مجلة فكرية سياسية ثقافية تعنى بشؤون الشرق الأوسط

المرأة  ضحية أولى لصعود اليمين المتطرّف دراسة في سياسات الهويّة والأمن

 

جيهان مصطفى

تمهيد:

يمكن اعتبار التحولات السياسية العميقة التي شهدها النظام العالمي خلال العقدين الأخيرين وتمثّلها في صعود تيارات اليمين المتطرف في العديد من الدول، خاصة في أوروبا، وتنامي الخطابات المحافظة في مناطق مختلفة مثل الشرق الأوسط وإفريقيا؛ أنه كان لها الأثر الكبير في استهداف المرأة بشكل كبير كضحية ممارسات وسياسات إقصائية كبيرة وتعنيف وإلغاء وتهميش.

وقد ارتبط هذا الصعود بإعادة تعريف مفاهيم أساسية مثل الهوية، الأمن، والمواطنة، حيث أصبحت هذه المفاهيم أكثر ارتباطاً بالبعد الثقافي والديني.

وفي هذا السياق، لم يعد  يُنظر إلى المرأة كمجرّد فاعل اجتماعي ضمن هذه التحولات، بل أصبحت محوراً مركزياً في الصراع السياسي والاقتصادي, إذ تم توظيف قضايا المرأة سواء من حيث الحقوق أو الدور الاجتماعي كأداة لإعادة إنتاج الخطاب الهويّاتي.

وأشارت العديد من الدراسات إلى أن اليمين المتطرف استخدم  بالفعل خطاب “حماية المرأة” بشكل انتقائي، في حين تبنّت سياسات تقليدية أو معادية للمساواة بين الجنسين، أبرزها الدراسات التي عملت عليها منظمة الأمم المتحدة في المناطق التي شهدت ولا تزال نزاعات وصراعات أهلية.

ومنها دراسات “الأسكوا” حول التطرف والعنف في المنطقة العربية, والتي أوردت ووفقاً للمؤشر المعياري للمرأة والسلام والأمن أسماء خمس دول وهي سوريا السودان العراق ليبيا واليمن.

في مجتمعات الشرق الأوسط تتجلى أزمة العلاقات الاجتماعية بشكل واضح، بالرغم من الانفتاح الكبير وتحوّل العالم إلى قرية صغيرة، حيث تهيمن منظومات تقليدية تقوم على العائلة والسلطة والذكورية، وتُقيّد حرية الفرد، وتُفرغ مفهوم الحق من محتواه الإنساني. ويظهر هذا الخلل بشكل أكثر حدة في العلاقة بين الرجل والمرأة، التي تُعدّ العلاقة المؤسسة الأولى في أي مجتمع, فاختلال هذه العلاقة لا ينعكس فقط على الأسرة، بل يمتد أثره إلى المجتمع بأكمله.

من خلال هذا البحث سعيت إلى تحليل تحوّل المرأة من صانعة قرار إلى “ضحية أولى” لصعود هذه التيارات اليمينية والمتطرفة، من خلال دراسة العلاقة بين سياسات الهوية والخطاب الأمني وبخاصة في الشرق الأوسط.

 

أهمية وأهداف البحث:

تأتي أهمية وأهداف البحث في عدة مستويات مترابطة هي:

أولاً: فهم التحولات السياسية المعاصرة من منظور جندري، وهو منظور غالباً ما يتم تهميشه في الدراسات السياسية التقليدية والنمطية.

ثانياً: تسليط الضوء على التناقضات في خطاب اليمين المتطرف، الذي يوظف قضايا المرأة سياسياً دون الالتزام الفعلي بتحقيق المساواة الحقيقية.

ثالثاً: الربط بين مفهومي الأمن والهوية، وتوضيح كيف يتم استخدامهما لتبرير سياسات تؤثر مباشرة على المرأة.

رابعاً: تقديم تصورات، وقراءة مقارنة بين سياقات مختلفة (أوروبا، والشرق الأوسط) لفهم الأنماط المشتركة والاختلافات.

خامسأ: تحليل خطاب اليمين المتطرف وأدواته وأساليبه  تجاه المرأة.

سادساً: معرفة تأثير سياسات الهوية على إعادة تشكيل دور المرأة في المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ومعرفة أدوات الربط بين مفهومي الأمن والهوية، و تأثيراتها  المباشرة على المرأة.

 

تساؤلات البحث:

تتمحور تساؤلات البحث حول الأسئلة التالية:

– كيف أصبحت المرأة الضحية الأولى لصعود اليمين المتطرف في ظل تداخل سياسات الهوية والخطاب الأمني؟.

– كيف يوظف اليمين المتطرف قضايا المرأة في خطابه السياسي؟.

– ما العلاقة بين الأمن والرقابة الاجتماعية على المرأة، وهل تختلف هذه الظاهرة باختلاف الجغرافيا؟.

 

فرضيات البحث:

للإجابة عن الإشكالية نطرح مجموعة من الفرضيات على النحو التالي:

– كلما تزايد الصعود السياسي لليمين المتطرف، زاد تأثيره في السياسات المتعلقة بالهجرة واللجوء والاندماج.

– كلما تراجع نشاط الأحزاب السياسية التقليدية، تزايد صعود وتكيّف الأحزاب اليمينية المتطرفة مع التحولات التي رافقت ظاهرة العولمة.

 

اصطلاحات البحث:

اليمين المتطرف:

حسب الدراسات السابقة هو تيار سياسي يتبنّى القومية المتشددة والدين كذلك، ويرفض التعددية الثقافية والأثنية والقوموية، وغالباً ما يعادي هذا التيار الحركات النسوية ويحدّ من نشاطاتها.

سياسات الهويّة:

سياسات تقوم على تعريف الجماعات وفقًا للانتماء القومي أو الثقافي أو الديني أو العرقي، واستخدام هذا التعريف في الصراعات السياسية والصراع على النفوذ على حساب المجتمعات وأمنها.

الأمن الهويّاتي:

هذا مفهوم حديث التداول وهو يربط الأمن بالحفاظ على الهوية الثقافية للمجتمعات الذي هو الإطار الذي يحدد الجماعات البشرية التي تعرف بها, وهي تعني المزيج القيمي والعادات واللغة والفنون والتاريخ والموروث الشعبي، وهي تلعب دوراً مهماً في حياة الأفراد والمجتمعات.

