الأزمةُ الهيكلية للحداثة الرأسمالية وصراعات الهيمنة
متين يامالاك
جنباً إلى جنب مع تشكل الدولة-السلطة، أصبحت الهيمنةُ أيضاً ظاهرةً سلبية تم تضمينها في حياة البشرية، وفي حين أنّ السلطةَ ظاهرةٌ طبقية، شكّلتها بُنىً مؤسسية واقتصرتْ على مجالها المحدد وارتبطتْ بنظامٍ إداري؛ فإنّ سلطاتِ الهيمنة مع ضمّ الدولة إليها، هي حالةٌ تُخضِع فيها البيئة المحيطة بها للتقييد والتحديد بالضغط الحتمي الناجم عن مصدر قوة واحدٍ أو أكثر. تتشكل الهيمنةُ عندما يقوم احتكارُ المعلومات الذي كوّن السلعَ ورأسَ المال من فائض المنتج، بحكر القوة العسكرية والقوة السياسية والعديد من الأشياء الأخرى المشابهة، وإتاحتها لأشخاصٍ آخرين في ظلّ ظروفٍ وتناقضاتٍ معيَّنتَين.
يقدّم ” أندريه غوندر فرانك ” تعريفاً قائماً على الاقتصاد على النحو التالي: ” الهيمنةُ هي التسلسل الهرمي لتراكم الفائض الذي يتم تشكيله من خلال العنف بين الوحدات السياسية والدول والطبقات المكوِّنة لهما، حيث تم إنشاءُ تسلسلٍ هرمي للتراكم والمراكز الإدارية، الذي يمنح الدولةَ المركزيةَ المهيمنة وطبقاتها المالكة الحاكمة، حصةً مميزة وقوةً سياسية واقتصادية للحصول على هذه الحصة”[1].
يحدّ ” إيمانويل والرستاين ” الحداثةَ الرأسمالية بخمسمائة عامٍ على وجه التحديد بقوله: ” لأول مرة منذ 500 عام من وجود النظام الرأسمالي العالمي، يمر بأزمة نظامية حقيقية لأول مرة، ونجد أنفسنا في عصر انتقالي “[2]. يقول عبد الله أوجلان: ” إذا تذكرنا من جديد السماتِ الثلاث للأنظمة الحضارية؛ الأولى هي المنافسة-الهيمنة، والثانية هي المركز-المحيط، والثالثة هي الطابع الدوري للصعود-للهبوط، أمّا أساسها يكمن في الصراع بين الاحتكارات على السلطة والاقتصاد”[3]. “ليس فقط الدويلات-القومية التي كانت سائدة خلال المائتي عام الماضية تتفكك، بل انهارت أيضاً تقاليدُ الحضارة والسلطة التي عمرها 5000 عام”.[4]، ويوضح أنّ جميعَ هياكل السلطة والدولة قد دخلت في انهيارٍ تاريخي. على مدار تاريخ السلطة والدولة، انتشرت الهيمنة التي تشكلت في المناطق المحلية إلى مناطقَ أوسع، كسلسلةٍ ارتبطت حلقاتها ببعضها البعض، مرتبطة بالهيمنة، وارتباطها بالهيمنة على مستوى الدول، جعلتها تحتلّ العالمَ كهيمنة قارية، وفي نهاية المطاف كهيمنةٍ مركزية عالمية.
الدولة تستند على الطبقات
يستمر وجودُ الحداثة الرأسمالية كهيمنة المركزية العالمية، لكنها كقوة؛ وصلت إلى نهاية وجودها وبلغت ذروتها، فهي تعيشُ أزمةً وفوضى، وتشير الحربُ العالمية الثالثة إلى مجمل الأحداث التي وقعت بحثاً عن التخلص من هذه الأزمة. إنّ طابعَ الحرب العالمية الثالثة ليس في شكل الاستيلاء على المستعمرات وإنشاء كتلةٍ مهيمنة خاصة بها، كما في الحربين العالميتين الأولى والثانية، بل في مناطق الهيمنة المتشابكة، حيث يتم قبولُ هيمنة بعضهم البعض في محاولةٍ لخلق توازنٍ جديد من خلال إعادة تحديد المنطقة التي ستحتلها حسب قدرة الجميع، وإعادة تحديد الأسواق التي سيسطرون عليها، وحدود قدرتهم المكانية والقوة الناتجتين عن محاسبة بعضهم البعض.
