الحرب العالميَّة الثّالثة… أسبابها، تجلّياتها، أشكالها الحرب على كردستان نموذجاً –
جميل رشيد
تمهيد:
يورد العديد من الباحثين والمؤرّخين أنَّ السَّبب المباشر لاندلاع الحرب العالميّة الأولى تَمثَّل في اغتيال وليّ عهد النمسا “فرانز فرديناند” مع زوجته من قبل طالب صربيّ يُدعى “غافريلو برينسيب” في 28 يونيو/ حزيران عام 1914 أثناء زيارتهما لسراييفو. إلا أنَّ الأسباب الحقيقيَّة كانت تكمن في أزمة الدّول الرَّأسماليَّة التي بدأت تفكّر وتخطّط لإعادة رسم خرائط سياسيّة جديدة في العالم، بعد أن وصلت أزماتها داخل حدود دولها “القوميّة” إلى مستوى لم يعد بإمكانها أن تتجاوزها إلا من خلال الحرب، مقابل وصول ما تطلق عليها اسم “المنافسة” السِّياسيّة، الاقتصاديّة والعسكريَّة بين الدّول الغربيّة إلى مستوى العداء المستفحل، وتشكيل تحالفين مضادَّين أثناء الحرب “دول التَّحالف ودول المحور”، يُفسِّر إلى حَدٍّ كبير التوجُّهات العدوانية ضُدَّ بعضها، لا لشيء؛ فقط لاختلاف مصالحها الاقتصاديّة، وأنَّه لا يمكن حلَّها إلا عن طريق الحروب، وفق المفكّر العسكريَّ الألمانيّ “كلاوزفيتز”.
الأمر لم يختلف كثيراً مع الأسباب التي أدَّت إلى نشوب الحرب العالميّة الثّانية. صعود “النّازيَّة” إلى سُدَّةِ الحكم في ألمانيا، غَيَّرَ التَّوازنات السِّياسيّة والعسكريَّة والاقتصاديّة في أوروبا عموماً، بالتَّزامن مع وصول “موسوليني” وحزبه الفاشي إلى الحكم في إيطاليا. الرَّأسماليَّة الغربيّة، وخاصَّةً الدّول المنتصرة في الحرب العالميّة الأولى لجأت بعد الحرب إلى اتّباع أسلوب الاستعمار المباشر للعديد من الدّول في العالم “انتداب، وصاية” كما حصل في عدد من دول الشَّرق الأوسط مثل “سوريا، العراق، فلسطين، الأردن..”، وعقد العديد من الاتّفاقيّات والمعاهدات على غرار اتّفاقيَّة “سيفر” في 10 أغسطس/ آب عام 1920 ومعاهدة “لوزان” في 24 يوليو/ تمّوز عام 1923 وقبلها اتّفاقيَّة “سايكس – بيكو”.
التيّاران “النّازيَّة والفاشيَّة” الصاعدان في قلب أوروبا، شكّلا خطراً يُهدِّدُ مستقبل الدّول الرَّأسماليَّة، إلى جانب الاتّحاد السّوفياتيّ الذي امتلك قوَّةً عسكريّة واقتصاديّة كبيرة، واستطاع أن يسير في طريق التَّنمية الاقتصاديّة وبناء منظومة تسليح عسكريّة تضاهي المنظومة الغربيّة في قوَّتها، وهذا ما أثبتته خلال الحرب العالميّة الثّانية.
إنَّ الحربين العالميّتين الأولى والثّانية، تسبَّبتا في دفع البشريَّة أكلافاً كبيرة من الدِّماء، فضلاً عن الخراب والدَّمار الذي حَلَّ بمعظم الدّول، وانقسام العالم بين منظومتين متعارضتين في توجُّهاتهما الإيديولوجيَّة والسِّياسيّة والاقتصاديّة، المنظومة الاشتراكيَّة بقيادة الاتّحاد السّوفياتيّ، والمنظومة الغربيّة بقيادة الولايات المتّحدة الأمريكيّة، التي تصدَّرت المشهد السِّياسيّ، الاقتصاديّ والعسكريَّ كقوَّة رأسماليَّة جديدة وصاعدة تقود العالم الرَّأسماليّ.
سادت فترة الحرب الباردة بين القطبين، الاشتراكيّ والرَّأسماليّ، بعد أن وضعت الحرب العالميّة الثّانية أوزارها، وبدأ كُلُّ قطب يطوّر من ترسانته العسكريَّة، وخاصَّةً الأسلحة النَّوويَّة، لردع الآخر وفرض نفوذه العالميّ في البحار والمحيطات، ما زاد من حِدَّةِ الاستقطاب بينهما، وكادت في حالات كثيرة تصل إلى شفير نشوب حرب نوويَّة، كما في أزمة الصَّواريخ الكوبيَّة عام 1962.
اتَّخذ القطبان مسار السلام المشوب بالحذر، ولم تصل الخلافات بينهما حول عدد من النِّزاعات العالميّة حَدَّ المواجهة المباشرة. ففي حروب العرب مع إسرائيل؛ لم تخرج التَّفاهمات بين الاتّحاد السّوفياتيّ والولايات المتّحدة عن سياق تأطير الحرب وتطويق آثارها، كيلا تتحوَّل إلى حرب عالميّة جديدة، ولم تصل ارتداداتها أبعد من دول المنطقة، وظلَّت محدودة التَّأثير لم تُغيّر من معادلات التَّوازن العالميّ بين القطبين.
حافظ القطبان على حالة التَّوازن والاستقرار النّسبيّ طيلة أكثر من سبعين عاماً، إلى أن بدأ الاتّحاد السّوفياتيّ ومعه دول المنظومة الاشتراكيَّة تعاني من أزمات اقتصاديّة واجتماعيَّة عميقة، مترافقة مع قمع الحُرّيّات وانغلاق أنظمتها على نفسها، ما أدّى إلى انطلاق ثورات داخليَّة تطالب بالتغيير والحُرّيّات والدّيمقراطيّة. فالأحداث التي شهدتها دول أوروبا الشَّرقيَّة الاشتراكيَّة، وكذلك الاتّحاد السّوفياتيّ، بداية من انهيار جدار برلين في عام 1989، وليس انتهاء بانهيار الاتّحاد السّوفياتيّ في 26 ديسمبر/ كانون الأول عام 1991، كافية لمعرفة التحولات والانهيارات الحاصلة في تلك الفترة وأسبابها أيضاً.
استفردت الولايات المتّحدة بقيادة العالم وفرض هيمنتها حتّى قبل انهيار الاتّحاد السّوفياتيّ، أو في فترة ضعفها، واتّجهت نحو التَّصعيد العسكريَّ، خصوصاً في منطقة الشَّرق الأوسط. فما إن وضعت الحرب العراقيّة – الإيرانيّة أوزارها، حتّى اندلعت حرب جديدة في المنطقة، وبدفع وتأييد من الدّول الغربيّة، تمثَّلت بالغزو العراقيّ للكويت واحتلاله لها، واعتبارها المحافظة التّاسعة عشرة التّابعة للعراق.
قادت الولايات المتّحدة الأمريكيّة تحالفاً ضَمَّ أكثر من ثلاثين دولة لمحاربة العراق، بذريعة تحرير الكويت، إلا أنَّ الأهداف والخُطط التي رسمتها الولايات المتّحدة والدّول الغربيّة، كانت تتجاوز تحرير الكويت، وتصل إلى إعادة رسم خريطة المنطقة، وبما يتوافق مع مصالحها الجديدة، بعد أن تصدَّرت بشكل أحاديٍّ قيادة العالم.
إنَّ الدّول الرَّأسماليَّة التي تعتاش على الأزمات والحروب؛ بدأت مع حرب الكويت (حرب الخليج الثّانية) إشعال فتيل حرب عالميّة ثالثة، ولاتزال الحرب مشتعلة إلى يومنا، بل تصاعدت أكثر لتأخذ أشكالاً متعدِّدة، وشكَّلت كُردستان مركزاً لهذه الحرب، كما هي على مَرِّ تاريخها الطويل.
سنحاول من خلال بحثنا هذا أن نستعرض الأسباب التي دفعت الدّول الغربيّة لإشعال الحرب العالميّة الثّالثة، كما سنبرز موقع كُردستان من هذه الحرب، ودور القوى التي تكافح من أجل تثبيت حقوق الشَّعب الكُرديّ المشروعة في خِضَمِّ هذه الحرب المفتوحة على كُلِّ الاحتمالات، كذلك سنعرّج على تطوّرات الحرب وارتداداتها على شعوب المنطقة، لنصل في نهايته إلى استنتاجات هامَّة لمآلات الحرب ومستقبل المنطقة في ظِلِّ التَّوازنات العسكريَّة والسِّياسيّة الرّاهنة.
الهدف من البحث:
الهدف الرَّئيسيّ للبحث كشف أهداف القوى التي تقود الحرب، وما هي سياساتها وخططها الإستراتيجيّة في المستقبل القريب والبعيد، وكيف أنَّها تتعامل بازدواجيَّة مفرطة مع قضايا الشُّعوب في التَّحرُّر والدّيمقراطيّة. وسنسلّط بشكل أساسيّ على كُردستان التي تحوَّلت جغرافيّتها مَرَّةً أخرى ساحة رئيسيَّة لهذه الحرب، وسنحاول إبراز دور وكفاح القوى الرَّئيسيَّة التي تدافع عن قيم الشُّعوب، ومن ضمنها الشَّعب الكُرديّ، وكذلك القوى التي انساقت مع مُخطَّطات قوى الحداثة الرَّأسماليَّة في تسعير أوّار الحرب، على المستويات السِّياسيّة، العسكريَّة، الاقتصاديّة، الثَّقافيّة والاجتماعيّة.
منهج البحث:
سنعتمد في بحثنا أسلوب التحرّي التّاريخيّ والتوثيقي لأحداث ومجريات الحرب الدّائرة، وسنركِّزُ بشكل أساسي على منطقة الشَّرق الأوسط وكُردستان، وتناولها عبر تحليل مساراتها والمنعطفات الهامَّة التي تمرُّ بها، إلى جانب توخّي الدِّقَّة في السَّرد، على أن يكون تتالي الأحداث وفق تسلسل زمنيٍّ منطقيٍّ، وتوثيقيٍّ، مع مراعاة أخذ جانب الحياديَّة في البحث، وشرح مواقف عِدَّةِ أطراف رئيسيَّة فيها، لجهة الأدوار التي تلعبها. كما سنستعرض أدوار الفاعلين الرَّئيسيّين وكذلك الوكلاء.
