مجلة فكرية سياسية ثقافية تعنى بشؤون الشرق الأوسط

الأوجلانية والمجتمع الديمقراطي جدلية الفكر والممارسة في بناء المجتمع الأخلاقي – السياسي

 

 

أحمد بيرهات

مقدمة تحليلية:

في ظل الأزمات المتلاحقة التي تعصف بالعالم المعاصر، من الحروب المستمرة، والانهيارات الاقتصادية، والتدهور البيئي، إلى تفكك القيم الأخلاقية، تزداد الحاجة الملحّة إلى نماذج فكرية وسياسية جديدة قادرة على إعادة بناء المجتمعات على أسس أخلاقية وسياسية متينة.

وقد أثبتت التجربة التاريخية أن المنظومات السياسية المركزية، وخاصة الدولة القومية الحديثة، قد تحوّلت من مؤسسات “يُفترض” بها رعاية المجتمعات إلى أدوات قمع واستغلال، مكرّسةً الهيمنة باسم مفاهيم مشوّهة ومحرفة للحرية والديمقراطية، خصوصاً عبر أيديولوجية الليبرالية ذات النزعة الفردانية.

في هذا السياق، يبرز مشروع المفكر الكردي عبد الله أوجلان كواحد من أهم المشاريع الفكرية البديلة، إذ يقدم نقداً جذرياً للحداثة الرأسمالية، ويطرح رؤية لإعادة بناء المجتمع الديمقراطي من خلال نظرية “الحضارة الديمقراطية”.

يرتكز هذا التصور على ثنائية الأخلاق والسياسة كمرتكزين جوهريين لأي مجتمع ديمقراطي حقيقي، مؤكداً أن الحرية، والمساواة، والعدالة لا يمكن تحقيقها إلا عبر بعث القيم الأخلاقية والسياسية للمجتمع من جديد وبشكل معاصر.

يرى المفكر أوجلان أن انهيار النظم التقليدية وانكشاف أزماتها البنيوية يشكل فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الحياة الاجتماعية على أسس ديمقراطية، عبر الانتقال من نظم السيطرة الهرمية إلى نظم الإدارة الذاتية الديمقراطية، حيث تتجلى الإرادة الشعبية في تنظيم شؤونها بعيداً عن سلطة الدولة القومية ونظام الحداثة الرأسمالية.

يهدف هذا البحث إلى استكشاف الأسس الفلسفية والاجتماعية التي يقوم عليها مشروع إعادة بناء المجتمع الأخلاقي – السياسي (المجتمع الديمقراطي) وفق فلسفة المفكر عبد الله أوجلان، مع تحليل دور الأخلاق، والعدالة، والمساواة في إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية على نحو يضمن الاستدامة السياسية والبيئية.

كما يناقش البحث التحديات والعقبات التي تعترض هذا النموذج، سواء من البُنى الذهنية المركزية، أو من القوى الإقليمية والدولية المناهضة لأي تحول ديمقراطي حقيقي.

وسيتم تسليط الضوء أيضاً على تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا، باعتبارها أحد أبرز التطبيقات العملية لهذا التصور النظري، مع تقييم إنجازاتها والتحديات التي تواجهها، في ظل الواقع الإقليمي والدولي المعقد.

وسيتطرق البحث إلى أهمية بيان 27 شباط 2025، وعاملي الزمان والمكان فيه، إضافة إلى المخاض الصعب الذي يعيشه الشرق الأوسط، ودور هذا البيان في تأسيس الأرضية المناسبة لحل القضية الكردية، والتحديات التي تواجهها.

بناءً على ذلك، فإن هذا البحث لا يكتفي بطرح رؤية نقدية للواقع القائم، بل يسعى أيضاً إلى تقديم بدائل عملية وإستراتيجيات للتحول نحو مجتمع ديمقراطي (أخلاقي – سياسي) يستجيب لتحديات العصر الراهن.

فالمجتمع الديمقراطي ليس ترفاً فكرياً أو شعاراً سياسياً، بل ضرورة وجودية لضمان استمرار الحياة الإنسانية بروحها الأخلاقية والسياسية.

أسئلة البحث:

انطلاقاً من الإشكاليات النظرية والعملية التي يطرحها مشروع المفكّر عبد الله أوجلان لإعادة بناء المجتمع الأخلاقي – السياسي، يتمحور هذا البحث حول مجموعة من الأسئلة المركزية التي تسعى إلى تفكيك المفاهيم الأساسية وتحليل تطبيقاتها الواقعية:

1 – كيف تُعرّف مفاهيم الأخلاق والسياسة في الفكر الفلسفي والاجتماعي، وما موقعهما في البراديغما والرؤية الأوجلانية لبناء المجتمع الديمقراطي؟

2 – ما دور الأخلاق والسياسة في بلورة قيم العدالة والمساواة، وكيف تسهم هذه القيم في تأسيس المجتمع الديمقراطي الأخلاقي – السياسي؟

3 – ما هي أبرز التحديات الفكرية والسياسية والاجتماعية التي تعترض تحقيق نموذج المجتمع الأخلاقي – السياسي، خصوصاً في ظل الأوضاع الإقليمية والعالمية الراهنة؟

4 – كيف تُجسد رؤية الحضارة الديمقراطية عملياً ضمن تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا، وما هي إنجازاتها وإخفاقاتها؟

تشكل هذه الأسئلة وغيرها الإطار العام الذي سيُبنى عليه البحث، ومن خلال ست فصول، سعياً منا، لفهم الأبعاد النظرية والعملية لتحول المجتمع نحو نموذج ديمقراطي أصيل يستند إلى الأخلاق والسياسة كأساس بنيوي.

الفصل الأول: الإطار المفاهيمي والنظري

1 – تعريفات أساسية:

التعريفات الآتية لمصطلحات البحث ستوضح تعدد الرؤى حول المفاهيم الأساسية في ماهية وأُسس المجتمع الديمقراطي، مع إبراز وتوضيح الرؤية الأوجلانية في نقد الأنظمة المهيمنة وبناء البدائل المجتمعية.

الأخلاق:

تشكّل الأخلاق في الفكر الاجتماعي والفلسفي أحد الأعمدة الرئيسة لضمان تماسك المجتمعات واستدامتها.

يُعرِّف عالم الاجتماع إميل دوركايم (1858–1917) الأخلاق بأنها “نظام من القواعد الاجتماعية الملزمة التي تنظّم سلوك الأفراد لضمان التماسك المجتمعي”(1) بينما يرى عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (1864–1920) أن الأخلاق ترتبط بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية عبر ما أسماه “الأخلاق البروتستانتية” ودورها في تشكيل الروح الرأسمالية (2).

أما المفكر وعالم الاجتماع الكردي عبد الله أوجلان (1949–..) فيطرح تعريفاً مغايراً للأخلاق، إذ يعتبرها “التعبير الملموس عن حرية المجتمع وقدرته على مقاومة الهيمنة عبر قيم تشاركية” (3).

ويُعرّفها أيضاً بأنها “وحدة وتكامل المواقف التي سلكها المجتمع أثناء البدء بتشييده” (4).

بالتالي، فإن الأخلاق وفق الرؤية الأوجلانية ليست مجرد منظومة تقليدية للضبط الاجتماعي، بل قوة تحررية تُمكّن المجتمعات من الدفاع عن ذاتها والحفاظ على روحها الجماعية.

