الحداثة الرأسمالية وتدمير المجتمع تفكيك آثار الرأسمالية، والدولة القومية والصناعية على المجتمع وتحليل سبل تجاوزها من خلال الحداثة الديمقراطية
جيهان مصطفى
تمهيد
إشكالية البحث
أهمية البحث
أهداف البحث
مصطلحات البحث
الفصل الأول: مفهوم الحداثة الرأسمالية
أولاً: نشأة الحداثة الرأسمالية في الغرب بعد الثورة الصناعية
ثانياً: الحداثة الرأسمالية وارتباطها بالفردانية، العقلانية الأداتية، والسوق المفتوحة
ثالثاً: الإنسان في ظل الحداثة الرأسمالية هو كائن اقتصادي خاضع لمنطق الربح والخسارة
الفصل الثاني: تفكيك المجتمع عبر أدوات الحداثة الرأسمالية، والنتائج الاجتماعية للحداثة الرأسمالية
أولاً: الدولة القومية، الرأسمالية، النظام الصناعوي
ثانياً: التأثيرات على القيم المجتمعية مثل التعاون والتكافل, ازدياد العزلة، الاغتراب، والعنف البنيوي
ثالثاً: تقويض دور المرأة والمجتمعات المحلية
الفصل الثالث: الحداثة الديمقراطية كبديل للحداثة الرأسمالية
أولاً: الحداثة الديمقراطية أطروحة مضادة للرأسمالية، المركزية، اللامركزية والديمقراطية المجتمعية
ثانياً: المجتمع الأخلاقي ـ السياسي
ثالثاً: تمكين المرأة، البيئة والاقتصاد المجتمعي كمرتكزات لتجاوز الحداثة الرأسمالية
خاتمة
المراجع والمصادر
إشكالية البحث:
تتمثل إشكالية هذا البحث في فهم الكيفية التي أدت بها الحداثة الرأسمالية إلى تفكيك البُنى الاجتماعية، والقيم الجماعية، وتحويل الإنسان إلى كائن تابع، مقابل تقديم الحداثة الديمقراطية كبديل يسعى إلى استعادة المعنى الإنساني والسياسي في تنظيم المجتمع.
هل يمكن اعتبار الحداثة الديمقراطية رداً تصحيحياً على أزمة الحداثة الرأسمالية؟
كيف تُعيد المجتمعات بناء ذاتها في ظل هيمنة الحداثة الرأسمالية؟
أهمية البحث:
تأتي أهمية البحث في تسليط الضوء على التأثيرات السلبية العميقة للحداثة الرأسمالية على المجتمعات، لا سيما من حيث تآكل القيم الاجتماعية والتضامن الجماعي.
إبراز أهمية الحداثة الديمقراطية كنموذج بديل يُعلي من قيمة الإنسان والمجتمع.
المساهمة في الاصطلاح الفكري والسياسي حول إعادة بناء المجتمعات على أسس تشاركية وإنسانية.
أهداف البحث: تشمل أهداف هذا البحث ما يأتي:
1- تحليل جذور الحداثة الرأسمالية ومظاهرها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
2- معرفة آليات تفكيك المجتمع التي مارستها الحداثة الرأسمالية.
3- تعريف مفهوم الحداثة الديمقراطية ومبادئها الأساسية.
4- مقارنة بين النموذجين من حيث الأثر على بناء المجتمع والهوية الفردية والجماعية.
5- تقديم تصورات الانتقال إلى الحداثة الديمقراطية.
مصطلحات البحث:
الحداثة الرأسمالية:
منظومة فكرية واقتصادية ظهرت في أوروبا بعد الثورة الصناعية، تقوم على السوق الحرة، الفردانية، والتقدم التكنولوجي، لكنها صاحبتها آثار سلبية على البنية الاجتماعية والبيئية.
الانحلال المجتمعي:
يشير إلى الانحلال الاجتماعي الذي تُحدثه السياسات النيوليبرالية من خلال تقويض الروابط الاجتماعية، والعلاقات التقليدية، وإعلاء القيم الفردية على حساب الجماعية.
الحداثة الديمقراطية:
نموذج فكري وسياسي بديل يسعى إلى دمقرطة المجتمع انطلاقاً من قيم العدالة الاجتماعية، والمشاركة المجتمعية، وحقوق الإنسان، وهو مفهوم يرتبط بشكل وثيق بما طرحه المفكر عبد الله أوجلان ضمن فلسفة الأمة الديمقراطية.
الليبرالية الجديدة:
مرحلة متقدمة من الرأسمالية تقوم على تقليص دور الدولة في الاقتصاد، وخصخصة الخدمات العامة، مما يؤدي غالباً إلى تزايد الفقر والتفاوت الطبقي وأزمات اقتصادية وحقوقية تتعلق بالعمال وكذلك البيئة والمرأة.
الدولة القومية:
كيان سياسي يتمتع بسيادة، يجمع بين الدولة (السلطة والنظام السياسي) والأمة (الشعب الموحد ثقافياً أو لغوياً أو تاريخياً، وتتبع أيديولوجيا تعتبر أن الولاء للأمة هو الأسمى، وقد تكون شاملة أو إقصائية).
المركزية واللامركزية:
مدى تركّز السلطة في الحكومة المركزية مقابل توزيعها على الأقاليم.
النسوية (Feminism):
حركة فكرية واجتماعية تسعى لتحقيق المساواة بين الجنسين في الحقوق والفرص.
تمهيد:
في ظل الأزمات المتراكمة التي تعاني منها المجتمعات التي تسيطر عليها الحداثة الرأسمالية، من تصدع القيم الاجتماعية، وتفاقم الأزمات البيئية، ازدياد الاستغلال الطبقي والتمييز الجندري، تبرز الضرورة إلى البحث في الأسس الفكرية والاقتصادية والسياسية التي أوصلت هذه المجتمعات إلى هذه الحال.