نعيشُ الحربَ العالمية الثالثة منذ تسعينيات القرن 20، هذه الحربُ لا تشبه الحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث أنّ القوى العظمى لا تهاجم بعضها البعض بشكلٍ مباشر بكل قدراتها العسكرية، ولكنها جلبت بشكلٍ غير مباشر كلَّ ما لديها من قواتٍ إلى ساحة المعركة هذه، وليس فقط القوة العسكرية، إلا أنّ هناك العديد من أوجه التشابه والاختلاف مع الحروب القديمة، وقد خلق هذا الوضع قدراً كبيراً من الارتباك، مع التصريحات والتحركات العديدة المضادة والمتناقضة لمراكز القوى المهيمنة، ويجعل من المستحيل فهم ماهيته بجهد بسيط.
إنها سمةٌ عامة لحالة الأزمة والفوضى، لكن لا ينبغي تجاهلُ دور تلوث المعلومات الناتج عن إمكانيات العصر في عدم الفهم. كانت فترةُ الحرب الباردة هي فترةُ حرب الهيمنة التي خاضها طرفا النظام نفسه، وكانا يتصرفان كما لو كانا متضادين. تستمر الحداثةُ الرأسمالية في إعادة بناء النظام من خلال المساهمات الإيجابية-السلبية للحركات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتكنولوجية والعلمية في الحياة. إنها عمليةُ ربط الأثنيات والفقراء والعمال والطبقات المضطَّهدة بالنظام تحت مظاهر مختلفة ومتناقضة، وإبقائهم تحت هيمنته والحفاظ عليهم في توازنٍ طوال قرن. عندما انهار الاتحادُ السوفييتي، دخلت الهيمنة التي مثّلتْ قطبَي الحرب الباردة في مرحلة الانهيار والدمار، إنها مرحلةُ الفاصل الفوضوي وبداية الحرب العالمية الثالثة. إنّ التراكمات الكمية الناتجة عن تحركات الدفع-الجذب لقوى الحداثة الرأسمالية هي حالةٌ مستمرة حتى يومنا هذا، مما يتسبب في حدوث انفجارات من وقتٍ لآخر، كبحثٍ عن إنشاء نظام جديد.
إنّ المحاولات التي قامت بها الكتلة الأمريكية-الغربية تحت مسميات مثل BOP (مشروع الشرق الأوسط الكبير) – GOP (مشروع الشرق الأوسط الموسّع)، وحروب الخليج، والتدخل واحتلال العديد من الدول، وتغيير العديد من الحكومات، وحتى ابتلاء البشرية بآفة مثل داعش، هي نتائجُ هذا البحث عن النظام، أي السعي لتأسيس الهيمنة. الآن، يقول أسيادُ نظام الحداثة الرأسمالية، إنّ مؤسساتهم- مثل الناتو والأمم المتحدة- فقدت وظائفها ولا تملك القدرة اللازمة لتلبية الاحتياجات، إنهم يعبرون عن جهودهم في البحث عن الجديد وإنشائه. إنّ المنظماتِ العالمية- مثل حلف شمال الأطلسي والأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومحكمة العدل في لاهاي واليونيسيف ومنظمة العمل الدولية وغيرها ومثيلاتها في قارات مختلفة- هي وسائلُ لربط المجتمعات والدول بنظام الهيمنة المركزي، وقد تمت محاولة تحقيقها من خلال مؤسسات مشابهة في القطب المقابل وهي حلف وارسو، والأممية، وخماسي شنغهاي، وغيرها، وقد أصبحت الآن مكشوفةً بما فيه الكفاية ومنحطة ومهترئة؛ وبدأت في أن تصبح مختلة وظيفياً من خلال فقدان قدرتها على توليد الاهتمام والأمل، وشكّل ذلك جزءاً من الأزمة البنيوية للحداثة الرأسمالية. الحداثة الرأسمالية هي نظام يطور ردودَ أفعالٍ لدمج كل ديناميكية وعنصر موجود في العالم، ومن المخالف لقانون الطبيعة أنه يحقق ذلك بنسبة 100%، لكنه أيضاً واقع، فهو حقق ذلك إلى حدّ إرساء الهيمنة العالمية مع جميع عناصر اليمين واليسار، فالمشكلة الرئيسية هي أنّ هذا لم يعد يجدي نفعاً، ويؤدي إلى الفوضى ويُظهِر ديناميكيات جديدة أكثر ويتسبب في أحداثٍ لا يمكن السيطرة عليها، سواء كانت إيجابية-سلبية، ويشكل هذا الوضع خطراً كبيراً على بقاء الحداثة الرأسمالية واستمرارها، فقد بذلت الكثير من الطاقة في محاولة الحفاظ على السيطرة منذ التسعينيات.