أسئلة البحث:
سنحاول خلال البحث طرح عِدَّةِ أسئلة هامَّة ومحوريَّة، تساعدنا في تسليط الضوء على الموضوع قيد البحث، وسنحاول الإجابة على تلك الأسئلة بموضوعيَّة قدر الإمكان، لعلَّها تعطي صورة واضحة عن الحرب التي تدور بكُلِّ قوَّتها، فالأسئلة الصحيحة تقودنا إلى الإجابات الصحيحة، وهي غاية وهدف البحث، ومن هذه الأسئلة:
1 – ما هي إرهاصات ومُقدِّمات ما قبل بدء الحرب؟
2 – هل الحرب هي في أحد أوجهها صراع عالميّ بين مفهوم أحاديَّة القطب، والقوى الأخرى السّاعية لأخذ مكانتها في المشهد العالميّ، أيّ صراع على النّفوذ وبين الأقطاب؟
3 – ما هي القوى الرَّئيسيَّة التي تقود هذه الحرب وتغذّيها؟
4 – ما موقع كُلٍّ من روسيّا والصّين في هذه الحرب؟
5 – ما هو موقع منطقة الشَّرق الأوسط في هذه الحرب، ولماذا يَتمُّ التُّركيز عليها؟
6 – ما هي أهميَّة كُردستان للقوى التي تقود الحرب، وما هي الخطط والإستراتيجيّات التي تُعِدُّها لها وعليها؟
7 – ما هي القوى الثَّوريَّة التي يمكن لها أن تُغيّر مسار الحرب لصالح الشُّعوب في نشر الدّيمقراطيّة والأمن والاستقرار في المنطقة والعالم؟
8 – هل المرحلة التي تَمُرُّ بها المنطقة “ربيع الشُّعوب” أو “الرَّبيع العربيّ” هي جزء من إستراتيجيّة الحرب العالميّة الثّالثة، أم إنَّها سياق ومسار مختلف عنها؟
9 – ما هو الدَّور التُّركيّ في هذه الحرب، وهل ستتمكن تركيا من خلال حربها في كُردستان أن تحقِّقَ أهدافها وطموحاتها في تحقيق مشاريعها الاستعماريَّة في توسيع نفوذها في المنطقة، أم ستدخل في حالة فوضى عارمة، وستتعرَّض لهزّات عنيفة رُبَّما تصل بها إلى الانقسام؟
10 – ما هو الدَّور الإيرانيّ في هذه الحرب، خصوصاً مع تصاعد نفوذها الإقليميّ وصراعها مع القوى الغربيّة، وهل ستتمكَّن من فرض وقائع مغايرة تتيح لها أن تبدّل التَّوازنات الرّاهنة في المنطقة، أم هي الأخرى ستتعرَّض لزلزال قويٍّ بفعل الصراعات الدّاخليَّة وتنامي قوَّة المعارضة الشَّعبيَّة لخططها وإستراتيجيّاتها؟
هناك العديد من الأسئلة الأخرى التي سنحاول أن نجيب عليها في سياق البحث.
المناخ السِّياسيّ والعسكريَّ ما قبل الحرب:
حافظ العالم بعد الحرب العالميّة الثّانية وحتّى منتصف ثمانينات القرن الماضي، على حالة من السِّلم واللا حرب المباشرة، بعد ظهور القطبيَّة الثُّنائيَّة، المنظومة الاشتراكيَّة بقيادة الاتّحاد السّوفياتيّ، ومعه “حلف وارسو”، والمنظومة الغربيّة بقيادة الولايات المتّحدة الأمريكيّة معزّزاً قوَّته بـ”حلف النّاتو”، واتّسمت تلك المرحلة بـ”الحرب الباردة” بين القطبين، لجهة السِّباق النَّوويّ بينهما، وزيادة كُلِّ قطب منهما من حجم ترسانتها العسكريَّة، وخاصَّةً النووية، إلا أنَّ حالة التَّوازن كانت سارية، رغم أنَّها كانت تتعرَّض للخروقات في بعض بقاع العالم، لكنَّها ظَلَّت مضبوطة على إيقاع التَّفاهمات بينهما، ولم تتطوَّر إلى حرب كونيَّة نوويَّة شاملة.
تراجعُ دور الاتّحاد السّوفياتيّ على المسرح العالميّ، بفعل التَّناقضات الداخلية بشكل رئيسيّ، أدّى إلى تصدُّر الولايات المتّحدة المشهد العالميّ، وتعزَّزَ هذا الدَّور أكثر مع انهيار الاتّحاد السّوفياتيّ في أوائل تسعينات القرن الماضي، ما أطلق يد القوى الغربيّة، وخاصَّةً الولايات المتّحدة في الاستفراد بزعامة العالم، ودون منازع.
ولا يخفى على أحد أنَّ العقيدة والإيديولوجية الرَّأسماليَّة بشكل عام، مبنية على الحرب في الحفاظ على مصالحها، وهي تستثمر الحروب والصراعات الدّوليَّة في تكريس هيمنتها، ولا يمكن لها أن تستمرَّ في فرض هيمنتها العالميّة إلا من خلال تلك الحروب والصراعات، ولا تجد نفسها إلا من خلالها.
إنَّ الخُطَط والإستراتيجيّات التي تُعِدُّها الدّول الرَّأسماليَّة، لا تأبه لمصير الدّول والشُّعوب، وهذا ما أثبتته تجربتها خلال الحرب العالميّة الثّانية. فلقد تسبَّب هتلر بمقتل أكثر من خمسين مليون من البشر، وتدمير معظم أوروبا، أكملتها الولايات المتّحدة باستخدام القنابل النَّوويَّة ضُدَّ اليابان في “ناغازاكي وهيروشيما”. فعقيدة وإيديولوجيَّة دول الحداثة الرَّأسماليَّة تعتمد أسلوب الإبادة كوسيلة أساسيَّة في فرض هيمنتها العالميّة، لتمثِّل أبشع حالات التجرُّد من الأخلاقيّات والسّلوكيّات الإنسانيّة في الحروب والنِّزاعات الدّوليَّة.
أدركت دول الحداثة الرَّأسماليَّة وعلى رأسها الولايات المتّحدة الفراغ الإستراتيجيّ العالميّ الحاصل قبيل انهيار الاتّحاد السّوفياتيّ، فحاولت بشتّى الأساليب استغلاله في إشعال حروب محلّيَّة، تفضي إلى حرب كونيَّة جديدة، وأعَدَّت لها خُططاً وإستراتيجيّات بعيدة المدى، تحقِّق لها أهدافها.
الفراغ الذي تركه انهيار الاتّحاد السّوفياتيّ، والانكسار في جبهات قوى اليسار وحركات التَّحرُّر العالميّة المرتبطة بالمنظومة الاشتراكيَّة ضمن ما كان يُطلق عليها “الأمميَّة الثّالثة/ الكومنتيرن”، أفسح المجال للقوى الدّينيَّة الرّاديكاليَّة بالصعود، خاصَّةً في الشَّرق الأوسط، وغذَّتها الدّول الرَّأسماليَّة، لتتصدَّر المشهد العسكريَّ وأحياناً السِّياسيّ والاجتماعيّ، وتتحوَّل إلى قوى إرهابيَّة تُهدِّدُ أمن واستقرار العالم أجمع، وهي الذَّريعة التي تُبرِّرُ للغرب التمدُّد عبر جيوشها وأساطيلها العسكريَّة في جميع بقاع العالم، تحت مُسمّى “الحفظ على السّلم الدّوليّ”.
تنظيمات “القاعدة” وحتّى “الإخوان المسلمين”، وجدت المناخ والبيئة المناسبة لها في الظهور للعلن، وإعادة ترميم نفسها، لتكون القوى الضاربة بيد الدّول الغربيّة في منطقة الشَّرق الأوسط والعالم. إنَّ دعم الولايات المتّحدة والغرب عموماً لتنظيم “القاعدة” في أفغانستان، بداية من خلال السّيناريو الهزيل الذي أخرجته، في مواجهة الاتّحاد السّوفياتيّ في أفغانستان، يفسر بوضوح الآليّات والوسائل التي تستخدمها الدّول الرَّأسماليَّة في فرض نفوذها العالميّ.
رغم ذلك؛ تشكّل منطقة ميزوبوتاميا “بلاد ما بين النَّهرين” منطقة جذب واستقطاب لكُلّ قوى الهيمنة العالميّة، نظراً لديناميّات قواها السِّياسيَّة والاجتماعيَّة، وغناها الثَّقافيّ، واستنادها إلى تاريخ وحضارة موغلة في القدم، يجعلها قادرة على تجديد مجتمعاتها لنفسها، وتغدو قوى تقود التغيير في المنطقة نحو غد أفضل. فالقوَّة الكمونيَّة لدى شعوب ميزوبوتاميا تولِّدُ مخاوف كثيرة لدى تلك الدّول، ومن بين تلك الشُّعوب الشَّعب الكُرديّ، لامتلاكه إضافة إلى عوامل القوَّة تلك، خاصيَّة المقاومة ضُدَّ قوى الغزو والهيمنة.
يعتبر معظم الباحثين في التّاريخ السِّياسيّ أنَّ الشَّرارة الرَّئيسيَّة للحرب العالميّة الثّالثة، أُطلقت مع الغزو العراقيّ للكويت في عام 1990، وتشكيل الولايات المتّحدة تحالفاً ضَمَّ نحو /34/ دولة، بزعم “تحرير الكويت من الاحتلال العراقيّ”، إلا أنَّ التَّحالف في جوهره شُكِّلَ بهدف فرض الهيمنة الأمريكيّة في منطقة الشَّرق الأوسط، خاصَّةً في الخليج العربيّ.
