مجلة فكرية سياسية ثقافية تعنى بشؤون الشرق الأوسط

من التفاهة إلى الراديكالية مسارات تحوّل الخطاب الشعبويّ في الأنظمة الدولية

 

 

فاضل مصطفى

مقدمة:

إن التحولات النوعية في طبيعة الخطاب السياسي والتي أفرزتها الساحة السياسية الدولية في العقود الأخيرة، ساعدت على بروز الشعبوية كأحد أبرز الظواهر المؤثرة في تشكيل الرأي العام وصنع القرار.

حيث لم يعد الخطاب الشعبوي يقتصر على تبسيط القضايا أو استمالة الجماهير عبر لغة عاطفية، بل تطور تدريجياً ليأخذ منحى أكثر حدّة، متحوّلاً من خطاب “تفاهة سياسية” قائم على الإثارة والسطحية، إلى خطاب راديكالي يميني متطرف يحمل مضامين إقصائية وعدائية.

هذا التحول لم يكن عفوياً، بل جاء نتيجة تفاعل عوامل متعددة، منها الأزمات الاقتصادية، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وصعود الإعلام الرقمي الذي ساهم في انتشار الخطابات المبسطة والمشحونة عاطفياً.

ومع الوقت، أصبحت هذه الخطابات أرضية خصبة لتبنّي مواقف أكثر تطرّفاً، خاصة في سياق التنافس السياسي.

يسعى هذا البحث إلى تحليل مسارات هذا التحول، وفهم كيف تنتقل الشعبوية من مجرد خطاب بسيط إلى أداة راديكالية تؤثر في استقرار الأنظمة الدولية.

 

أهمية البحث:

تأتي أهمية هذا البحث من كونه يتناول ظاهرة معاصرة, فهو يساعد في فهم تطور الخطاب السياسي في عصر الإعلام الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وتحليل العلاقة بين التفاهة والشعبوية والراديكالية، والكشف عن تأثير الخطاب السياسي على السلم الاجتماعي والعالمي وعلى العلاقات بين المجتمعات والأنظمة.

يمكن من خلال البحث معرفة تحليل مفهوم الشعبوية وتطورها، ودراسة مراحل تحوّل الخطاب الشعبوي، وتفسير العلاقة بين التفاهة السياسية والراديكالية، وتفسير  تأثير هذا التحول على الأنظمة السياسية والعلاقات الدولية.

 

إشكالية البحث: تتمثل الإشكالية الرئيسية في الأسئلة التالية:

كيفية تحوّل الخطاب الشعبوي من مستوى التبسيط والتفاهة إلى مستوى الراديكالية والتطرف في سياق الأنظمة العالمية، وما العوامل التي ساهمت في هذا التحول، وماهو دور الإعلام في تسريع هذه العملية، وكيفية تأثير هذا التحول على الاستقرار السياسي والنظم والعلاقات الدولية.

 

مصطلحات البحث:

الشعبوية:

خطاب سياسي يقوم على مخاطبة “الشعب” مقابل “النخب”، ويعتمد على التبسيط والاستقطاب.

ومما لا شـك فيــه أن الشــعبوية وخلال الســنوات القليلــة المنصرمــة، قــد أصبحــت ظاهــرة مثـيرة للقلــق، خاصــة بعــد الدفــعة الـذي أعطاهـا إياهـا اليمـين السـياسي في الغـرب.

فأصبحنـا نقـرأ يومياً في الصحـف الغربيـة مقـالات عـن الشـعبوية كظاهـرة وعـن السياسـيين الشـعبويين وتصريحاتهـم. وبالمجمـل تعتمـد تلـك المقالات والتحليلات على شــيطنة الشــعبوية، باعتبارهــا ظاهــرة خطــرة تفســد السياســة والأخلاق السياسـية، أو تُناقـض الديمقراطيـة الحديثـة، أو تنتقـص مـن حقـوق الإنسـان, فبإمكانهـا أن تـؤدي إلى سياسـات لاعقلانية، أو إلى تعصـب إزاء الآخـر وتطـرّف، وتعمـل عـلى أن تخفـي الحقائـق وتكذّبهـا، أو تحـرّف نظـر المواطنيـن عـن القضايـا الهامـة. لتصبـح تهمـة الشـعبوية إزاء شـخص سـياسي أو خطـاب معـيّن أداة لتحقّـر مـا يقـال أو للتقليـل مـن قيمتـه في اللعبـة السياسـية.

يعتبر التعريف الدقيق الذي يصف الشعبوية على أنها تعبر عن أيديولوجيا تنظر إلى المجتمع على أنه ينقسم في نهاية المطاف إلى مجموعتين متجانستين ومتناحرتين، وهما الشعب الخالص والنخبة الفاسدة، ويفترض أن السياسة ينبغي أن تشكل عن الإرادة العامة التي يملكها الشعب.

 

التفاهة السياسية:

نمط من الخطاب يقوم على السطحية، والإثارة، وتبسيط القضايا المعقدة، ولدراسة الأركان التي تعتمد عليها التفاهة لخلق نظامها لا بد لنا من معرفة الأسباب التي أدت إلى ظهورها وتحولها الكبير, وهي تعود إلى عوامل تتعلق بالسيسيولوجيا والاقتصاد والسياسة والشأن العام .

إن الكلفة الكبيرة في صناعة التفاهة السياسية، وتداعياتها المستقبلية هل من شأنها ممارسة الأدوار المغلوطة  والسلبية؟.

هذه أسئلة وغيرها تكشف لدى بعض المجتمعات والشعوب والحكومات قلقاً حقيقياً لما يتم العمل عليه في المجتمعات والأنظمة، لا من زاوية النظرة البنائية، التي تُظهر النسق منسجماً مع مكوناته، بل من الزاوية التفكيكية، لأن منطق الظواهر يقول بأنه لا شيء يحصل بالمصادفة بل متعلق بصناعة نظام قادر على تحريك المجتمعات والشعوب وتغير الرؤى والسياسات.

 

الراديكالية:

عـرّفت الراديكاليـة مـن زاويـة تضفـي طابعـاً أمنياً أو مــن منظور اجتماعي ثقافي، وقـد يجري اعتبارها قـوة متصاعـدة أو محافظة، وقـد ينظر إليها عـلى أنها مرادفـة للتطرف أو العنف السياسي أو العمل السياسي,

وتبنّي مواقف متطرفة تسعى إلى تغيير جذري في النظام السياسي أو الاجتماعي.

