مجلة فكرية سياسية ثقافية تعنى بشؤون الشرق الأوسط

حقيقة الجوع في شمال وشرق سوريا، اقتصاد الحرب، وسبل الخلاص

 

حقي تكين

 

يشهد العالم حرب هيمنة كبرى، ولم تعد تُشَنّ هذه الحرب بالسلاح فحسب، بل بالسيطرة على الشعوب وموارد الطاقة والممرات التجارية، فمَن يسيطر على مصادر المياه والنفط والطرق لا يتحكم بالدول فحسب، بل يتحكم أيضاً بشكل مباشر بحياة المجتمعات، حيث تؤثر الأزمات الرأسمالية وتفاوتاتها واقتصاد حربها على البشرية جمعاء، لكنها تتجلى في الشرق الأوسط بأقسى صورها تدميراً.

كان الشرق الأوسط ساحة صراع بين القوى العالمية لعقود عدّة، حيث هُجِّر ملايين الناس في العراق وسوريا وفلسطين قسراً، ودُمّرت المدن، وانهارت الزراعة والصناعة، ولم يبقَ للشعوب سوى الفقر والجوع وتدهور المعنويات.

وسط هذا الدمار الهائل، يحاول شمال وشرق سوريا شقّ طريق مختلف بإدارته الذاتية، إلا أنّ الحصار، وعدم الاعتراف الدولي، والهجمات المستمرة، تُجبر السكان على الوقوع في براثن الجوع والفقر المدقع.

 

عتبة الجوع والفقر

عتبة الجوع هي الحد الأدنى من المال اللازم لسد احتياجات الأسرة من طعام وشراب، إذ يتم حسابها بناءً على سلة غذائية تتكون من مواد أساسية كالخبز والحبوب والبقوليات والخضراوات والزيت وبعض اللحوم ومنتجات الألبان، استناداً إلى متوسط ​​احتياجات الفرد اليومية من السعرات الحرارية، وهي 2100 سعرة حرارية، يُضاف إلى ذلك تكاليف الإيجار والوقود والدواء والكساء والمواصلات ووسائل التواصل، أي أنها تحدد الميزانية اللازمة لحياة كريمة.

في شمال وشرق سوريا، تنفق عائلة مكونة من 5-6 أفراد ما بين 3.7 و 4.3 مليون ليرة سورية (أي ما يعادل 350 و390 دولاراً أمريكياً) شهرياً على المأكل فقط. أما إذا أضفنا إلى ذلك الإيجار ومازوت التدفئة والأدوية والانترنت، فيبلغ الحد الأدنى لميزانية المعيشة من 4-5 ملايين ليرة سورية (أي ما يعادل 370 و450 دولاراً أمريكياً). وبالتالي يتراوح خط الفقر بين 5 و6 ملايين ليرة سورية (أي ما بين 450 و550 دولاراً أمريكياً).

اليوم، يبلغ راتب الموظف أو العامل 1.04 مليون ليرة سورية فقط (حوالي 95 دولاراً أمريكياً).

أي أن الأسرة ذات الدخل الواحد هي تحت خط الفقر بكثير.

تقترب الأسرة ذات الدخلين (أي حوالي 190 دولاراً أمريكياً) من خط الفقر، لكنها لا تزال بعيدة عن خط الفقر.

تستطيع الأسرة ذات الدخل الثلاثي (أي حوالي 285 دولاراً أمريكياً) بالكاد توفير الطعام، ولا تزال بعيدة عن خط الفقر.

بمعنى آخر؛ لا تزال الأُسَر تعيش تحت خط الفقر، حتى مع ارتفاع نسب الرواتب.

 

الهجمات المتتالية للحرب على الاقتصاد

لا ينبع الجوع في شمال وشرق سوريا من العجز الاقتصادي فحسب، بل أيضاً من الهجمات السياسية والعسكرية المباشرة، حيث تنتهج تركيا وجماعاتها الجهادية، استراتيجية استهداف الشعب لتقويض الإدارة الذاتية.