لقد وجدت الولايات المتّحدة وعموم الدّول الغربيّة حرب الخليج الثّانية، فرصة لها لتعود إلى المنطقة من البوّابة العسكريَّة، فحشدت معظم أساطيلها العسكريَّة وحاملات طائراتها، إضافة إلى إشراكها العديد من دول المنطقة، وخاصَّةً تركيا وبعض الدّول العربيّة التي كانت قبلها تُعادي السِّياسة الأمريكيّة في المنطقة. ولعبت قواعد حلف “النّاتو” في تركيا دوراً هامّاً ومحوريّاً في الحرب على العراق، ومعظم الطائرات الأمريكيّة كانت تنطلق من قاعدة “إنجرلك” في أضنه، كما أنَّ موانئها شكَّلت نقطة إمداد رئيسيَّة للأسطول السّادس الأمريكيّ العائم في البحر الأبيض المتوسِّط.
يقول أحد الباحثين الإستراتيجيّين في المنطقة بخصوص الدَّور الأمريكيّ في الخليج العربيّ “ظَلَّت منطقة الخليج – منذ أن خرج منها الاستعمار البريطانيّ بالتَّدريج إثر الحرب العالميّة الثّانية – منطقة حسّاسة بالنِّسبة للحسابات الإستراتيجيّة الأمريكيّة، وكان الغزو العراقيّ للكويت (حرب الخليج الثّانية) إحدى المحطّات التي تُبيّن جانباً من طبيعة التدخُّل الأمريكيّ في هذه المنطقة”.
الولايات المتّحدة كانت تُخطِّطُ للتدخُّل في منطقة الخليج العربيّ منذ أكثر من خمسين عاماً، كما يوضّح الضابط في الاستخبارات المركزية الأمريكيّة “ويلبر كرين إيفلاند” في مذكِّراته، والذي عمل في المنطقة نحو أربعين عاماً (1940 – 1980)، وهو الذي خَطَّط لعمليَّة “أجاكس” للانقلاب على الحكومة الوطنيَّة في إيران بقيادة رئيس الوزراء آنذاك “مُحمَّد مُصدَّق” عام 1953، كما يوضِّح في مذكراته، بعد أن أقدم “مُصدَّق” على تأميم النَّفط الإيرانيّ، وإخراج جميع الشَّركات الأجنبيَّة، خصوصاً البريطانيَّة من إيران. فكانت الولايات المتّحدة منذ ذلك الحين تخوضُ صراعاً مع الدّول الأوروبيَّة في الاستحواذ على النَّفط والغاز في المنطقة.
فحسب العقيدة والإيديولوجيَّة الأمريكيّة، أنَّ خارطة المنطقة التي سُطِّرَت بمسطرة “سايكس – بيكو”، إنَّما رُسِمت وفق متطلَّبات المصالح الإنكليزيَّة والفرنسيَّة في المنطقة، وترى أنَّه حان الوقت لإعادة رسم المنطقة وفق ما تفرضه المصالح الأمريكيّة في المنطقة والعالم. وهذا ما دفعها إلى إشعال فتيل حرب عالميّة ثالثة، وإعادة ترتيب الخرائط السِّياسيّة والجغرافيّة في منطقة الشَّرق الأوسط.
إنَّ حرب الخليج الثّانية، وحتّى الأولى “الحرب العراقيّة – الإيرانيّة” جاءت في سياق الخطط والبرامج التي أعَدَّتها الولايات المتّحدة لإشعال الحروب في المنطقة، ومزاحمة الدّول الأوروبيَّة في السَّيطرة على منابع النَّفط والغاز والطرق التِّجاريَّة. فأيُّ حربٍ بحاجة إلى إسناد نظريّ وتبريرٍ إيديولوجيٍّ، سياسيٍّ وفلسفيٍّ وخُطَطٍ إستراتيجيّة طويلة الأمد، كجزء من “الفلسفة الذَّرائعيَّة” التي طالما تتمسَّكُ بها الدّول الرَّأسماليَّة في تبرير مختلف حروبها العسكريَّة والاقتصاديّة والثَّقافيّة في العالم. ولقد اعتادت شعوب منطقة الشَّرق الأوسط وحركاتها التَّحرُّرية على اتّباع الدّول الغربيّة أساليب شرعنة حروبها في المنطقة تحت شعارات خادعة وبرّاقة من قبيل “حقوق الإنسان، إشاعة الدّيمقراطيّة، ترسيخ السِّلم العالميّ”، غير أنَّ أهدافها الرَّئيسيَّة هي في فرض وصايتها وهيمنتها على دول وشعوب المنطقة.
لم تفصح الولايات المتّحدة عن إستراتيجيّتها الجديدة في المنطقة، إلا بعد أن أنشأت عِدَّةَ مرتكزات وقواعد عسكريّة لها في المنطقة، مثل قاعدة “العديد” في قطر، والقاعدة العسكريَّة الأمريكيّة في مدينة “الظهران” بالمملكة العربيّة السُّعوديَّة التي لعبت دوراً كبيراً في حرب الخليج الثّانية. فقد كشفت وزيرة الخارجيَّة الأمريكيّة السّابقة “كونداليزا رايس” خلال مؤتمر صحفيّ لها في إسرائيل عن مشروع بلادها تحت اسم “الشَّرق الأوسط الجديد”، والمشروع بحدِّ ذاته إعلان عن الحرب العالميّة الثّالثة. ويَستمدُّ المشروع قوَّته من الانتشار العسكريَّ الواسع للولايات المتّحدة في منطقة الشَّرق الأوسط، وتحريكها لأدواتها السِّياسيّة، من دول وأنظمة المنطقة التّابعة لها، عبر تمهيد الطريق أمام إحداث تغييرات بنيويَّة في المنطقة تطال شعوبها وثقافتها وتركيبتها الاجتماعيّة. فالحرب العالميّة الثّالثة – وأيُّ حرب – تخلق معها فرصاً لهدم القيم القديمة، وبناء قيم يفرضها المنتصِر في الحرب. فإذا كان المفكّر والفيلسوف العالميّ “إنجلس” قد طرح فكرة أنَّ “العنف مولِّد كُلّ مجتمع جديد”؛ فإنَّ الولايات المتّحدة والدّول الغربيّة يبدو أنَّها فسَّرت نظرية “إنجلس” على نحو مغاير عن جوهرها، وتعاملت معها بانتقائيَّة، حيث اعتمدت أسلوب التَّدمير الشامل لكُلِّ الخصوصيّات الثَّقافيّة والفكريَّة والمجتمعيَّة لشعوب المنطقة، مقابل سيادة قيمها الاستهلاكيَّة السّوقيَّة، البعيدة عن الأخلاق والقيم الحضاريَّة لشعوب المنطقة.
بدأت الولايات المتّحدة تنفيذ مُخطَّطها في إرساء أسس مشروعها “الشَّرق الأوسط الجديد” عبر إدخال المنطقة في أتون حروب متعدِّدة الأشكال والاتّجاهات، حروب قوميَّة، عرقيَّة، إثنيَّة، دينيَّة، مذهبيَّة، اقتصاديّة، ثقافيَّة.. الخ. لتطلق شرارة حرب عالميّة ثالثة، معتمدة بالدَّرجة الأولى على استخدام التفوّق العالميّ لقوّتها العسكريَّة والاقتصاديَّة، وكذلك على منظومتها الإعلاميّة الواسعة والمتطوّرة والقويَّة.
وتستعرض دراسة لموقع “الجزيرة” حول عمليَّة “عاصفة الصَّحراء” بأنَّ الولايات المتّحدة التي قادت العمليَّة “استغرقت نحو 20 أسبوعاً من عمليَّة حشد القوّات في منطقة الخليج”، ثُمَّ أطلقت حملة جوّيَّة استمرَّت 6 أسابيع تلتها 4 أيام من القتال البرّيّ، ممّا أدّى إلى طرد آخر الجنود العراقيّين من الكويت في 28 فبراير/ شباط من عام 1991”.
وحول دور الولايات المتّحدة في تلك الحرب، تقول الدِّراسة “كانت عاصفة الصَّحراء نقطة تحوّل عسكريّة، إذ باتت الولايات المتّحدة القوة العسكريَّة العظمى بلا منازع في العالم، وقد لعب ذلك الصراع القصير دوراً في تسريع تفكّك الاتّحاد السّوفيّتي السّابق”.
استغلَّت الولايات المتّحدة حرب الخليج الثّانية، لتجري تجارب على أحدث أنواع أسلحتها وتكنولوجيتها “وقد شهدت حرب الخليج الأولى دخول الطائرة الشَّبح في العمليّات والتوجيه الدَّقيق للقذائف، كما شهدت أيضاً تنفيذ مفاهيم جديدة مثل “الحرب الموازية”، إذ دمَّرت أهداف عِدَّةَ في وقت واحد وليس بالتسلسل، وذلك بهدف التعمية والتشويش والتَّعطيل”. كما كانت الطائرات الأمريكيّة تشارك في عمليّات القصف انطلاقاً من مطارات بعيدة عنها آلاف الكيلومترات، مثل مطار “بلفاست” في إيرلندا، وكذلك من جزيرة “ديلاغارسيا” في المحيط الهنديّ، وكذلك كانت تنطلق من إسبانيا أيضاً. كما استخدمت – ولأوَّل مَرَّةٍ – قنابل “الفيول” في قصف القوّات العراقيّة، تلك القنابل التي وزنها نحو سبعة أطنان، وتتسبَّب في إحراق مساحات شاسعة، حيث كانت الطائرات العملاقة من طراز “B – 52” تحمل قنبلتين فقط وترميها في المناطق التي زرع فيها الجيش العراقيّ ألغاماً، وعملت على تنظيف وتطهير الأرض بشكل كامل، لأنَّ الحرارة التي تولّدها أثناء انفجارها تتجاوز /700/ درجة مئويَّة، وهي كفيلة بتحويل كُلِّ شيء على الأرض إلى رماد. كما استخدمت قنابل اليورانيوم المخضَّب في العراق، خاصَّةً في معركة مطار بغداد، بعد أن تكبَّدت خسائر كبيرة بعد مقتل عدد كبير من جنودها، فلجأت إلى استخدام هذا السِّلاح المحظور دوليّاً، للانتقام من مقتل جنودها، وهذا السِّلاح خلَّف دماراً هائلاً، رُبَّما آثاره موجودة إلى يومنا هذا. إنَّ دول الحداثة الرَّأسماليَّة لا تتوانى عن استخدام كُلِّ أنواع الأسلحة الفتّاكة والمحرَّمة دوليّاً في سبيل تحقيق النَّصر على أعدائها، وهذا ما تلجأ إليه الدّولة التُّركيّة دائماً في حربها على كُردستان، فهي تقصف جبال وقرى ومدن كُردستان بالأسلحة الكيماويَّة والفوسفوريَّة، خاصَّةً عقب هزيمتها في أيّ معركة مع قوّات الكريلا في جبال كُردستان.