وتُعدّ الراديكالية من المفاهيم السياسية والفكرية التي أثارت جدلاً واسعاً في الفكر المعاصر، إذ ترتبط في كثير من الأحيان بقضايا التغيير الجذري، والتحول الاجتماعي، وأحياناً بالعنف السياسي.

والراديكالية بوصفها اتجاهاً فكرياً تسعى إلى تغيير جذري في البنى السياسية والاجتماعية القائمة، أي أنه لا يكتفي بالإصلاح الجزئي أو التعديلات السطحية، بل يطمح إلى إعادة بناء النظام من جذوره.

ومن هذا المنطلق، فإن الراديكالية في أصلها ليست ظاهرة سلبية بالضرورة، بل قد تكون أداة نقدية تهدف إلى كشف اختلالات النظام ودفعه نحو التغيير.

 

الأنظمة الدولية:

مجموعة العلاقات والتفاعلات والاتفاقيات والقواعد بين الدول والمؤسسات العالمية، والتي تنظم سلوك الدول في مجالات محددة مثل النظام التجاري العالمي، واتفاقيات المناخ، ومجلس الأمن.

ويعرّفها ستيفن كراسنر بأنها مجموع المبادئ والمعايير والقواعد وإجراءات صنع القرار التي تتقارب حولها توقعات الفاعلين في مجال معين من العلاقات الدولية.

 

الشعبوية، التفاهة، الراديكالية

المحور الأول: الشعبوية:

تُعدّ الشعبوية من أكثر المفاهيم إثارة للجدل في العلوم السياسية، حيث لا يوجد تعريف واحد جامع لها. إلا أن معظم الأدبيات تتفق على أنها تقوم على ثنائية “الشعب النقي” مقابل “النخبة الفاسدة”.

وقد تطورت الشعبوية من كونها أداة تعبير سياسي إلى إستراتيجية متكاملة تُستخدم للوصول إلى السلطة، خاصة في ظل الأزمات.

أطروحات تفسير الظاهرة الشعبوية:

في الغالب عند الحديث عن الشعبوية نستند الى أطروحات علم الاجتماع، وتحديداً علم الاجتماع السياسي، فمحاولة تفكيك الظاهرة الشعبوية يتطلب في الأساس الاستناد الى أطروحات علم الاجتماع المعاصر لفهم هذه الظاهرة ومواقفها وخطابهاالسياسي، والحديث عن تلك الأطروحات التي ستسهم في بناء الوعاء الإيديولوجي للشعبوية، يمثل في حقيقته البحث عن منطق الشعبوية و ركائزها الرئيسة، ومن هذه الأطروحات:

أولاً: أطروحة الانهيار الاجتماعي:

حيث تفترض هذه الأطروحة أن الأفراد المعزولين اجتماعياً الذين يعيشون في مجتمعات مفتتة اجتماعياً من المرجح أن يدعموا الأحزاب الشعبوية. ووفق هذه النظرية فإن حقيقة أن الهياكل الاجتماعية التقليدية القائمة على الطبقة والدين تحطم الأفراد، تفتقر إلى الشعور بالانتماء و تنجذب إلى الأحزاب القومية العرقية لأنه من الناحية النفسية، يؤدي ذلك إلى زيادة الإحساس بالثقة بالنفس والفعالية.

ثانياً: أطروحة الحرمان النسبي:

وهي أطروحة تستخدم لشرح قاعدة دعم الأحزاب الشعبوية، إذ يدعم الأفراد هذه بسبب الإحباط الناجم عن مشاعر الحرمان النسبي بالمقارنة مع ماضيه.

إن الشعبوية بوصفها حركات جماهيرية معادية للديمقراطية بالمعنى الواسع، لذا فالرابط بين الجماهير مع الشعبوية هو رابط نفسي– اجتماعي لحرمان نسبي.

 

 

ثالثاً: أطروحة التنافس العرقي:

تفترض هذه الأطروحة أن الأفراد يدعمون الأحزاب السياسية الشعبوية لأنهم يرغبون في الحد من منافسة المهاجرين على الموارد الشحيحة مثل فرص العمل والتأمين الصحي والإسكان والرعاية الاجتماعية, ويعتقد بعض المفكرين والباحثين مثل (محمد أركون) أن الظاهرة الشعبوية ما هي إلا عبارة عن مرحلة حديثة من مراحل الجدل الاجتماعي والثقافي والسياسي العتيق الذي جسد دائماً نوعاً من التوتر والتضاد بين النخبة والجماهير أو بين العامة والخاصة.

لدى الحديث عن عوامل نشوء الظاهرة الشعبوية نرى أنها ناتجة عن عوامل عدة متنوعة ومعقدة هي اللا استمرارية أو القطيعة أو القطيعة التاريخية (الماضي المجيد للأمة)، ثم اقتلاع الفلاحين من جذورهم الريفية و تبعثرهم الاجتماعي، ثم التفتت والضياع الثقافي، ثم تفكك ذاكرة الجماعة الفئوية قبل التوصل إلى تشكيل أي وعي تاريخي قومي، ثم التحول إلى الرأسمال الروحي للدين إلى وظيفة رسمية تابعة للدولة واستخدامه فقط من أجل خلع المشروعية عن السلطة السياسية.

وعموماً فإن الشعبوية ذات خطاب قومي عاطفي بسيط يؤدي بشكل مباشر أو غير مباشر إلى تزييف الوعي الغربي، والعمل على تجاوز منجزات العقل الغربي، كمصطلحات ومفاهيم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان وغيرها، والارتكاز على مفهوم الأمة، ورفضه لنزع معظم التحليلات السائدة إلى تشييء الأمم، والقومية على رأي آخرين هي الشعبوية بروحها وذاتها، وتشكّل وعينا كذلك.

فالشعبوية الفوضوية والعفوية التنظيمية والتجريبية القاتلة في التفكير، وهي جميعها أمراض لازمت العمل السياسي منذ القرن التاسع عشر في الغرب، حيث أنتجت حالات سياسية باثولوجية من طراز الفوضوية النقابية على شاكلة الطراز الباكونيني، والعدمية، والبلانكية، والنازية…، وإن أسوأ ما في الشعبوية أنها تؤسس لمتيافيزيقا سياسية جديدة، بل قل للاهوت سياسي جديد، هو لاهوت الشعب.

