادة المجتمع روحياً. الأمر الذي أنتج من خلال التخييل أدبيات، منها الأسطورية ” الميثيولوجية”.
وبعد تقدم الوعي تناول في منظومة الأنساق البنائية للرواية سائر معطيات الحياة وتمثلتها( لونيات البيئة، والتقاليد الاجتماعية والمواقف السياسية، والقيم الدينية، والمبادىء الأيديولوجية، والأنماط الثقافية، وأشكال الفنون، وصور الحروب، وظواهر الطبيعة…)، لوحظ أن الآداب الأسطورية، والمُدونات التأريخية وما تلاها من آداب متقدمة، كانت تُسرد وتُنقل شعراً، وحتى الصُحف الدينية الوضعية منها والتوحيدية وصفت أحوال الناس المختلفة ما أثرت هذه المواريث بالآداب والأخلاقيات والمعارف في تكوّين أنماط الرواية وتمثُلاتها للواقع المعيش. ونستطيع القول: نشأ الفن في بدايات العصر الحجري النيوليثي المتقدم /6000 ق.م/، حيث اتصاف بنزعة روحية ( دينية) أسطورية خُرافية، تُمارسُه الشعوب البدائية على شكل طقوس بسيطة ساذجة، أُطلق عليه ( الفن التجسيدي الوثني).
وقد كان أول مخلوق بشري في الأسطورة البابلية هو “آدب” ــ آدم ــ وأن خطيئة أكل الثمرة، أستُمدت من أدبية أسطورة “جلجامش” التي تُظهر صراعه مع الشهوة المفطورة والموت المحتوم، والبحث عن الحياة الخالدة. وقد عكست الوعي الثقافي للقبيلة أو الجماعة، وتُعتبر من أدبياتهم التي تأخذ صفة قدسانية.
تُعد الرواية التاريخية نوعاً من نواظم السريد الذي يدور حول حوادث تاريخية حدثت بالفعل وسُردت عبر التدوين، وتولت الرواية إعادة بناء العالم الإنساني المعيوش من خلال استلهام هذه المحتويات التاريخية وتوصيفها وتشخيصها وصياغتها أدباً حكائياً. الحق، كل الآداب منذ الآداب الأسطورية، مروراً بعهد الشاعر الإغريقي “هوميروس” في “ملحمة الإلياذة”، إلى حكايات شعوب بلاد الخصيب “سومر”، ومصر الفرعونية أولئك الذين دوّنوا أباديعهم من خلال الرُقم والصحف القشيّة “ورق البردي” والألواح، حاكت تلكمُ السرائد تقاليدهم وآدابهم وطقوسهم ودياناتهم، وعكست طبيعة تجانس التاريخ بالحكاية والشعر والمسرح.
ولنا نمط آخر، كانت تُروى وقائع ملحمة الإسراء والمعراج على جُلاس الحضرة الصوفية في مناسبات احتفالية دينية، تُشارك في ترديدها ثُلة من المريدين الذين يدخلون في حالات النشوة والوجد والانفعال والبكاء، وقد تأثر “دانتي” بملحمة الإسراء والمعراج، فكتب “الكوميديا الإلهية” وتشابهت معها نصوص فارسية، مثل الملحمة الروحية “المزدكية” في معراج “اردافيراف” أواخر الأسرة الساسانية القرن (التاسع) الميلادي. ومن الاحتفالات الطقسية الدينية “عاشوراء” الممثلة لمقتل سبط النبي “الحُسين” (ع/س) بوصفه رمزاً بطولياً، ومُضحياً بذاته الفاضلة “جونيست”، ذلك بحمله آلام وعذابات الآخرين، والصبر على وجع الفجيعة، الحقيقة، هي مسرود يُروى استعادة مآسي تاريخية، تُفصح بجلاء عن “الثورة الحسينية” ضد الجور والظلم “الأنتي جونيست”، والتطلع إلى التغيير والإصلاح. وكذلك سريدة السيرة النبوية للرسول “محمد / ص” من خلال الأناشيد والمدائح والموالد النبوية، وليس من الصحة في شيء قط، أن مُجمل ما حكاه النُقاد، في أن الرواية التاريخية / السياسية حديثة العهد، بل تؤكد معظم السرديات الحديثة أنها تتناول القضايا ذات الطابع الاجتماعي الأكثر تاريخية، ونزعم بأن العرب والمكوّنات العرقية “القومية” الأخرى التي تعايشت مع العنصر العربي ضمن رقعة جغرافية إقليمية واحدة لم يعروا “التخييل الروائي السياسي” وكأن التفكير السياسي، كان يُقتصر على العقل السلطوي الحاكم، وأن التخييل الأدبي يقتصر على الفاكرة أو الذاكرة الشعبية.
ومن الملاحظ، أنه منذ فجر تاريخانية السرد الحكائي، تم تناول ظاهرة الصراع الذي نطلق عليه “المثنوي المتضاد”، مثل : صراع الإنسان مع الطبيعة، صراع الإنسان مع الآلهة، صراع الإنسان مع أخيه الإنسان، صراع الطبقات ..إلخ.