اعتمدت الولايات المتّحدة – ولأوَّلِ مَرَّةٍ في تاريخ الحروب – على خوض الحرب العالميّة الثّالثة عبر ما يُسمّى “الجيل الخامس من الحروب”، باستخدام أحدث أنواع التكنولوجيا العسكريَّة لديها. ويوضّح أحد الخبراء العسكريَّين ذلك عبر القول “لقد وضعت حرب الخليج الثّانية مفهوماً جديداً للحرب؛ يقوم على الاعتماد الكُلّي على القوّات الجوّيّة والقصف الصّاروخيّ والتكنولوجيا العسكريَّة المتطوِّرة، وهو الأسلوب نفسه الذي اتَّبعته القوى الغربيّة بعد ذلك في مناطق أخرى مثل البلقان”. أي أنَّ الولايات المتّحدة، وبسبب تفوّقها التكنولوجيّ؛ كَرَّست فلسفة جديدة للحروب، ورأينا كيف كانت صواريخ “الكروز والتوماهوك” البالستيَّة تنطلق من قواعدها في مدينتي “جَدَّة والظهران” بالمملكة العربيّة السُّعوديَّة وتقصف منشآت عسكريّة وحيويَّة داخل العراق، وتعتمد على خاصيَّة التوجيه اللّيزريّ الدَّقيقة.
دور الإعلام في الحرب العالميّة الثّالثة:
سَخَّرَت الولايات المتّحدة والدّول الغربيّة جميع وسائل الإعلام (المكتوبة، المسموعة والمرئيَّة) في حروبها المتعدِّدة في العالم، وخصوصاً في الشَّرق الأوسط، واعتمدت أساليب التَّضليل وتشويه الحقائق، والتعمُّد في إخفاء حجم التَّدمير والخراب الكبير الذي تحدثه آلتها العسكريَّة على الأرض، عن طريق الفبركات الإعلاميّة ونقل وقائع مغايرة تماماً عن المجريات على الأرض. وبات الإعلام يلعب دوراً رياديّاً في توجيه المعارك، وكذلك في قيادة الحروب النَّفسيَّة الخاصَّةً ضُدَّ الخصوم والأعداء، بما فيها الشُّعوب. فإن كان يُعرف عن الإعلام بأنَّه وسيلة نقل الحقائق إلى الجمهور ومتابعة عمل الإدارات والحكومات؛ فإنَّه بات في الحرب العالميّة الثّالثة الأداة الأنجع في التحكُّم بسلوكيّات وأمزجة الشُّعوب وقيادتها نحو الأهداف التي رسمتها الدّول العظمى التي تدير الحرب.
غدت الحرب الإعلاميّة من أقوى الحروب التي تخوضها الدّول الرَّأسماليَّة، وتعتمد عليها في فرض سياساتها والتسلُّل عبرها إلى ثقافات الشُّعوب وتغييرها، خاصَّةً في عصر الإنترنت الذي حوَّلَ العالم إلى قرية صغيرة. وباتت الحرب في أحد أوجهها، تستند إلى سرعة نقل المعلومة وتحقيق ما يُسمّى “السبق الصحفي”، لتغدو المؤسَّسات الإعلاميّة في الدّول الغربيّة، وبحكم امتلاكها التكنولوجيا المتطوِّرة، تتحكَّم بتوجيه مسار الحرب وقلب الحقائق وتشويهها، وبما يتوافق مع مصالحها، وتتحوَّل إلى مصدر لكُل المعلومات التي تبثها عبر الأثير وتحتكرها أحياناً كثيرة، وتتجاوز سلطات الرَّقيب وتصل إلى المتابع بكُلِّ سهولة ويُسر، وترسم له صورة مختلفة، وتشدُّه إلى متابعتها ليُعِدَّها مصدراً موثوقاً للمتابعة، وأصبح لديها مختبرات إعلاميَّة تَضُمُّ خبراء ومستشارين في صناعة الأخبار والفبركات الإعلاميّة تتجاوز مهارة وحذاقة “غوبلز” لدى هتلر.
إنَّ السَّرديَّة السّابقة توضَّحت أكثر أثناء حرب الخليج الثّانية، حيث “وصفت عمليّات عاصفة الصَّحراء العسكريَّة بأوَّل حرب تلفزيونيَّة، إذ نقلت محطّات التلفزة في كُلِّ مكان منذ اللَّحظات الأولى لاندلاعها وحتّى نهايتها صور الصَّواريخ والطائرات الحربيَّة وهي تنطلق نحو أهدافها، وما تبعها من آثار الدمار والخراب”، لتبُثَّ الرَّعب في النّفوس، وتؤكِّد على التفوّق التكنولوجيّ العسكريَّ للغرب، وعلى رأسها الولايات المتّحدة، ما أحدث ثورة في مجال النَّقل التلفزيونيّ المباشر لوقائع الحرب. وادَّعت قيادة التَّحالف الدّوليَّ لحملة “عاصفة الصَّحراء” حينها حرصها “على استعراض ما وصفته بالدِقَّة المتناهية للصَّواريخ والقنابل المستخدمة في إصابة أهدافها”، فيما على الأرض كان الواقع مختلفاً، حيث الدمار الشامل واستهداف متعمد لمنشآت البنية التحتية العراقيّة. ففي قصف للطائرات الأمريكيّة لـ”ملجأ العامريَّة” في العاصمة العراقيّة بغداد، بواسطة طائرتين من نوع “إف – 17” تحمل قنابل ذكية، أدى إلى تدمير الملجأ بالكامل، وأسفر عن مقتل أكثر من /400/ مدني عراقي أغلبهم نساء وأطفال، وادعت قوّات التَّحالف بأن الرَّئيس العراقيّ صدام حسين كان يختبئ في الملجأ.
تستخدم القوى الغربيّة كل وسائلها التكنولوجية المتطورة، بما فيها الأقمار الصناعية في الحرب العالميَّة الثّالثة التي تقودها في العالم. ففي حرب الخليج الثّانية وما بعدها، أقحمت سلاح الطائرات المُسيَّرة، ولأوَّل مَرَّة تقريباً في حربها ضُدَّ خصومها المفترضين، وتمكَّنت عبرها من تحديد إحداثيّات النِّقاط والأماكن الحيويَّة لأعدائها، وحتّى الأشخاص، ليتُمَّ استهدافهم عن بُعْدٍ، دون أن تتكبَّد أيَّة خسائر بشريَّة تذكر.
غدا سلاح الطيران المُسيَّر الأكثر استخداماً في الحروب التي تدور رحاها في العالم، إن كان في الحرب الأوكرانيَّة أو الحرب الإسرائيليَّة في غزَّة، وبين حزب الله وإيران وإسرائيل. إلا أنَّ تركيا اعتمدت عليها بشكل رئيسيّ في حروبها المُتعدِّدة على الشَّعب الكُرديّ، إن كان في باشور، باكور أو روجآفاي كُردستان، وتفاخرت بأنَّها هي من تصنع تلك الطائرات وتُصدِّرها إلى دول عديدة، خاصَّةً الطائرة التي أطلقت عليها “بيرقدار”، في حين الحقيقة أنَّها تستورد جميع القطع من الخارج، فقط تقوم هي بتجميعها على أراضيها. وهذا يؤكِّد حقيقة أنَّ الدّول الغربيَّة تشارك تركيا في حربها على كُردستان والشَّعب الكُرديّ.
حتّى القوى الإرهابيّة تمكَّنت من امتلاك هذا السِّلاح المُدمِّر والغادر وغير المُكلف من النّاحية الماديَّة، فالحركات الإرهابيّة التي تشكَّلت في خِضَمِّ الأزمة السُّوريّة، مثل “جبهة النُّصرة”، تنظيم “داعش” والفصائل الموالية لتركيا استحوذت على تلك الطائرات ونفَّذت بواسطتها عمليّات إرهابيَّة، مثل استهداف الكُليَّة الحربيَّة في مدينة حمص، حيث راح ضحيَّتها مئات من تلاميذ الضُبّاط وأهاليهم في حفل تخرُّجهم. والدَّولة التُّركيَّة سَلَّمت تلك الحركات طائرات مُسيَّرة عديدة، وأصبحت عنصر تهديد لسوريا ومستقبلها. كذلك الميليشيات الموالية لإيران أيضاً حصلت على تلك الطائرات، في حين جماعة “أنصار الله الحوثي” في اليمن، باتت القوى الضاربة لإيران في المنطقة على غرار حزب الله، تُهدِّدُ حركة الملاحة البحريَّة في البحر الأحمر، إضافة إلى امتلاكها طائرات مُسيَّرة متطوِّرة، استطاعت أن تخترق أجواء عِدَّةِ دول وتصل إلى أجواء إسرائيل وتقصف عِدَّة أماكن عسكريّة وحيويَّة فيها.
كما أن جانباً آخر من الحرب الإعلاميّة تجلّى أكثر في الحرب العالميّة الثّالثة، وهو التَّضليل وتشويه الحقيقة من خلال زيادة الضَخِّ الإعلاميّ، وعبر جميع الوسائل، وخاصَّةً عبر الإنترنت ووسائل التَّواصل الاجتماعيّ، في التأثير على سلوكيّات النّاس، وإقناعهم بالرّوايات المُضلِّلة التي تُسوِّقُها عبر الإعلام، إن كان على صعيد نتيجة حروبها في العالم، أو في تقديم أخبار مفبركة تتعلَّق بالسياسات التي تنتهجها، فتدَّعي دائماً أنَّها تعمل على استبتاب السّلم والأمن الدّوليَّين، وتسعى إلى نشر الدّيمقراطيّة وثقافة حقوق الإنسان، وتعقد المؤتمرات والاجتماعات الإقليمية والدّوليَّة في سبيل التَّرويج وتسويق سياساتها، وتستعين بالإعلام كوسيلة لنشرها في العالم أجمع، في حين أنَّها في حقيقتها لا تغدو أكثر من شعارات خادعة، تموِّهُ بها أعمالها العدائيَّة ضُدَّ الشُّعوب، وظهرت هذه الحقيقة بشكل ساطع في الحروب التي تخوضها في الشَّرق الأوسط، وخصوصاً في كُردستان وفلسطين.