لذا يمكن القول إن الخطاب الشعبوي يتألف من الآراء المعادية للنخبوية، ومعارضة المؤسسة الحاكمة، والتحدث إلى عامة الشعب وعلى هذا الأساس تجيد الشعبوية الغربية دق الإسفين في المجتمع الغربي، من خلال بناء خطاب يفصل بين الأمة القومية وبين المجموعات الوافدة، والتعبير عن الكره الشديد للأجانب.

 

 

دور الإعلام في تحول الخطاب الشعبوي:

لقد ساهم الإعلام في نشر الخطاب الشعبوي عبر التركيز على الإثارة، وإعطاء مساحة للشخصيات المثيرة للجدل، ويعتبر الإعلام ووسائل ومواقع التواصل الاجتماعي من حيث الفائدة والهدف مجرد مواقع افتراضية لتداول وتبادل الأخبار والآراء وهي تعتبر منتديات لا أكثر، عن طريقها  يتم صناعة و تشكيل “العقل الجمعي” من خلال لغة وطريقة وأسلوب مدروس بعناية وآلية دقيقة في متابعة المنشورات والهوَس في مواضيع يتم التجهيز لها بعناية من قبل شركات تتبع أنظمة تعتمد على التكنولوجيا المتطورة في عالم الرقميات والبرمجيات, التي تعتمد على تحليل المصادر والبيانات لتسهيل القيادة والسيطرة على تلك العقول.

ويمكننا القول إن حروب الجيلين الرابع والخامس وقدرتهما الاعتماد على الثورة التكنولوجية الكبيرة ساهمت ولا تزال في السيطرة على العقول وتوجيهها إلى حيث تتطلب سياسة الشركات المسيطرة والمصنّعة لتلك المواقع والشبكات والوسائل.

و لعبت منصات التواصل الاجتماعي مثل فيس بوك ومنصة أكس، دوراً كبيراً في تسريع انتشار الخطاب، وتعزيز الاستقطاب، وخلق “فقاعات معلوماتية”، وتضخيم الخطاب المتطرف، وتقليل فرص النقاش العقلاني.

لقد ساهم الإعلام الرقمي في تسريع هذا التحول، حيث أصبح وسيلة رئيسية للتعبئة السياسية, إلا أن غياب الضوابط المؤسسية في بعض الدول أدى إلى انتشار المعلومات المضللة، وتضخيم الخطابات المتطرفة، وزيادة حدة الانقسام.

لقد أدى التقدم الأخير في مجال تكنولوجيا المعلومات إلى ادعاءات مفادها أن النماذج اللغوية أساسية “للذكاءالعام الاصطناعي” (artificial general intelligence)، ستكون النقطة التي سيعرض فيها برامج قدرات شبيهة بالبشر في مجموعة من البيئات والمهام، وتكون قادرة على نقل المعرفة فيما بينها مستقبلاً.

ويعرّف الذكاء الاصطناعي بأنه العلم الذي يضم كل الخوارزميات والطرق النظرية منها والتطبيقية التي تعنى بأتمتة عملية أخذ القرارات مكان الإنسان, سواء كان ذلك بطريقة كاملة أو جزئية بمعية الإنسان، مع القدرة على التأقلم أو الاقتباس أو التنبؤ. عادة يكون البرنامج ذكياً إذا قام تلقائياً بسلوك غير مبرمج مسبقاً حيث يستطيع من نفسه أخذ قرارات جديدة للتكيف مع حالته وحالة محيطه عبر الزمن.

إنّ خصائص الذكاء الاصطناعي من التصرفات التلقائية والتطور الذاتي والتعلم الآلي التلقائي توحي بفكرة حرية الآلة المطلقة في أخذ القرارات في المستقبل القريب, ومنه التخوّفات المتصاعدة حالياً على الساحتين الإعلامية والأكاديمية، لكن الواقع التقني والعوائق الأخلاقية والتكنولوجية وإشكالية أخلاقية البرامج المعلوماتية والآلات الذكية, ليست بجديدة وهي مطروحة منذ البداية وتستمر في مرافقة التطور التكنولوجي, بل إنها خلقت فرعاً جديداً في علم المعلوماتية والحقوق يتخصص في هذا المجال.

أما عن الفكر التراكمي السريع الذي يبلور بسرعة وبدقة موضوعاً محدداً، نجح في اختصار مسيرة طويلة كان تبادل الفكر فيها يتطلب أجيالاً من التفاعل مثل (المناظرات والخطابات والمراسلات والكتب والنشر والتوزيع والقراءة والنقد ونقد النقد).

ورغم كل هذه الفرص، فقد نجحت هذه المواقع في إضفاء التفاهة مجالاً ومتسعاً وساهمت في “ترميز التافهين” كما يُقال، أي تحويلهم إلى رموز ونماذج لها الملايين من المهتمين والمتابعين والشغوفين بهم .

وهذا جعل الكثير من تافهي مشاهير السوشيال ميديا يظهرون لنا بمظهر “النجاح”، وهنا يعيش المجتمع حالة حيرة و هو أمر يُسأل نفسه، الذي دأب على التقليص التدريجي لصور النجاح التي تعرفها البشرية ككل.

ويشمل الإعلام الرقمي استخدام التكنولوجيا الرقمية في إنتاج ونقل وتوزيع المعلومات بشكل رقمي، بدلاً من الوسائط التقليدية مثل الورق والتلفزيون والراديو.

يتسم الإعلام الرقمي بالتفاعلية والسرعة والوصول الواسع، ما يجعله أداة قوية لتبادل المعلومات والتواصل. يشمل الإعلام الرقمي العديد من الوسائط مثل المواقع الإلكترونية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والبريد الإلكتروني، والتطبيقات الرقمية.

أحد أهم ميزات الإعلام الرقمي هو التفاعلية، حيث يمكن للجمهور المشاركة والمشاركة المباشرة مع المحتوى، على سبيل المثال، يمكن للمستخدمين التعليق على المقالات، والمشاركة في النقاشات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وحتى إنشاء محتوى خاص بهم.

أما تحديات الإعلام في مكافحة الخطاب المتطرف فهي تواجه تحديات عديدة تؤثر على قدرتها على توفير المعلومات وتوجيه الجمهور. إحدى هذه التحديات هي الصعوبات التقنية، حيث يحتاج الإعلام إلى متابعة التطورات التكنولوجية للحفاظ على القدرة على نقل المعلومات بسرعة ودقة.