النسويّة:

هي حركة فكرية وسياسية واجتماعية تسعى لتحقيق المساواة بين الجنسين، ومواجهة أشكال التمييز ضد المرأة، ومناهضة الظلم والعنف المبني على الجنس، وتمكين المرأة اقتصادياً وسياسياً، وتحقيق العدالة.

 

 

العلاقات الاجتماعية:

ويُقصد بها شبكة التفاعلات المتبادلة بين الأفراد والجماعات، التي تُنتج الحياة الاجتماعية وتحدد شكل المجتمع ومستوى تطوره.

الحقوق:

ويُقصد بها منظومة القواعد الملزمة التي تُنظّم العلاقات داخل المجتمع، وتُفرض بالقوة الشرعية، وقد تكون مكتوبة أو شفوية، وتهدف إلى تنظيم التوازن بين الفرد والدولة، وبين الأفراد بعضهم مع بعض، على أساس من العدالة والمساواة.

والحق هو المبدأ الأخلاقي والقانوني الذي يكفل ممارسة الحرية ويحميها من التعدي، ويضمن كرامة الإنسان ومساواته داخل المجتمع.

 

أولاً: اليمين المتطرف وتحولاته، والمرأة في خطاب اليمين المتطرف:

تشير الأدبيات الحديثة إلى أن اليمين المتطرف لم يعد مجرد حركة هامشية، بل أصبح فاعلاً رئيسياً في السياسة العالمية، وقد نجح في استقطاب شرائح اجتماعية مختلفة، مستفيداً من الأزمات السياسية والاقتصادية والهجرة والتغيرات والتداخلات الثقافية.

مع تنامي وتصاعد التيارات اليمينية المتطرفة في أوروبا، والذي لم يقتصر على زيادة التأثير على الانتخابات والمناصب السيادية ومراكز القرار فقط، بل شمل أيضاً تحولات عميقة في الخطابات والأدوات والموضوعات. ويمكن فهم موقع “المرأة” داخل هذا الخطاب بوصفه أحد أهم المؤشرات التي تكشف طبيعة هذه التحولات، حيث انتقل اليمين المتطرف من خطاب تقليدي صريح إلى خطاب أكثر مرونة وتكيّفاً مع السياق الديمقراطي.

وقبل ذلك وخلال مراحل تاريخية ارتبط اليمين المتطرف بخطاب مباشر يقوم على القومية المتشددة، ورفض الآخر، خاصة المهاجرين، مع حضور واضح لأفكار التفوق الثقافي.

غير أن التحوّل الأبرز في الفترات الأخيرة تمثّل في الانتقال من الخطاب العنصري الصريح إلى خطاب أكثر “نعومة” يعتمد على مفاهيم مثل الهوية الوطنية، الأمن الثقافي، وحماية القيم الاجتماعية.

والتحول من التهميش إلى التأثير، مع تطبيع الخطاب السياسي.

إن النزعات القومية والدينية التي ارتكزت قي فكر وإيديولوجيا اليمين المتطرف والعمل على تقديس الهوية الوطنية وتبنّي الشعبوية ومهاجمة النخب السياسية واستغلال المخاوف المجتمعية تجاه الهاجرين وتصويرهم على انهم تهديد كبير ومباشر على الهوية؛ تعد من أبرز التحولات التي أصابت اليمين المتطرف في الغرب.

وهذا التحول لم يكن شكلياً فقط، بل شمل أيضاً أدوات وأساليب تناول القضايا الاجتماعية، وعلى رأسها قضية المرأة والمهاجرين واللاجئين.

وضمن هذا السياق الجديد، لم تعد المرأة تُطرح فقط كموضوع اجتماعي أو حقوقي، بل أصبحت عنصراً مركزياً في بناء خطاب الهوية. إذ يُقدَّم الدفاع عن المرأة باعتباره جزءاً من الدفاع عن الأمة والهوية الوطنية، وليس فقط قضية مساواة أو حقوق فردية.

وهنا ظهرت إحدى أهم وظائف المرأة في خطاب اليمين المتطرف وهي تحويلها إلى رمز ثقافي يُستخدم لتأكيد فكرة “نحن” مقابل “الآخر”، خاصة في سياق الجدل حول الهجرة.

كما ارتبطت صورة المرأة في هذا الخطاب ارتباطاً وثيقاً بملف الهجرة، حيث يتم توظيفها لتبرير سياسات أكثر تشدداً تجاه المهاجرين.

فبدل معالجة قضايا العنف أو الاندماج في سياقاتها الاجتماعية والاقتصادية، تم ربطها بشكل مباشر بالهجرة والثقافات المختلفة، مما عزّز خطاب الخوف وبرّر سياسات الإقصاء.

و هذا التوظيف عكس أحد مظاهر التحول في اليمين المتطرف، حيث أصبح أكثر قدرة على استخدام قضايا حساسة اجتماعياً لكسب التأييد الشعبي.

لكن هذا الخطاب يكشف في الوقت نفسه عن مفارقة داخلية واضحة, فرغم ادّعاء الدفاع عن المرأة، فإن العديد من هذه التيارات تتبنى مواقف محافظة تجاه قضايا مثل الجندر، والإجهاض، ودور المرأة في المجال العام، مما يدل على أن هذا “الدفاع” ليس قائمًا على رؤية حقوقية شاملة، بل على انتقائية تخدم المشروع السياسي والأيديولوجي للتيار.

وبذلك يمكن القول إن تحولات اليمين المتطرف لم تغيّر فقط أدواته السياسية، بل أعادت تشكيل خطابه حول المرأة ليصبح جزءاً من منظومة أوسع تقوم على الهوية، والحدود الثقافية، وإعادة تعريف الانتماء الوطني. فالمرأة لم تعد مجرد قضية اجتماعية، بل أصبحت أداة رمزية مركزية في خطاب سياسي يسعى إلى إعادة إنتاج فكرة الأمة القومية في مواجهة التعددية, حيث تبنى اليمين المتطرف واستخدم خطاباً مزدوجاً تجاه المرأة، فادّعى الدفاع عن حقوقها، لكنه عارض الحركات النسوية. ففي أوروبا يتم استخدام حقوق المرأة لتبرير معاداة المهاجرين، بينما يتم رفض المساواة الجندرية داخل المجتمع نفسه.