كُردستان في قلب الحرب العالميّة الثّالثة:
لقد كانت كُردستان على مَرِّ التّاريخ مركز الصراعات والحروب التي خاضتها الإمبراطوريّات الاستعماريَّة والقوى الاحتلاليَّة الغازية على منطقة الشَّرق الأوسط، ولم تشهد فترات استقرار إلا بشكل نسبيّ، ولفترات قصيرة، وهذه إحدى الأسباب التي حدت دون تشكيل دولة كُرديّة. جغرافيّة كُردستان التي تتوسَّط منطقة الشَّرق الأوسط، والتي هي حلقة وصل بين الشَّرق والغرب، اتَّجهت الأنظار نحوها منذ فجر التّاريخ, ومَرَّت عليها جحافل جيوش الإسكندر المقدونيّ، وكذلك شهدت أراضيها الصراع الدّامي بين الإمبراطوريّة الرّومانيَّة /الشَّرقيَّة/ البيزنطيَّة والفرس، وكذلك بين العرب والروم، ومن ثُمَّ بين السَّلاجقة الأتراك والرّوم خاصَّةً في معركة “ملاذ كرد” عام 1071 التي جرت في منطقة “موش” بباكور/ شمال كُردستان. كما أنَّ حروب الأمويّين والعبّاسيّين أيضاً أكثر وقائعها جرت على أراضي كُردستان، وكذلك حروب الدَّولة العثمانيّة “تشالديران ومرج دابق”، ومن بعدها حروب بريطانيا وفرنسا حول اقتسام الشَّرق الأوسط بينهما إثر انهيار الإمبراطوريّة العثمانيّة.
العقيدة الراسخة لدى معظم القوى الاستعماريَّة والاحتلاليَّة التي مَرَّت على الشَّرق الأوسط، وكذلك قوى الهيمنة الرَّأسماليَّة في عصرنا الحالي، هي أنَّ السَّيطرة على كُردستان والتَحكُّم بها، تُسهِّلُ عمليَّة فرض سيطرتها على الشَّرق الأوسط عموماً، وهذا هو السَّبب الذي دفعها لتقسيم جغرافيّة كُردستان بين أربعة كيانات في المنطقة.
فإذا كانت فلسطين قد استحوذت على جُلِّ الاهتمام العالميّ، سياسيّاً، عسكريّاً، اقتصاديّاً وإعلاميَّاً، بعد الحرب العالميّة الثّانية وإنشاء دولة إسرائيل عام 1948؛ فإنه بالمقابل مورست في كُردستان سياسة تعتيم إعلاميّ مطبق، خصوصاً بعد التَّوقيع على معاهدة “لوزان” عام 1923، وما تلاها من انتفاضات وثورات كُرديّة ضُدَّ الجمهوريَّة التُّركيّة التي أنشئت كإحدى المقرَّرات الرَّئيسيّة للمعاهدة المشؤومة على الكُرد. واستطاع أتاتورك والنُّخب القومويَّة التُّركيّة الحاكمة في تركيا، نسج تحالفات مع دول الغرب، ووضع تركيا تحت الوصاية الغربيّة، واكتملت دوائر التحكُّم بالجمهوريَّة التُّركيّة مع انضمام تركيا بشكل رسميّ إلى حلف شمال الأطلسيّ “النّاتو” في 18 فبراير/ شباط عام 1952، وأطلقت يد تركيا في انتفاضات وثورات الكُرد ومطالبهم في بحار من الدّماء، ولتتحوَّل تركيا إلى شرطيّ للبوَّابة الشَّرقية للنّاتو أمام الاتّحاد السّوفياتيّ.
أقوى أشكال الحرب الباردة بين حلفَي “واسو” و”النّاتو” دارت على أراضي كُردستان. ويذكر ضابط الاستخبارات البريطانيّ المشهور “كيم فيليبي” والذي أسَّس في أواسط أربعينات القرن الماضي “وكالة الاستخبارات المركزيَّة الأمريكيّة/ CIA” وساعده فيها الرَّئيس الأوَّل للوكالة “ألن فوستر دالاس” وكذلك شقيقه “جون فوستر دالاس” الذي عُيّن وزيراً للخارجيَّة؛ يذكر “فيليبي” كيف كانوا ينشطون في مناطق “وان، دوغو بيازيد” وغيرها من المناطق الكُرديَّة المتاخمة لحدود أرمينيا التي كانت حينها جزءاً من الاتّحاد السّوفياتيّ، وكيف كانت عناصرهم الاستخباراتيَّة تتسلَّل عبر تلك الحدود وبموافقة وإشراف من الحكومة التُّركيَّة. جعل حلف “النّاتو” جغرافيَّة باكور كُردستان الواقعة تحت الاحتلال التُّركيّ، الخاصرة الجنوبيَّة الحيويَّة له، وكان – ولايزال – يُعوِّل عليها كثيراً في إحداث اختراقات لحدود الاتّحاد السّوفياتيّ ومن بعده روسيا الآن.
بعد حرب الخليج الثّانية وإخراج العراق من الكويت؛ غزت مختلف أجهزة الاستخبارات العالميّة منطقة الشَّرق الأوسط، وركَّزت ثقلها الأكبر في كُردستان والعراق، والعديد من تلك الأجهزة أنشأت مقارَّ سرّيَّة لها في جنوب كُردستان، خاصَّةً بعد إنشاء المنطقة الآمنة فوق خطِّ العرض /10/ ومنع الجيش العراقيّ من دخول مناطق باشور كُردستان، وتعزَّزت هذه المراكز أكثر بعد الغزو الأمريكيّ للعراق في عام 2003، وانهيار نظام صدّام حسين. والهدف الرَّئيسيّ لعمل أجهزة الاستخبارات تلك هو مراقبة نضال وعمل حركة التحرُّر الوطنيَّة الكُردستانيّة بالدَّرجة الأولى، وكذلك مراقبة دول المنطقة انطلاقاً من كُردستان وجعلها نقطة ارتكاز رئيسيَّة في جميع أعمالها الاستخباراتيَّة والتجسّسيَّة.
إنَّ الحرب التي قادتها الولايات المتّحدة في العراق ضُدَّ نظام صدّام حسين ظاهريّاً؛ إنَّما كانت فاتحة الحرب العالميّة الثّالثة بعد حرب الخليج الثّانية (ما تُسمّى بحرب تحرير الكويت)، وكانت تهدف إلى فرض نظامها العالميّ الجديد عن طريق القوَّة العسكريَّة بالدَّرجة الأولى، لتُمهِّدَ الطريق أمام دخول الشَّركات الأمريكيّة لتسيطر على جميع منابع الطّاقة (الغاز والنَّفط) في المنطقة، وأيضاً للحفاظ على أمن واستقرار حليفتها الأولى “إسرائيل”.
سياسيّاً؛ تحاول الولايات المتّحدة تغيير النِّظام السِّياسيّ القائم في المنطقة, فحسب منظورها، وحسب ما أشار إليه المفكّر الإستراتيجيّ الأمريكيّ “صموئيل هنتنغتون” في كتابه “صِدام الحضارات” فإنَّ الحضارة الأمريكيَّة ستبقى متفوّقة على جميع الحضارات، بما تمتلكه من مقوّمات الاستمرار، القوّة العسكريَّة، الاقتصاديّة، الثَّقافيّة.. فهو يرسم صورة أقرب إلى العنصريَّة لمستقبل العالم بعدم إمكانيَّة مقاومة الحضارات الطرفيَّة الضعيفة الصمود أمام الحضارة الأمريكيَّة القويَّة، وهو ما يفتح الطريق أمام حرب عالميّة ثالثة شاملة لتفرض الولايات المتّحدة قيمها “الحضاريَّة” على العالم.
الوقائع التي يعيشها العالم، من حروب وصراعات ونزاعات في الشَّرق الأوسط وأوكرانيا، وحرب الدّولة التُّركيّة ضُدَّ الكُرد في جميع أجزاء كُردستان، ومناطق أخرى متوتّرة في العالم، وتفجّر الصراع مؤخَّراً بين الفلسطينيّين وإسرائيل، هي أشكال متعدِّدة للحرب العالميَّة الثّالثة.
فالحرب في كُردستان؛ إن كان في باشور، باكور أو روجآفا، ومن خلال تشابك خيوط الصراع فيها، ومشاركة قوى متعدِّدة بشكل مباشر أو غير مباشر فيها؛ فإن نتيجتها ستحدّد مصير المنطقة بأكملها. فإذا كانت دول الحداثة الرَّأسماليَّة قد وضعت مخطّطاً لإنهاء الصراع الفلسطينيّ – الإسرائيلي بصيغة “حَلّ الدّولتين”، فإنَّ الصراع بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين يسير إلى نهاياته، فيما الصراع يحتدم داخل كُردستان وعليها، في ظِلِّ الحرب الشّاملة للدَّولة التُّركيّة ضُدَّ الوجود الكُرديّ. وانطلاقاً من هذه الحقيقة المعاشة بكُلِّ تفاصيلها المأساويَّة على جغرافيّة كُردستان؛ تغدو الحرب العالميّة الثّالثة متمركزة في كُردستان بشكل أقوى من غيرها من مناطق الشَّرق الأوسط والعالم.
الحملات العسكريَّة المتعدِّدة للدَّولة التُّركيّة على مناطق الدِّفاع المشروع في باشور كُردستان، وكذلك في باكور وروجآفا، لم تكن لتتم لولا الدَّعم المفتوح لها من قبل حلف “النّاتو”. فالأخير يشارك في الحرب من خلال الدَّعم المفتوح الذي تقدّمه لتركيا. والحرب العالميّة الثّالثة تعتمد بشكل رئيسيّ على الصَّواريخ والطائرات المُسيَّرة والاستهداف من مسافات بعيدة جدّاً؛ والدّول الغربيَّة قدَّمت لتركيا أحدث تكنولوجيا الأسلحة، بل تشاركها في عمليّات الاستطلاع والرَّصد وتقدّم لها معلومات عن تحرّكات قوّات الكريلا، وتعتبر هذه من أقذر أنواع الحروب وأشدّها فتكاً ودماراً، خاصَّةً أنَّ جميع المتورّطين فيها منسلخون عن جميع القيم الأخلاقيَّة والإنسانيَّة.