وتعتبر التحديات الأمنية أيضاً عاملاً مؤثراً, فإلى جانب تأمين سلامة الإعلاميين والمراكز, ينبغني أن تتجنب وسائل الإعلام الانحياز والتلاعب السياسي، وهو ما يتطلب مراعاة قواعد الأخلاقيات الإعلامية وتوفير التوازن والموضوعية في التغطية.

التحديات السياسية أيضاً تؤثر على دور الإعلام في مكافحة الخطابات التحريضية والكراهية والتطرف. قد يتعرض الإعلام لضغوط سياسية من جانب الحكومات أو الجماعات المتطرفة، ما يعرض حرية الصحافة وقدرتها على نقل الحقائق والتحليلات بشكل حيادي وموضوعي للخطر.

بالإضافة إلى الإعلام السياسي الذي ينقسم إلى:

إعلام مبادر: يوجه ويقود العمل السياسي، إذ يتحمل مسؤولية القيادة إلى جانب من هم في السلطة عبر إلقاء الضوء على القضايا والمشكلات المجتمعية ولفت انتباههم إليها وإلى طرائق حلها.

وإعلام مواكب: يسير في اتجاهات مواكبة وموازية لاتجاهات القائمين على السلطة دون مبادرة أو تبعية.

وإعلام تابع: لا يحيد قيد أنملة عمّا تريده السلطة السياسية، فهو يتسم بالتبعية المطلقة لها.

فالإعلام السياسيّ يعد أحد أهم ركائز الديمقراطية الحديثة وصوت المجتمع في عمليات التأثير على الرأي العام والمجتمعات, وكذلك في صنع القرار السياسي ومحاربة التطرف والكراهية والعنف.

بواسطة الإعلام السياسي، تكتسب الشعوب والمجتمعات فهماً أعمق للقضايا السياسية وتأثيرها على حياتهم اليومية.

ومع ذلك، يلاحظ ويؤخذ في الاعتبار أن الإعلام السياسي يتعرض لتحديات متعددة، مثل تأثير القوى والمصالح والتحيزات السياسية، وقضايا المصداقية والتوازن والحيادية. بالتالي، فإن الاعتماد على وسائل إعلام متعددة وتنوعها، إضافة إلى النقد الواعي والتحليل الذاتي، يصبح ضرورة للحصول على رؤية شاملة ومتوازنة للأحداث والقضايا السياسية.

إن تضليل وخديعة عقول البشر كما وصفه  باولو فرير» ضمن أدوات صناعة  القهر  هي  إحدى الأدوات التي تسعى الأنظمة والمؤسسات من خلالها إلى “تطويع الجماهير” تفسر وتبرر الشروط السائدة للوجود وتضفي عليها أحياناً طابعاً غير منطقي يضمن التأييد الشعبي لنظام اجتماعي لا يخدم في المدى البعيد المصالح الحقيقية للأغلبية، وعندما يؤدي التضليل الإعلامي للجماهير دوره بنجاح  تنتفي الحاجة إلى اتخاذ تدابير اجتماعية بديلة.

على الجانب الآخر فإن الإعلام،بوسائله المختلفة التقليدية منها والحديثة على السواء، وبما يقوم به من دور محوري في مناقشة وتناول مختلف قضايا المجتمع، لا يقف بطبيعة الحال بعيداً عن هذا الأمر، إذ اهتمت وسائل الإعلام وعبر سنوات طويلة مضت بمتابعة ظاهرة صناعة العنف والتطرف، فأصبحت توليها الصدارة وتخصص لمعالجتها مساحات واسعة ضمن صفحاتها وبرامجها وشبكاتها، حتى أصبحت أخبار التطرف والعنف الإرهاب وتبعاته ضيفاً مشتركاً ودائماً بين وسائل الإعلام.

إن أخطر ما يواجه البشرية في مجال العولمة هو النظر إليها على أنها عولمة السياسة والاقتصاد فقط دون بعدها الإنساني والثقافي والأخلاقي، فلا يُمكن قبول فكرة هيمنة الأسواق على عملية العولمة ليكون الربح ومراكمة راس المال وحده هو أساسها في غياب الاعتبارات الإنسانية والديمقراطية وحقوق الإنسان، فالعالم بحاجة إلى مشروع عالمي تلتقي عنده شعوب الأرض .

 

المحور الثاني: التفاهة السياسية كمدخل للشعبوية:

يشير مفهوم “التفاهة السياسية” إلى استخدام خطاب سطحي يركّز على الإثارة بدل التحليل. هذا النوع من الخطاب بحيث يجذب جمهوراً واسعاً، ويقلل من تعقيد القضايا، ويمهّد لقبول أفكار أكثر تطرفاً لاحقاً

وضم هذا المفهوم، يتم تقديم القضايا المعقدة بطريقة مبسطة جداً وهزلية، مع التركيز على الشعارات، العواطف والشخصنة، حيث يتحول الخطاب إلى تقسيم المجتمع إلى “نحن” و”هم”، ما يؤدي إلى تعزيز الانقسام الاجتماعي.

إن نظام التفاهة معناه اسم حالة الهيمنة التي أنشأتها طبقة حاكمة مؤلفة بشكل كامل من أشخاص عاديين جداً, وبالعودة إلى مونتسكيو أيضاً نرى أن العقل يزجر المشاعر ويسيطر عليها دائماً، وهو لا ينفكّ يوصي بالاعتدال وضبط النفس، وهو يشير بإطاعة القوانين، وهو لا يذهب إلى نيل العدل والتقدم بالقهر والعنف، وهو يعوّل على الزمن والعمل الخفي وغير المحسوس, وعلى العقل في إصلاح النظم السياسية والاجتماعية.

إن لنظام التفاهة أو” الميديقراطية”  القابلية للتحول والمرونة، ولمعرفة وإدراك  أسباب هذا التحول، يعيد “تيودور أدورنو” مع ” ماكس هوركهايمر”  ذلك إلى عاملين، في السوسيولوجيا والاقتصاد، كما في السياسة والشأن العام الدولي، كأبرز مظاهر عصر ونظام التفاهة الذين يتسيّدون المشهد العام كله في العالم.

فهي ليست مجرد أشياء تافهة، بل نتاج منظّم داخل المجتمع الرأسمالي الحديث تنتجها السياسة والإعلام لإلهائهم عن التفكير النقدي, وبالمحصّلة تخدير الوعي، وإضعاف الروح الفردية أو التذوق ومنع النقد.