من خلال هذا البحث المتواضع سأحاول تحليل الآثار المدمرة للحداثة الرأسمالية على المجتمعات، من خلال تفكيك البنى التي شكلتها: الرأسمالية، الدولة القومية، والنظام الصناعوي، وكذلك عمل مقارنة بسيطة بينها وبين الحداثة الديمقراطية كمشروع بديل يقوم أولاً على المجتمع السياسي الأخلاقي وعلى القيم المجتمعية، الديمقراطية المباشرة، والاقتصاد المجتمعي الكومينالي.
اعتمدت في هذا البحث على الاستناد إلى عدد من المفكرين الذين نقدوا الحداثة الرأسمالية من منطلقات متعددة، مثل كارل ماركس، فوكوياما، المفكر عبد الله أوجلان، موراي بوكتشين، كما سعيت إلى مقارنة الحداثة الرأسمالية بنموذج الحداثة الديمقراطية، الذي يمكن طرحه كبديل في مواجهة نظم السيطرة المركزية التي تنتهجها الحداثة الرأسمالية.
الفصل الأول: مفهوم الحداثة الرأسمالية
أولاً: نشأة الحداثة الرأسمالية في الغرب بعد الثورة الصناعية:
لدى الحديث عن ظهور الحداثة الرأسمالية نرى أن الجذور والتحولات التي أدت إلى ظهرت الحداثة الرأسمالية بالتوازي مع نشوء السوق الرأسمالية والدولة القومية الحديثة في أوروبا تجلت بشكلها الكامل بعد الثورة الصناعية من خلال هيمنة المركزية الأوروبية.
يَقول فرناند بروديل إنّ الحركاتِ المضارِبةَ للتجارةِ الكبرى لعبَت دوراً مصيرياً في نشوءِ الرأسمالية، ويوضح أنّ المقايضةَ العادية في السوق لا دورَ لها، لأنها تندرجُ في قائمةِ النشاطات الاقتصادية الطبيعية. كما يَبتدئ الاقتصادَ بتطورِ عمليةِ المقايضة، ولا يَعتَبِر إنتاجَ السلع بهدفِ الاستهلاكِ اقتصاداً. بل إنّ بلوغَ حافةِ مرحلةِ المقايضة يعني بدايةَ الاقتصاد. ليس ثمة مكانٌ للربحِ في هذا الميدان.
فقد تتحدث الأطرافُ عن مكاسبِ المقايضة والتبادل، لكنّ هذا ليس موضوعاً للمضارَبة. فالمضارَبةُ الحقة موجودةٌ في ميدانِ التجارة الكبرى، والتي تسمى “بيت الرأسمالية”.
ففارقُ الأسعار يتحقق تحديداً بالتلاعب بالأسعار. وبالتالي، لا يَعتَبِرُه بروديل اقتصاداً، بل يراه “شيئاً” مفروضاً عليه من الخارج. لكن، وكأنه لا يودُّ الإفصاحَ أو الكشفَ عنه. والخطأُ الجَسِيمُ الذي يرتكبه، هو عدمُ تعريفه لِما يأتي بعدَ ذلك، مُخَلِّفاً وراءه إشارةَ استفهامٍ كبرى.
لقد قامت الرأسمالية على ثلاثة أركان رئيسية:
الرأسمالية: نظام اقتصادي يقوم بتحويل كل شيء إلى سلعة، بما في ذلك العمل البشري.
الدولة القومية: جهاز بيروقراطي مركزي يوحد الهويات ويمنع التعدد و التنوع.
الصناعوية: تطور تقني يُخضع الطبيعة والإنسان لمنطق الإنتاج والربح.
لقد قامت الرأسمالية بداية كنظام هيمنة تجارية في أوروبا، لكنها تطورت إلى نظام عالمي يفرض هيمنته من خلال الشركات متعددة الجنسيات والمؤسسات المالية الدولية.
وأدت هذه الهيمنة إلى تفكيك الاقتصادات المحلية، وتحويل المجتمعات إلى مستهلكين، وتكريس تفاوت طبقي شديد. كما تخلق أزمات دورية تهدد الاستقرار العالمي.
الدولة القومية وتوحيد الهوية ليس نتاجاً طبيعياً بل بناء سياسي – ثقافي حديث.
حيث تقوم على فرض هوية وطنية واحدة عبر التعليم، الإعلام، واللغة الرسمية، مما يؤدي إلى قمع التنوع الثقافي والديني واللغوي.
النظام الصناعي والهيمنة التقنية, يُنتج النظام الصناعي نمطاً معيارياً للحياة، ويؤسس لعلاقة غير متوازنة بين الإنسان والطبيعة.
تسليع المعرفة والعمل والزمن، يجعل من الإنسان كائناً وظيفياً أكثر منه اجتماعياً أو روحياً، كما تؤدي الصناعات الكبرى إلى تدمير البيئة وفقدان المجتمعات لارتباطها بالأرض.
ثانياً: الحداثة الرأسمالية وارتباطها بالفردانية، العقلانية الأداتية، والسوق المفتوحة:
لقد أشار الفيلسوف عبد الله أوجلان في مرافعته مانفيستو الحضارة الديمقراطية، إلى أنّ كارل ماركس، الذي بَحَثَ عن الرأسمالية في الميدان الاقتصادي عن طريقِ كافةِ تجهيزاته المنهجيةِ العلمية والفلسفيةِ والتاريخية والسوسيولوجية، كان قد تَوَصَّلَ إلى نتيجةٍ إيجابيةٍ يشير فيها إلى البنيةِ الاحتكارية للرأسمالية التي تُشَكِّل مزاياها عن طريقِ نظامِ الأزمات الكثيفة, فالتحكمُ بالاقتصاد لا يعني أنْ تَكُونَ اقتصادياً، مثلما أنّ فرضَ البنيةِ على الاقتصاد ليس اقتصاداً. وعلى الصعيد السوسيولوجي، فالتلاعبُ بالأسعار في السوق، وتنويعُ وسائلِ المال، واستخدامُها في سبيلِ تكديسِ الربح ورأسِ المال، غيرُ ممكنٍ من دون وجودِ سلطةٍ سياسية.