تحالفات الدّولة التُّركيّة في المنطقة مع العديد من القوى؛ وعلى رأسها الحزب الدّيمقراطيّ الكُردستانيّ، ودخول العراق ضمن هذا التَّحالف تحت ضغط الابتزاز التُّركيّ من خلال قطع مياه نهري دجلة والفرات، واستخدامها المياه أداة في نيل موافقة العراق للمشاركة في حربها ضُدَّ الكُرد وحركة التَّحرُّر الوطنية الكُردستانيّة في باشور كُردستان، تُعَدُّ شكلاً فاضحاً للحرب العالميَّة الثّالثة في كُردستان.
الحرب المستعرة في باشور كُردستان بين قوّات الكريلا والجيش التُّركيّ، ومعه حلفاؤه، هي أقوى أشكال الحرب العالميّة الثّالثة وأشدَها وحشيَّة وهمجيَّة، وتظهر بكُلِّ جلاء أهداف القوى المشاركة فيها، والمتمثّلة بقمع حركات تحرُّر الشُّعوب السّاعية لتقرير مصيرها وبناء نظم ديمقراطيَّة في بلادها، إضافة إلى قطع الطريق على قوى النَّهب الرَّأسماليّ في سرقة ثرواتها الباطنيَّة والسَّطحيَّة، وتأتي حركة التَّحرُّر الوطنية الكُردستانيّة في مُقدِّمة القوى المكافحة لنيل الشُّعوب حُرّيَّتها واستعادتها قراراتها السِّياسيّة والاقتصاديَّة النّاجزة.
إنَّ الحرب الجارية على كُردستان تفوق في قوَّتها وتأثيراتها وأبعادها الحرب في غزَّة، فالصراع الفلسطينيّ – الإسرائيليّ الممتدّ إلى فترة ما قبل إنشاء دولة إسرائيل، إنَّما خرج عن سياقاته الأساسيَّة، وتحوَّل إلى صراع على النّفوذ والسُّلطة بين فصائل فلسطينيَّة تتّبع أجندات إقليميَّة ودوليَّة، وإسرائيل التي حافظت على دورها كشرطيّ متقدّم في المنطقة، تقمع حركات تحرّر الشُّعوب، وتغلق الطريق أمام أيّ تحوّل ديمقراطيّ، وهي في حالة تناغم كبير مع تركيا. فتدخُّل تركيا وإسرائيل في الحرب الدّائرة بالمنطقة؛ إنَّما يأتي ضمن سياق وظيفيّ لهما، وكُلُّ تحليل ورؤية خارج هذا المنظور تبقى خاطئة وقاصرة ولا تُعبِّر عن الحقيقة. فالحرب في كُردستان وعليها في جوهرها تُعيدُ إلى الأذهان ما جرى خلال الحربين العالميّتين الأولى والثّانية من تقسيم جغرافيّة كُردستان بين أربع دول، والآن يُراد تكرار ذات السيناريو، ولكن بأشكال وعناوين مختلفة، إلا أنَّها – أي الحرب – تخدم ذات الهدف؛ ألا وهو حرمان الشَّعب الكُرديّ من حقوقه. إيغال الدّولة التُّركيّة في حربها ضُدَّ الشَّعب الكُرديّ عبر استخدامها جميع صنوف الأسلحة الحديثة المُقدَّمة لها من حلف “النّاتو”، يكشف مخطَّط وماهية الحرب التي تَشُنُّها، لأنَّ استقرار كُردستان يقطع الطريق على جميع قوى النَّهب الرَّأسماليّ في تنفيذ مشاريعها. مشروع “طريق التَّنمية” الذي تعمل عليه تركيا بالتَّعاون مع العراق ودول أخرى، إنَّما يأتي في سياق المُخطَّطات التي تُعِدُّها تلك القوى والأطراف بعد أن تضع الحرب أوزارها في كُردستان والمنطقة.
الانطباع السائد لدى معظم قوى وحركات التَّحرُّر في المنطقة، أنَّ كُردستان من خلال ديناميكيَّة حركتها التَّحرُّريَّة، تُشكِّلُ أملاً لدى شعوب المنطقة في العبور إلى عالم خالٍ من الحروب، وتعبر من خلالها إلى امتلاك إرادتها والقدرة على إعادة بناء أوطانها وفق مفاهيم العيش المشترك وترسِّخ فيها أسس الدّيمقراطيَّة والعدالة الاجتماعيَّة.
إنَّ أحد أشكال الحرب العالميّة الثّالثة التي خَطَّطت لها الدّول الرَّأسماليَّة وأدخلت كُردستان في أتّونها؛ تمثّل في توجيه تنظيم “داعش” الإرهابيّ بوصلته نحوها. ما حصل في شنكال من عمليّات إبادة جماعيَّة وسَبْيٍ للنِّساء يُمثّل أبشع أنواع الحرب العالميَّة الثّالثة وأفظعها. فالدّول التي صنعت “داعش” خدمة لمصالحها في ديمومة الحرب على جغرافيّة كُردستان، جعلته تنظيماً وظيفيّاً يُنَفِذُّ ما عجزت عنه تلك القوى والأطراف عنه في النَّيل من مقاومة الشَّعب الكُرديّ في كفاحه من أجل حقوقه المشروعة. الدّولة التُّركيّة استخدمت تنظيم “داعش” الإرهابيّ ووجَّهته لمحاربة حركة التَّحرُّر الوطنية الكُردستانيّة؛ وفي جميع أجزاء كُردستان. فالدَّعم المفتوح الذي قدَّمته للتَّنظيم وعلى مرأى ومسمع الدّول الغربيّة؛ سمح له بالسَّيطرة على مساحات جغرافيّة واسعة في العراق وسوريا، وارتكاب مجازر وحشيَّة ضُدَّ شعوب المنطقة، وخاصَّةً ضُدَّ الكُرد الإيزيديّين في شنكال، ومن ثُمَّ سمحت له بشَنِّ هجماته على مناطق روجآفا وخاصَّةً كوباني. إلا أنَّ أسطورة “داعش” التي كانت تروِّج لها تركيا سقطت في كوباني، وبدأت فصول هزيمتها المدوّية تتالى في جميع مناطق روجآفا وشمال وشرق سوريا بمقاومة الشَّعب الكُرديّ ومعه جميع مكوّنات المنطقة.
الوحشيَّة التي ارتكبها تنظيم “داعش” الإرهابيّ في كوباني، لجهة التَّدمير الشّامل لكُلِّ أشكال الحياة، يشبه إلى حَدٍّ كبير ما ارتكبه الجيش التُّركيّ من مجازر وتدمير للمدن والقرى في باكور كُردستان مثل مدن “سور آمد، نصيبين، جزرة، شرناخ” إضافة إلى مئات القرى التي نزح منها أهاليها، واستخدم الجيش التُّركيّ الجرّافات في تسوية المنازل مع الأرض، بغية إطفاء جذوة المقاومة التي اندلعت في تلك المدن والقرى.
وقد أجرت القناة التلفزيونيَّة الألمانيَّة (DW) في عام 2016 تحقيقاً مصوَّراً في مدينة “نصيبين” بباكور كُردستان، أظهر التَّحقيق حجم الدَّمار في المدينة جرّاء عمليّات الجيش التُّركيّ فيها، وكذلك عرض مقاطع فيديو صُوِّرت سرّاً تظهر إطلاق عناصر الجيش تحت إشراف ضباط كبار النّار على الرِّجال والشباب وهم منبطحون على بطونهم وقد قُيّدت أيديهم خلف ظهورهم.
كما أنَّه أثناء عمليَّة غزو عفرين في 20 يناير/ كانون الثّاني، أصاب مقاتلو وحدات حماية الشَّعب دبّابة تركيَّة من طراز “ليوبارد” الألمانيَّة الصُّنع، ففرَّ الجنود الأتراك عناصر طاقمها، وعندما وصل إليها مقاتلو الوحدات، وحاولوا كثيراً تشغيلها إلا أنَّها لم تقلع، رغم وجود خبراء عسكريّين (مهندسين ميكانيكيّين) بين صفوف الوحدات، وفيما بعد جرى التأكيد أنَّ وزارة الدِّفاع الألمانيَّة قد أوقفت عمل الدبّابة عبر الأقمار الصِّناعيَّة عبر خدمة (GPS)، وهذا دليل دامغ أنَّ القوى الغربيَّة كانت مشاركة في العدوان على عفرين، ما يعزّز من القناعة أنَّ الحرب العالميَّة تدور على جغرافيّة كُردستان.
الحرب في غزَّة وعلى كُردستان:
هجوم حركة “حماس” الإخوانيَّة على إسرائيل في السّابع من أكتوبر/ تشرين الأوَّل من العام المنصرم، وما تلاه من حرب دمويَّة شرسة بين الطرفين، أطلقت يد الدّول الغربيَّة في دعم إسرائيل بكُلِّ أنواع الأسلحة والصَّواريخ والتكنولوجيا العسكريَّة الحديثة والمتطوّرة، وهي أيضاً شكل من أشكال الحرب العالميّة الثّالثة، وإن اختلفت العناوين والأهداف والأساليب. فحركة “حماس” التي تتحرَّك وفق أجندة التَّنظيم العالميّ للإخوان المسلمين، وتفاضل تلك الأجندة على النِّضال من أجل القضيَّة الفلسطينيَّة، أطلقت تلك الهجمات بأوامر من تركيا وإيران إلى حَدٍّ ما، لتدير حرباً بالوكالة نيابة عن إيران، وتدخل الشَّعب الفلسطينيّ في دوّامة العنف والحرب. فيما اتّبعت إسرائيل سياسة الأرض المحروقة ضُدَّ غزَّة وكذلك مدينة رفح الحدوديَّة مع مصر، لتقدّم لها “حماس” تلك الفرصة على طبق من ذهب.