العدالة:

عرّف الفيلسوف اليوناني أرسطو (المعلم الأول) (384 ق.م –322 ق.م) العدالة بأنها “إعطاء كل فرد ما يستحقه وفق فضائله ومساهمته في المجتمع” (5)، بينما أعاد الفيلسوف الأميركي جون رولز (1919–2011) صياغة المفهوم عبر نظريته الشهيرة “نظرية العدالة”، مؤكداً أن العدالة تقوم على مبدأين:

  1. ضمان الحريات الأساسية.
  2. توزيع الموارد لصالح الأقل حظاً. (6)

أما في الفكر الأوجلاني، فإن العدالة تتجاوز المساواة الشكلية نحو “تناغم الاختلافات وضمان حق المجتمعات في الإدارة الذاتية الديمقراطية (شبه الاستقلال السياسي – الديمقراطي) دون قمع للهويات”، حيث يُصبح التنوع شرطاً أساسياً لتحقيق عدالة أصيلة. (7)

المجتمع الديمقراطي:

بحسب الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس (1929–..)، المجتمع الديمقراطي هو “مجتمع تُبنى فيه القرارات من خلال الفعل التواصلي والنقاش العقلاني الحر، بعيداً عن التسلط أو فرض الإرادة بالقوة” (8).

في حين يقدم عبد الله أوجلان تصوراً أكثر تحررية، حيث يرى أن المجتمع الديمقراطي هو الذي “يدير ذاته عبر مؤسسات شعبية (كومينات، مجالس) بعيداً عن احتكار الدولة القومية” (9)، مؤكداً على الإدارة الذاتية الديمقراطية كجوهر للحياة الديمقراطية الحقيقية.

المساواة:

بحسب المفكر وعالم الاقتصاد الألماني كارل ماركس (1818–1883)، فالمساواة الحقيقية “لا تتحقق إلا بإلغاء الطبقات الاجتماعية ووسائل الإنتاج الخاصة”.(10)

أما المفكر الهندي أمارتيا سين (1933–..) فيرى أن المساواة تعني “تمكين الأفراد من تحقيق القدرات الأساسية” (مثل الصحة، التعليم) لضمان حياة كريمة. (11)

أما عبد الله أوجلان فيرى أن المساواة ليست تجانساً قسرياً، بل اعتراف بالتنوع الثقافي والاقتصادي كأساس للتكامل المجتمعي. (12)

السياسة الديمقراطية:

عرفت المنظّرة السياسية الألمانية حنّه آرندت (1906–1975) السياسة بأنها “الفعل الحرّ” في الفضاء العام، حيث يشارك الأفراد في صنع القرار عبر الحوار. (13)

ويرى الفيلسوف وعالم اللسانيات الأميركي نعوم تشومسكي (1928-..) أن السياسة الديمقراطية تعني “تقليص هيمنة النخب الاقتصادية وتمكين المواطنين من التحكم بمصيرهم”.(14)

ويعرّف عبد الله أوجلان السياسة الديمقراطية بأنها “فن إدارة المجتمع لنفسه” عبر تجاوز السلطة الاحتكارية. (15)

الحداثة الرأسمالية:

يقول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891–1937)، صاحب مفهوم “المثقف العضوي”، إن الحداثة الرأسمالية تُسيطر عبر “الهيمنة الثقافية”، حيث تُروج النخب لقيمها كبديهيات. (16)

أما المنظر الاجتماعي والجغرافي البريطاني ديفيد هارفي (1935-..) فيعرف الحداثة الرأسمالية بأنها تعتمد على “التراكم المرن”، عبر خصخصة الموارد وتفكيك الروابط الاجتماعية. (17)

أما عبد الله أوجلان فيرى أن الحداثة الرأسمالية هي نظامٌ استعماري جديد، يمحو الهويات المحلية ويحول البشر إلى مستهلكين. (18)

الإيكولوجيا الاجتماعية:

يعرف الفيلسوف الأناركي الأميركي موراي بوكشين (1921–2006) الإيكولوجيا الاجتماعية بأنها: “تهدف إلى خلق توازن بين المجتمع والطبيعة، عبر ديمقراطية لامركزية”.(19)

أما عبد الله أوجلان فيضع الإيكولوجيا كجزء أساسي من نظريته “مانيفستو الحضارة الديمقراطية” بمجلداته الخمسة، حيث يُعيد بناء العلاقة مع الطبيعة كشريك لا كعدو، ويحتل مفهوم الإيكولوجيا الترتيب الثالث في مشروعه، بعد مصطلحي الأخلاق والسياسة.

  1. الخلفية الفلسفية لمصطلحات البحث باقتضاب:

الفلاسفة الكلاسيكيون:

جان جاك روسو: طرح الأديب والكاتب الفرنسي جان جاك روسو (1712–1778) مفهوم “الإرادة العامة” كأساس للشرعية السياسية، مشدداً على ضرورة سيادة الشعب عبر عقد اجتماعي أخلاقي.

إيمانويل كانط: ربط الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724–1804) بين الحرية والكرامة الإنسانية، معتبراً أن القيم الأخلاقية هي أساس كل تعاقد اجتماعي سليم.

كارل ماركس: انتقد الديمقراطية الشكلية وركّز على العدالة الاجتماعية كشرط أساسي لتحقيق الحرية الفعلية، محذراً من سيطرة المصالح الاقتصادية على الحياة العامة.

أنطونيو غرامشي: سلّط الضوء على الهيمنة الثقافية كأداة خفية للسيطرة الطبقية، داعياً إلى بناء وعي جمعي تحرري.

المفكرون المعاصرون:

يورغن هابرماس: طوّر مفهوم الديمقراطية التداولية، حيث تكون الشرعية السياسية نتاجاً للنقاش العقلاني الحر بين المواطنين.

موراي بوكشين: أسّس مفهوم “الإيكولوجيا الاجتماعية”، ودعا إلى إنشاء مجتمعات لامركزية، بيئية، وديمقراطية كبديل عن الدولة القومية الصناعية.

رؤية عبد الله أوجلان:

استفاد عبد الله أوجلان من التراث الفلسفي والاجتماعي العالمي، ليصوغ رؤية نقدية شاملة للحداثة الرأسمالية، مؤكداً أن الدولة القومية الحديثة تشكل أداة أساسية للسيطرة والاضطهاد. وبدلاً من ذلك، طرح نظرية “الأمة الديمقراطية” كأساس لبناء مجتمع تعددي قائم على العدالة الاجتماعية، الإدارة الذاتية الديمقراطية، والانسجام البيئي.

وترتكز رؤيته إلى إعادة الاعتبار للأخلاق والسياسة كوظيفتين متلازمتين في الحياة الاجتماعية، معتبراً أن غيابهما يحوّل المجتمعات إلى تجمعات آلية فاقدة للحيوية الإنسانية.

خلاصة الفصل:

يُؤسس هذا الاستعراض الإطار المفاهيمي والنظري لفهم المجتمع الديمقراطي الأخلاقي – السياسي باعتباره استمرارية عضوية للمجتمع الطبيعي، لا قطيعة معه، ويُعد التناغم بين الأخلاق والسياسة، والعدالة والمساواة، وهو الطريق الأنجع لبناء حياة جماعية تحترم التنوع وتؤمن الحرية الفعلية لجميع أفرادها ومكوّناتها.