وبدون تحليلِ السلطة السياسية وطابعِها العنفي من حيث كافةِ نتائجها المتمخضة، وبدون العملِ على اصطلاحِ رأس المال بتحليلات الاقتصاد السياسيّ المجردة، ونقلِ ذلك وتلقينِه في الوعي على الدوام؛ إنما يفيد بالسقوط في خطأِ الأسلوب، سواءٌ بوعيٍ أو بنِيّةٍ حسنة، والتحول إلى ضحيةٍ للبراديغما الرأسمالية.
الحداثة الرأسمالية بدأت مع الثورة الصناعية، واتسمت بتصاعد دور السوق، والتكنولوجيا، والعقلانية البيروقراطية، وتفكيك البُنى التقليدية مثل الأسرة والدين والمجتمع الجماعي.
1- الفردانية (Individualism):
الرأسمالية الحديثة دعمت مفهوم الفرد كفاعل مستقل، مسؤول عن نجاحه أو فشله، فتحوّلت الروابط الاجتماعية من علاقات جماعية (القبيلة، الطائفة) إلى علاقات فردية نفعية، لقد ظهرت الفردانية الليبرالية، حيث يُعتبر الفرد وحدة القياس في الأخلاق والسياسة والاقتصاد.
2- العقلانية الأداتية (Instrumental Rationality):
حسب ماكس فيبر، هي عقلانية تهدف إلى تحقيق أقصى فاعلية بأقل تكلفة، بغض النظر عن القيمة الأخلاقية أو الغاية الإنسانية، أصبحت المعيار في السوق والبيروقراطية, فما يهم هو النتيجة، وليس الطريقة أو القيم، وتحوّلت العلاقات الاجتماعية إلى علاقات وظيفية ومقاسة بالأرباح والكفاءة.
3- السوق المفتوح (Free Market):
السوق الرأسمالي، بفضل مبدأ الليبرالية الاقتصادية، أصبح هو الحَكم الأعلى في تنظيم الموارد والعلاقات، كل شيء قابل للتسليع حتى التعليم، الصحة، العلاقات، السوق لا يعترف بالقيم الاجتماعية أو التضامن، بل فقط بالمنافسة والربح والخسارة.
الحداثة الرأسمالية أنتجت نظامًا فعالاً اقتصادياً لكنه هشٌّ إنسانيًا، حيث فُقدت القيم الجمعية، وظهرت أزمات الهوية، والقلق، والعزلة الاجتماعية.
ثالثاً: الإنسان في ظل الحداثة الرأسمالية هو كائن خاضع لمنطق الربح والخسارة:
كما أُخرِجَت ثنائيةُ المجتمعِ والطبيعة من كونها شكلاً للحياة، سواءٌ داخلَ كلِّ واحدٍ منهما، أو فيما بينهما. نحن هنا في مواجهةِ الحدثِ المسمى بالمجتمعِ المريض واللااستمرارِ الأيكولوجيّ. فعوضاً عن أنْ يَكُون المجتمعُ شكلاً من الوجودِ الذي يَكُونُ العيشُ ضمنه ممكناً، يتم تحويله إلى جزءٍ مِن نظامِ الآلات أو امتدادٍ لها ضمن ترتيباتِ التحكم والاستغلال.
ومثلما يتم الإبقاءُ على المجتمع والفرد من جهةٍ والطبيعةِ من جهةٍ أخرى على تنافرٍ وتضادٍّ فيما بينهما بنحوٍ غيرِ مسبوقٍ في أيٍّ من مراحلِ التاريخ الحضاري، فقد أُقحِمَت الفردانيةُ والطبيعةُ ذات التوازنِ الأيكولوجي المختلِّ في وضعٍ غَدَتا فيه عاملَين للهجومِ المضاد، وكأنهما تنتقمان من المجتمعِ والبيئة. وأصبح الطبُّ يبرهِن عبر المئاتِ من الأمثلة اليومية على أنّ السرطانَ الشخصي ذو جذورٍ اجتماعية. فلَئِنْ وَضعنا نُصبَ العين أنّ السيجارةَ وحدها من أهمِّ أسبابِ السرطان، والتي باتت عادةً اجتماعية شائعة (تجارةُ التبغ مصدرُ ربحٍ رأسمالي تُحَرِّضُه الحداثة)؛ فسندرك على نحوٍ أفضل مدى صوابِ الحديث عن مصطلحِ “السرطانِ الاجتماعي”. وهكذا بات المجتمعُ خارجاً عن كونه إطاراً للحياة.
الفصل الثاني: تفكيك المجتمع عبر أدوات الحداثة الرأسمالية، والنتائج الاجتماعية للحداثة الرأسمالية
أولاً: الدولة القومية، الرأسمالية، النظام الصناعوي:
لا شك وبعد أن وضعت الحروب الدينية في أوروبا أوزارها في معاهدة فيستفاليا عام 1648، أسست بعد ذلك لفكرة نشوء الدولة القومية المنفصلة عن الدين، فشكلت كل قومية دولة خاصة بها، ورسمت حدوداً لدولتها، لتعيد بذلك تقسيم القارة الأوروبية وفق التوزع والانتماء القومي الإثني، المعتمد بالدرجة على عنصري اللغة والانتشار الجغرافي للإثنية، وكذلك على التاريخ والمصير المشترك.
أراد بوكتشين أن يقول: إنّ سبب الصراع الدولي يقوم على انعدام المساواة بين التنوّع البشري المدعوم من قبل الرأسمالية التي تشجع استغلال الإنسان للإنسان في تحقيق الربح واستغلال الطبيعة، فالحفاظ على خصوصيّة كلّ مكوّن طبيعي بشري من أصغر مكون إلى أكبر مكون هو الذي يدعم انتفاء الصراع العالمي بين الدول التي بنيت على أساس قومي.