رغم حجم الدَّمار الهائل في غزَّة وتهجير سُكّانها؛ إلا أنَّه لا يمكن مقارنة تلك الحرب بما ترتكبه تركيا من جرائم وحشيَّة في باشور/ جنوب كُردستان، حيث تستخدم فيها الأسلحة المُحرَّم استخدامها دوليّاً بما فيها الأسلحة الكيماويَّة، وكذلك القنابل شديدة الانفجار والتي تزن بالأطنان، إضافة إلى الإحراق المتعمَّد للغابات في جبال كُردستان. ففيما كانت بعض الأوساط الحقوقيَّة الإنسانيَّة تنتقد أسلوب إسرائيل في الحرب على غزَّة؛ فإنَّه بالمقابل يَتُمُّ غَضُّ النَّظر عن الجرائم التي ترتكبها تركيا في كُردستان.
فيما سلَّطت وسائل الإعلام العالميّة الضوء على كُلِّ تفصيل صغير في غزَّة، وهي – أي غزَّة – مفتوحة أمام عدسات كُلّ المصوّرين ومراسلي التلفزة العالميَّة، وتعامل إسرائيل مع الإعلام يختلف كلّيّاً مع تركيا، حيث لا تسمح تركيا بدخول وسائل الإعلام إلى مناطق كُردستان، فمنذ احتلالها لعفرين لم تسمح لأي وسيلة إعلاميَّة بالدّخول إليها لرصد انتهاكات قوّاتها ومرتزقتها فيها. فيما مناطق الحرب في باشور وباكور كُردستان مغلقة أمام دخول أيّ أطقم صحفيَّة وإعلاميَّة إليها لرصد المعارك بين الجيش التُّركيّ وقوّات الكريلا، وكذلك الأمر في روجآفاي كُردستان ومناطق شمال وشرق سوريا، ورغم وجود قوّات التَّحالف الدّوليَّة لمحاربة تنظيم “داعش” الإرهابيّ فيها؛ إلا أنَّها لا تُحرِّك ساكناً أمام استمرار القوّات التُّركيّة في استهداف المناطق الآهلة بالسُكّان عبر الطائرات الحربيَّة والمُسيَّرة والأسلحة الثَّقيلة، وكُلُّ يوم تُرتكب فيها جرائم قتل واستهداف المدنيّين، وتقصف منشآت البُنى التَّحتيَّة التي تُقدِّم خدماتها للسُكّان، مثل محطّات المياه والكهرباء والمشافي وحتّى المدارس. ولم يصدر عن التَّحالف الدّوليَّة والدّول الغربيّة أيّ تنديد بالهجمات، وهي في هذه الحالة تضفي غطاء من الشَّرعيَّة عليها، وهذه أيضاً تعتبر استمراراً للحرب العالميَّة الثّالثة في كُردستان.
عمليّات وقف إطلاق النّار التي أُعلنت بين إسرائيل وحركة “حماس” عِدَّةَ مَرّات، جاءت بموافقة ومشاركة الدّول الغربيّة وخاصَّةً الولايات المتّحدة الأمريكيّة، وبعض الدّول العربيَّة، التي تدفَّقت مساعداتها على أهالي غزَّة، فيما لم يلزم أيٌّ من تلك الأطراف تركيا بوقف لإطلاق النّار أو يمارس عليها أيَّ نوع من الضغوطات السِّياسيّة والدِّبلوماسيَّة في عدم التدخُّل في شؤون دول الجوار، حيث أنَّ إسرائيل تخوض حرباً ضُدَّ “حماس” ضمن جغرافيّتها، وتعمل على صَدِّ هجمات الأخيرة عليها، فيما تركيا تَحتلُّ مناطق شاسعة من أراضي سوريا والعراق وأقامت فيها قواعد عسكريَّة غير شرعيَّة، وتدخُّلها العسكريَّ المباشر في أراضي دولة جارة يُعَدُّ احتلالاً وفق توصيف القانون الدّوليَّ وشرعَة الأمم المتّحدة.
يمكن القول إنَّ الحرب العالميّة الثّالثة على كُردستان هي الأشرس والأكثر ضراوة، ودول الهيمنة والحداثة الرَّأسماليَّة تقف وراء الدّولة التُّركيّة في حربها على كُردستان والشَّعب الكُرديّ، وتُقدِّم لها كُلَّ أنواع المساعدات لاستمرار تلك الحرب خدمة لمصالحها في كُردستان والمنطقة. وقد قال المفكّر الكُرديّ “عبد الله أوجلان” في حديث له مع مجموعة من المثقَّفين الكُرد عام 1988، عندما سئل عن أسباب عدم تحقيق الثَّورة الكُرديّة انتصاراً ضُدَّ الدّولة التُّركيّة، في حين حقَّقت بعض الثَّورات العالميّة انتصارات ناجزة خلال سنوات قصيرة، فرَدَّ “أوجلان” بالقول: “جميع دول العالم تدعم الفاشية التُّركيّة، ولو انقطع الدَّعم عنها لمُدَّةِ شهرين أو ثلاثة؛ فإنَّها ستنهار تلقائيّاً، وحينها لا داعي لنضالنا وكفاحنا ضُدَّها”. فحتى في الانقلاب المزعوم على أردوغان عام 2016، أنقذته روسيا في اللَّحظات الأخيرة، رغم حالة العداء المستفحلة بينهما إثر إسقاط تركيا لطائرة روسيَّة في الأجواء السُّوريّة، وكذلك مقتل السَّفير الرّوسيّ في أنقرة.
معاهدة “لوزان” المشؤومة في يوليو/ تمّوز 1923، والتي أبرمت بين الدّول المنتصرة في الحرب العالميّة الأولى وبقايا الدّولة العثمانيّة المنهارة ممثَّلة بأعضاء في جمعية الاتّحاد والترقّي بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، أقرَّت إنشاء “الجمهورية التُّركيّة”، ومن ثُمَّ اندلاع الحرب العالميّة الثّانية، وما تلاها من اتّفاقيَّات بين القوى المنتصرة فيها، الاتّحاد السّوفياتيّ بقيادة ستالين والولايات المتّحدة الأمريكيّة بقيادة روزفلت وبريطانيا بقيادة تشرتشل، وتقسيم أوروبا بينهما في القمَّة التي عقدت بينهم في مالطا، كانت كُردستان في حينها وإلى الآن تعيش حروب إبادة مستمرّة. فالحرب لم تتوقَّف في كُردستان إلا خلال فترات نسبيَّة متقطّعة وقصيرة جدّاً.
إنَّ ماهية الحرب العالميَّة الثّالثة التي تخوضها تركيا ضُدَّ الشَّعب الكُرديّ في جميع أجزاء كُردستان وحتّى خارجها، تختلف عن بقيَّة الحروب في العالم، ونكاد لا نجد مثيلاً لها في التّاريخ أيضاً, فهي حرب إبادة عرقيَّة وثقافيَّة وديمغرافيَّة عبر اقتلاع شعب من أرضه وتهجيره بالقوَّة إلى أماكن أخرى، وخاصَّةً المتروبولات التُّركيّة وأوروبا، لتسهيل عمليَّة الصَّهر القوميّ. لقد عانت العديد من الشُّعوب من الاحتلال والاستعمار والغزو، ولكن لم نشهد أن اعتبر المُحتلُّ أراضي الدَّولة المُحتلَّة ملكاً له وامتداداً لجغرافيّته، وينكر على الشَّعب المُحتلَّة أراضيه ممارسة ثقافته ولغته وعاداته وتقاليده والاحتفال بأعياده الوطنيَّة والاعتداد بذاته. إسرائيل التي احتلَّت الأراضي الفلسطينيَّة سمحت للفلسطينيّين بالدّراسة بلغتهم الأم، والآن توجد ثلاث جامعات فلسطينيَّة في إسرائيل والأراضي المحتلَّة، فيما مارست الدّولة التُّركيّة – ولا تزال – سياسة الإنكار للوجود والثَّقافة واللُّغة الكُرديّة، حتّى غدا التحدُّث باللُّغة الكُرديّة في الشّارع والدَّوائر الحكوميَّة ممنوعاً وفق قانون سَنَّه البرلمان التُّركيّ، وأطلقوا على الكُرد اسم “أتراك الجبال”، فيما اعتبرت كُردستان جزءاً من أراضيها، أي أنَّه احتلال إلحاقي، يُلحق الأراضي التي يَحتلُّها ويدَّعي أنَّها ملك له. ومن جانب آخر أغرقت بالدِّماء جميع الثَّورات والانتفاضات الكُرديّة التي اندلعت بعد “لوزان”.
أشكال الحرب العالميَّة الثّالثة في كُردستان:
الحرب العالميّة الثّالثة في كُردستان بدأتها الدّولة التُّركيّة بإشعال جميع أجزاء كُردستان. ففي حين كانت تتوقَّع سقوط مدينة كوباني بيد تنظيم “داعش” الإرهابيّ عام 2014، أدارت وجهتها مَرَّةً أخرى نحو باكور كُردستان، خصوصاً بعد أن حقَّقَ حزب الشُّعوب الدّيمقراطيّ (HDP) انتصاراً كبيراً في الانتخابات البرلمانيَّة في يوليو/ تمّوز عام 2015، حيث فاز الحزب بـ/81/ مقعداً، ولم يستسغ أردوغان تلك النتائج بأن يرى كتلة برلمانيًّة للكُرد في البرلمان، فانقلب على نتائج الانتخابات، وشَنَّ حملة عسكريّة وحشيَّة وترهيبيَّة كبيرة في باكور، أسفرت عن إحراق خمسة مدن كبيرة، وقتل المئات من المدنيّين العُزَّل وتهجير ما تبقّى منهم. فمدينة “شرناخ” هجر منها جميع سُكّانها الكُرد الأصليّين، ولم يتبقَّ فيها غير عوائل جنودها وعناصر الشُّرطة وبعض من حُماة القرى التّابعين لها.
لم تكتفِ الدّولة التُّركيّة بقتل الحياة في باكور كُردستان، بل واصلت هجماتها على باشور أيضاً، فيما شَنَّت في صيف 2016، عمليَّة غزو في الأراضي السُّوريّة تحت مُسمّى “درع الفرات” واحتلَّت مناطق “جرابلس، الباب وإعزاز” لقطع الطريق أمام وحدات حماية الشَّعب وقوّات سوريا الدّيمقراطيّة وعدم تمكّنها من وصل مناطق كوباني مع عفرين.