إن هذا التيار يعتمد على خطاب يقوم على الخوف من “فقدان الهوية“، وهو ما يدفعه إلى تبني سياسات محافظة، خاصة فيما يتعلق بالأسرة والمرأة, حيث شهد التاريخ موجات من التطرف العنيف والإرهاب وأثّر ذلك على النساء والفتيات، ما أدى إلى حالات من العنف الجنسي والإرهاب في الآونة الأخيرة بشكل كبير، والعنف القائم على نوع الجنس كالاغتصاب، والاستغلال الجنسي، والاستعباد الجنسي، والزواج القسري والمبكّر، والإتجار بالبشر، وانقطاع  التعليم وسُبل العيش.

وفي حين أن الكثير من النساء وقعن ضحايا للتطرف العنيف، واضطلعت نساء أخريات بدور فاعل في ارتكابه، بالإضافة إلى العنف القائم على النوع الاجتماعي, فقد َنّددت أعداد كبيرة من النساء من جميع أنحاء الشرق الأوسط وحتى أوروبا وآسيا بسبب انضمامهن إلى تنظيمات متطرفة مثل القاعدة وبوكو حرام، وآخرها تنظيم داعش، حيث اضطلعن بعدة أدوار منها التجنيد، وجمع الأموال، ونشر الأيديولوجيات المتطرفة العنيفة في شبكاتهن الإرهابية، والمشاركة في أعمال عنيفة في بعض الحالات .

وكانت بالمقابل هناك منظمات معينة أدت أدواراً كبيرة في مكافحة التطرف العنيف ومنع انتشاره.

غالباً ما يُصوَّر الفكر النسوي كتهديد للنظام الاجتماعي، حيث يتم اتهامه بتفكيك الأسرة ونشر القيم “الغربية”، وهو ما يؤدي إلى تقويض حقوق المرأة تدريجياً، والتعريف بحقوق المرأة، ومع ذلك، امتنعت نساء كثيرات في الشرق الأوسط عن المشاركة في الجهود الرسمية الرامية إلى منع التطرف والعنف ومكافحته، وبقيت أدوارهن غير بارزة أو غير معترف بها أو محصورة في الإطار غير الرسمي.

إن مشكلة المرأة والعائلة في الشرق الأوسط، مشكلة معقدة عندما فرضها الإعلام الجاهل والقدرية والعبودية وعلى المرأة قبولها، بما أن قضية المرأة كانت من نتاج سلطة كُرّست للحد من وجودها وفعاليتها، خلقت فيما بعد كقضية اجتماعية عقيمة وكرّستها الأنظمة القمعية والتطرف.

إن الأفكار الرئيسية لأحزاب اليمين المتطرف جاءت نتاجاً لمزيج من النزعة القومية المعادية للأجانب والسلطوية والشعبوية، والعداء للعولمة ولمشروع التكامل الأوروبي، وتعد هذه هي السمات المشتركة لأحزاب اليمين المتطرف في أوروبا بشكل عام وفي فرنسا وألمانيا بشكل خاص. ويتضح لنا كذلك أن القضايا الرئيسية التي تتبناها أحزاب اليمين المتطرف وتركز عليها انتخابياً إنما تتعلق بجانب الثقافة والهوية أكثر منها بالجانب الاقتصادي.

هذا، كما يتأكد لنا أن اليمين المتطرف بصورته الراهنة إنما يختلف اختلافًا بيّنًا عن فاشية ما بين الحربين العالميتين (الفاشية القديمة)، حيث إن اليمين المتطرف يعالج قضايا ما بعد الصناعة (كالهجرة والعولمة)، ويتقدم بمرشحيه للانتخابات في ظل قبول بقواعد اللعبة الديمقراطية، وذلك دون أدنى اعتماد على استخدام العنف، الذي كان عنصرًا مميزًا للحركات النازية والفاشية([1]).

 

ثانياً: سياسات الهوية وإعادة تشكيل المجتمعات:

كانت المنظومات السياسية والاجتماعية التي نشأت مع النظام العالمي الأحادي القطب والتي ساندت تيارات سياسية قد تبنّت القومية المتشددة واستخدام الدين كوسيلة للوصول إلى أهداف معينة، كذلك رفض التعددية الثقافية والأثنية والقوموية، حيث أصبحت المرأة الضحية الأولى لصعود هذا النظام الأحادي القطب والذي كرس اليمين المتطرف في ظل تداخل سياسات الهوية.

إن الإطار الإيديولوجي و السياسي للنظام العالمي الجديد، والتي انطوى على الخلفية النظرية الفلسفية التي تستند إليها إيديولوجيا العولمة وسياستها اللبيرالية في الاقتصاد وفي ممارسة السلطة والحكم في الحياة الاجتماعية والفكرية والثقافية عامة كما فسّرها المفكر الأمريكي “فرانسيس فوكوياما” في  كتابه نهاية التاريخ, وانطلاقاً من الواقع الإنساني في العالم المعاصر بقدر ما كان بياناً نظرياً وخطاً سياسياً الهدف منه تبرير توجّه العولمة و تمرير فرض النظام العالمي الجديد الذي تسعى القوى المهيمنة إلى فرضه على العالم أجمع, حيث تعتمد سياسات الهوية على تقسيم المجتمع إلى “نحن” و”هم”، وهو ما يؤدي إلى تعزيز الإقصاء الاجتماعي. وفي هذا الإطار، تصبح المرأة رمزاً للهوية الجماعية، حيث يتم تحميلها مسؤولية الحفاظ على القيم والتقاليد([2]).

 

صعود اليمين المتطرف في الغرب:

إن صعود اليمين المتطرف يكون برغبة فئات محددة في الاحتجاج على ما تعتبره ضرراً لاحقاً بها جرّاء تحولات الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ويعود السبب الأساسي  للأحزاب المتطرفة إلى التصويت الاحتجاجي للفئات المذكورة، أكثر مما يعبّر عن قبول شعبي حقيقي لهذه الظاهرة.

غير أن هذا التفسير يصطدم بحقائق، كتشابه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في عدد من الدول، الذي لا يؤدي بالضرورة إلى نفس النتائج السياسية. فهناك تنوع ملحوظ في الخلفيات الاجتماعية لناشطي الأحزاب اليمينية وناخبيها، وكذلك تنوّع في منظومة الأفكار التي يؤمن بها بعض الأحزاب ويرفضها البعض الآخر، تبعاً لنظرة وبيئة كل حزب. والأهم أن هذه الأحزاب أصبحت تتمتع كما هو الحال في فرنسا مثلًا، بقاعدة انتخابية مستقرة ومتنامية.