يعبّر المفكر عبد الله اوجلان الذي شرح حقيقة الدولة القومية حيث عبّر عنها “إنّ الدولةَ القومية، وبوصفِها المتقطعةَ الثالثةَ الأهمَّ في الحداثة، تُعَدُّ الصياغةَ الأداتيةَ الأولية لممارسةِ الرأسماليةِ في غزوِ المجتمعِ واستعمارِه”. فبينما تَعرضُ الليبراليةُ نفسَها على أنها تكامُلُ الأهداف (إجماليُّ المُثُلِ والأهداف)، تَجِدُ الدولةُ القوميةُ معناها كصياغةٍ أساسيةٍ للسلطة. إذ أنّ ما واجَهَه المجتمعُ طيلةَ سياقِه التاريخيِّ مِن غزوٍ واستعمارٍ هو الأشملُ نطاقاً في الداخلِ والخارج، ما كان سيتحققُ لولا قالبُ الدولةِ القومي.
يجبُ قبلَ كلِّ شيء تَصَوُّرُ الدولةِ القومية (دولة الأمة) كأعلى سقفٍ لأشكالِ السلطة, ذلك أنه ما مِن شكلٍ للدولة يشتملُ على السلطة بقدرِ ما هي الدولةُ القومية (قد يَكُون من الأصح القول بأمة الدولة). والسببُ الأساسيُّ في ذلك يرجعُ إلى ارتباطِ الشريحةِ العليا من الطبقة الوسطى بسياقِ التحولِ الاحتكاري على نحوٍ متزايد. ينبغي ألا يَغيبَ عن البالِ بتاتاً أنّ الدولةَ القوميةَ بذاتها هي أرقى أشكالِ الاحتكارِ الشامل. فالاحتكاراتُ التجاريةُ والصناعيةُ والماليةُ تُوَطِّدُ أقصى درجاتِ التحالفِ مع احتكارِ السلطة خلالَ طورِ الدولةِ القومية.
ما هو قائمٌ هنا هو الاتحادُ الأكثر تَقَدُّماً لإجماليِّ الاحتكارات. هذا وينبغي التفكير بالاحتكارِ الأيديولوجي أيضاً على أنه جزءٌ لا يتجزأ من احتكارِ السلطة ضمن هذا المضمار.
إن الدولة القومية، وحينما تصل إلى ذروة تمثلها للفكر والإيديولوجية القومية، تنتج نماذج ديكتاتورية فاشية للأنظمة، وتغلق جميع مساحات الحرية والرأي الآخر، لتفكر إلى ما بعد “الحدود القومية”، حيث يسعى الديكتاتور الأوحد إلى فرض نفسه زعيماً أوحدَ على الإقليم أو القارة كما ظهرت ديكتاتوريات عديدة في أوروبا مثل هتلر وموسوليني .
إن الشروحات التي قدمها الفيلسوف عبد الله أوجلان حول الدولةُ القوميةُ والتي تكون مشحونةٌ بالمصطلحات الإلهية أكثر مما يُعتَقَد، وتابعةٌ لمراسيمِ التقديسِ بما لا يُشاهَدُ في أيةِ مرحلةٍ تاريخية. فالمصطلحاتُ التي تعتمد عليها وتختارها تَصَوُّراً لها من قبيل: “الوطن”، “العَلَم”، “المركزية الاتحادية”، “الاستقلال”، “القدسية”، “النشيد الوطني”، و”قِصَص البطولة”؛ إنما تتميز بنصيبها من الألوهية بما يَفوقُ ما هي عليه لدى المُلوكِ–الآلهة. ما مِن دولةٍ تَحَصَّنَت بالدروعِ الأيديولوجيةِ والقانونية والسياسية والاقتصادية والدينية، بقدرِ ما عليه الدولةُ القومية.
حيث يطلق على هذه النماذج من الدول اسم “الدول المحافظة”، أي التي تحافظ على الأوضاع السائدة، وتعتاش عليها وتطيل من أمدها، ومعظم تلك الدول لاتزال مستمرة في تلك الصيغة، ولا تقبل بأن تغير من نهجها ولو قيد أنملة.
فإن كانت الدولة القومية تعرف بأنها تلك الدولة التي “تتشارك فيها الغالبية الكبرى نفس الثقافة والوعي بالدولة، وتعتبر “مثالية” حيث تتوافق حدودها الثقافية مع حدودها السياسية”، فإنها أيضاً “دولة سيادية يتحد معظم رعاياها أيضاً بعوامل تحدد قوميتها مثل اللغة أو الأصل المشترك”.
مُؤَكَّدٌ أنّ الدافعَ الأساسيَّ لذلك يكمن في تَحَوُّلِها إلى بوابةِ رزقٍ لبيروقراطيةٍ مدنيةٍ–عسكريةٍ متضخمة للغاية. فلدى سَحبِ مناصبِ الدولةِ من تحتِ البيروقراطية، فستصبحُ آنئذٍ أَشبَهَ بسمكةٍ خارجةٍ من الماء. أي أنّ الدولةَ بالنسبة للبيروقراطيةِ هي مسألةُ حياةٍ أو موت. والتِحافُ الدولةِ بأقصى درجاتِ الإفراطِ في الألوهية على صِلَةٍ كثيبةٍ بخاصيةِ البيروقراطية تلك. كما أنّ الدافعَ وراء التركيزِ البليغِ على الدولة، وإقامةِ القيامةِ من أجلها في ظلِّ الحداثةِ الرأسماليةِ بما لم يحدث في عهدِ أيةِ حداثةٍ أخرى؛ إنما يكمنُ مرةً أخرى وراء التغييرِ الجاري في بُنيتها الطبقيةِ تلك. ثمة أواصرُ وثيقةٌ وكثيبةٌ بين مصطلحِ وحدةِ الآلهة وبين التشديد على الحداثة والدولة القومية وعلى “الوحدوية– المركزية الاتحادية” بصورةٍ خاصة.