الفصل الثاني: المجتمع الأخلاقي – السياسي في فكر أوجلان:

1 – الأخلاق كمحور تأسيسي:

تُعدّ الأخلاق في الفكر الأوجلاني حجر الزاوية لأي مشروع تحرري يروم ويهدف إلى بناء مجتمع ديمقراطي. فهي ليست منظومة قيمية منفصلة عن الواقع، بل تُشكل جوهر الوجود الاجتماعي ذاته، باعتبارها التعبير الأصيل عن إرادة الجماعة الحرة.

يرى أوجلان أن الأخلاق هي الضامن الحيوي لاستمرار المجتمع ككيان مقاوم للهيمنة، إذ تُشكل الأخلاق حاضنة لقيم المساواة والحرية، عبر تثبيت معايير التعاون، والعدالة، واحترام الكرامة الإنسانية، وفي هذا السياق، تكون الأخلاق مصدراً للشرعية السياسية، إذ لا تُستمد شرعية المؤسسات من القوة أو القانون الوضعي وحده، بل من الاعتراف الأخلاقي المتبادل بين أفراد المجتمع.

يلتقي هذا الطرح مع يورغن هابرماس الذي يرى أن “التواصل العقلاني” هو أساس الشرعية في المجتمعات الديمقراطية.

بالنسبة لأوجلان، الأخلاق أيضاً تُشكل خط الدفاع الأول ضد الاستبداد، فبقدر ما تحتفظ المجتمعات بقيمها الأخلاقية، بقدر ما تصعب مهمة نشوء السلطويات والقهر الطبقي والسياسي.

2 – السياسة كفعل تحرري:

السياسة في فكر أوجلان ليست ممارسة سلطوية فوقية، بل هي فعل تحرري شعبي ينبع من التنظيم الذاتي الحر للمجتمع.

فالسياسة تعني هنا “فن إدارة المجتمع لنفسه”، عبر المجالس والكومينات والمبادرات الشعبية، حيث تتجسّد الإرادة الجمعية بصورة مباشرة وحيوية.

يؤكد أوجلان أن السياسة المجتمعية الديمقراطية هي الوسيلة الأنجع لمواجهة الدولة القومية والرأسمالية، باعتبارهما تجسيداً لمأسسة السلطة والهيمنة.

لذا، يربط أوجلان بين السياسة والأخلاق بشكل جدلي، حيث تقوم السياسة الديمقراطية بتجديد الإطار الأخلاقي باستمرار عبر القرارات الجماعية الحرة.

تتحقق السياسة التحررية عندما تكون ديمقراطية في مضمونها، لا إدارية بيروقراطية خاضعة للسلطة، بمعنى أن تكون السياسة مجالاً لتوسيع الحريات وتحقيق العدالة والمساواة، لا مجرد إدارة لمصالح نخب معيّنة.

ولا يمكننا التغافل عن أنه:

“هناك علاقة جوهرية بين المجتمع الأخلاقي والسياسي مع (مصطلحي) الفضيلة والسعادة والصواب والجمال من جهة، والحرية والمساواة والديمقراطية من الجهة الثانية”.

فالفضيلة والسعادة تشكلان أصلاً جوهر الأخلاق، والصواب معني بالحقيقة.

فالبحث عن الحقيقة خارج نطاق المجتمع الأخلاقي والسياسي مجرد عبث.

فهنالك علاقة بين صفات الإنسان الأخلاقي والسياسي والعثور على الحقيقة.

فالجمال لا يُعتبر جمالاً إذا كان خارج المجتمع الأخلاقي والسياسي، فالجمال أخلاقي وسياسي، وكذلك الحرية والمساواة والديمقراطية هي بقدر المجتمع الأخلاقي.

يستحيل القضاء على الأخلاق والسياسة كلياً في أي من المجتمعات، لكن قد يُضيق الخناق على وظائفهما إلى أبعد حد (كما يُلاحظ ويُشاهد في عصرنا)، ووصولهما لأوجهما في ظل الدولة القومية ضمن مجتمع الحداثة الرأسمالية”. (20)

3 – قضايا الأخلاق والسياسة الديمقراطية:

يتطرق أوجلان في المجلدين الثالث والرابع من مانيفستو الحضارة الديمقراطية إلى قضايا الأخلاق والسياسة الديمقراطية، فيقول:

“الطبيعة الاجتماعية تبدي تطورها كظاهرتين: أخلاقية وسياسية، فلا وجود للمجتمع من دون الأخلاق والسياسة، وإن تواجد فلن يتعدى في معناه ركاماً هلامياً، وسيكون مسخرة لمجتمعات أخرى، واستحالة سيرورة المجتمع بلا توالد ومأمن ومأكل، فإني أقول بأنه لا مجتمع بدون أخلاق أيضاً”.

فالسياسة مصطلح مختلف نوعاً ما، فإنها مرتبطة بالأخلاق عن كثب، وما يميزها أنها ممارسة عملية يومية، وهنا يمكن القول إن:

الأخلاق تقوم بوظيفتها كتقاليد على شكل قوالب معيارية، أما السياسة فتعني كلية القرارات المتخذة بشأن القضايا التي تواجه المجتمع يومياً، وكلاهما يُغذي الآخر، ولا يمكن الفصل بين المصطلحين، وفق المعادلة الأوجلانية الآتية:

“بينما تُعرض الأخلاق الإطار للسياسة على الصعيد التقليدي، فإن السياسة تقوم بتوسيع وتعميق الإطار على الدوام من خلال قراراتها الجديدة التي تؤدي وظائفها.”

الديمقراطية أيضاً تُضاف إلى كلا المصطلحين؛ فيستحيل التفكير بمجتمع دون ديمقراطية، وإن وجدت فهي عاجزة عن التعبير عن ذاتها.

فالسياسة تتخذ القرارات، ووظيفة الديمقراطية أن تُعبر عن مشاركتها في السياق كقوة تعبيرية وتنظيمية للمجتمع المعني برمته.

فالسياسة ديمقراطية في مضمونها، والسياسة الحقيقية هي السياسة الديمقراطية. أما ما تمارسه السلطة والدولة الهرمية فليست سياسة، بل قواعد إدارية أُحادية لمصالحها. بالضرورة يجب أن تكون السياسة ديمقراطية وأخلاقية، فهناك جدلية وحتمية بين المصطلحات الثلاث.

المعادلة الأوجلانية هي:

لا يمكن لمجتمع أن يكون سياسياً في حال غياب الديمقراطية، ولا يمكن أن يكون أخلاقياً في حال غياب السياسة. وبقدر تنامي ثالوث المدنية (المدينة – الطبقة – السلطة)، فإن الأخلاق والسياسة الديمقراطية تشهد تراجعاً. فالثالوث المجتمعي (الطاقة الكامنة للديمقراطية والأخلاق والسياسة) دعامات أساسية للمجتمع.