كذلك مساريد الروي التاريخية التي أخذت طرائق الأداء الطقسوي، في ملحمة “مقتل الحسين”، وسيّر القادة الذين صاغت بطولاتهم الأدبيات العربية (الزير سالم، أبو زيد الهلالي، سيف بن ذي يزن، عنترة..).، وحسبنا، فإن سير الأنبياء ملاحم درامية كبرى (موسى، يوسف، عيسى، محمد، وغيرهم..) وحتى مرويات ما سُميت بالمقامات لــ “بديع الزمان الهمذاني” و”الحريري” وحديث بن هشام. ومن الملاحظ كان يطغى عليه الطابع السياسي، وهناك نمط روائي آخر، هي الرواية المسرحية السياسية والتاريخية، قد اعتمدت الحوار “الديالوج”، المحور الناظم لمتن النص في صوغ مساريد الحدث.
وأول جنس أدبي روائي، تمثل بالمسرح، وتجلى على يد عباقرة أفذاذ من الشعب الإغريقي “اليوناني” أمثال (هوميروس، سوفوكليس، أسيخيلوس، يوروبيدس..) حتى العصر “الإلزابيثي” الذي ظهر فيه الشاعر والروائي الإنكليزي الكبير “ويليام شكسبير” (1564 ـــ 1616) للميلاد.
لما حاول العقل النقدي / الأدبي أن يتجاسر على طرح القضايا السياسية الأكثر إلحاحاً في أزماته وحاجاته واضطراباته في أدب الرواية، كان يُخفق للأسف. كون الرواية تنتقد بحدة الواقع المعيش، وتتبع طرائق الترميز لإيصال المعلومة وتعميمها على أوسع قطاع من العوام . غير أن الرقيب السلطوي، لم ينفك لحظة عن قمع هذا التظهير أو هذه الكشوف. ولهذا تعرّض الفكر والأدب والفن السياسي للقمع والمصادرة، فحاول البعض من كتاب الرواية السياسية التعبير عن أفكارهم عبر اللجوء إلى الرواية التاريخية، واتخذوها سبيلاً آمناً لطرح قضايا سياسية، وفكرية، وأيديولوجية. وباتت أزمة الحرية في أنساق مرويات الملاحم التاريخية موضع اهتمام الكتاب، خاصة ممن عانوا من أنظمة الحكم المتعددة، وأساليبها، وطرائق تعاملها سياسياً مع شعوبها.
في هذا السوق يجدر التنبيه إلى أن ثمة فوارق تميّز بين المؤرخ ومُبدع الرواية، منها، أن المؤرخ يسرد الحدث فحسب، بيد أن الراوي يعتمد في سرده على قواعد جوهرية أساسية في البناء النصي، أولاها: “مادة الحدث”، والثانية “الوصف” والثالثة “الأسلوب الفني” تعمل تُجسد القيم الجمالية. ولا مندوحة، قد يتخالط عنصر التخييل في الوصف بغرض تجميل الأسلوب، وتحفيز الذوقية الأدبية، وهذه من ضرورات السرد الأدبي ” الحكائي”، الذي يُميّزه عن المساريد التأريخية.
التمثُلات السياسية في فن الرواية الحديثة
قال الروائي “سعيد خطيبي”: ينطلق الرّوائي من النّقطة التي ينتهي عندها المؤرّخ. فالعلاقة بين الطّرفين ليست تكامليّة، بل في تضادّ. المؤرّخ ابتكر مهنته في كتابة التّاريخ الرّسمي، تاريخ السّلطة، بينما الرّوائي يكتب التّاريخ الآخر، تاريخ المنهزمين أو من أهملتهم سجالات حرس التّاريخ.. المؤرّخ مولع بالتدوين، بينما الرّوائي يستعين بالتّخييل. وإذا أخذنا الرواية التاريخية نجدها قد تأسّست في الوطن العربي على يد جورجي زيدان في بدايات القرن العشرين، على غرار الرواية التاريخية الغربية، وقد استبدل الباحث “عبد الله إبراهيم” “الرواية التاريخية” بما أسماه “التخييل التاريخي.
وتعد رواية “يوم قتل الزعيم” لـ “نجيب محفوظ”، النموذج التطبيقي الذي ينتقد من خلال ظروف شخصياته الرئيسية العصر الساداتي كله، ويلقون التهم على هذا العصر، باعتباره عصر الانفتاح الاقتصادي العشوائي. وإن كانت الرواية قد ارتبطت بالسياسة ونقدها للواقع الاجتماعي، وكشفها لتطلعات مأمولة بالثورة، ولا تمتلك مقومات التغيير، وليست من وظائفه، وعلى حد قول الروائي “جمال الغيطاني”: “يجب أن نعترف أن الأدب لن يغير الواقع المرير الذي نعيشه، فالذي يغيره هو السياسة، لكن الأدب عنصر من عناصر تحريك هذا الواقع”.أما “إيرفنج هاو”، فقد نظر إلى الرواية السياسية، بأنها تلعب فيها الأفكار السياسية الدور الغالب أو التحكمي، و”الروائي السياسي” هو من يجعل من الأفكار أو الأيديولوجيات مادة تتحرك داخل العمل الروائي من خلال الشخصيات على هيئة أفعال وتضحيات، وأن يظهر العلاقة بين النظرية والتجربة، ودون أن يجعل الأفكار المُجردة تفسد الناحية الفنية للرواية وتقضي على حيويتها. ومن بين النقاد العرب الذين رأوا أنها نزعة روائية تقوم على أطروحة الدعوة إلى أفكار سياسية معينة، وتنزع نحو نوع من الواقعية، ولا تتميز عن غيرها من الروايات سوى بتأكيدها على الحدث السياسي.