ولم يعد هذا مقتصراً على مثل ترامب وجونسون، فالعالم كله مُقدم على عصر التفاهة الكبير، كما تنبئ بذلك كل التوقعات التي أمامنا، وفي القلب من ذلك بلاد العرب بعد ما تسمى بثورات  الربيع العربي، والنتائج التي آلت إليها تلك الثورات والأزمات المرافقة. كما تجلّى استمرار تجليات هذا المشهد العام للتفاهة اليوم في دول تصبغ بتبعيتها للحداثة الرأسمالية بشكل لا حدود له أيضاً، في صورة الأزمات في دول الشرق الأوسط وتجلياتها، السياسية والإعلامية والفنية. وما نشاهده على وسائل التواصل الاجتماعي عن حجم السقوط والانحطاط والتفاهة التي تتسيّد هذه اللحظة، من شخوص وأفكار وتوجهات وسياسات.

إن ما تشهده البشرية وخلال العقدين الماضيين بعد التحول وبفعل التكنولوجيا والانفتاح من سقوط على كل المستويات، وتراجع في قيم ومكتسبات فلسفية كثيرة، وقد أصبحت تطبيقاتها القانونية والأخلاقية والسياسية، اليوم محلّ اختبار حقيقي أمام موجات من التسطيح والتسخيف والشعبوية، الذين أصبحوا مسيطرين على قمرة القيادة، ودفة السفينة البشرية المعاصرة, حيث غدت تجليات مثل هذه النظرية واقعاً، لا على مستوى النخبة السياسية الحاكمة فحسب، بل أصابت حتى المجال العام سياسياً فنياً وأدبياً وثقافياً واجتماعياً، فغابت كل الأفكار الجميلة، والإبداعات الإنسانية فكراً وفلسفة وقانوناً وأخلاقاً وفناً، واكتظّ المشهد العام بهبوطٍ مريب للقيم الإنسانية النبيلة والخلّاقة، لتحلّ محلّها كل رداءة وسقوط في كل شيء تحت مسمى ” صناعة المحتوى ”

هذا ما يتجلى اليوم في كل شيء أمام العالم، وفي كل تفاصيل المشهد من حولنا. فقط ما عليكم سوى النظر من حولكم، وتلمّحوا التفاهات التي تحاصرنا، وفي كل شيء نلمحه ويجول من حولنا، فأصبح الإنسان سلعة رخيصة الثمن في زمن التفاهة والانحطاط، وتكاد تتلاشى القيم النبيلة.

ورغم كل هذه الفرص، فقد نجحت هذه المواقع في إضفاء التفاهة مجالاً ومتسعاً وساهمت في “ترميز التافهين” كما قال عنهم أستاذ الفلسفة آلان دونو، أي تحويلهم إلى رموز ونماذج لها الملايين من المهتمين والمتابعين والشغوفين بهم.

إن الفوز في اللعبة حسب نظام التفاهة لا يتطلّب سوى التظاهر بالعمل، تكفي النتيجة الظاهريّة، مجرّد الإمكانيّة لتبرير الوقت المنقضي، أمّا التحقّق من النتائج وتقييمها فهو يتمّ من قبل أشخاص متورّطين في هذا التظاهر، مرتبطين به، وذوي مصلحة في استمراره .

إن رؤية ديمومة واستمرارية دوام بقاء العالم الموجد بحركة المادة والخالي من الإدراك وجب أن تكون لحركاته قوانين ثابتة، وإذا ما أمكن تصور عالم غير هذا وجب أن تكون له قواعد ثابتة، وإلا تلاشى.

وقد تكون هذه القواعد هي علاقة دائمة الاستقرار، وجميع الحركات، بين جرم متحرك وجرم آخر متحرك، تتلقى وتزيد وتنقص وتزول وفق علائق الجرم والسرعة، وكل فرق اطّراد، وكل تحول ثبات, وقد يكون للموجودات الخاصة المدركة قوانين وضعتها، ولكن لها أيضاً قوانين لم تضعها، وقد كانت الموجودات المدركة ممكنة قبل أن تكون، وقد كان لها، إذن، علائق ممكنة، ومن ثم كانت لها قوانين ممكنة، وكانت توجد علائق ممكنة قبل وجود قوانين موضوعة، فالقول بعدم وجود عدل أو جور غير ما تأمر به القوانين الوضعية أو تنهى عنه هو قول بعدم تساوي جميع أنصاف قطر الدائرة قبل رسمها.

وإذا كانت التفاهة السياسية قد نجحت في هذه الصناعة بمحاصرة شعوب الشرق بالتفاهة لعدم فائدتها وجدواها وضحالة مضمونها إذ تهدف هذه الصناعة لدفع الشعوب لإدمان التفاهة كي تصبح بالتالي ممارسة يومية للفرد التابع الهشّ البعيد عن القيم والالتزامات والاستحقاقات.

 

المحور الثالث: الراديكالية السياسية والخطاب الشعبوي:

الراديكالية تمثل المرحلة الأكثر تطرفًا في الخطاب السياسي، حيث يتم رفض التعددية، وتبنّي حلول حادة، واستخدام خطاب إقصائي، بحيث يصبح الخطاب أكثر عدائية، وأقل تسامحاً، وداعماً لسياسات متشددة ومتطرفة.

يمكن القول إن الشعبوية لم تعد مجرد ظاهرة خطابية، بل أصبحت آلية تحوّل سياسي قادرة على نقل المجتمعات من حالة النقاش الديمقراطي إلى حالة الاستقطاب الحاد، ومن ثم إلى الراديكالية, وهذا ما يجعل فهم هذا المسار ضرورة أساسية لتحليل مستقبل الأنظمة الدولية.

يتضح مما تقدم أن الشعبوية تأسست على أفكار و أطروحات عديدة من شأنها أن تضع الشعبوية في خانة الإيديولوجيات المعاصرة، وهي بذلك تشكل خطراً على النظام السياسي الديمقراطي وقيم الديمقراطية الليبرالية، وفي الولايات المتحدة على ما يبدو أن الخطر أكبر على اعتبار أن الشعبوية كظاهرة بشكل عام بدأت في الولايات المتحدة الأمريكية، وتصاعدت في ظل وصول ترامب للبيت الأبيض.