وتعتبر نظرية الحرمان النسبي أن صعود التيار اليميني في أوروبا يعود إلى احتجاج فئة معينة من المجتمع على التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية القائمة، والتي لا تخدم مصالحها وتهمّش حقوقها، فيتولد لديها شعور بالإقصاء واللاعدالة في توزيع الثروات المتاحة واللامساواة, وهذه تؤثر بدرجات كبيرة على قضايا المرأة.

حركات التطرف الأوروبي وبدافع الحفاظ على الهوية الأوروبية والنقاء العرقي والتقاليد الموروثة، ساعدها ذلك على الصعود في العملية السياسية وتحسين أدائها السياسي، ومكّنها من الوصول إلى السلطة في بعض الدول الأوروبية والتأثير في سياساتها وقراراتها الداخلية والخارجية([3]).

وهي تركّز كذلك على مسائل الهجرة وتعتبرها سبب تخلف أوروبا وتراجع مستوى أدائها الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة فيها. لذلك تقترح فكرة طردهم وترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية.

 

ثالثاً: الأمن كأداة سياسية:

لم يعد الأمن مقتصراً على حماية الدولة من التهديدات الخارجية، بل أصبح يشمل التحكم في السلوك الاجتماعي. وهنا يظهر ما يسمى بـ”الأمن الثقافي“، الذي يبرّر التدخل في حياة الأفراد، خاصة المرأة, باعتباره مفهوماً وقيمة وثقافة وسلوكاً. وباعتباره مشروعاً يجسّد قيماً إنسانية، تسعى مختلف المجتمعات إلى ترسيخها وحمايتها، من حيث كون هذا المشروع شرطاً من شروط التوازن الاجتماعى والتنوع الثقافي والعيش المشترك فى عالم اليوم، وهو عالم تغيرت فيه الهياكل الديموغرافية نتيجة الهجرات السكانية والغزو الثقافي, على الرغم من التغيرات الكبيرة التي حلت بمجتمعات الشرق الأوسط نتيجة الحروب وتدخلات الدول في شؤونها الداخلية وكذلك العمل على إلغاء وصهر ونفي وتجريد شعوب المنطقة من الممارسة الطبيعية لحياتهم ونهج أساليبهم في الحفاط على موروثاتهم وعاداتهم وثقافاتهم([4]).

و في هذا السياق يندرج التعايش الثقافي الذي تمثله المؤسسات الثقافية والنخب والشعوب المتحررة من قيود الفكر المتعصب، والتي تتجمّل بقيم و مبادئ أصيلة ترتبط بالجماعة وتحافظ على الإرث الحضاري بقيمه الفكرية و الروحية و المعنوية و تحافظ على المسار الواحد للفئات المختلفة.

الصراعات السياسية والحروب المسلحة فُرضت على شعوب ومجتمعات الشرق الأوسط  تارة، والقائم على أساليب الإغراء تارةً أخرى, لأن الواقع في الشرق الأوسط حالياً يبدو منقاد إلى الإيديولوجيات الغربية التي تأثرت بالتطرف عبر الأحزاب اليمينية، حتى غدا التراث القديم في تحدٍّ نوعاً ما، على الرغم من المحاولات المكثّفة والمجهودات الكثيرة التي تُمارس للحفاظ عليه.

إن غياب للمشاريع الثقافية التنويرية وتعثّر النظم السياسية في الكثير من دول العالم الغربي وكذلك في  الشرق الأوسط, انعكس على الأمن الثقافي، وكذلك ضعف المأسسة فى المجتمعات واختفاء وتخدير الحسّ النقدي، والوقوف غالباً في  حالة ذهول أمام التحولات المتسارعة حوله.

ثمة جمود الخطاب الثقافي والفكري في العالم خاصة الشرق الأوسطي وتأثيراته المختلفة على قضايا الأمن والمرأة والموروث فى مضمونه ومشاغله، وكذلك ضعف دوره كأداة للإنتاج الفكري، وعجزه عن بلورة منظومة معرفية تتفاعل مع العصر، وتتعامل مع التحولات الكبرى التي تمسّ الجوانب السياسية وتتعلق بقضايا حياة الإنسان، وعلاقته بالآخر المغاير والكون، وقضايا الديموقراطية والمشاركة والدولة الوطنية والمواطنة المتكافئة المتعاقدة، والثقافة النقدية والنهوض والتجديد والإدارة الرشيدة واحترام قضايا المرأة والدفاع عن الحقوق ومناهضة العنف والتطرف الممارَس على المرأة بكافة أشكالها.

المفكر الفرنسي ميشيل فوكو وآراؤه حول السلطة والخطاب والأمن يرفض التصور الكلاسيكي للسلطة كشيء هرمي أو مركزي (الدولة والأمن)، ويرى أنها منتشرة، موزّعة، وتُمارس في كل العلاقات الاجتماعية، والسلطة لا تُمارَس فقط بالقمع، بل أيضاً بإنتاج المعرفة وتنظيم الخطابات, والعلاقة بين السلطة والمعرفة ليست علاقة فصل بل تداخل, حيث لا سلطة بلا معرفة، ولا معرفة بلا سلطة التشابك بين الخطاب والمعرفة والسلطة، والخطاب هذا لا يعني فقط الكلام أو اللغة، بل منظومة معرفية تنتج المعنى وتنظم التفكير حول موضوع معين مثل الجريمة، الجسد، الجنس، الجنون ، والخطاب يحدد ما يمكن قوله وما لا يمكن قوله وهو يتضمن شبكات من السلطة والمعرفة.

الخطاب يُنتج معرفة معيّنة ولكن هذه المعرفة تُشرعن سلطة معينة, و السلطة تُعيد إنتاج الخطاب والمعرفة بما يخدم استمرارها, بالمحصّلة نرى أن الخطاب ليس بريئاً؛ بل وسيلة للضبط والسيطرة، والمعرفة ليست محايدة؛ بل تُنتَج داخل أنظمة سلطة، السلطة لا تُفرض فقط بالقوة؛ بل تُمارَس من خلال تشكيل العقول واللغة والحقائق التي ما تزال مطروحة وتتأثر بها المجتمعات وتؤثر بدورها على المرأة بصورة كبيرة.