فكيفما تمَّ القضاءُ على بعضِ القبائلِ والأقوام، وتصفيةُ آلهتها معها، وصهرُها بالتالي ضمن بوتقةِ القبيلةِ أو القوم الحاكم؛ كذا فقد تمَّ صهرُ آلهتها أيضاً في بوتقةِ إلهِ القبيلةِ أو القوم الحاكم، وبالتالي توحيدها
التأثيرات على القيم المجتمعية مثل التعاون والتكافل.
إن الإشكالية المجتمعية الناجمة عن الأبعاد المتضخمة للقضايا الذهنية والأيديولوجية والسياسية والاقتصادية والعسكرية والديموغرافية والجنسوية والقوموية الدينوية والإيكولوجية التي طرحتها الحداثة الرأسمالية ومخاطر تقسيم القضايا كما وصفها المفكر عبد الله أوجلان الذي ربطها بخطر فقدان الحقيقة والتساؤل لماذا تشكل السلطة والدولة المنبع ذاته للقضايا الاجتماعية وتتربّع فوق المجتمع بكل قوتها؟
الجانبُ الآخَر المُفني في الصناعوية، هو استهدافُها للعلاقةِ التي بين الحياةِ والبيئة, فبينما تُسَرطِن المدينةُ المجتمعَ داخلياً بالأغلب، فإنّ الصناعويةَ تَعتَدي على محيطِ الحياة بكامله. والسياسةُ الصناعويةُ التي لم تَفقُد أهميتَها بعدُ في الدولةِ القومية، تقتضي إرفاقَ كلِّ مواردِ البلد والمجتمعِ بالصناعة، وتَرى الدولةُ القوميةُ في ذلك سبيلاً إلى النماء. في الحقيقة، لا علاقةَ لهذه السياسةِ مع رفاهِ البلد ونمائه وتعزيزِ شأنه, بل السببُ الأوليُّ هو تطلعُ رأسِ المال إلى تحقيقِ أعلى نسبةٍ من “الربح” في هذه الساحة. الصناعويةُ غزوٌ تُسَيِّره إدارةُ الربح, وما مصطلحاتُ “الاستثمار” و”التنمية” سوى أرضية تُخفي الهدفَ الأصلي, فإنْ تَوَفَّرَ الربح، فسيتواجدُ الاستثمارُ والنماء, وإلا فلا معنى البتة للاستثمارِ والتنمية بدونه. الصناعويةُ لصوصيةٌ تضاهي المُلكِيةَ بآلافِ المرات, بل هي لصوصيةٌ تَطالُ الشعبَ والبيئةَ في كلِّ بلد.
و من الضروريِّ عدم النظر إلى الصناعوية على أنها قضيةُ إنتاج, فالربحُ واحتكارُ رأسِ المالِ المُسَلَّطَين على الإنتاج، يُزَوِّداننا بمعناها الأصلي. فما دامت الصناعةُ لا تَندرجُ في خدمةِ احتكاراتِ الربح، فبالإمكان تَصَوُّر سياسةٍ للإنتاج، وبالتالي للاستثمار في كلِّ وقت؛ بحيث تُراعي الاحتياجاتِ الاجتماعيةَ الأساسيةَ والشروطَ البيئية، وتُطَبَّقُ بموجبِ الإمكانياتِ العلمية والتكنولوجية.
وكونها معتمدةً على الآلاتِ أم لا، لن يُغَيِّرَ من فحوى الأمرِ شيئاً, الفرقُ الوحيدُ هو أنّ إحداهما تُنتِجُ ببطء، والأخرى بسرعة. علماً أنّ العاملَ المحدِّدَ هنا هو شروطُ الاحتياجاتِ الاجتماعية، والتناغمُ والتوافقُ مع البيئة والأيكولوجيا, فالبطءُ أو السرعةُ بِحَدِّ ذاتَيهما ليسا هدفاً, وبالتالي، فالمَكْنَنَةُ أيضاً بِحَدِّ ذاتِها ليست جيدةً أو سيئة. عندها باشرَ هدفُ الربح بتَركِ بصماتِه على الظاهرةِ المسماة بالصناعوية منذ القرن التاسع عشر حتى راهننا.
ثانياً: التأثيرات على القيم المجتمعية مثل التعاون والتكافل, ازدياد العزلة، الاغتراب، والعنف البنيوي:
تتغذّى مشاعر الكراهية لدى الأفراد أو الجماعات باستغلال الجانب الغرائزي والانتماءات الضيّقة والهويّات المغلقة التي تقوم على التعصّب بادعاء الأفضليات وامتلاك الحقيقة تحت مسوّغات دينية أو عرقية (إثنية) أو طائفية أو مذهبية أو أيديولوجية أو عشائرية أو غير ذلك، وهذه بدورها تنمّي الشكوك وتزرع الأحقاد بين الناس، لأنها تقوم على ادعاءات التفوّق، فيُصبح “الآخر”، خصماً أو عدواً “وكلّ غريب مريب”، وبالتالي فهو لا يستحقّ ذات المكانة التي ينتمي إليها الفرد أو المجموعة.
والتعصّب يتضمّن الرغبة في الإقصاء والإلغاء والتهميش، والحطّ من قدر الآخر، وذلك قبل أن يتحوّل إلى فعل أو سلوك، إلّا أنه يُصبح خطراً حين ينتقل من التفكير إلى التنفيذ فيتحوّل إلى تطرّف.
وتُشَكِّلُ المدينةُ نسيجاً أساسياً للسرطنةِ الاجتماعية. وإلى جانب تَطَرُّقِنا تكراراً لوظيفةِ المدنِ وتاريخِ تأسيسها، فنحن مرغَمون على التقييمِ المتواصلِ لعلاقتها مع التطور الاجتماعي أيضاً. فبقدرِ ما تَكُون المدينةُ شكلاً للمجتمع، فهي بمثابةِ ظاهرةٍ للتحولِ الطبقي ومركزٍ للتداول.