إنّ الجهاتِ الفاعلة في الحرب الباردة، التي في مقدمتها روسيا، والولايات المتحدة الأمريكية، تحاول سلبَ الأموال من بعضها البعض. أحدث مثال يجري في أوكرانيا. لكن هذه الجهات الفاعلة لا تختلف اختلافاً جوهرياً عن بعضها البعض أثناء الحرب الباردة والآن أيضاً.
يشرح ” إيمانويل والرستاين ” هذا في ستة مواضيع أساسية على النحو التالي:
“على المستوى الأيديولوجي – أصبحت الماركسية نسخةً من الليبرالية الويلسونية أكثر من كونها بديلاً حقيقياً. في الواقع، تشترك الأيديولوجيتان في الالتزام بالافتراضات الأساسية لثقافة جو، وعلى الرغم من أنهما في بعض الأحيان كانتا تعبران بلغة مختلفة قليلاً، إلا أنهما اتفقتا على الأقل على ستة برامج رئيسية ووجهات نظر عالمية وهي:
- أيدتا مبدأ تقرير مصير الأمم.
- دافعتا عن التنمية الاقتصادية لجميع الدول، حيث كانتا تقصدان بها التحضر والتسويق والبروليتارية والتصنيع إلى جانب الازدهار والمساواة في نهاية النفق.
- أعربتا عن إيمانهما بوجود قيمٍ عالمية تنطبق بالتساوي على جميع البشر.
- أعربتا عن ثقتهما في صحة المعرفة العلمية، وخاصة بالنموذج النيوتوني، باعتباره الأساس العقلاني الوحيد للتطور التكنولوجي.
- أيقنتا أنّ التقدمَ البشري أمرٌ لا مفرّ منه ومرغوب فيه، إلخ، وأنّ الدولَ المركزية القوية والمستقرة يجب أن تتواجدَ كي يتحقق التقدم.
- تعلنان إيمانهما بالإدارة الشعبية، الديمقراطية، ولكنهما في الواقع عرّفتا الديمقراطية على أنها حالةٌ يسمح فيها لخبراء الإصلاح العقلانيين باتخاذ القرارات السياسية الأساسية.[5]
يظهر أنّ صراعَ الهيمنة بين قطبي الحرب الباردة كان على شكل صراعٍ من أجل الحصول على مكان، وفي كلا القطبين، إنّ “حق الأمم في تقرير مصيرها” ليس ثقافياً أو سياسياً حقيقياً، بل هو تقريرُ المصير على شكل دولة في أيدي طبقة، وهذه ليست طريقة الأمة لتنظيم نفسها وتصبح إرادة مستقلة وحرة ومكتفية ذاتياً وذاتية الحكم، بل تصبح خاضعة لطبقة حاكمة برجوازية-بروليتارية تمسك بزمام أمور الدولة.