مفهوم الهوية الثقافية مفهوم ثقافي تاريخي يتكون لدى الفرد من خلال الثقافة التي يحيا فيها, فدُور الثقافة بكل ما تحمل من معانٍ هو تكريس هوية ثقافية من خلال عملية تمثيل عاطفي واجتماعي, مع عملية اندماج تاريخية وثقافية ونفسية واقتصادية تستغرق زمناً طويلاً, وهي حصيلة مشتركة في عدة أمور أهمها: اللغة والتاريخ والعادات والتقاليد, وهي التي تعبّر عن روح المجتمع وتميّزه عن غيره من المجتمعات([5]).

رابعاً: المرأة بين غياب الحق وتشويه الحرية “الجسد كمساحة للصراع”:

كل تقدّم تحرزه الجماعات المتطرفة العنيفة عبر المناطق ينطوي على هجمات على حقوق النساء والفتيات، بما في ذلك حقهن في التعليم، والحياة العامة واتخاذ القرار بشأن أجسادهن يعتبر محرّكاً للتطرف العنيف و نتيجة له.

غير أن الدوافع الجنسانية للتطرف العنيف لا تقتصر على تعزيز الأفكار التقليدية للأنوثة والأدوار المجتمعية

المحدودة للمرأة. بالإضافة إلى ذلك، دعت الجماعات المتطرفة في إستراتيجيات التجنيد والدعاية لديها

على شعور الرجال بالهيمنة, حيث أصبح جسد المرأة ساحة للصراع السياسي، حيث يتم فرض قيود على اللباس، السلوك، الحرية الشخصية, وساهم ذلك  في التطرف وتفاقم بسببه.

ويمكن القول إن النمطية الرجعية والعنف ضد المرأة عوامل, والأساليب الجنسانية للمتطرفين العنيفين لا يقتصر دورها في العنف الجنسي على الأعمال الإجرامية فقط، بل يستخدم في عيشها وحقوقها الجنسية والإنتاجية لفرض أيديولوجية تسمح باضطهاد المرأة والسيطرة على حياتها واستخدامها كوسيلة  لتوليد الدخل في اقتصاد الظل من خلال الاستعباد الجنسي، والإتجار بالبشر، و البغاء القسري، وابتزاز الأسر من خلال الفدية، وما إلى ذلك.

تُعدّ المرأة أكثر الفئات تضرراً من غياب الحق في المجتمع الشرقي، حيث تُختزل هويتها في إطار العائلة والجسد، ويُنظر إليها بوصفها ملْكاً لا إنساناً مستقلاً, وهذا الواقع لا يُنتج فقط امرأة مقهورة، بل ينتج مجتمعاً عاجزاً عن التطور.

إن تحرر المرأة لا يعني الانفصال عن المجتمع، بل يعني اندماجها الواعي فيه بوصفها شريكاً كاملاً, فالمرأة الحرة هي القادرة على بناء علاقات صحية، وتربية أجيال واعية، والمشاركة في الحياة السياسية والثقافية.

كما أن تحرر المرأة يشكل شرطاً لتحرر الرجل نفسه، لأن العلاقة القائمة على القهر تُفسد الطرفين معاً.

 

خامساً: التطرف والأمن والهجرة:

إن أهم أسباب التطرف لدى المرأة ترتبط بعمليات التنشئة الاجتماعية، والعنف، والتمييز الممارَس ضد المرأة، وعلى الرغم من أن مبدأ المساواة بين الجنسين متجذّر في بعض  القوانين لحقوق الإنسان، إلا أنه لا يزال هناك مقاومة للتغيير لدى قوى السلطات التقليدية، مما يزيد من حجم المعاناة والمظالم التي تقع في حق المرأة داخل المجتمعات، وتخلق ظروفاً ملائمة للتطرف والتطرف العنيف المبني على العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي.

حيث تواجه النساء إحباطات اجتماعية واقتصادية وسياسية، مما يجعلهن عرضة على قدم المساواة  لمحركات التطرف. ومن الخطأ تصور أن النساء غير قادرات على استخدام العنف للتعبير عن معتقداتهن,

وإذا كانت بعض النساء والفتيات يتعرضن للضغوط أو الإجبار أو الاختطاف من قبل التنظيمات المتطرفة العنيفة، فإن العديد منهن أيضًا ينضممن إلى هذه التنظيمات باختيارهن الكامل.

وسواء تم جذبهن أو إرغامهن، فمن الخطأ تبسيط أدوار النساء باعتبارهن ضحايا و/أو مرتكبات و/أو مانعات.

في السنوات الأخيرة، أصبحت التنظيمات المتطرفة العنيفة تولي اهتمامات أكبر لاستقطاب وتجنيد المرأة، إذ ترى في إخضاعهن قسراً أو استقطابهن طوعاً ورقة رابحة على المستويين المادي والاستراتيجي، ومكوناً أساسياً في الهيكل التنظيمي، وعنصر نجاح لعملياتها، وأحد وسائل الدعاية الإعلامية لنشر ثقافة العنف والكراهية.

في البداية، اقتصرت أدوار المرأة داخل هذه التنظيمات على المجال الخاص أو الأدوار التقليدية كزوجات أو أمهات أو معلمات وممرضات. لكن في السنوات الأخيرة، اتسع نطاق هذه الأدوار، فأصبحت المرأة تتولى مهام لوجستية، وتضطلع بأدوار مهمة في حملات التجنيد الإلكتروني، وتمويل الجماعات المتطرفة، والدعم العملياتي. وعلى سبيل المثال، أسفرت العمليات الإرهابية التي نفذتها نساء من جماعة “بوكو حرام” عن مقتل نحو 1200 شخص خلال الفترة من عام 2014 إلى 2018.

ومع التداعيات الاقتصادية والحروب التي أدت إلى زيادة التطرف والعنف داخل المجتمعات، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، والتي تشكل جميعها عوامل رئيسية للتطرف العنيف, أشارت تقارير صادرة عن جهات عديدة دولية إلى أن الجماعات المتطرفة استغلت حالة الخوف والارتباك وانشغال العالم بالأزمات لنشر خطاب التطرف والكراهية، والوصول إلى جمهور جديد، بما في ذلك المرأة والفتيات، والأطفال([6]).