ويُضيف أوجلان:

“وجود قضايا الأخلاق والسياسة والديمقراطية الجادة، يشير إلى مدى قوة طاقتها الكامنة. هناك حاجة ماسة إلى الأخلاق والسياسة والديمقراطية، ولا يمكن التعبير عن الواقع المعاش إلا بهذا المنوال”. (21)

“فالمجتمع الذي يدافع عن ذاته بالسياسة الديمقراطية يُصير ذاته مجتمعاً ديمقراطياً عصرياً من خلال تفعيل نسيجه السياسي، أما المجتمع الديمقراطي العصري بدوره يثبت تفوقه من خلال إحيائه الاختلاف والتعددية الثقافية وإنعاشه للمساواة تأسيساً على ذلك. وبوصفه مجتمعاً يفكر ويناقش شؤونه الاجتماعية ويتخذ قراراته بشأنها لإدراجها حيّز التنفيذ؛ فالعصرانية الديمقراطية لا تكتفي بخوض الصراع الطبقي على أساس سليم، بل هي في الوقت نفسه لا تخنق مجتمعها بخلق سلطة أو دولة جديدة (عكس الاشتراكية السوفيتية) ، فهي مدركة أنها كلما تحولت إلى سلطة أو دولة، فسيتنامى التحول الطبقي بالمثل وبالتالي سيخسر النضال الطبقي (السليم) هنا الإدراك أحد أهم المزايا الأساسية للعصرانية الديمقراطية ، فالعصرانية الديمقراطية مجتمع عصري يؤدي فيه المبدأ الأخلاقي والسياسي دوراً أعظم ويعجز فيه التمايز الطبقي عن إنجاز تطور ملحوظ، ويستخلص نقطتين، إما أن أجهزة السلطة والدولة تبقى عاجزة عن فرض عنفها، أو أنها تتحقق بالتأسيس على توافق متبادل واعتراف متبادل، فتنعش فيه الوحدة ضمن الاختلاف، وتُعاش فيه المساواة والحرية الشخصانية (ليس النزعة الفردية) كخاصية مجتمعية ذلك أنَّ مزيد من المساواة والحرية والديمقراطية هو ثمرة التغير والتطور الذي أفسحت مؤسسة السياسة الديمقراطية المجال أمامه بحكم طبيعة هذا المجتمع”.(22)

3 – مقومات بناء المجتمع الديمقراطي:

انطلاقاً من الرؤية الأوجلانية، يتطلب لبناء المجتمع الأخلاقي – السياسي توفر جملة من المقومات الأساسية:

1 – اللامركزية الديمقراطية:

نقل السلطة إلى المجالس والكومينات، بما يتيح مشاركة فعلية لجميع المكونات الاجتماعية بشكل مباشر (ديمقراطي).

2 – العدالة الاجتماعية:

عبر تنظيم اقتصاد مجتمعي تشاركي يضمن توزيعاً عادلاً للثروات والفرص، للقضاء على الفقر والبطالة المنتشرة في كثير من الأحيان بفعل هيمنة فئة أوليغارشية على الاقتصاد واحتكارها له.

3 – التعددية الثقافية والعرقية:

الاعتراف بالاختلاف الثقافي واللغوي والاعتزاز به كمصدر للغنى الاجتماعي، وتجذيره في كل الاتجاهات.

4 – تحرير المرأة:

باعتبار أن تحرير المجتمع لا يكتمل دون تحقيق المساواة الجندرية بشكل فعلي، وذلك بحسب البنود 24 و25 و26 من العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا. (23)

5 – التعليم والتربية الديمقراطية:

غرس قيم الحرية، والمسؤولية الجماعية، والوعي النقدي، منذ المراحل المبكرة من التنشئة الاجتماعية ضمن العائلة الديمقراطية، وفي المدارس والأكاديميات المتنوعة، كثقافة لا بد من ترسيخها وفق متطلبات المرحلة التي نعيشها.

6 – الإيكولوجيا الاجتماعية:

إعادة صياغة العلاقة مع الطبيعة، والعودة إليها، انطلاقاً من مبدأ الشراكة لا الاستغلال، باعتبار أن الحفاظ على البيئة جزء لا يتجزأ من مشروع التحرر الاجتماعي.

خلاصة الفصل:

تشكل المقومات التي أشرنا إليها أعلاه، مع التلاحم بين الأخلاق والسياسة كما يطرحه عبد الله أوجلان، حجر الأساس لبناء مجتمع ديمقراطي أصيل.

فالأخلاق تضمن ألا تتحوّل السياسة الليبرالية إلى مجرد إدارة للسلطة، والسياسة التحررية تُجدد الأخلاق باستمرار عبر مشاركة الأفراد في اتخاذ القرار بحرية ووعي، وبذلك، لا يكون المجتمع الديمقراطي مجرد بنية سياسية أو مؤسساتية، بل مشروعاً حضارياً ديمقراطياً شاملاً يستهدف تحرير الإنسان من كافة أشكال القهر، على قاعدة الاعتراف بالاختلاف، وتحقيق الحرية، والمساواة، والعدالة.

الفصل الثالث: التطبيقات العملية لنموذج المجتمع الديمقراطي – تجربة روجآفا:

1 – ملامح الإدارة الذاتية الديمقراطية:

تشكل تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا (روجآفا) التطبيق العملي الأبرز لرؤية عبد الله أوجلان في بناء المجتمع الأخلاقي – السياسي.

هذه التجربة انطلقت كاستجابة واقعية للأزمة السورية، حيث سعت مكونات المنطقة إلى بناء نموذج إداري مجتمعي، ديمقراطي، تعددي، بعيد عن مركزية الدولة القومية.

من أبرز ملامح هذا النموذج:

الكومينات والمجالس الشعبية:

تُعتبر الكومينات (الخلايا الاجتماعية) والمجالس المحلية – الذاتية، الأساس الذي تقوم عليه الإدارة الذاتية الديمقراطية، حيث تتم إدارة شؤون الأحياء والبلدات بطريقة تشاركية مباشرة.

نظام الرئاسة المشتركة:

تم اعتماد نظام الرئاسة المشتركة في جميع الهيئات والمؤسسات، بحيث يتم تمثيل الجنسين بالتساوي، تجسيداً لفلسفة المساواة الجندرية عمليًا (50% نساء و50% رجال)، وذلك ضمن البند 24 من العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا، الصادر بتاريخ 12–12–2023.

العدالة المجتمعية:

بدلاً من القضاء التقليدي، تم تأسيس لجان حل النزاعات المجتمعية، التي تعتمد مبدأ العدالة التصالحية والمعالجة الاجتماعية للنزاعات، بعيداً عن العقوبات القسرية.

(شعوب ومكونات المنطقة لديها تجارب في هذا المجال وتتقدم بخطى واثقة من خلال إبراز دور الشخصيات والأعراف الإيجابية للمجتمعات المحلية في خدمة العيش والدفاع المشترك).

الاقتصاد المجتمعي:

جرى تطوير نموذج اقتصادي تشاركي يعتمد على التعاونيات وإعادة توزيع الموارد المحلية، بهدف تحقيق عدالة اجتماعية واستقلال اقتصادي نسبي (بالرغم من أن تطبيقها يلاقي صعوبة في تحقيق نتائج إيجابية على المستوى الفعلي).

الأكاديميات المجتمعية:

تأسست أكاديميات سياسية وفكرية تهدف إلى بناء وعي نقدي، وتعليم مبادئ الديمقراطية، والإدارة الذاتية الديمقراطية، والوعي البيئي، بعيداً عن النماذج الجامعية التقليدية القائمة على البرمجة المركزية (رغم التحديات الذهنية المتوارثة وثقافة السلطات التي حكمت سوريا كل هذه السنوات).