الدولة تستند حتماً على الطبقات. الأيديولوجية الليبرالية للحداثة الرأسمالية تدافع عن “حق الأمم في تقرير مصيرها” والذي هو دولة-قومية تخضع لهيمنة البرجوازية، وتربط المجتمعات وكل ما ينتمي إليها بنظام الهيمنة المركزي، وإن “حق الأمم في تقرير مصيرها” الذي تدافع عنه الأيديولوجية والنظام الاشتراكي المشيَّد، هو شكلُ دولةٍ تخضع لسيادة البروليتاريا. كلتا الكتلتين المتضادتين ظاهرياً، وعلى أساس المبدأ ذاته، ضمتا الشعوبَ التي يمكن أن يكون لها ميلٌ حقيقي نحو التحرر إلى مناطق هيمنتهما من خلال تقييد الشعوب بدول تهيمن عليها البرجوازية أو البروليتاريا، وما لم توافق الكتلتان على أي طبقة أو أمة، فلن تتمكن من أن تصبحَ دولة أو تجد الفرصة لتأسيس حياة مختلفة لنفسها، ولن يكون بوسعها تجنب التعرض المستمر لتدخلات قوى الهيمنة العالمية والمحلية التابعة لهما. الطبقات التي هي دولة، أي البرجوازية والبروليتاريا، بما أنها دولة بفضل الهيمنة المركزية التي تتبع لها، فقد أخذت على عاتقها مسؤولية حماية سياسات ومصالح الهيمنة النظامية، والقيام بالإدارة وممارسة السياسة وفقاً لذلك.
لماذا لا نكون مُفعمين بالأمل؟
لقد حكمت الدولُ-القومية المرتبطة بالهيمنة المركزية المجتمعَ من خلال المواساة المستمرة وإعطاء الأمل من خلال الوعد بإنشاء المستقبل. وبينما حفزت دكتاتوريةُ البروليتاريا الجماهيرَ من خلال الإشارة إلى مرحلة المجتمع الشيوعي المراد تأسيسها، أبقت الدولُ الليبرالية الجماهيرَ مرتبطة بالنظام مع وعد دولة الازدهار والديمقراطية والإصلاح المستمر. وكما أكد والرستاين في البنود الستة المذكورة أعلاه، فسواءٌ الليبراليين أو الدول الاشتراكية (كلاهما ذريعة هيمنة الحداثة الرأسمالية) قد وعدتا المجتمعات التي تهيمنان عليها، بأنهما ستطوران الازدهارَ الاجتماعي والديمقراطية والحرية والمساواة من خلال التصنيع، ورفع مستوى التعليم وتنظيم قطاعات الإنتاج الكبيرة، لكنّ النظامَ المتموضع في معادلة التصنيع والازدهار، أدى إلى تطوراتٍ سلبية مثل الدمار البيئي الهائل، وانتشار سباق القوة ليشمل جميع مجالات الحياة، والتدمير الدائم للطبيعة والمجتمع، والمزيد من البؤس والأنظمة القمعية والتسلح كماً ونوعاً بفلكية من شأنها تدمير البشرية. لقد فرضوا على وعي المجتمعات الادعاء بأنّ القيمَ والمؤسسات العالمية المبنية حول هذه القيم ستحلّ كل أنواع المشاكل داخلياً وخارجياً وستتاح للجميع دون تمييز. الأحزابُ والمنظمات الاشتراكية والشيوعية من جميع أنحاء العالم، التي تأسست بدعوى أنها الطليعةُ الثورية لشعوبها، تصرفت بولاءٍ كبير بما يتماشى مع السياسات التي حددها صناعُ القرار في الكتلة الشيوعية، وكان من المأمول أن تنتشرَ الثورة في جميع أنحاء العالم، وأن تتحرك هذه القوة ذات يوم وتُحدِث ثورةً في دولها، ولكن في وقتٍ لاحق، عندما أدركوا أنّ كل السياسات تم حشدها لصالح الدولة الروسية السوفييتية، حينها تم تسويقُ الأمل للأقليات والأمم حول عقيدة الدفاع عن الحضارة الديمقراطية.