لقد شهدت القارة الأوروبية هجرات كبيرة من مناطق عديدة بسبب الاضطرابات والصراعات ومنها بلدان الشرق الأوسط وإفريقيا, وعلى الرغم من أن المهاجرين لعبوا دور المنقذ للحياة في أوروبا التي تشهد شيخوخة سريعة، لا يجرؤ سوى عدد قليل من السياسيين – إن وجُد – على التطرق إلى الأمر لإقناعهم، أو صعود كراهية الأجانب بدعم من السلطة هل يتم إعادة تدوير المشاعر بفارغ الصبر إلى أدوات سياسية.

وبدأ معها شكل من أشكال  التقشف المستمر لخفض الأجور و تقليص القطاع العام بشكل كبير، حتى تقترب الظروف المعيشية في العالم المتقدم من نهايتها, والطبقات الوسطى الصاعدة كذلك في الصين والهند.

هناك توجه للحفاظ على الحاجة للحدّ من عدم المساواة من خلال شكل ما من أشكال إعادة التوزيع، والانتقال الذي يقوده الاستثمار إلى اقتصادات أكثر نمواً.

حتى الآن تبدو هذه الاستراتيجية الأخيرة غامضة مثل البدائل الجذرية, ولكن الاضطراب بدأ في أزمات كبيرة بعد التغيرات الكبيرة في الشرق الأوسط والعالم وإثر الحرب الأوكرانية الروسية والصراعات في جنوب آسيا وعلى الطرق التجارية الحيوية، وقد يستغرق الأمر سنوات عديدة حتى تتمكن من اللعب بنفسها([7])

أما فيما يتعلق بتطرف المرأة، فتشير منظمة الأمن والتعاون في أوروبا إلى أسبابه الجذرية المحتملة مثل عدم المساواة والتمييز بين الجنسين, حيث العنف ضد المرأة، ونقص الفرص التعليمية والاقتصادية، وانعدام الفرص المتاحة للمرأة لممارسة حقوقها المدنية والسياسية والمشاركة في العملية السياسية.

إن كراهية النساء أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الأيديولوجية والهوية السياسية والتهديد بممارسة العنف القائم على أساس نوع الجنس, وبإلحاق العار بالمرأة لأنها ترى تمكين المرأة كتهديد وتسعى هذه المجموعات إلى تعبئة المجنّدين حول مفاهيم الحد من تأثير المرأة ووجودها في المجتمع.

في أوروبا يتم ربط قضايا المرأة بالهجرة، حيث يُستخدم خطاب “حماية النساء” لتبرير سياسات متشددة. وتشير دراسات حديثة إلى وجود استقطاب سياسي حاد بين مؤيدي حقوق المرأة ومعارضي الهجرة، وهنا التبرير قائم على العلمانية والقومية.

 

سادساً: التطرف والأمن ودور الإعلام:

إن بناء ذاكرة جماعية للتعايش المجتمعي المتنوع في مراحل سبقتها التغيرات الكبيرة والتي أصابت المجتمعات نتيجة التدخلات الثقافية الغربية, وكذلك الصراعات المحلية والعقائدية والأثنية والقومية والدينية وغيرها وصعود التيارات اليمينية المتطرفة، وهذه شكلت واحدة من أبرز الصعوبات التي واجهت المرأة وماتزال تواجه بناء تعايش جديد في معظم دول ومجتمعات الشرق الأوسط.

الموروث التاريخي  يُعدّ من أبرز عوامل بناء ذاكرة التعايش, بيد أن الحاضر مازال يمسك ببعض ما مرت به المنطقة من تلك التغيرات المذكورة سابقاً، ويصعب تبعاً لذلك بناء ذاكرة تعايش مع التزام كل مكوّن ببناء ذاكرته الخاصة بعيداً عن مجال الفضاء العام الذي يسمح بتداول الحقائق وعرضها على الأفراد, وكما يقول ميشيل فوكو ” لا شي أصعب من نظام سياسي لا يكترث بالحقيقة، ولكن لا شيء أخطر من نظام سياسي يحتكر الحقيقة” .

ففي الشرق الأوسط، يتم ربط وضع المرأة بالاستقرار الاجتماعي، حيث تُستخدم القوانين لضبط سلوكها، باعتبارها عنصراً أساسياً في الحفاظ على النظام، والتبرير قائم على الدين والتقاليد.

وتصبح المسألة أكثر تعقيداً على التعايش إن تمّ احتكار فعل التذكر وبناء ذاكرة من جهة واحدة تجعل باقي الجهات تتهمها بالانحياز من قبل مكونات أو محاولة إلغاء ذاكرة الآخرين, أو منعهم من التذكر، إذ إنّ بناء ذاكرة واللجوء إلى الماضي والاحتكام  إليه  من أجل حسم النزاعات ,لا يمكن أن يبني أرضية لذاكرة مشتركة, لأن لكل حدث خاصيته غير القابلة للتكرار، والتذكر ما هو إلا نقل للماضي من طابعه الحدثي المتفرد والذي يمرّ سريعاً إلى طابعه المتمثل ذهنياً، أي الماضي كذاكرة أو صورة تومض .

إن القضية المتعلقة بالمرأة والسلام والأمن، وتسليط الضوء على الحجج الرئيسية التي تدفع صانعي وصانعات السياسات والجهات الممارسة إلى إدماج اعتبارات الجنسين في استراتيجية منع التطرف

العنيف على المستويات المحلية، والتحديات التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند تعميم منظور المساواة بين

الجنسين؛ تتناول أربعة عناصر أساسية لتعميم منظور المساواة بين الجنسين في استراتيجيات

منع التطرف، وهي:

  1. الاعتراف بالطبيعة الجنسانية للتطرف والعنف.
  2. الاعتراف بالمرأة بوصفها ضحية للتطرف والعنف.
  3. تحديد الأدوار المتعددة التي يمكن أن تؤديها المرأة لمنع التطرف والعنف.
  4. ضمان عدم انتهاك استراتيجيات منع التطرف لحقوق المرأة.