2 – الإنجازات والتحديات ضمن نموذج الإدارة الذاتية الديمقراطية:

– الإنجازات:

تمكين المرأة:

شهدت تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا تحولات جذرية في موقع المرأة، حيث أصبحت شريكاً فعلياً في جميع المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتم إنشاء تنظيمات نسائية (كونغرا ستار – تجمع نساء زنوبيا – مجلس المرأة السورية – وقفة المرأة الحرة وغيرها) مستقلة تدير شؤونها الذاتية.

حماية التعددية الثقافية:

تم احترام التنوع العرقي والديني واللغوي، وإعطاء كل مكون حقه في التعبير عن ثقافته وهويته ضمن إطار مشترك يحترم الاختلاف (يُلاحظ ذلك بكثرة في المشاركة المكثفة في كافة المجالات والميادين وعلى كافة الصعد).

مقاومة التطرف والإرهاب:

نجحت الإدارة الذاتية الديمقراطية في مواجهة التنظيمات المتطرفة كـ “داعش”، عبر تنظيم المجتمع على أسس ديمقراطية وقيمية صلبة، والتعاون مع التحالف الدولي المشكل لمحاربة الإرهاب، مما أوجد بيئة مقاومة للانهيار الاجتماعي (وقد شهد التلاحم الكبير في مقاومة سد تشرين في الآونة الأخيرة أهمية وعي المقاومة بين الإدارة الذاتية الديمقراطية وكل فئات المجتمع معاً).

بناء مؤسسات مدنية فعالة:

تم تأسيس بنية مؤسساتية مدنية لامركزية، قائمة على الشفافية والمساءلة، تشكّل بديلاً ديمقراطياً عن المؤسسات التقليدية السلطوية وتُساهم في ترسيخ القيم الديمقراطية، وإن لم تصل إلى المستوى المطلوب.

التحديات التي تواجه نموذج الإدارة الذاتية الديمقراطية:

الضغوط العسكرية:

واجهت الإدارة الذاتية الديمقراطية تهديدات عسكرية مستمرة، خصوصاً من قبل تركيا والتنظيمات المسلحة المتطرفة المرتبطة بأجنداتها، مما شكّلت ضغطاً دائماً على الاستقرار الأمني والسياسي في مناطق إقليم شمال وشرق سوريا.

الحصار الاقتصادي:

تعاني مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية حتى الآن من حصار اقتصادي خانق (رغم سقوط النظام البائد)، لأسباب عديدة سياسية وأمنية وقانونية، مما يحد من إمكانيات تطوير الاقتصاد المحلي، ويُعيق تحقيق الاكتفاء الذاتي بشكل كامل.

التعقيدات السياسية الإقليمية:

تتخذ الدولة التركية، والعقليات الموجودة في السلطة المؤقتة في سوريا، إضافة إلى التيارات والأحزاب القوموية والدينية المتطرفة وبعض القوى الإقليمية، موقفاً عدائياً تجاه مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية، وتعتبره تهديداً لوحدة الدولة أو لنفوذها الإقليمي.

العسكرة والضرورة الدفاعية:

بسبب الظروف الأمنية الصعبة، اضطرت الإدارة الذاتية الديمقراطية إلى بناء هيئات وقوات دفاعية، منها “قوات سوريا الديمقراطية”، مما يطرح تحدياً يتعلق بالحفاظ على الطابع المدني للمؤسسات دون الانزلاق إلى عسكرة الحياة السياسية. وقد نجحت في ذلك بنسبة مقبولة.

خلاصة الفصل:

تشير تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا إلى إمكانية تحقيق نموذج مجتمعي ديمقراطي أخلاقي، رغم الظروف القاسية.

ورغم التحديات البنيوية والإقليمية، فقد أثبتت هذه التجربة أن المبادئ الأوجلانية قابلة للتطبيق العملي، شريطة توفر الإرادة المجتمعية والمرونة في التعامل مع المستجدات.

وتُعد مناطق شمال وشرق سوريا مختبراً حياً لتحول الفلسفة الديمقراطية إلى ممارسة يومية قائمة على الأخلاق، والسياسة المجتمعية، والتعددية، والعدالة الاجتماعية.

الفصل الرابع: التحديات والعوائق

رغم النجاحات التي حققتها تجربة بناء المجتمع الديمقراطي الأخلاقي – السياسي، سواء في مستواها النظري أو عبر تجسيداتها العملية في تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا، إلا أن هذا المشروع يواجه جملة من التحديات البنيوية والفكرية والعملية تعيق تطوره واستدامته.

1 – تحديات داخلية:

– البنية الذهنية المركزية:

لا تزال ذهنية السلطة المركزية متجذرة في الثقافة الاجتماعية والسياسية لشعوب المنطقة، بفعل قرون طويلة من الحكم الاستبدادي والإدارات الهرمية.

هذه الذهنية تُعيق التحول نحو الديمقراطية المجتمعية، حيث تُستبطن السلطة والخضوع كمفاهيم طبيعية، مما يصعّب تفكيك منظومات القهر الداخلي.

يشير أوجلان إلى أن التحول الذهني شرط أساسي لأي تحول مجتمعي حقيقي، معتبراً أن الثورة الذهنية تسبق كل الثورات السياسية.

2 – تحديات خارجية:

– هيمنة الدولة القومية والرأسمالية العالمية:

تُعد الدولة القومية بنظامها الإقصائي، والحداثة الرأسمالية بنزعتها الاحتكارية، من أبرز العقبات أمام تجذير نموذج المجتمع الديمقراطي الأخلاقي، فالمنظومات الدولية الكبرى، بما في ذلك المنظومة الأممية القائمة اليوم، لا تزال قائمة على حماية المصالح القومية والرأسمالية، ما يجعل من المشاريع المجتمعية عرضةً للتهميش أو الحرب أو الحصار.

– الضغوط الإقليمية والدولية:

تتعرض تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا إلى تهديدات مباشرة من أنظمة إقليمية ترى فيها خطراً على نموذج الدولة القومية، مثل تركيا، إيران، والنظام السوري (بشقيه القومي البائد والسلفي الحالي).

إضافة إلى ذلك، فإن القوى الكبرى (الولايات المتحدة، روسيا، تركيا وغيرها) تستخدم ورقة هذه المناطق كأداة في صراعاتها الجيوسياسية، دون التزام حقيقي بدعم نموذج ديمقراطي بديل.

3 – تحديات فكرية:

– الصراع مع الأيديولوجية الليبرالية الفردانية:

تُعتبر الليبرالية الحديثة، بفردانيتها المفرطة ونزعتها الاستهلاكية، تحدياً خطيراً أمام بناء المجتمع الديمقراطي، حيث تُغلب الفرد على الجماعة، وتُقوض القيم الأخلاقية الجامعة، ويرى أوجلان أن مواجهة الليبرالية لا تتم بالدعوة إلى شمولية مضادة، بل عبر إحياء القيم التشاركية والتعاونية داخل المجتمع.

– بناء الوعي الجماعي في ظل العولمة:

تشكل العولمة الرأسمالية تحدياً آخر، حيث تنتج أشكالاً من الوعي الاستهلاكي والانتماء اللامبالي، مما يُضعف إمكانيات بناء وعي نقدي جمعي قائم على الحرية والمساواة والتعددية، ويتطلب التصدي لهذا التحدي إستراتيجيات طويلة الأمد في التربية، والثقافة، والإعلام البديل، تتخذ الحرية أساساً.