إنّ حلفَ شمال الأطلسي، الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي والمنظمات الدولية الأخرى التابعة لهم، الذين حافظوا على الآمال حية، اتخذوا استغلالَ قيم وآلام وأعمال وآمال الأقليات أساساً لهم بأدق الأساليب من أجل تأمين مصالحهم وتطوير هيمنتهم تحت ستار الدفاع عن العدالة العالمية، وحقوق الإنسان، وما إلى ذلك. ولهذا السبب، لم تدافع اليونيسف قط عن حقوق الأطفال، ولم تدافع الأممُ المتحدة قط عن حقوق الشعوب والثقافات التي تعرضت للإبادة الجماعية كما وعدت، وفي كلا الكتلتين، تم قبولُ العلم باعتباره المقياس الصحيح الوحيد، ولكن تم استخدام العلم لأغراض الهيمنة، وتم ارتكابُ عددٍ لا يحصى من عمليات الإبادة الجماعية في الطبيعة والمجتمعات نتيجة للهندسة الاجتماعية ذات التفسير الوضعي. لقد تطورت العلموية كدين، وقد أدت وظيفة أكثر تخلفاً واستعباداً من الدوغمائية الدينية، وعملت كجهاز فتوى حديثٍ يضفي الشرعيةَ على كل أنواع الاستغلال والنهب وحروب الاحتلال ويدمر الأخلاق الاجتماعية، ويحطم الإرادة الحرة، ويقوم بتصفية القيم الروحية، ويعطي الأولوية للمادية. ومن خلال تطوير الاعتقاد بأن المعضلة ممكنة فقط مع الدولة وفي مجتمع قائم على الدولة، فقد منعوا المجتمعاتِ من التفكير بدون دولة ومن الحلم بإنشاء نظام بلا دولة والتوجه إليه، وبالمثل، فقد أبقوا الديمقراطية في حدود التمثيل كظاهرةٍ طورها عددٌ من النواب والخبراء، فالنوابُ يصنعون السياسة نيابة عن المجتمع، ويقررون كيفية حلّ المشكلات الاجتماعية ويقدمون المشورة، أما الخبراءُ في كل مجال، يقررون لصالح النظام ونيابةً عنه، مَن هو الصديق ومَن هو العدو، ما هو الجيد وما هو السيء، ويعرّفون الأنظمة التي لا يستطيع الناس فيها أن يقرروا مصيرهم، كديمقراطية ويتم تقديمها على أنها دولة مزدهرة. وعلى الرغم من أنّ هذه الدولَ كانت على القطبين الأيسر والأيمن للحرب الباردة وأخذت موضع الأعداء لدودين، إلا أنها خدمت الهيمنة العالمية للحداثة الرأسمالية. حيثما توجد دولة، كان الخاسرون دائماً هم الشعوبُ، والعمالُ المضطّهَدون والمستغَلُّون، والفقراء، والأقليات، والنساء، والطبيعة.
في عام 1989، لم تكن الكتلة الاشتراكية المشيّدة وحدها هي التي انهارت في الاتحاد السوفييتي، بل أيضاً الكتلة الرأسمالية فقدت قدرتها على البقاء في حالة توازن، وبدأت في الانهيار. بدأت عملية الهدم الهيكلي، وعلى الرغم من تطوير التحركات والتدخلات والمشاريع المختلفة لوقف العملية، إلا أنه لم يتم التوصل إلى حلّ. إنّ قولَ والرستاين: ” من المرجّح أن يكون هناك قحطٌ في السلام والاستقرار والشرعية في الفترة من 1990 إلى 2025-2050″[6] ثبُتَ أنه تنبؤٌ صحيحٌ إلى حدّ كبير. في بيئة الأزمة-الفوضى الحالية، إنّ السعي إلى إعادة تأسيس الهيمنة وإنشاء نظام، هو محاولة كل قوة مهيمنة لإعادة تحديد مناطق هيمنتها وضمانها من خلال فرض قواها الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية والسياسية وما إلى ذلك على المنافسين الآخرين كسلاح، وهناك احتمالٌ أن يكون هذا الأمر متعدد الأقطاب أيضاً، لكن هذا لن يكون كافياً.