كانت محطة عَلوك للمياه في سري كانيه تُوفّر مياه الشرب لمنطقة واسعة، ولا سيما الحسكة، لكن بعد الغزو التركي، أغلقت تركيا الصمامات، تاركةً ملايين الناس بلا ماء، وقد استُخدم هذا كسلاح لتحريض الشعب ضد الإدارة الذاتية.

تم استهداف البنى التحتية الاقتصادية، من مصانع ومستودعات أغذية ومحطات طاقة ومرافق زراعية وحقول نفط، بدءاً من كوباني وإلى الحسكة، ومن القامشلي وصولاً إلى ديريك، وذلك بالغارات الجوية.

لم يكن ممكناً تصدير النفط الخام الذي يُعد أهم مورد في المنطقة، وعلاوة على ذلك؛ إنّ تضرُّر المنشآت النفطية نتيجة الهجمات، سبّبت أزمات كبرى حتى في الاستخدام المحلي.

تهدف هذه الهجمات المتتالية إلى تدمير الاقتصاد وكذلك إلى تحطيم معنويات الشعب وزعزعة الاستقرار السياسي.

المشكلة الداخلية، التجار الحُثالة، المرابون، المستغلون وتخريب السوق

لم يقتصر الأمر في بيئة الحرب، على ظاهرة الفقر فحسب، بل امتد إلى بروز طبقة التجار الحثالة، حيث كانت هذه الشريحة تتلاعب بالسوق وتثقل كاهل الشعب، رغم عدم مشاركتها في الإنتاج.

قاموا بتهريب المواد الغذائية والوقود ورفع الأسعار بشكل تعسفي.

أدى الاستهلاك الفاخر وارتفاع الإيجارات ونفقات الكسوة إلى ارتفاع المستوى العام للأسعار.

انخفضت القدرة الشرائية للشعب ذوي الدخل المتدني انخفاضاً كبيراً، وبالتالي تفاقم الفقر.

تُخلّ هذه الطبقة بجميع التوازنات الاجتماعية لتحقيق أرباح قصيرة الأجل، فهي تزيد العبء على الشعب، وتُقوّض الإنتاج، وتُفاقم فقر الفقراء من خلال التلاعب بالسوق.

في شمال وشرق سوريا؛ لا تُجبى الضرائب بسبب الوضع الصعب الذي يعيشه السكان أساساً، لكن رغم أن هذا يعد قراراً حكيماً لحماية الشعب، إلا أنه في نفس الوقت يعد انقطاعاً لدخل الإدارة المنتظَم.

تعتمد الرواتب على عائدات النفط المحدودة.

فبدون نظام ضريبي، لا يمكن استدامة الزيادات للرواتب.

لذلك؛ إما أن تبقى الرواتب منخفضة أو أن الزيادات الممنوحة تتلاشى بسرعة بسبب التضخم (الارتفاع المستمر في الأسعار وفقدان العملة لقيمتها الشرائية).

زيادة الرواتب، السيكولوجيا والواقع

بطبيعة الحال؛ يرغب الشعب في زيادة الرواتب، لأن الأسعار في ارتفاع مستمر، ومن المستحيل تلبية احتياجاتهم إذا بقيت الرواتب على حالها، حيث تُوفر زيادة الراتب راحة نفسية مؤقتة، أي رؤية المرء للمزيد من المال في جعبته قد تُشعره بالراحة.

لكن هذه الراحة لا تدوم طويلاً، فمادام ليس هنالك ازدياد في الإنتاج، سترتفع الأسعار بسرعة، وبالتالي يتلاشى الأمان الذي وفره الراتب في غضون شهر بل وأيام. بمعنى آخر؛ غالباً ما تكون زيادة الراتب مجرد حل مؤقت.

لذا إن المطلب الأساسي للشعب هو زيادة الرواتب. يؤدي نقص تطوير الإنتاج وقلة الموارد إلى ندرة السلع في السوق، مما يؤدي ارتفاع الأسعار بشكل أكبر، فعندما تكون الموارد شحيحة، يتزايد عجز الميزانية، بينما يُحتم الحصار ونقص الإنتاج المحلي من زيادة الاعتماد على المصادر الخارجية، مما يزيد من ارتفاع الأسعار باستمرار.