خلاصة الفصل:

تُظهر هذه التحديات أن بناء المجتمع الديمقراطي الأخلاقي – السياسي ليس مجرد عملية فنية أو إدارية، بل هو معركة حضارية معقدة تشمل الأبعاد الذهنية، والسياسية، والاقتصادية، والثقافية معاً، ولا يمكن التغلب عليها إلا عبر الوعي النقدي العميق، والكدح والتنظيم المجتمعي الراقي، والإصرار الطويل النفس على إعادة بناء الحياة التشاركية وفق مسار سليم.

الفصل الخامس: بيان 27 شباط 2025 “السلام والمجتمع الديمقراطي”

بمناسبة الذكرى المئوية لاندلاع الانتفاضات الكردية ضد الجمهورية التركية الإنكارية (انتفاضة الشيخ سعيد بيران عام 1925م)، كتب القائد والمفكر عبد الله أوجلان من سجنه في جزيرة إيمرالي بياناً حمل عنوان “السلام والمجتمع الديمقراطي”. جاء هذا البيان كمحاولة جريئة لكسر الجمود المتراكم في حل القضية الكردية، وسعياً لفتح الطريق نحو حل سياسي طال انتظاره، في ظل تعقيدات جعلت من هذه القضية أزمة عصية على الحل طوال قرنٍ من الزمان.

وقد تميز بيان 27 شباط بجرأة واضحة في الدعوة إلى إسكات لغة السلاح، وإعلاء شأن السياسة كوسيلة لحل النزاع الكردي، خاصة بعدما تحولت هذه القضية إلى عقدة مستعصية أثرت على استقرار الشرق الأوسط برمته. وفي هذا السياق، يُطرح تساؤل مهم عن دلالات توقيت هذا البيان، ومدى إمكانية تطبيق مضامينه في ظل استمرار تعنت الدولة التركية ورفضها تقديم أي خطوات جدية نحو التحول الديمقراطي أو الانفتاح على حقوق الكرد.

سبق صدور البيان تمهيدات عبر سلسلة من المراسلات مع قوى وأحزاب تركية وكردية مؤثرة، إضافةً إلى قراءة دقيقة للتحولات الإقليمية والدولية التي تعيد تشكيل خريطة الشرق الأوسط. وفي هذا الإطار، جاء البيان محمّلاً بأفكار توافقية استندت إلى مواقف الأحزاب الكردية والتركية وبعض الشخصيات الاعتبارية، ما انعكس سريعاً في ردود الفعل الإيجابية التي ظهرت عقب إعلانه بساعات قليلة، محوّلًا بذلك “الكرة إلى الملعب التركي”.

1 – مضمون البيان وتوقيته:

يبدأ البيان بإعادة قراءة مسار كفاح حزب العمال الكردستاني (PKK) في ضوء التحولات الفكرية والسياسية الكبرى منذ نهاية القرن العشرين، ويرى أوجلان أن الأحداث المتسارعة، بدءاً من حرب غزة في 7 تشرين الثاني 2023م، مروراً بالتصعيد في جنوب لبنان وسوريا، وانهيار النظام السوري البائد في 8-12-2024، وصولاً إلى التغيرات المرتقبة في تركيا وإيران، وامتداداً إلى ما يحصل في روسيا وأوكرانيا والهند والصين من مستجدات، ستترك تأثيراً حاسماً على مصير المنطقة.

يُعد البيان منسجماً مع التحولات الفكرية التي رافقت تطور الحزب منذ تأسيسه في سبعينيات القرن الماضي، متبنياً مساراً جدلياً يجمع بين النضال السياسي والتجديد الفكري، ولعل البيان يُعد استكمالاً لسلسلة مبادرات سلمية كان الحزب قد أطلقها سابقاً، بدءاً من مفاوضات عام 1993م مع الرئيس تورغوت أوزال، مروراً بجولات أوسلو (2008–2009م) وعملية دولما بهجه عام 2015م، مع تأكيد دائم على أهمية استثمار الزمان والمكان لتحقيق الحل المأمول.

اليوم، وفي ظل التحولات الإقليمية الكبرى، يرى أوجلان أن الفرصة باتت سانحة أكثر من أي وقت مضى لإرساء السلام وحل القضية الكردية عبر حلول سلمية وديمقراطية، ستكون لها تداعيات إيجابية واسعة على مجمل المنطقة، وقد أكد استعداده الدائم للسلام والتخلي عن الكفاح المسلح كوسيلة اضطرارية، مع الاحتفاظ بمفهوم الدفاع المشروع ضمن التحول نحو نموذج “الأمة الديمقراطية”. ويمتد هذا الطرح ليشمل مناطق أخرى من العالم، حيث يُحلل أوجلان الأبعاد المعرفية والتاريخية والسوسيولوجية لتجربة بناء المجتمع الديمقراطي.

2 – الدعوة لإعادة التموضع والتنظيم وفق مانيفستو” بيان السلام والمجتمع الديمقراطي”:

لا يقتصر بيان “السلام والمجتمع الديمقراطي” على الدعوة لوقف إطلاق النار فحسب، بل يذهب إلى أبعد من ذلك، مقترحاً تأسيس قاعدة سياسية وقانونية جديدة تؤدي إلى حل حزب العمال الكردستاني (PKK) وتحوله إلى تنظيم سياسي اجتماعي ديمقراطي قائم على أسس قانونية ودستورية، ويتطلب هذا التحول إصلاحات جدية من جانب الدولة التركية، بما يشمل تعديل القوانين عبر البرلمان، والبدء بخطوات عملية متبادلة. وفي هذا السياق، يرتبط طرح إلقاء السلاح وإعادة تنظيم قوات الدفاع الذاتي بمنظومة المجتمع الكردستاني (KCK) بتحقيق تقدم فعلي على مسار الحل الديمقراطي، حيث تصبح عبارة “لتصمت الأسلحة ولتتكلم السياسة”، التي ظهرت في رسالة نوروز 2013م، شعاراً عملياً للمرحلة المقبلة.

3 – البعد التفاوضي والإستراتيجي في البيان:

يحمل بيان 27 شباط في طياته إشارات صريحة ومباشرة إلى طبيعة الحل المنشود، منها قول أوجلان:

“لن يكون للقرن الثاني من عمر الجمهورية استمرارية دائمة وأخوية إلا عندما يتوج بالديمقراطية، ولا سبيل غير الديمقراطية للبحث عن النظام وتحقيقه”.24

في هذا الطرح تحديداً، يضع أوجلان شرط الديمقراطية كأساس لاستقرار تركيا، محذراً بشكل ضمني من عودة الاضطرابات إذا استمر غياب الإصلاحات، وبهذا، يُضفي البيان بعداً تفاوضياً على مشروعه، مقدماً معادلة واضحة وهي: السلام مقابل الديمقراطية.

فهو لا يدعو إلى حل الحزب بشكل فوري ومطلق، بل يربط ذلك بسيرورة سياسية تضمن تحول تركيا إلى دولة ديمقراطية حقيقية، مما يكشف العمق الفلسفي والسوسيولوجي الذي يحكم رؤيته للحل.