قمَّة عداء تركيا للشَّعب الكُرديّ وإرادته، تجلَّت في غزوها لمنطقة عفرين في 20 يناير/ كانون الثّاني 2018، فهي حاولت أن تجعل من عفرين نموذجاً لعمليّات التَّطهير العرقيّ والإبادة، وتغيير ديمغرافيَّتها بتهجير سُكّانها الكُرد الأصليّين وتوطين عوائل مرتزقتها الإرهابيّين، والقضاء على كُلِّ ما يَمُتُّ للكُرد وثقافتهم في عفرين بصلة. إنَّ الحرب على عفرين؛ هي في حقيقتها تعبير مكثَّف للحرب العالميّة الثّالثة التي تشترك فيها جميع القوى المتحالفة مع الدّولة التُّركيّة. فيما عمليَّة غزو مدينتي “سري كانيه/ رأس العين” و”كري سبي/ تل أبيض”، تُعَدُّ هي الأخرى شكلاً فاضحاً من المساومات والصفقات التي تخوضها قوى الحداثة الرَّأسماليَّة بقيادة الولايات المتّحدة الأمريكيّة ضُدَّ إرادة الشُّعوب في التَّحرُّر.
والحرب الظالمة التي تشنها على باشور كُردستان، هي في جوهرها حرب بالوكالة عن الدّول العظمى، وإلا لما كانت قد تمكَّنت من الاستمرار فيها، فتلك الدّول تضفي المشروعيَّة عليها، ضمن إطار مخطّطات تقسيم الشَّرق الأوسط إلى مناطق نفوذ بين بعضها.
فلا يمكن بأيّ حال من الأحوال مقارنة الحرب في غزَّة بما يجري في كُردستان من تدمير للبشر والشَّجر والحجر والبيئة بشكل وحشيّ، فهي حرب منفلتة من القيم الأخلاقيَّة والإنسانيَّة، وتُمثّل قِمَّة البربريَّة في الحرب العالميّة الثّالثة وأبشع صورها.
كما أنَّ ما أطلق عليه “ربيع ثورات الشُّعوب” أو “الرَّبيع العربيّ”، تحوَّل هو الآخر إلى كابوس على رؤوس شعوب المنطقة، حيث انكشف عنه الغطاء الفكريّ والإيديولوجيّ والسِّياسيّ، بأنَّه جزء من الحرب العالميَّة الثّالثة في مصادرة قرار الشُّعوب نحو الحُرّيَّة والدّيمقراطيَّة، حيث استغلَّته حركات الإسلام السِّياسيّ بشكل قذر، خاصَّةً من قبل حركات الإخوان المسلمين في البلدان العربيَّة، لتحوّل ربيع شعوبها إلى شتاء، وتنسف حلمها في العيش بكرامة ضمن أوطانها، فهي كانت خير خادمة لأنظمة الاستبداد السِّياسيّ في المنطقة، وهي المسؤولة عن الكوارث التي حلَّت بشعوب المنطقة، خصوصاً بعد تحالفها مع تركيا. و”الرَّبيع المزعوم” استغلَّ من قبل دول الحداثة الرَّأسماليَّة لتزيد من حجم تدخّلها في شؤون دول المنطقة، وتمكَّنت من استمالة تلك الحركات الإسلاميَّة التي تصدَّرت المشهد السِّياسيّ والعسكريّ وتربطها بعجلتها، ما قوَّضَ أيَّ إمكانيَّة لإحراز انتصارات لصالح الشُّعوب أو تحقيق تقدَّم لوقف إراقة الدِّماء، وتجلّى هذا السّيناريو بأبشع أشكاله في سوريا، بعد أن حوَّلت جماعة “الإخوان المسلمين” وكُلّ التَّنظيمات الإرهابيَّة المتطرّفة التي رعتها؛ الصراع في سوريا إلى حرب طائفيَّة ومذهبيَّة مقيتة، وبهدف الوصول إلى السُّلطة فقط، لتدير ظهرها لحقوق الشَّعب في الحُرّيَّة والكرامة، ولا يزال هذا السّيناريو الدَّمويّ مستمرّاً بكُلّ بشاعته.
الخاتمة:
إنَّ الحرب العالميّة الثّالثة التي بدأت ملامحها الأولى بالظهور مع حرب الخليج الثّانية، فتحت الطريق أمام حرب استنزاف طويلة للقدرات السِّياسيّة، العسكريَّة، الاقتصاديّة، والثَّقافيّة للشُّعوب، خاصَّةً في منطقة الشَّرق الأوسط، ولتبدأ بعدها مرحلة التموّج وعدم الاستقرار، حيث زادت دول الحداثة الرَّأسماليَّة من حِدَّةِ التَّناقضات والصراعات الدّينيَّة والقوميّة والمذهبيَّة بين دول وشعوب المنطقة، واعتبرتها مدخلاً رئيسيّاً لفرض هيمنتها عليها. فنظام العالم الجديد الذي تحاول الولايات المتّحدة الأمريكيّة فرضه على العالم أجمع، تجد فيه بديلاً لكُلِّ التَّقسيمات الاستعماريَّة التي طالت الشَّرق الأوسط خلال القرن الماضي، وترى أنَّ معاهدة “لوزان” واتّفاقيَّة “سايكس – بيكو” التي قسَّمت المنطقة ورسمت الحدود السِّياسيّة والجغرافيّة للدّول القائمة حاليّاً، لا تُلبّي ضرورات ومطامح مصالحها الإستراتيجيّة في المنطقة، وهي تسعى إلى تغييرها عن طريق الحرب والقوَّة، عبر اللجوء إلى مختلف الأساليب اللا أخلاقيَّة واللا شرعيَّة، وتدعم أنظمة الاستبداد في المنطقة. وأولى المناطق المُستهدَفة هي كُردستان، وطناً وشعباً، ثقافة وجغرافيّة، ودول مثل تركيا وحلفائها في المنطقة، ما هي إلا أدوات بيد الدّول الغربيَّة.
ومثلما لكُلِّ حرب نهاية، وغالباً ما تنتهي برسم خرائط وأوضاع سياسيّة، اجتماعيَّة، اقتصاديَّة وثقافيَّة جديدة؛ فإنَّ الحرب العالميّة الثّالثة لا تزال مستمرّة في عِدَّةِ مناطق من العالم، وخاصَّةً في الشَّرق الأوسط. فما يُسمّى “الرَّبيع العربيّ” أو “ثورات ربيع الشُّعوب”، استغلَّته الدّول الغربيّة في زيادة تدخُّلها في المنطقة، وعلى كُلِّ المستويات، وأصبح جزءاً من الأزمات التي تَمُرُّ بها دول المنطقة، ولم يقدّم حلّاً لها، ودول الحداثة الرَّأسماليَّة دعمت أطرافاً متطرِّفة عمَّقت الانقسامات بين مجتمعات وشعوب المنطقة، وصلت لحَدِّ التَّناحر والحرب الأهليَّة، وهذا ديدن الدّول الرَّأسماليَّة، فهي تعتاش على الحروب والصراعات، ووجدت فيها فرصة تاريخيَّة لتحشيد قوّاتها العسكريَّة في المنطقة، ولتقيم فيها قواعدها العسكريَّة، وتَدفع المنطقة برُمَّتها نحو مزيد من الصراعات والحروب، وخاصَّةً في كُردستان والمشرق العربيّ.
المراجع:
________________________
1 – مذكّرات ضابط الاستخبارات الأمريكيّ “ويلبر كرين إيفلاند” الذي عمل في منطقة الشَّرق الأوسط من عام 1940 حتّى عام 1960 وأسَّس إذاعة “صوت العرب” وخطَّط للانقلاب على “مُحمَّد مصدَّق” وحكومته في إيران باسم عمليَّة “أجاكس”، وكذلك عن طريقه قدَّمَ شاه إيران الدَّعم للثَّورة الكُرديَّة بقيادة مصطفى البارزاني.
2 – فريدريك إنجلس “الدَّولة والعنف”.
3 – دراسة لموقع الجزيرة عن عاصفة الصحراء لتحرير الكويت.
4 – قصف ملجأ العامرية: أثناء معارك تحرير الكويت؛ وبتاريخ 13 فبراير/ شباط 1991، قصفت مقاتلتان أميركيَّتان أحد الملاجئ بحي “العامريَّة” وسط العاصمة بغداد بقنبلتين ذكيّتين صُنعتا خصيصًا لضرب الملاجئ الخرسانيّة، اخترقت أوَّلاهما السَّقف المحصّن، في حين وصلت الثّانية إلى داخله فأوقعتا معاً نحو /408/ قتلى، بينهم /261/ امرأة، و/52/ طفلاً.
5 – مذكّرات ضابط الاستخبارات البريطانيّ “كيم فيليبي” تحت عنوان “مذكَّراتي”.
6 – تحقيق مصوَّر للقناة التّلفزيونيَّة الألمانيَّة (DW) في عام 2016 حول المجازر التي ارتكبها الجيش التُّركيّ في مدينة “نصيبين”.
7 – متابعة وتحقيق إعلاميَّ من قبل مُعدّ المادة (جميل رشيد) حول تعطيل وزارة الدِّفاع الألمانيَّة من نوع (ليوبارد) المتطوّرة زجَّ بها الجيش التُّركيّ في غزو عفرين، وبعد إصابتها من قبل مقاتلي وحدات حماية الَِّعب، فرَّ الجنود الأتراك منها، وتركوها بين حقول الزَّيتون رغم أنَّها لم تصب بأذى نظراً للتَّصفيح القوي لها، وعندما حاول مقاتلو الحماية تشغيلها، إلا أنَّهم لم يتمكَّنوا منها، يتأكَّدوا فيما بعد أنَّ وزارة الدِّفاع الألمانيَّة عطَّلت نظام تشغيلها عبر نظام الـ(GPS) من خلال الأقمار الصِّناعيَّة.
8 – حديث للمفكّر الكُرديّ “عبد الله أوجلان” مع عدد من المثقّفين الكُرد في روجآفا عام 1988 حول دعم الدّول الغربيَّة لتركيا في حربها ضُدَّ الشَّعب الكُرديّ.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.