الاستنتاجات :تقع الشعبوية الأمريكية في فكرة الطيف السياسي في أقصى اليمين، وتعبّر عن توجهات اليمين المتطرف في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث الشعبوية ضد النوعية الديمقراطية، وبتعبير أكثر دقة الشعبوية ضد الديمقراطية الليبرالية.

تتميز الشعبوية أنها إيديولوجية قومية متطرفة أو شوفينية أو رجعية أو كره الأجانب على أساس عنصري, إذ يمكن أن تؤدي هذه الأفكار لتسويغ استخدام القمع والعنف.

 

السياق الغربي من الشعبوية الناعمة إلى الراديكالية السياسية:

لقد شهدت القارة الأوروبية خلال العقدين الأخيرين من خلال تقارير مراكز بحثية تصاعداً واضحاً في الخطاب الشعبوي، خاصة بعد الأزمات الاقتصادية وأزمة اللاجئين. في البداية، اتخذ هذا الخطاب طابعاً بسيطاً قائماً على الشعارات الجاذبة والتبسيط المفرط للقضايا، حيث ركز على نقد النخب السياسية والاقتصادي, لكن مع الوقت، تطور هذا الخطاب إلى مستويات أكثر حدة، خاصة مع صعود أحزاب مثل National Rally  في فرنسا وAlternative for Germany  في ألمانيا. إذ لم يعد الخطاب مجرد نقد، بل أصبح يحمل مضامين إقصائية تستهدف المهاجرين والأقليات.

ومن خلال تبنّي سياسات متشددة، مثل الدعوة لتقييد الهجرة، والتشكيك في المؤسسات الديمقراطية، بالإضافة إلى تصاعد الخطاب القومي بمساهمة من عوامل عديدة وكذلك بالتأثير من الإعلام، ولعبت المنصات الرقمية  دوراً كبيراً في هذا التحول، حيث ساهمت في نشر الخطاب الشعبوي بسرعة كبيرة، حيث تعزيز المحتوى المثير للجدل، وخلق بيئة استقطابية، وقد أدى ذلك إلى انتقال الخطاب من مجرد تبسيط إلى تطرف تدريجي مدفوع بالتفاعل الجماهيري.

عودة ملحوظة في أوروبا الغربية حيث حققت الأحزاب الشعبوية اليمينية الراديكالية تقدماً في منتصف الثمنينيات, حيث تمكنت العديد من هذه الأحزاب التخلص من صورتها القديمة، وقد عد بديلاً مقبولاً أكثر من الأحزاب الرئيسة بمجرد تغير معالمها اليمينية المتطرفة، بدأت بأحزاب مثل التجمع الوطني الفرنسي، المعروف سابقاً باسم الجبهة الوطنية، والحزب الهولندي اليميني الشعبوي (PVV) الذي تأسس 2006 وفاز في الانتخابات عام 2010، والحزب الشعبوي الدنماركي (Dansk Folkeparti)، والحزب اليميني المجري فيدسز، التي حصلت على أكثر من نصف الأصوات في انتخابات 2018.

بمجرد التفكير في الارتفاع المطّرد للأحزاب اليمينية الشعبوية ذات الأجندة القومية المناهضة للهجرة، واللاجئين والمستوى الكبير من الدعم الذي تتمتع به هذه الأحزاب في العديد من الدول الغربية، فليس من المستغرب أن العديد من الأحزاب اليمينية السائدة بدأت في تبنّي الخطاب والموقف السياسي على أمل الاحتفاظ بالأصوات و بالناخبين الذين قد يتحولون بخلاف ذلك إلى بدائل شعبوية أكثر راديكالية.

وشوهد هذا النمط في أستراليا، حيث عمل الحزب الليبرالي الأسترالي في السيطرة على العديد من الموضوعات التي روّج لها حزب بولني هانسون الأكثر راديكالية.

وفي بريطانيا عندما لجأت حملة المغادرة المدعومة من حزب المحافظين اليميني الراديكالي إلى تكتيكات التخويف لغرس الخوف من الهجرة، وبالتايل تأطير الاستفتاء بشكل فعال على أنه تصويت على الهجرة.

وفي الولايات المتحدة، كذلك الأمر حيث أن الأحزاب اليمينية السائدة اكتسبت أرضية مهمة في العديد من البلدان التي كانت تعد في السابق ذات ديمقراطيات مستقرة، حيث أن الأحزاب اليمينية السائدة استطاعت التحول  التدريجي إلى اليميني في موقف جميع الأحزاب الرئيسة بشأن الهجرة والتعددية الثقافية والتعاون الدولي .

يبدو أن هناك إجماعاً واسع النطاق على أن الانكماش الاقتصادي يزيد من حرمان الطبقة العاملة والإحباط والعدوان، والحرص على انتقاد الأقليات والمهاجرين، ونسبياً في الانزلاق إلى الفقر وعدم الاستقرار الوظيفي, حيث تباطأ الاقتصاد تحت وطأة التقشف، واختفت العديد من الوظائف المستقرة نتيجة ظهور اقتصاد العمل المؤقت، واكتسبت وجهة النظر هذه أساساً مع بدء ظهور أدلة على التزايد السريع في الثروة وعدم المساواة في الدخل في العديد من البلدان الغربية، بما في ذلك البلدان التي أدخلت فيها الحكومات تدابير تقشف بعيدة المدى.

ومن ثم فإنه ليس من المستغرب أن يشعر العديد من أفراد الطبقة الوسطى بأنهم أصبحوا ضحية لنظام اقتصادي مزوّر، نظام يمنح إعفاءات ضريبية للأثرياء بينما يفرض تدابير تقشفية على المواطنين من الطبقة الوسطى.

وهناك بعض الأدلة على أن عدم المساواة الاقتصادية مرتبطة بالتصويت للقادة الذين يوعدون جماهيرهم

بإصلاح مشاكل بلدهم، حتى لو اقترح الزعيم المعني اللجوء إلى وسائل غير ديمقراطية للقيام بذلك.

و يركز أحد التحليلات النهائية على مدى شعور الناخبين بانجذاب نحو الأحزاب الراديكالية اليمينية الشعبوية

لأنهم يشعرون أن هذه الأحزاب تتفهم الاغتراب الثقافي الذي عانوا منه بمرور الوقت.