4 – التحديات المحتملة أمام تطبيق البيان وسبل إنجاحه:

أولاً: التحديات

1 – مدى واقعية حل حزب العمال الكردستاني لنفسه:

حلّ الحزب عملياً ليس بالأمر السهل، نتيجة تداخل العديد من العوامل الداخلية والخارجية، إلى جانب الإرث الثوري الممتد لخمسة عقود، والمتأثر بنماذج حركات التحرر العالمية في السبعينيات.

كذلك، يطرح غياب البدائل السياسية الواضحة للأعضاء والمقاتلين بعد وضع السلاح، في ظل عدم وجود أي ضمانات ومناخات للعمل السياسي في كردستان وتركيا، جانباً إشكالياً إضافياً.

السؤال الجوهري هنا:

“هل يعني حل الحزب الامتناع عن إعادة تنظيم نفسه مستقبلاً بأسماء وآليات جديدة؟”

لقد كان أوجلان واعياً لهذه الإشكالية منذ نداءاته السابقة (1999، 2009، 2013)، كما أن دراسة تجارب حركات مثل الجيش الجمهوري الإيرلندي في إيرلندا، والحركات الثورية في إسبانيا وكولومبيا والمكسيك، قد تساعد الحزب في اتخاذ تدابير عقلانية في هذا الاتجاه.

2 – موقف الدولة التركية:

تاريخياً، لا تعطي تجارب الكرد وحزب العمال مع الدولة التركية إشارات إيجابية كافية للتفاؤل. فنجاح مضمون البيان مرهون بمدى استعداد الدولة التركية لتقديم تنازلات ديمقراطية فعلية، وهو أمر مشكوك فيه ضمن استمرار العقلية القومية الإقصائية، كما أكد أوجلان في بيانه بالقول: “يجب تطوير لغة فترة السلام والمجتمع الديمقراطي بما يتوافق مع الواقع”.

ثانياً: الخطوات المطلوبة لإنجاح مضمون البيان:

1 – وضع أسس قانونية وسياسية لتحويل اللقاءات السرية الجارية بين الفينة والأخرى إلى مفاوضات رسمية وعلنية.

2 – وقف العمليات العسكرية التركية ضد مقاتلي حزب العمال والكرد عامة داخل وخارج تركيا التي لم تتوقف حتى الآن بالرغم من تقليصها بعض الشيء.

3 – الإفراج عن المعتقلين السياسيين وتبييض السجون منهم.

4 – إفساح المجال الإعلامي لتسليط الضوء على الروابط التاريخية الإيجابية بين الشعبين الكردي والتركي ومحاربة خطاب الكراهية لتأسيس الأرضية السلمية للمرحلة.

5 – إلغاء صفة الإرهاب عن السيد أوجلان والتفاوض معه بشكل رسمي كقائد يمثل الشعب الكردي والمنادين بالحرية والساعين لبناء المجتمع الديمقراطي.

6 – السماح لمنظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية والمنظمات النسوية والشبابية بممارسة نشاطاتها بحرية في أجواء ديمقراطية.

هذه الخطوات التي ذكرناها، ستُمهد الطريق لخلق أجواء سياسية واجتماعية تضمن تطبيق البيان بسلاسة وتؤسس لسلام مستدام.

ثالثاً: أهمية ودلالات بيان “السلام والمجتمع الديمقراطي”:

صدر البيان بتاريخ 27 شباط 2025م، وحمل تحولاً نوعياً في فكر أوجلان السياسي والاجتماعي، فقد عرض فيه قراءة تاريخية للعلاقة الكردية – التركية، وتناول تجربة حزب العمال الكردستاني كرد فعل على السياسات الإقصائية.

ركز البيان على تجاوز نماذج الحلول القومية التقليدية مثل الفيدرالية والحكم الذاتي، داعياً إلى:

1 – إنهاء العنف والبحث عن حلول سياسية مرنة، تؤسس للمجتمع الديمقراطي.

2 – تأسيس سلام دائم يستند إلى علم الاجتماع التاريخي.

3 – تجاوز الدولة القومية كإطار نهائي للحل.

ومع ذلك، تعترض تطبيق هذه الرؤية عقبات تتعلق بالوضع السياسي المعقد في تركيا والمنطقة، والمستوى الدولي المتداخل، ما يجعل نجاح الأفكار المطروحة رهيناً بمدى استعداد الطرفين الرئيسيين: (الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني).

البيان يمثل كذلك:

7 – دعوة لبناء مجتمع اشتراكي – اجتماعي ديمقراطي لامركزي يتجاوز هيمنة الدولة القومية والسلطة المركزية.

8 – التحول الفكري الثالث في مسار أوجلان، مقدماً حلاً ديمقراطياً بديلاً عن العنف.

9 – قدم “عرضاً مشروطاً” لتحقيق الديمقراطية التركية والاندماج الكامل مع الدولة بطريقة تحذر من غياب الاستقرار إن لم تتحقق التحولات الديمقراطية.

10 – كما أنه يمثل تقاطعاً فكرياً مع مدرسة “ما بعد الماركسية” في نقد الدولة القومية والصراع الطبقي التقليدي.

أي أن بيان “السلام والمجتمع الديمقراطي” يشكل قفزة فكرية وسياسية، وسعياً لإعادة تعريف العلاقات الاجتماعية والسياسية في المنطقة بعيداً عن العنف والهيمنة، تأسيساً لسلام مستدام ومجتمع ديمقراطي أصيل في كردستان وتركيا والشرق الأوسط عامةً.

إن نجاح هذا المشروع التاريخي سيتوقف على توفر الإرادة السياسية الصادقة لدى جميع الأطراف، ومدى وعي شعوب المنطقة بحتمية التحول من الجهالة والهيمنة الاجتماعية إلى العقلانية المحضة وفق القيم والمقاييس الديمقراطية والأخلاقية والسياسية، وصولاً لإرساء السلام المستدام لبناء المجتمع الديمقراطي المنشود. (25)

الفصل السادس: الإستراتيجيات والمقترحات لبناء المجتمع الديمقراطي المعاصر:

في مواجهة التحديات العميقة التي تعترض بناء المجتمع الأخلاقي – السياسي، يطرح الفكر الأوجلاني جملة من الإستراتيجيات والمقترحات العملية لإعادة تفعيل المشروع الديمقراطي المجتمعي، بما يجعله قادراً على الصمود والتطور في بيئة دولية وإقليمية معقدة.

– إستراتيجيات تفعيل البعد الأخلاقي – السياسي:

1 – تعزيز التربية الأخلاقية النقدية: يشكل التعليم حجر الأساس في أي مشروع ديمقراطي، حيث يوصي أوجلان بإعادة صياغة العملية التربوية بما يعزز القيم الأخلاقية التشاركية، والوعي النقدي، والقدرة على التفكير المستقل، وينبغي أن تخرج التربية من عباءة التلقين السلطوي، لتصبح عملية تحررية تهدف إلى بناء أفراد فاعلين في مجتمعاتهم.

2 – بناء مؤسسات مجتمعية مستقلة: يتطلب الأمر تأسيس منتديات شعبية – مجتمعية، اتحادات، وكومينات، تمارس السياسة اليومية بصورة مباشرة ومستقلة عن هياكل الدولة البيروقراطية، وهذه المؤسسات يجب أن تكون فضاءات دائمة للنقاش الحر، واتخاذ القرار الجماعي، والتعلم الجماعي.