وفي إطار كل من هذه العناصر الأربعة، يمكن تحليل السياسات – أي حالات تعميم منظور المساواة بين الجنسين في برامج واستراتيجيات منع التطرف، وتعميم منظور المساواة بين الجنسين في أنشطة منع التطرف، وتحديد الممارسات الجيدة والثغرات المحتملة بهدف توجيه توصيات متعلقة بالسياسات إلى الدول التي تعاني من تلك الآثار.

في الشرق الأوسط والمنطقة العربية كانت هناك عدة محاولات لصياغة ميثاق حقوق الإنسان (إسلامي). وحاول من صاغوا هذا الميثاق أن يوائموا بين الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، وبين الميثاق الإسلامي, فاصطدموا بعقبات ثلاث، أولها موقف ميثاق حقوق الإنسان من العقوبات البدنية، وهو ما يتعارض مع تطبيق الشريعة الإسلامية، وثانيها موقف ميثاق حقوق الإنسان من المرأة، وهو ما يتعارض مع الفهم الخاص بالإسلام لدور المرأة وطبيعة وإطار نشاطها داخل المجتمع، وثالثها وهذا هو ما يهمنا الآن موقف الإسلام من(الردّة), وبمعنى آخر موقفه من إطلاق حرية الاعتقاد.

إن التطرف لا يعيش ولا ينمو إلا في ظل الديماغوجية، حيث تفقد العين القدرة على التمييز بين التطرف وبين الشرعية، وعندما يتنادى البعض بأن هناك تطرفاً مشروعاً وتطرفاً غير مستحبّ([8]).

على الجانب الآخر فإن الإعلام بوسائله المختلفة التقليدية منها والحديثة على السواء، وبما يقوم به من دور محوري في مناقشة وتناول مختلف قضايا المجتمع، لا يقف بطبيعة الحال بعيداً عن هذا الأمر، إذ اهتمت وسائل الإعلام وعبر سنوات طويلة مضت بمتابعة ظاهرة صناعة العنف والتطرف، فأصبحت توليها الصدارة وتخصّص لمعالجتها مساحات واسعة ضمن صفحاتها وبرامجها وشبكاتها، حتى أصبحت أخبار التطرف والعنف و الإرهاب وتبعاته ضيفاً مشتركاً ودائماً بين وسائل الإعلام.

تتغذّى مشاعر الكراهية لدى الأفراد أو الجماعات باستغلال الجانب الغرائزي والانتماءات الضيّقة والهويّات المغلقة التي تقوم على التعصّب, بادعاء الأفضليات وامتلاك الحقيقة تحت مسوّغات دينية أو عرقية (إثنية) أو طائفية أو مذهبية أو أيديولوجية أو عشائرية أو غير ذلك، وهذه بدورها تنمّي الشكوك وتزرع الأحقاد بين الناس، لأنها تقوم على ادعاءات التفوّق، فيُصبح “الآخر”، أي آخر خصماً أو عدوّاً “وكلّ غريب مريب”، وبالتالي فهو لا يستحقّ ذات المكانة التي ينتمي إليها الفرد أو المجموعة.

والتعصّب يتضمّن الرغبة في الإقصاء والإلغاء والتهميش، والحطّ من قدر الآخر، وذلك قبل أن يتحوّل إلى فعل أو سلوك، إلّا أنه يُصبح خطراً حين ينتقل من التفكير إلى التنفيذ فيتحوّل إلى تطرّف.

والتطرّف يقترن بفرض الرأي بالقوّة بزعم امتلاك الحق، فيسوق حججاً ومبررات لذلك، وهكذا لا يتورّع المتطرّف من اللجوء إلى العنف لفرض رأيه. والعنف هو نتاج استيلاء التعصب والتطرّف على عقل الإنسان، وتبرير ما يقوم به حتى ولو ارتكب مجازر، فلا ضير في ذلك, لأن الحقيقة ستكون إلى جانبه مدّعياً أن غايته شريفة، بغضّ النظر عن الوسيلة التي يستخدمها للوصول إلى غايته. وبالطبع لا تعصم المبادئ الدينية أو القومية أو الأيديولوجية من ارتكاب المعاصي والآثام تحت الحجج ذاتها.

 

ثقافة الكراهية هي نتاج فكر استعلائي متعصّب يدّعي احتكار الحقّ والحقيقة، بعضها يقوم على أوهام التفوّق التي يتم ضخّها بأساليب مختلفة من خلال مناهج التعليم والإعلام والخطاب الديني بالضدّ من الآخر، سواء بالممارسة العملية أو من خلال قوانين تمييزية تتعارض مع ثقافة السلام والتسامح والتنوّع والتعددية([9]).

إن الفكر المتطرف لا يقتصر على الفكر الديني الذي تتميز به الخطابات الدينية في هذه المرحلة من التاريخ العصيب الذي تمر به المجتمعات الشرق أوسطية، بل إنه يشمل الفكر المتطرف الغربي الذي اتخذ من الخطاب السياسي وسيلته للوصول إلى ذات الأهداف التي يخطط لها التطرف الديني، إلا أن وِجهة هذين الهدفين متباينة بالرغم من وحدة الفكر وتشابه الأساليب.

في الوقت الذي يحاول فيه الفكران المتطرفان الديني والسياسي اليميني الغربي أن يؤجّجا الصراع بين الشعوب على أنه صراع حضارات وقيم وتقاليد لا يمكنها إلا أن تصطدم مع بعضها البعض. يؤدلج الفكر المتطرف الديني فلسفته بمقولات وجعلوا منه قوانين ليحكموا بها حتى صحَّ على المجتمعات الشرق أوسطية والشرقية القول بأنها مجتمعات يحكمها الأموات.

إن ما قصدته هنا هو ذلك الفكر المتطرف الغربي الذي استند إلى أطروحة “صموئيل هنتنجتون” حول صراع الحضارات.

إن الأطروحة التي عمل عليها هنتنجتون هي نظرية الصراع هذه بين الحضارات والثقافات من قِبل الفكر المتطرف الغربي, وإحلالها عن عمد وإصرار محلّ واقع التنافس بين الحضارات والثقافات العالمية المختلفة وهو أمر يرتبط بشكل مباشر بإصرار هذا التطرف اليميني الهوى على التوجه الرافض لكل ما حققته المجتمعات في الغرب من التعايش بين الثقافات المختلفة سواءً الغربية منها أو الواردة إليها, بسبب الهجرات وانتقال العقول والشباب والأيدي العاملة وإزالة عراقيل الاتصال المباشر بين الشعوب المختلفة.