ربما سيتم تشكيلُ أقطاب مثل الولايات المتحدة وأوروبا والصين وروسيا والهند وأفريقيا وجامعة الدول العربية، لكن هذه ستكون تموضع للطبقات الحاكمة على أساس الدولة والسلطة، وبالنظر إلى الوضع الحالي للطبقات المضطهَدة والأثنيات والنساء وجميع أنواع الأقليات الاجتماعية والمختلفين، فمن المحتمل جداً ألا يتم ضمهم إلى هذه الأقطاب، لأنه لم يتم تقديم أي شيء لإقناعهم، ولكسب إيمانهم وثقتهم، ولإثارتهم مرة أخرى، ومنحهم الأمل، ولم يبقَ إلا هيكلُ النظام الحداثي الرأسمالي المحبَط، الذي وصل الآن إلى نهاية وجوده حيث يتحول تدريجياً إلى أنقاض. هؤلاء أصبحوا أدوات قديمة وفاسدة وغير صالحة للعمل وأصبحوا عبئاً ومشكلة كبيرة، فمن خلال إعادة تقديم هذه الأدوات مرة أخرى، لا يمكن إعادة النساء والمجتمعات السياسية والاجتماعية والأثنية والثقافية المضطهَدة والمستغلَة لسيطرة الهيمنة وضمهم إلى النظام، إذ أنّ نظامَ الحداثة الرأسمالية آخذٌ في التصدع، ويهتز ويتشقق، وينهار شيئاً فشيئاً، ولكن من غير الواقعي أن نأملَ في رؤية سماءٍ صافية وسهول خضراء مشمسة وجبال ووديان وغابات عبر التصدعات، وما هو مرئي سحابة من الضباب والغبار، فهناك حاجة إلى نماذج بديلة يمكن أن تكون علاجاً وحلاً لتدمير الطبيعة والمجتمع بشكل مروّع، وهناك العديد من البدائل الآخذة في الظهور، ولكنها لم تتمكن بعد من تأسيس مسرحها العالمي، وسيكون هذا ممكناً من خلال البرامج والأنظمة والمنظمات التي يمكن فيها للنظرية والممارسة العملية الملموسة، والتي ستؤثر على جميع الشرائح الاجتماعية -بمعنى ما الإنسانية- باستثناء الدول والحكومات والطبقات الحاكمة، أن تجعل نفسها صالحة للعيش في الظروف الحالية والحقيقية، فهناك العديدُ من المنظمات كالحركات والأحزاب والكومونات وما إلى ذلك في أجزاء كثيرة من العالم تحاول تقديم ذلك، إنهم يخضعون لامتحان، كونهم بديلاً بمنظماتهم النظرية والاستراتيجية والتكتيكية المختلفة. وكما أنّ جميعَ الحركات والتطورات الحيوية، الإيجابية والسلبية، عرّضتْ قوى الهيمنة المتحورة في السلطة-الدولة للتحول، فقد عرّضت أيضاً جميع المجتمعات التي يسيطر عليها المهيمنين للتحول، فهذه التغيراتُ الاجتماعية هي العاملُ الأكبر الذي أدخل الحداثة الرأسمالية في أزمة، ومقارنة بالعصور السابقة، أصبح البشرُ الآن مرتبطين بشكل أعمق بفرص الإدمان التي يوفرها نظام الهيمنة. إلّا أنه بالمقارنة مع البشر في العصور السابقة، فإنهم يرون الوجهَ الحقيقي للنظام المهيمن أكثر، ويقومون بفك لغزه، وهم أكثر دراية ومعرفة به. يبدو أن هذا الوضع متناقض، لأن هناك إنساناً أكثر اعتماداً على إمكانيات النظام المهيمن، ولا يتخلى عنه، ولكنه أيضاً يعمق الوعي، بأنه هو القوة التي تسبب الدمار البيئي والاقتصادي والسياسي والثقافي والاجتماعي للطبيعة والمجتمع. وهذا لا يتعارض في الواقع مع الديالكتيك.
إنّ إنسانَ هذا العصر أكثرُ فرديةً من إنسان كل العصور السابقة، لكنه جرّب الفردية التي جرّته إليها الحداثة الرأسمالية إلى حدّ كبير، ويدرك نسبياً أنّ نظرياتِ النظام الاستشراقي والتقدمي والتنموي كلها نظرياتُ مواساة وخادعة، وتم تطويرها لصالح الهيمنة، لكنه متردد، ولم يتخذ قراره بعد للبحث عن بديل، فهو في حيرة من أمره. ومع تعمق أزمة النظام، فإن موقف هذا الفرد الذي تقلصت مساحة معيشته، سيتخذ رد فعلٍ دفاعي يؤدي إلى توضيح بعض القرارات في ذهنه المشوش، وهذه هي طبيعة الفردية وهي نزعة مفتوحة لكل احتمال، وإن النزعة إلى ” يجب أن أعتمد على نفسي دون مساعدة أحد ” يجبره على إنتاج بدائل بيئية واقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية وديمقراطية ضد النظام، وقد تكون أقرب مرحلة لفهم البدائل الخاصة بالأشخاص الذين لديهم البصيرة هي الأزمة النظامية للحداثة الرأسمالية والحياة المليئة بفيروس كورونا والتطورات السلبية الناجمة عنها في جميع المجالات، ووهم على دراية أنّ هذه الأزمةَ لن تنتهي، فالمنظماتُ الموجودة في جميع أنحاء العالم المناهضة لنظام الحداثة والهيمنة الرأسمالية هي دليلٌ ملموس على ذلك.