تقف علاقاتُ الربحِ والصناعة وراء كلِّ المشاكلِ والقضايا القائمة, حيث شوهدَ أنّ الاتحادَ المختلَّ لكليهما، يتحولُ إلى كومةٍ من المشاكلِ المتعاظمة. أما تَحَكُّمُ الصناعة بالميدانِ الاجتماعي بأكمله، وتحَوُّلُ كافةِ الساحاتِ الاجتماعيةِ دون استثناءٍ إلى موضوعٍ سِلَعيّ؛ فقد بَلَغَ بالمشاكلِ الاجتماعية حدوداً قصوى لا نظيرَ لها. فالعديدُ من التطوراتِ الناجمة عن الصناعةِ مناقِضةٌ لطبيعةِ المجتمعاتِ بقدرِ تنافرها مع البيئةِ أيضاً. واليوم أيضاً نواجه حديثاً النتائجَ النابعةَ من الابتلاعِ الذي يكاد يَكُون تاماً للساحةِ الريفية، مثلما بَدَأَت تظهرُ على السطحِ حديثاً بوادرُ تَحَوُّلِ المدينةِ إلى مسارٍ مضادٍّ لذاتِ نفسِها.
والرأيُ المُجمَع عليه عموماً هو أنّ هذه الظواهرَ الأساسيةَ الثلاث تعني التمدن (المجتمعات الطبقية والمدينية والدولتية). لَم تأتِ تسميةُ “المدنية” من فراغ، فهي تعني “الحياةَ الخاصةَ بالمدينة، المدنيّ، أو التمدن”. واصطلاح “Civilisation” في الأجنبية يَحمل المعنى القريبَ من مفردةِ “المدنية”.
النتيجةُ الأخرى التي علينا استخلاصُها من تاريخِ المدينة، هي تضخمُ المدينةِ كَوَرَمٍ سرطانيّ، في حالِ لَم تكترِثْ لماهيةِ علاقتها مع البيئة, حيث ما مِن جوابٍ على سؤال: “أين يجب رسم حدودها وتحديد مكانها؟”. إنّ منطقَ المدينة المُحَرَّف، وكذلك المدنياتِ المتصاعدةَ تحت ظله، ليست دليلاً على العقل، بل على اللاعقل. أو بالأحرى، وعلى العكسِ مما يُعتَقَد، فهي منتوجُ العقلِ التحليلي الأشبه بصوتِ صفيحةٍ تَنَكِيّة، وقد بَتَرَ أواصرَه مع الحياة والعواطفِ وخسرها. واليوم ندرك على نحوٍ أفضل أبعادَ الكوارث والفواجع، التي ربما يستحيل التراجعُ عنها أو الحيلولة دونها. رغم ذلك، فالمدنُ كانت بُنى أكثرَ عظمةً وبهاءً في العصور الأولى، ولم تَكُن قد فقدت فِطرتَها السليمة بعد.
ثالثاً: تقويض دور المرأة والمجتمعات المحلية:
لقد نادت الحداثة الرأسمالية بالمساواة والتحرر الفردي، وقد رُوِّج لها على أنها السبيل لتحرير المرأة من القيود التقليدية. لكن الواقع يُظهر أن هذه الحداثة – في إطارها الرأسمالي المادي – أسهمت في إفراغ دور المرأة من محتواه الإنساني والقيمي، وتحويله إلى مجرد أداة استهلاكية أو سلعة دعائية.
المرأة بين التحرير واستغلالها وجعلها سلعة:
في ظل الرأسمالية، أصبحت حرية المرأة تُقاس بمدى قدرتها على المشاركة في سوق العمل، بغض النظر عن ظروفها النفسية أو الأسرية. كما استُغلت صورة المرأة في الإعلانات، والموضة، والفن التجاري، وأُعيد تعريف أنوثتها بناءً على معايير السوق، لا على أساس الكرامة والهوية الذاتية.
إن أحد أخطر آثار الحداثة الرأسمالية هو تهميش دور الأمومة، والنظر إليه كعبء يُعيق “تحقق الذات”. فصار يُنظر إلى البيت والتربية كعائق أمام النجاح المهني، ما خلق هوّة نفسية بين المرأة ودورها الطبيعي في بناء الأجيال. وبدل أن تكون المرأة شريكة في صناعة الحياة، أصبحت مضطرة للركض خلف معايير إنتاجية لا تراعي اختلافاتها البيولوجية والوجدانية.
إن الانخراط في سوق العمل لم يكن دائمًا تحريراً للمرأة، بل استغلالاً جديداً بغطاء الحداثة.
فالكثير من النساء يعملن في وظائف منخفضة الأجر، تحت ضغوط مضاعفة مقارنة بالرجل، دون حماية حقيقية أو توازن بين العمل والحياة. هذا التحول جعل من “التحرر الاقتصادي” مجرد شعار يُخفي علاقة غير متكافئة بين رأس المال والأنثى.
وفي مجتمع استهلاكي، تتعرض المرأة لضغط دائم لتبدو بصورة معينة، وتُستهلك بطريقة معينة، وتعيش بأسلوب حياة مفروض من الخارج. هذا أنتج أزمات هوية لدى كثير من النساء اللواتي لم يعدن يعرفن من هنّ خارج قوالب الإعلام والعرض.
الفصل الثالث: الحداثة الديمقراطية كبديل للحداثة الرأسمالية
أولاً: الحداثة الديمقراطية أطروحة مضادة للرأسمالية:
عندما تبلغُ النظمُ ذروتَها، تبدأُ بالانحلال والتهاوي، وأعوامُ السبعينات تُمَثِّلُ مرحلةَ بدءِ سقوطِ وانحدارِ الحداثة الرأسمالية، وطرحِ فقدانِ الثقة بها حصيلةَ تجزّئها وتراجعها الواضح في الأسلوب. ولهذه المرحلةِ علاقةٌ وثيقةٌ ببدءِ ظهورِ الفكر الأيكولوجي، والتيارات الفامينية، والحركات الأثنية – الثقافية ودخولها حيزَ التنفيذ.