 

بكلّ تأكيد إن خطاب التطرف والعنف والكراهية وعدم تمييزه المآلات والتوجهات لها؛ تتسبب في الخسارة والشق المجتمعي الناتجين عن تأثيرات خطاب الكراهية عادة ما يستمران لأجيال وقد تنتج عنهما نزاعات لا تتوقف لعقود قادمة.

تتغذّى مشاعر الكراهية لدى الأفراد أو الجماعات باستغلال الجانب الغرائزي والانتماءات الضيّقة والهويّات المغلقة, التي تقوم على التعصّب بادعاء الأفضليات وامتلاك الحقيقة تحت مسوّغات دينية أو عرقية (إثنية) أو طائفية أو مذهبية أو أيديولوجية أو عشائرية أو غير ذلك، وهذه بدورها تنمّي الشكوك وتزرع الأحقاد بين الناس، لأنها تقوم على ادعاءات التفوّق، فيُصبح “الآخر”، أي آخر خصمًا أو عدوّاً “وكلّ غريب مريب”، وبالتالي فهو لا يستحقّ ذات المكانة التي ينتمي إليها الفرد أو المجموعة.

والتعصّب يتضمّن الرغبة في الإقصاء والإلغاء والتهميش، والحطّ من قدر الآخر، وذلك قبل أن يتحوّل إلى فعل أو سلوك، إلّا أنه يُصبح خطرًا حين ينتقل من التفكير إلى التنفيذ فيتحوّل إلى تطرّف.

والتطرّف يقترن بفرض الرأي بالقوّة بزعم امتلاك الحق، فيسوق حججًا ومبررات لذلك، وهكذا لا يتورّع المتطرّف من اللجوء إلى العنف لفرض رأيه. والعنف هو نتاج استيلاء التعصب والتطرّف على عقل الإنسان، وتبرير ما يقوم به حتى ولو ارتكب مجازراً، فلا ضير في ذلك. لأن الحقيقة ستكون إلى جانبه مدّعيًا أن غايته شريفة، بغضّ النظر عن الوسيلة التي يستخدمها للوصول إلى غايته. وبالطبع لا تعصم المبادئ الدينية أو القومية أو الأيديولوجية من ارتكاب المعاصي والآثام تحت الحجج ذاتها.

إن ثقافة الكراهية، هي نتاج فكر استعلائي متعصّب، يدّعي احتكار الحق والحقيقة، بعضها يقوم على أوهام التفوّق، التي يتم ضخّها بأساليب مختلفة من خلال مناهج التعليم والإعلام والخطاب الديني بالضدّ من الآخر، سواءً بالممارسة العملية أو من خلال قوانين تمييزية تتعارض مع ثقافة السلام والتسامح والتنوّع والتعددية.

 

السياق الشرق أوسطي، الشعبوية بين السلطة والاحتجاج:

في الشرق الأوسط، تتخذ الشعبوية مساراً مختلفاً، لكنها تصل إلى نتائج مشابهة, فهي لا تقتصر على المعارضة، بل تُستخدم أيضًا من قبل الأنظمة السياسية. ففي كثير من الحالات، يبدأ الخطاب الشعبوي بشكل بسيط من خلال الشعارات ضد الفساد، وعود بتحقيق العدالة الاجتماعية، خطاب قريب من الجمهور، لكن مع تصاعد الأزمات السياسية والاقتصادية، يتحول هذا الخطاب إلى أداة للتعبئة الحادة.

حيث يتحول الخطاب إلى تقسيم المجتمع على أسس سياسية قومية، طائفية مذهبية أثنية، أيديولوجية، ويأخذ الخطاب طابعاً أكثر حدة، مثل تخوين الخصوم والمعارضين والمختلفين، تبرير القمع والقسوة والاستخدام المفرط للقوة، الدعوة إلى إقصاء الآخر وتخوينه.

رغم اختلاف السياقات السياسية، إلا أن مسارات التحول تكشف عن تشابهات عميقة من حيث أوجه التشابه فالانتقال التدريجي من التبسيط إلى التطرف، ودور الإعلام في تسريع التحول، واستخدام العاطفة بدل التحليل، وتعزيز الانقسام الاجتماعي.

أما أوجه الاختلاف في الغرب؛ فنرى أن الشعبوية غالباً ما تنطلق من المعارضة، وتركز على الهجرة والهوية, بينما في الشرق الأوسط قد تُستخدم من قبل السلطة نفسها، وتركز على الشرعية والاستقرار.

تكشف هذه المقارنة أن الخطاب الشعبوي بغض النظر عن السياق، يتبع مساراً تصاعدياً يبدأ بالتبسيط وينتهي بالراديكالية. هذا المسار لا يحدث بشكل مفاجئ، بل يتغذى على الأزمات، وضعف المؤسسات، وتأثير الإعلام، والأخطر أن هذا التحول يؤدي إلى تآكل الثقة السياسية، وتهديد الاستقرار الاجتماعي، وإضعاف النظام الدولي، بما في ذلك مؤسسات مثل  منظمة الأمم المتحدة نفسها.

وبهذا المعنى، يتماشى الفهم الذي نراه لهذا المصطلح مـع التمييز الذي يضعه أليكس شــميدت Schmid)) بـين التطرف، الذي يعـدّ أقرب إلى العمل الذي ينطوي على العنف والراديكاليــة ,ويشبه هذا التمييز بدوره، الفرضية التي يسـوقها بيتـز وجونســون Johnson and Betz)) ويقولان فيها إن الأحزاب السياسية الشـعبوية اليمينية تُعتبر راديكالية في خطابها وفي المشروع السياسي الذي تطرحه في آن.

وفضلاً عـن ذلـك، وعلى هـدي مـن الاقتراح الذي يضعه مـودي (Mudde) في التحليل المفاهيمي الذي يتناول فيـه هـذه الأحزاب، فقد نفرض أن طابعها الراديكالي على نحو يخالف السمات الرئيسية التي تعرف  الديمقراطيــة الليبرالية، مـن قبيل حماية الأقليات، و يتعارض معها.

فالشعبوية اليمينية الراديكالية راديكالية فيما ترفضـه من أفكار الحرية والمساواة التي تتبوأ مكانة مركزية في

تقاليد عصر التنوير، وفي ما ترفضه من حقوق الإنسان باعتبارها تكتسب موقع الصدارة في أي مجتمع سياسي حيث تحظى بمكانة عالمية، وفي كراهية الأجانب التي تقارن على الدوام مع العداء للمهاجرين وتمثل سمة مركزية مـن سمات الشـعبوية اليمينيـة الراديكالية.