ورغم محاولات “هنتنجتون” شرح تصوّره عن الثقافة في مجتمع ما، والتي اعتبرها استجابة روحية للتراث والتي لا يمكن عزلها عن الامتداد التاريخي لحضارة ذلك المجتمع وما نشأ عنها من ثقافات عميقة الجذور,

وهو محقٌّ في ذلك إذا ما أخذنا بالحسبان التخلي عن تسويق ثقافته باعتبارها ثقافة صالحة للغير واحترام ثقافة الآخرين المنطلقة من تراثهم أيضاً.

إن الخلاف مع هذه النظرية هو خروجها بالنتيجة الحتمية لتصادم الثقافات الذي سيولّد تصادم الحضارات، وهذا ما لا يمكن حدوثه إذا ما حاولنا فهم هذا التصادم على أنه يتعلق بالمصالح السياسية والاقتصادية بالدرجة الأولى، وبالرغم من أن التواصل الحضاري والثقافي العالمي مستمر بطبيعته، قد يفترّ تارة ويشتدّ أخرى لا يمكن التوقف عنه، إذ أن مثل هذا التوقف يعني انقطاع السلسلة الحضارية المتواصلة منذ الأزل. أما التنافس بين الحضارات والثقافات فسيستمر حتماً طالما استمر التواصل بين بعضها البعض, حيث سيشكل هذا التنافس الحضاري الثقافي قوة الدفع العاملة على التطور المستمر.

إن ما تحقق في مجال التطور المعلوماتي الذي حوّل العالم كله إلى قرية صغيرة، وجعل الكل في متناول الكل دون أن تشكل الجغرافيا ومسافاتها وما يرتبط بهما من حساب الزمن دوراً أو تأثيراً  يُذكر في ذلك, إذ يدعو هذا التيار المتطرف الغربي إلى “تنظيف” المجتمعات الغربية من الثقافات الواردة والعودة “للأصالة” الثقافية السائدة قبل التداخل الثقافي هذا الذي حصل عبر الانتقالات التي حدثت بعد الهجرات.

 

خلاصة البحث:

يخلص البحث إلى أن صعود اليمين المتطرف، سواء بصيغته القومية أو الدينية في أوروبا أو المحافظة في الشرق الأوسط، أدّى إلى إعادة تشكيل موقع المرأة في المجتمع بطريقة تجعلها في قلب الصراع السياسي، ولكن دون أن تكون فاعلاً مستقلًا فيه.

ومع بروز مفاهيم جديدة بعد تنامي اليمين المتطرف وتوسّعه بخاصة في الغرب وانتشار الشعبوية ومناهضة المهاجرين ومحاربة النخبة السياسية والسيطرة على المفاصل السياسية. تم استخدام المرأة كأداة لإعادة تعريف الهوية، وكوسيلة لتبرير السياسات الأمنية، مما يؤدي إلى تراجع في بعض حقوقها. ورغم اختلاف السياقات، إلا أن النتيجة واحدة وهي خداع المرأة وتقييد حريتها تحت غطاء الحماية والأمن والحفاظ على الهوية والثقافة, والمحافظة على التقاليد القومية التاريخية، والدعوة إلى الحد من الهجرة، وهي القاعدة المشتركة لأي برنامج  سياسي للأحزاب اليمينية المتطرفة.

 

 

المراجع العلمية:

  • أسامة أحمد العادلي، صعود اليمين المتطرف في اوروبا وتداعياته،مجلة الدراسات السياسية والاقتصادية،كلية السياسة والاقتصاد، جامعة السويس، العدد2، اكتوبر2023
  • فرانسيس فوكوياما، عشر سنين على نهاية التاريخ، ترجمة المنصف الشنوني،المجلس الوطني الكويت، 2002م
  • مصطفى عبد العزيز،الهوية والهجرة والديمقراطية، المركز الدولي للدراسات المستقبلية والاستراتيجية، الجزائر،2007
  • شوقي جلال، التراث والتاريخ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت 2015
  • ميشيل فوكو، المراقبة والمعاقبة. ترجمة: د. الزواوي بغورة، دار التنوير، 2014.
  • وفاء صندي ، ما بين المشاركة في التطرف ومنعه، ، برنامج الامم المتحدة الإنمائي، أكتوبر 2022
  • زيجمونت باومان، الأخلاق في عصر الحداثة السائلة، ترجمة بثينة إبراهيم، سعد البازعي، هيئة أبو ظبي للثقافة،2016م
  • فرج فودة، الإرهاب، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة1992م
  • رامي عطا صديق، فاطمة الحسن، الإعلام والإرهاب: دراسة حالة وإستراتيجية مواجهة، العربية للنشر والتوزيع، 2018 م

[1] – أسامة أحمد العادلي، صعود اليمين المتطرف في أوروبا وتداعياته، مجلة الدراسات السياسية والاقتصادية،كلية السياسة والاقتصاد،جامعة السويس،العدد2، اكتوبر2023

[2] – فرانسيس فوكوياما، مقالة، عشر سنين على نهاية التاريخ، ترجمة املنصف الشنوني،المجلس الوطني الكويت ، 2002م

[3] – مصطفى عبد العزيز،الهوية والهجرة والديمقراطية، المركز الدولي للدراسات المستقبلية والاستراتيجية، الجزائر،2007

 

3- شوقي جلال، التراث والتاريخ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،الكويت 2015

 

 

 

[5] – ميشيل فوكو، المراقبة والمعاقبة. ترجمة: د. الزواوي بغورة، دار التنوير، 2014.

 

 

[6] – وفاء صندي ، ما بين المشاركة في التطرف ومنعه، ، برنامج الامم المتحدة الإنمائي، أكتوبر 2022

[7] – زيجمونت باومان، الأخلاق في عصر الحداثة السائلة، ترجمة بثينة إبراهيم، سعد البازعي، هيئة أبو ظبي للثقافة،2016م

 

 

[8] – فرج فودة، الإرهاب،الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة1992م

 

 

 

 

[9] – رامي عطا صديق ، فاطمة الحسن، الإعلام والإرهاب: دراسة حالة وإستراتيجية مواجهة، العربية للنشر والتوزيع، 2018 م

 

 

 

كاتب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.