3 – تكريس السياسة المجتمعية: السياسة المجتمعية القائمة على المجالس والكومينات تمكّن الأفراد من إدارة شؤونهم اليومية، مما يعزز إحساسهم بالمسؤولية والمشاركة، ويضعف نزعات المركزية السلطوية.

4 – فرص التحول الديمقراطي:

توظيف التقنيات الحديثة لتعزيز المشاركة: يمكن استثمار التطورات التكنولوجية، مثل وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، لتوسيع دائرة المشاركة السياسية، ونشر الوعي، وتنظيم الحملات الشعبية، ومع ذلك، يجب استخدام هذه الأدوات بروح نقدية، دون الوقوع في فخ الهيمنة الرقمية أو تزييف الوعي.

5 – بناء التحالفات الأممية: في ظل ترابط الأزمات عالمياً، بات من الضروري إقامة شبكات تضامن عالمية بين حركات الشعوب الأصلية، والمنظمات النسوية، وحركات حماية البيئة، والأطر الديمقراطية المجتمعية. وهذه التحالفات يمكن أن توفر غطاءً سياسياً ومعنوياً لنماذج المجتمع الديمقراطي الناشئة.

6 – نموذج “الأمة الديمقراطية”:

يطرح عبد الله أوجلان نظرية “الأمة الديمقراطية” بديلاً عن الدولة القومية، باعتبارها إطاراً سياسياً تعددياً يقوم على الاعتراف بالهويات الثقافية المتنوعة، والتنظيم الذاتي، والعدالة الاجتماعية.

7 – تجاوز الدولة القومية: يدعو النموذج إلى تجاوز الأطر القومية المغلقة نحو كونفدراليات ديمقراطية لامركزية، تتوزع فيها السلطات والموارد على أساس الإدارة الذاتية الديمقراطية، وليس السيطرة المركزية.

8 – الدمج بين العدالة الاجتماعية والاستدامة البيئية: يُدمج نموذج الأمة الديمقراطية بين قضايا العدالة الاجتماعية وحماية البيئة، إذ يرى أوجلان أن التحرر البشري لا يكتمل دون تصالح مع الطبيعة، وأن الاقتصاد التشاركي والإيكولوجيا الاجتماعية شرطان لبناء حضارة ديمقراطية.

تشكل هذه الإستراتيجيات والمقترحات رؤية متكاملة لبناء مجتمع ديمقراطي أخلاقي مستدام، قادر على مقاومة قوى التفكك والهيمنة.

فالمشروع الأوجلاني لا يكتفي بتشخيص الأزمات، بل يضع خريطة طريق عملية نحو تحرر الإنسان والمجتمع، مستنداً إلى قيم الأخلاق، السياسة الديمقراطية، العدالة الاجتماعية، والتعددية الثقافية.

العودة إلى جوهر الأشياء:

أوصلتنا حقيقة أن الأزمة آتية من تراكم حالات ومشاكل وقضايا اجتماعية وسياسية واقتصادية عدة ومتراكمة تركتها السلطة والنظم والتشكيلات الهرمية، ولا يمكن حلها عن طريقها وبها حكماً، بل يجب اتخاذ النموذج الأفقي المجتمعي مُنطلقاً وبمرونة فائقة، سواء أثناء الحديث والحوار أو البحث عن الحلول السلمية. فالأطر السقفية البعيدة عن المركزية قد تكون ذات شأن في الحل المستقبلي لإيجاد حلول للأزمات والقضايا الموجودة، أي بالابتعاد عن الحلول الإرغامية والصلبة، ولا بد من تخطيها على المستوى الذهني كمدخل لتجاوزها في المراحل القادمة، وهذه مسؤولية ليست سهلة أبداً.

فإرساء الديمقراطية عبر دستور ديمقراطي تشارك فيه كل الثقافات والأطر السياسية الاجتماعية المتواجدة، وفق الإدراك والوعي الحر، يعد مسؤولية وواجباً في انتماء الأفراد والجماعات والالتفاف حول هويتهم الجامعة والانتماء لها دون تغيب أحد، واتخاذ مصالح الكل من أجل الحفاظ على الهوية الوطنية – الديمقراطية لتخطي الأزمة المستمرة منذ تشكل نظام المدنية بأبعادها.

الخاتمة:

يبقى بناء المجتمع الديمقراطي مهمة معقدة في ظل التحديات الحالية من الحروب والدمار، لكن الفلسفة المعاصرة كما دونها المفكر والفيلسوف أوجلان في مجلداته الخمسة تقدم لنا العديد من الأدوات لفهم الأسس الأخلاقية والسياسية اللازمة لتحقيق هذا الهدف واستشراف أبعادها، وأن الأخلاق والسياسة لا يمكن الفصل بينهما، بل يجب أن تكونا متداخلتين في أي محاولة لبناء مجتمع ديمقراطي حقيقي.

 

المصادر والمراجع:

___________________________

1 – إميل دوركايم: كتاب “تقسيم العمل الاجتماعي” (1893)، الفصل الثاني.

2 – ماكس فيبر: كتاب “الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية” (1905).

3 – عبد الله أوجلان: مانيفستو الحضارة الديمقراطية – المجلد الخامس طبعة 2015.

4 – عبد الله أوجلان: “مانيفستو الحضارة الديمقراطية” – المجلد الرابع.

5 – أرسطو: كتاب “الأخلاق النيقوماخية”، الكتاب الخامس.

6 – جون رولز: كتاب “نظرية العدالة” (1971).

7 – عبد الله أوجلان: “مانيفستو الحضارة الديمقراطية” – المجلد الثالث” طبعة (2013).

8 – يورغن هابرماس: كتاب “الفضاء العام” (1962).

9 – عبد الله أوجلان: “مانيفستو الحضارة الديمقراطية” – المجلد الخامس طبعة (2015).

10 – كارل ماركس: كتاب “رأس المال” (1867)، المجلد الأول.

11 – أماليا سين: كتاب “التنمية حرية” (1999).

12 – عبد الله أوجلان: “رسائل الأمل” (2002).

13 – نعوم تشومسكي – كتاب “السيطرة على الإعلام” (1991).

14 – حنة آرندت: كتاب “الوضع البشري” (1958).

15 – عبد الله أوجلان: “مانيفستو الحضارة الديمقراطية” – المجلد الخامس.

16 – أنطونيو غرامشي: “دفاتر السجن” (1929– 1935).

17 – ديفيد هارفي كتاب “الحداثة السائلة” (1989).

18 – عبد الله أوجلان: “مانيفستو الحضارة الديمقراطية” – المجلد الأول (2011).

19 – موراي بوكشين كتاب “إيكولوجيا الحرية” (1982).

20 – عبد الله أوجلان: “مانيفستو الحضارة الديمقراطية” – المجلد الثالث.

21 – عبد الله أوجلان: “مانيفستو الحضارة الديمقراطية” – المجلد الرابع (2014).

22 – عبد الله أوجلان: “مانيفستو الحضارة الديمقراطية” – المجلد الثالث.

23 – العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا الصادر بتاريخ 12-12-2023.

24 – عبد الله اوجلان: بيان “السلام والمجتمع الديمقراطي” الترجمة العربية.

25 – أحمد بيرهات: خلاصة قراءتين بحثيتين كُتبتا لصالح مركز روج آفا للدراسات الإستراتيجية.

 

كاتب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.