ومن المهم للغاية استقبالُ هذه المرحلة، التي يمكن نعتُها بمرحلةِ الفوضى، بإدراكٍ غنيٍّ ووعيٍ راقٍ؛ والنظرُ إلى مختلَفِ المجموعات الفكرية البارزة حسب واقعها، كبؤرةٍ للمقاومة في أحشاءِ جميعِ بؤرِ السلطة.
“الحداثة الديمقراطية”، وهي تقوم على:
الديمقراطية القاعدية والكونفدرالية الديمقراطية، وتنظيم المجتمع على أساس التشاركية والمجالس المحلية.
مركزية المرأة في البناء الاجتماعي والسياسي، وعلى اقتصاد مجتمعي يلبّي الحاجات لا الأرباح بانسجام مع البيئة واحترام التنوع.
تقوم الحداثة الديمقراطية بتقديم أطروحة مضادة للرأسمالية تضع المجتمع في المركز – اللامركزية والديمقراطية المجتمعية.
ثانياً: المجتمع الأخلاقي– السياسي:
الأساس الذي تبنى عليه المجتمعات أنه من دون الرجوعِ إلى الأخلاق، لا يمكنُ توجيهُ الإنسان أو تحقيقُ مجتمعيته. فالأخلاقُ في الأسلوب تكوينةٌ وحقيقةٌ وإدراكٌ إداريٌّ لا غنى عنه بالنسبة للمجتمع.
ومن دونِ الدخول في الجدال حول مضمون الأخلاق الإيجابي أو السلبي، فإنَّ التطورَ على هذا الصعيد يُعتبَر ضرورةً اضطرارية للوعي الاجتماعي.
ويوضح المفكر عبد الله أوجلان ذلك من خلال نسق الحقيقة, حيث لا ريب أنه لطالما جرى البحثُ عن الحقيقة في المجتمع البشري، وبرزَت العديدُ من الخيارات كجوابٍ لهذه الأبحاث، بدءاً من الميثولوجيات إلى الأديان، ومن الفلسفة إلى العلوم الراهنة. ومثلما لا يمكن التفكيرُ بالعيش في حياةٍ خارجَ إطارِ هذه الخيارات، فلا يمكن إنكارُ وجودِ واقعٍ مؤلم وهزليٍّ يفيد بأنَّ هذا الكَمَّ المتراكمَ من القضايا العالقةِ نابعٌ من تلك الخَيارات. أي، ثمة ثنائيةٌ تقول: العيشُ معها وبدونها محال.
لكنَّ الحداثةَ التي نحياها ذات فوارق فريدةٍ من نوعها، حيث بلغَت حدودَ استحالةِ الاستمرار في العديد من الميادين. وإذا ما سعينا لتعدادها بشكلٍ خاطفٍ فسنلاحظ: التضخمَ السكانيّ المفرط، نفاذَ الموارد، دمارَ البيئة، التصدعاتِ الاجتماعيةَ المتعاظمةَ بلا حدود، الروابطَ الأخلاقيةَ المنحلَّة، انقطاعَ الحياة عن الزمان والمكان، الحياةَ المتوترةَ والمفتقدةَ لجاذبيتها وشاعريتها، أكداسَ الأسلحة النوويةِ القادرة على إحالة الدنيا إلى صحراءٍ قاحلة، وضروبَ الحروبِ الجديدة اللامتناهية والمستفحلة في البنية الاجتماعية برمتها. كلُّ ذلك يُذَكِّر بيومِ القيامة والمحشر الحقيقي. إنّ الوصولَ إلى هذه المرحلة بِحَدِّ ذاته مؤشِّرٌ واضحٌ على إفلاسِ أنساق حقيقتنا القائمة. أنا لا أَعرِضُ لوحةً تشاؤمية، ولكننا لا نستطيع البقاءَ صامتين، ولا نتمالكُ أنفسنا عن الصراخ بأعلى صوتٍ إزاء الحياة المنتهية داخلَنا وأمامنا. علينا ألا نفقد الأمل، وألا نخنق أنفسنا بذرفِ الدموع. ولكن، علينا البحثُ عن الحل.
يُعتبر المجتمع الأخلاقي السياسي دعامة أساسية لأي أمة تسعى نحو الرقي والازدهار، فالأخلاق هي جوهر العلاقات الإنسانية والضامن الحقيقي للاستقرار والتقدم.
إن غياب الأخلاق يؤدي إلى خلل في منظومة القيم، وانهيار في الثقة، وانتشار الفوضى والظلم.
ويعرّف المجتمع الأخلاقي بأنه ذلك المجتمع الذي تُحكم فيه العلاقات بين أفراده ومؤسساته بمجموعة من المبادئ والقيم الأخلاقية مثل: الصدق، العدالة، الأمانة، التسامح، التعايش، والاحترام المختلف.
لا تُفرض هذه القيم بالقوة، بل تنبع من وعي جمعي يعترف بأهمية الأخلاق كمنهج حياة.
ومن خصائص المجتمع الأخلاقي احترام الإنسان ووجوده و كل فرد يُعامل بكرامة بغض النظر عن عرقه أو دينه أو طبقته الاجتماعية، والمسؤولية الفردية بحيث يشعر كل شخص بواجبه تجاه مجتمعه ويساهم في رُقيه، وكذلك الشفافية والصدق في المعاملات الاقتصادية والسياسية والإدارية والاجتماعية وقبول الآخر والاختلاف، والعيش بسلام بين جميع الأطياف.
ثالثاً: تمكين المرأة، البيئية، والاقتصاد المجتمعي كمرتكزات لتجاوز الحداثة الرأسمالية:
الحداثة الرأسمالية, هذا النظام الذي يقدّس الربح على حساب الحياة، ويجعل من الأرض مادة للاستهلاك، ومن النساء أيادي عاملة بلا صوت.