لذا إن رفع الرواتب ليس حلاً، بل على العكس يُوصل التضخم إلى ذروته، لأنه إذا لم يصاحب ارتفاع الرواتب، زيادة الإنتاج، سيظل السوق يعاني من الندرة، وسترتفع الأسعار أكثر، وفي هذه الحالة؛ سيبتلع التضخم هذه الزيادة في الرواتب.

علمياً؛ هذا يعد تضخماً؛ عندما يتوافر المال وتندر السلع، ترتفع الأسعار. إن مصدر التضخم في شمال وشرق سوريا ليس طباعة النقود، بل الانقطاع المستمر في الإنتاج بسبب الحرب والحصار.

 

التضامن وإجراءات لصالح الشعب

رغم هذا الوضع المزري، إلا أن هناك عوامل مهمة تمكّن شعب شمال وشرق سوريا من الصمود.

التعليم والرعاية الصحية مجانيان في معظم المناطق أو بأسعار رمزية.

لا تُجبى الضرائب.

الكهرباء والماء متوفران مجاناً في بعض المناطق.

هذه الإجراءات تُحافظ على معنويات الشعب، وتُبرز ما تقوم به الإدارة الذاتية من تقديرٍ للشعب. وهذا هو السبب الرئيسي لاستمرار الاستقرار الاجتماعي في وجه كل التحديات.

 

الهجرة وهجرة الأدمغة

إن الصعوبات الاقتصادية والحصار وانعدام الأمن في شمال وشرق سوريا لا تفاقِم الجوع والفقر فحسب، بل أيضاً تجبِر الشباب على الهجرة، فأولئك الذين يغادرون المنطقة بحثاً عن حياة أفضل، يتركون وراءهم فجوات كبيرة في القدرة الإنتاجية. كما أن هجرة الشباب المتعلمين والمهنيين تُعيق إنشاء شبكات الإنتاج المحلية. لذا إن مكافحة الجوع والفقر ليست مجرد مسألة أجور أو غذاء؛ بل هي في نفس الوقت مسألة استقرار وأمل في مستقبل يُمكّن الشعب من البقاء في أرضه.

الحل والإنتاج والتنظيم والتضامن

صورة شمال وشرق سوريا واضحة: الجوع والفقر هما نتاجٌ مشترك للهجمات الخارجية، وللحصار، وانتهازية التجار المحليين، وضعف الإنتاج، حيث أن زيادة الأجور لا تُحطم هذه السلسلة، فالحل يكمن في الإنتاج والتضامن المُنظم:

  1. الزراعة والتعاونيات والري والبيوت البلاستيكية والدعم بالبذور.
  2. تربية الماشية، المعامل الصغيرة للألبان، مشتقات الحليب.
  3. الصناعة، المطاحن، المخابز، معامل الصابون والزيوت، المصانع.
  4. الطاقة، مصافي النفط المحلية، الألواح الشمسية.
  5. إصلاح الآلات القديمة وإعادة تدويرها.

إنها خطوات صغيرة ولكنها فعالة ومن شأنها أن تؤدي إلى خفض الأسعار وخلق فرص العمل.

كنتيجة؛ شمال وشرق سوريا محاطٌ بالحرب والحصار والدمار والفقر، لكن مع ذلك ورغم حجم الضغوطات؛ تمكّن هذا الشعب من بناء إدارته الذاتية وتضامنه، فالتعليم والرعاية الصحية المجانيان والخدمات الرمزية خيرُ دليلٍ على ذلك.

الجوع ليس قدراً، ومن الممكن التغلب على هذا الوضع الذي خلقته سلاسل الحروب المهيمنة، والهجمات الخارجية، والطبقات الانتهازية داخل البلاد، وذلك من خلال التنظيم والإنتاج والتضحية. لذا؛ فإن زيادة الرواتب وحدها ليست حلّاً، بل يكمن الحل في الإنتاج المحلي والتنظيم والتضامن. وشعب شمال وشرق سوريا قادر على تحقيق ذلك.

 

كاتب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.