لقد مر هذا النوع من الشعبوية في الآونة الآخيرة في سيرورة شهدت ازدياد جنوحهـا إلى الراديكالية، وهو ما تطلق عليه تسمية  ”politic of’ Haiderization”أي ”إضفاء طابع على السياسة، تتصف بقدرٍ متنامٍ من كراهية الأجانب ومعـاداة السـامية وينظر إلى الظاهرة الشـعبوية باعتبارهـا مشروعاً سياسـياً تؤيـده وتسـانده بعـض الفرضيـات الإيديولوجيـة الشــائعة التــي تظهــر وتتبــدى معالمهــا في مجتمعــات يســود فيهــا الـصراع حــول إدمــاج الجماعــات التابعــة أو إقصائهـا.

إن الشـعبوية يمكـن فهمهـا فهماً أفضـل بوصفهــا عائلــة مــن الظواهــر، فنحــن نفــرض أنــه يجـوز تقسـيمها إلى نوعين رئيسيين وهما الشـعبوية الشـمولية، والشــعبوية الإقصائية وتضــم الحــركات الشــعبوية الإقصائية شــعبويين يمينيــن راديكاليــن، ويرفضون الديمقراطية.

 

 

خاتمة البحث:

يُظهر هذا البحث أن الخطاب الشعبوي لا يبقى في مستوى التبسيط، بل يتطور تدريجياً نحو الراديكالية، خاصة في ظل بيئة إعلامية محفزة للأفكار المثيرة. هذا التحول يشكل تهديداً حقيقياً لاستقرار الأنظمة السياسية، سواء على المستوى الداخلي أو الدولي.

عندما تتحول الراديكالية من مجرد فكر نقدي إلى ممارسة سياسية تعتمد على العنف؛ ففي هذه المرحلة يفقد الفكر الراديكالي ثقته بجدوى الوسائل السلمية، ويصبح العنف، في نظر بعض الجماعات، الوسيلة الوحيدة الممكنة لتحقيق التغيير. هنا تحديداً يبدأ الانتقال من الراديكالية الفكرية إلى التطرف.

أما عن مسألة “مشروعية العنف”، التي تحاول بعض التيارات المتطرفة تبرير استخدام القوة عبر تأويلات أيديولوجية أو دينية، أو عبر التشكيك في شرعية الدولة والنظام السياسي القائم.

كما يتم توظيف فكرة “الغاية تبرر الوسيلة” لتجاوز القيود الأخلاقية والقانونية، مما يؤدي إلى إعادة تعريف العنف بوصفه “مقاومة” أو “تحريراً” بدلاً من كونه اعتداءً أو إقصاءً.

وظهور الراديكالية والعنف و مجموعة العوامل الاجتماعية والسياسية، مثل القمع، والتهميش، والأزمات الاقتصادية، وضعف المشاركة السياسية. فهذه الظروف، بحسب الكثير من الآراء، تخلق بيئة خصبة لنمو الفكر الراديكالي، خاصة عندما يشعر الأفراد أو الجماعات بأن النظام القائم لا يتيح لهم أي أفق للتغيير السلمي.

وفي هذا السياق، يمكن التمييز بين نوعين من الراديكالية: راديكالية إصلاحية تسعى إلى التغيير الجذري عبر الوسائل السلمية والحوار، وراديكالية متطرفة ترى أن العنف هو الطريق الوحيد لتحقيق أهدافها, حيث أن الخط الفاصل بين هذين النوعين قد يكون هشّاً وقابلاً للانزلاق، خصوصاً في البيئات المضطربة سياسياً واجتماعياً كمنطقة الشرق الأوسط وإفريقيا.

والدور الخطير للأيديولوجيا في تشكيل الوعي الراديكالي، حيث تُبنى تصورات ثنائية للعالم تقوم على تقسيمه إلى “خير وشر” أو “نحن وهم”، مما يؤدي إلى إلغاء المساحات الوسطى في التفكير السياسي، وبالتالي تبرير الإقصاء والعنف ضد الآخر.

وفي الختام الراديكالية ليست مرادفاً للعنف في أصلها، لكنها تصبح خطراً حقيقياً عندما تتحول إلى أيديولوجيا مغلقة تعتبر العنف الوسيلة الوحيدة للتغيير، وتفقد قدرتها على التمييز بين النقد الفكري والممارسة الإقصائية. ومن هنا تأتي أهمية فهم هذا المفهوم بعمق، ليس فقط بوصفه ظاهرة فكرية، بل كحالة اجتماعية وسياسية معقدة تتداخل فيها العوامل الفكرية بالواقعية.

ويمكن القول إن مواجهة هذا التحديات تتطلب تعزيز الوعي المجتمعي بصورة منطقية ودعم الخطابات العقلانية، وتقوية المؤسسات الديمقراطية، وتحقيق العدالة بصورة تشاركية بعيداً عن الإقصاء أو التطرف والشعبوية.

 

المراجع  العربية:

  1. نظام التفاهة، آلان دونو ، ترجمة مشاعل عبد العزيز الهاجري، دار سؤال للنشر، بيروت 2015م
  2. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب، الارهاب والشرق الأوسط الجديد، ط،1 ،E-kutub، لندن.2017
  3. عبد الوهاب الكيالي واخرون، موسوعة السياسية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، .1995
  4. سجية جمعي، تأثير وسائل الإعلام في تكوين اتجاهات الرأي العام، جامعة العربي التبسي، الجزائر،2023
  5. داني فيلك، التحول إلى الراديكالية السياسية،مقال قضايا اسرائيلية،العدد 83،اكتوبر 2021
  6. تقي الدين، محمد عمارة تقي الدين ،الإعلام السياسي بين الواقع والمأمول2021 م
  7. رامي عطا صديق، فاطمة الحسن،الإعلام والإرهاب، دراسة حالة وإستراتيجية مواجهة، العربية للنشر والتوزيع، 2018 م
  8. الذكاء الاصطناعي بين الواقع والمأمول، سامية قمورة، الملتقى الدولي للذكاء الاصطناعي، الجزائر، 2018م.
  9. سفيان عباس، الراديكالية، ومشروعية العنف والتطرف،دار الأيام للنشر والتوزيع، عمان،2018

 

المراجع الأجنبية:

1.William James. Radical Empiricism, paternoster row, London 1912

 

 

كاتب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.