ومن أهم الروايات السياسية الغربية نجد (الأم) لمـاگـسيــم گـوركــي، و(الدون الهادئ) لتشولوخــوف التي تمجد صراع و نضال الطبقة العاملة والفلاحية لبناء الاشتراكية، و (الجريمة و العقاب) لدوستويفسكــي التي تدين الواقع السائد الطافح بالتناقضات.
ولكن ما يقابلها وجود روايات معارضة لهذا النظام الذي استهدف اضطهاد المثقفين وقمعهم
و سار على غرار شولوخــوف “ألكســي تولوستــوي” بروايته(دروب الآلام)، ومن كتاب الرواية السياسية الآخرين نذكر: موپاســان وإرنست هيمنگــواي في روايته الرائعة (لمن تقرع الأجراس؟)، و مالــرو، ورومــان رولان، و جــاك لنــدن.
لقد اتخذت الرواية العربية السياسية مساراً وطنياً مثل(عبد الكريم غلاب، مبارك ربيع، طاهر وطار..)، كما اتخذت مساراً قوميا للدفاع عن القضية الفلسطينية والدعوة إلى الوحدة العربية الإسلامية. لقد أصبح الموضوع القومي مدار تجارب روائية لبعض أبرز الروائيين كـ (نجيب محفوظ و فتحي غانم و عبد الرحمان الشرقاوي و جمال الغيطاني و يوسف القعيد و صنع الله إبراهيم في مصر، و صدقي إسماعيل ونبيل سليمان وأديب نحوي وهاني الراهب وحيدر حيدر والطاهر وطار وواسيني الأعرج في الجزائر، و عبد الكريم غلاب و مبارك ربيع في المغرب، و إلياس خوري في لبنان، و مؤنس الرزاز في الأردن…الخ، و الروائي السعودي ” عبد الرحمن منيف” في “مُدن الملح”، و والعراقي “عبد الرحمــن مجيد الربيعي” في روايته (الوشم)، و المصري “صُنع الله إبراهيم” في (اللجنة)، و “جمال الغيطاني في (الزيني بركات)، و “الطاهر وطار” في (الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي)، و “عمرو القاضي” في (البرزخ)، و “بنسالم حميش”، و (محن الفتن زين شامة)، و السوري” حيدر حيدر”، و”هدى بركات. وحيدر حيدر مرايا النار- وليمة لأعشاب البحر 1984م. وروايات السجن منها: رواية د. شاكر خصباك في (الحقد الأسود)، و نبيل سليمان في رواية (السجن)، وعبد الرحمن منيف في روايته السياسية (شرق المتوسط)، وصنع الله إبراهيم في (نجمة أغسطس)،و غالب هلسا في (الخماسين). يقول الروائي “عبد الرحمـن منيف” عن الرواية السياسية: إن هدفها الحقيقي هو تحقيق الديمقراطية”، ونلاحظ أن هناك كماً كبيراً من الروايات الممنوعة والملاحقة.
وفي هذا السوق رأينا تبيين ما للرواية الكوردية من باع متميز في أدب الشرق بالرغم من تأثرها بالرواية الغربية نتيجة التلاقح الثقافي المنفتح على أمداء الآداب الغربية المتعددة الرؤى والأساليب، ومحاكاتها للأدبيات الأسطورية في الشرق. يعتقد الروائي الكُردي السوري “جان دوست”: ” علينا أن نُفرق بين رواية تتخذ التاريخ مادة لها وبين رواية أخرى تتخذ بعض شخصيات التاريخ مادة يشتغل عليها الروائي”.
نخلص إلى القول: في زحمة الأحداث التاريخية الضخمة التي عاشتها شعوب القرن العشرين، وبخاصة الحربين العالميتين الأولى والثانية، وانفجار ثورة أكتوبر الروسية الكبرى عام (1917م)، وحركات التحرر الوطني في العالم، ظهرت توجهات حوّلت مسار الرواية، فدخلت في منعطفات مُثيرة للجدل، مما تجلى عنها شغف كبير لدى القراء والنقاد والكتاب، فمضوا يشتغلون على هذا الجنس الأدبي الجذاب، الذي ما فتىء يُعالج قضايا الناس عبر الرواية التاريخية / السياسية. وأخصّ بعض المكونات التي هاجرت وقطنت مدائن الشرق وتخالطت معهم ، وتمثلت تقاليدهم وثقافاتهم وآدابهم مثل( الجركس، الأرمن ، التركمان، الكورد…).
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.