عندما تتعلمُ البشرية وتستفيد من تجارب بعضها البعض، فإنها ستدرك العديدَ من التطورات غير المتوقعة. لقد قامت الدول-القومية بربط الشعوب والأمم بالنظام من خلال تقديم دولة رأسمالية مزدهرة معززة بالصناعة، كخلاص لهم، وهي الآن لا تستطيع أن تقدمَ أي جديد، ولا يمكنها أن تجدَ ما يقنع الناسَ، والأزمة تتعمق.
من الممكن خداعُ المجتمعات مرة أخرى في أزمة وفوضى الحرب العالمية الثالثة، لكن الأمرَ لن يكون بهذه السهولة، ففي هذه الفترة، هناك احتمالٌ قوي أن تتطورَ بدائلُ الحداثة الرأسمالية بسرعة وتحدّ من جميع الجهات الفاعلة المهيمنة القائمة، وهذا الاحتمالُ سوف يفتح أبعاداً أبعد بكثير من تلك المتوقعة والمفروضة من قِبَل الاستقطابات المهيمنة كالولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي واليابان والصين وروسيا وغيرها.
يقول (غي ديبور): ” لطالما حلم العالمُ بوقت ما، ولكن من أجل أن يعيشه حقاً، يجب أن يكون لديه وعيٌ من الآن “[7] وأضاف في الصفحات المتقدمة من الكتاب، الاقتباس التالي من (سان تزو): ” مهما كانت خطورة الوضع والظروف التي تعيشونها، فلا تيأسوا؛ ليس هناك ما يدعو للخوف في المواقف التي يكون فيها كل شيء مخيفاً، فعندما نكون محاطين بالمخاطر، لا تخافوا من أي من هذه المخاطر. عندما تشعرون باليأس، ثقوا بكل ما تحصلون عليه، عندما يتم اصطيادكم على غفلة، اصطادوا العدو على حين غرة “[8].
تبدو الحربُ العالمية الثالثة وكأنها دوامة من السلبيات، ولكنّ العكسَ أيضاً صحيح، حيث أنّ الشعوبَ تخلق بدائلها. إنّ الأمة الديمقراطية والحداثة الديمقراطية التي يهدف إلى تحقيقها النضال المستمر منذ خمسين عاماً في كردستان، هي خطوةٌ مهمة وعظيمة نحو إمكانية تطوير بديل للشعوب، وتتخذ البشرية مثل هذه الخطوات في أجزاء كثيرة من العالم، وفي حروب هيمنة القوى التي شنت الحرب العالمية الثالثة، إن هذه الخطوات التي هي الواقع الجديد، وتنتمي إلى الإنسانية، هي حركات ليست في الحسبان أو لا يُنطَق بها، والتي يكون المجتمع فاعلها المباشر والذي تم تجاهله. ربما سيؤسسون مسارحهم العالمية عندما يقتربون من بعضهم البعض، ولهذا السبب، لماذا لا نكون مفعمين بالأمل!
[1] أندريه غوندر فرانك؛ النظام العالمي
[2]أيمانويل والرشتاين، السياسة في القرن 21
[3]عبد الله أوجلان، مانيفستو الحضارة الديمقراطية، المجلد الرابع
[4] عبد الله أوجلان، مانيفستو الحضارة الديمقراطية، المجلد الرابع
[5] إيمانويل والرستاين، بعد الليبرالية
[6] إيمانويل والرستاين، بعد الليبرالية
[7] غي ديبور، مجتمع الاستعراض
[8] سان تزو، فن الحرب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.