لقد تحولت المرأة لا سيما في المجتمعات الريفية وفي طليعة النضال من أجل نموذج بديل للحياة إلى نماذج لا يُقاس فيه النجاح بإجمالي الناتج المحلي، بل بخصوبة التربة، ووفرة الماء، وكرامة الناس.
فمنذ بداياتها، كانت الحداثة الرأسمالية مشروعًا يختزل الطبيعة في مصدر للمواد الخام، والنساء في موارد بشرية. ففي كل مرحلة من مراحل “التقدم”، أُقصيت النساء من ملكية الأرض، من المعرفة، ومن القرار، بينما كانت الطبيعة تُنهب وتُقهر باسم التنمية.
قامت بعض النساء بتطوير أدوات مقاومة ناعمة – لكنها جذرية. من الزراعة البيئية إلى التعاونيات، من حفظ البذور الأصلية إلى الحركات النسوية البيئية، تتكوّن اليوم شبكات مقاومة عابرة للحدود، تقودها النساء من الجنوب العالمي.
وفي قلب هذا النضال، لا تتعامل النساء مع الاقتصاد كمجرد حسابات مالية، بل كنظام علاقات.
الاقتصاد التضامني الذي تبنينه هو اقتصاد يقوم على الثقة، المشاركة، وإعادة التوزيع العادل في هذا الاقتصاد حيث تقوم عملية إنتاج الأغذية بطريقة مستدامة، وتُعاد ملكية المعرفة والأرض إلى الجماعة، وتُبنى شبكات دعم متبادلة بعيدًا عن استغلال السوق، وهذا النموذج لا يسعى فقط لمقاومة الرأسمالية، بل لتجاوزها عبر إعادة تعريف ما تعنيه “الرفاهية” و”التنمية”.
إن النساء لا يقترحن مجرد حلول فنية للمشكلات البيئية أو الاجتماعية فحسب بل يقدمن رؤية بديلة للعالم: أكثر تواضعاً، أكثر عدالة، وأكثر انسجاماً مع الطبيعة.
في زمن الأزمات المتتالية – من المناخ إلى الفقر – لم يعد كافياً إصلاح النظام من الداخل. ما نحتاجه هو خيال جماعي يعيد ربط الإنسان بالأرض، والنساء بمصيرهن، والمجتمع بجذوره. وهذا الخيال، تقوده نساء يزرعن الآن – بصمت – بذور ثورة ناعمة.
الاقتصاد الطبيعي التقليدي ودور المرأة فيه:
من خلال دراسة تاريخ المجتمعات ما قبل الرأسمالية، تظهر أن المرأة كانت تؤدي أدواراً محورية في الإنتاج المنزلي، كالزراعة، الحِرَف، تربية المواشي، وصناعة النسيج، وهي أنشطة كانت جزءاً من اقتصاد معيشة مكتفٍ ذاتياً.
لم يكن هناك فصل حاد بين “المنزل” و”العمل”، وكانت مساهمة المرأة تُقدَّر ضمن إطار الجماعة وبأدوراها المتعددة ساهمت في استقرار المجتمع قبل أن تتشوه بممارسات الحداثية التي رسختها الرأسمالية.
فمع صعود الرأسمالية، بدأ الاقتصاد يُنظَّم بشكل صناعي، وفُصِل المنزل عن مكان الإنتاج. انتقلت الأعمال الإنتاجية إلى المصانع، وغُيّب دور المرأة في الاقتصاد المنزلي لأنه لم يُعد يُقاس بالمال أو يُحتسب ضمن الناتج المحلي.
وعندما دخلت النساء سوق العمل في المدن، خاصة خلال الحروب أو في القطاعات الرخيصة الأجر، جوبه هذا بتمييز في الأجور وفرص الترقي، لأن النظام الرأسمالي غالباً ما اعتبر عمل النساء احتياطياً مرناً لسوق العمل يُوظَّفن في الأزمات ويُطردن عند التعافي الاقتصادي.
لقد استفادت الرأسمالية من عمل النساء في المنزل (الرعاية، التربية، الاعمال المنزلية…) دون أجر. منظّرون مثل ماركس وفيمينستيات اشتراكيّات أشاروا إلى أن النظام يستغل هذا العمل “المجاني” لضمان إنتاج يد عاملة صحية ومؤهلة دون أن يدفع ثمن ذلك.
وفي العقود الأخيرة، ومع النيوليبرالية، شُجّعت النساء على دخول السوق، ولكن ليس على أساس المساواة، بل وفق منطق الاستهلاك والعرض. وبالتالي، فُرِض عليهن الجمع بين العمل المأجور والعمل المنزلي غير المأجور، مما زاد من عبء “العمل المزدوج”.
خلاصة:
في عالم يرزح تحت وطأة الحداثة الرأسمالية، تبدو الحاجة ملحّة لبناء نموذج بديل يعيد الاعتبار للمجتمع كفاعل أساسي في التاريخ. تقدم الحداثة الديمقراطية رؤية واعدة، شرط أن تُطوّر وتُحَمى من الداخل، وأن تحظى بدعم القوى التقدمية العالمية.
في المحصلة نرى أن الحداثة الرأسمالية لم “تحرر” المرأة اقتصادياً بقدر ما أعادت تشكيل استغلالها بطريقة جديدة. لقد فتحت فرصاً لكنها قيّدتها داخل منطق السوق والربحية، وغيّبت مساهماتها التي لا تُقاس بالمال.
المراجع البحثية:
عبد الله أوجلان(2011) مانيفستو الحضارة الديمقراطية، المدنية، المجلد الأول.
عبد الله أوجلان(2011) مانيفستو الحضارة الديمقراطية،المدنية الرأسمالية، المجلد الثاني.
موراي بوكتشين (1982) الإيكولوجيا والحرية،ترجمة : متيم الضايع ،دار نقش، الطبعة الأولى
زيغمونت باومان(2000) الحداثة السائلة، ترجمة:حجاج أبو جبر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر.
عبد الوهاب المسيري(2002) “العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة”، دار الشروق القاهرة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.