مجلة فكرية سياسية ثقافية تعنى بشؤون الشرق الأوسط

الجغرافيا السياسية للطاقة والصراع في الشرق الأوسط

 

أحمد دالي

 

مقدمة:

يُعدّ الشرق الأوسط من أكثر مناطق العالم أهمية في معادلة الطاقة العالمية، نظراً لاحتوائه على كميات كبيرة من موارد الطاقة الأحفورية النفط والغاز الطبيعي, وقد جعل هذا الموقع الإستراتيجي المنطقة محوراً رئيسياً للتنافس الدولي والإقليمي، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات الجيوسياسية، والأمنية.

لم تعد الطاقة مجرّد مورد اقتصادي، بل تحولت إلى أداة نفوذ سياسي وإستراتيجي، تُستخدم لتشكيل التحالفات وإدارة الصراعات.

وقد لعبت الجغرافيا دوراً كبيراً في هذا السياق، سواء من حيث مواقع الإنتاج أو مسارات النقل أو نقاط الاختناق البحرية لذلك, فإن فهْم الجغرافيا السياسية للطاقة في الشرق الأوسط يُعدّ مفتاحاً لفهم العديد من الصراعات التي تشهدها المنطقة.

 

أهمية البحث:

تكمن أهمية هذا البحث في كونه يربط بين أربعة عناصر أساسية: الجغرافيا، الطاقة، الصراع، العلاقات الدولية. ويمكن فهم وتفسير أسباب التنافس الدولي في الشرق الأوسط، ودور الطاقة في تشكيل السياسات الإقليمية التي تساهم في النزاعات الحالية والمحتملة، حيث يمكن تقديم إطار تحليلي للعلاقة بين الموارد الطبيعية والاستقرار السياسي أو الصراع.

 

أهداف البحث: يهدف هذا البحث إلى:

  • تحليل العلاقة بين الجغرافيا السياسية والطاقة.
  • دراسة دور النفط والغاز في الصراعات الإقليمية.
  • تفسير تأثير طرق نقل الطاقة على التوازنات السياسية.
  • استكشاف دور قوى الهيمنة في الشرق الأوسط.

إشكالية البحث:

تتمحور إشكالية البحث حول كيفية تأثير الجغرافيا السياسية للطاقة في تشكيل الصراعات في الشرق الأوسط، وما دور الموارد النفطية في النزاعات الإقليمية، وكيفية تأثير طرق نقل الطاقة على العلاقات الدولية، وماهيّة دور القوى الكبرى في إدارة هذه الصراعات.

 

مصطلحات البحث:

الجغرافيا السياسية:

ويُقصد بها دراسة العلاقات بين الجغرافيا والسياسة، ودراسة تأثير الموقع الجغرافي والموارد الطبيعية والحدود والممرات والتضاريس على السياسة والعلاقات الدولية وعلى سلوك الدول وإستراتيجياتها وفي توزيع النفوذ على مستوى العالم.

 

أمن الطاقة:

قدرة الدول على تأمين إمدادات مستقرة من الطاقة بشكل مستمر وآمن لتلبية الاحتياجات الاقتصادية والصناعية، والمعيشية، وهي تتعلق بالتنمية الاقتصادية والتنوع في مصادر وموارد الطاقة والأسواق وممرات أو سلاسل التوريد والعلاقة بين أمن الطاقة وتلك الممرات.

الممرّات الإستراتيجية:

طرق نقل حيوية مثل المضائق البحرية وخطوط الأنابيب، كما أن هذه الممرات تشكل نقطة التقاء لمصالح قوى إقليمية ودولية متعددة، إلى جانب ما يحيط بها من مخاوف وتهديدات متصاعدة، فضلاً عن الفوائد الإستراتيجية ومصادر القوة الناتجة عن التحكّم فيها والسيطرة عليها.

العلاقات الدولية:

المقصود بالعلاقات الدولية تلك التفاعلات التي تقع بين وحدات المجتمع الدولي وفق قواعد ناظمة لتلك التفاعلات والتواصلات التي تقوم على الاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة التي تخدمها, إذ تضم المجتمع الدولي إلى جانب العنصر الرئيس؛ الدول، المنظمات الدولية والشركات متعددة الجنسيات، وحركات مجتمعية.

وللعلاقات الدولية وجهان؛ الأول يقوم على أساس التعاون بين الأطراف الدولية المتعاونة، والثاني يقوم على أساس الصراع بين تلك الأطراف، وتشمل تلك العلاقات أنواعاً كثيرة؛ كالعلاقات السياسية والعلاقات الاقتصادية والثقافية والعلاقات العسكرية.

 

الفصل الأول

الجغرافيا السياسية للطاقة، والأهمية الجيوسياسية للشرق الأوسط في الطاقة العالمية

 

المبحث الأول: مفهوم الجغرافيا السياسية، والجغرافيا السياسية للطاقة:

الجغرافيا السياسية جزء متمّم للجغرافيا العامة، وإدارة الحروب كانت دائماً تهتم بالشروط الطبيعية لمسارح العمليات, غير أن السياسة والإستراتيجية بقيتا زمناً طويلاً تمارَسان في ميادين منفصلة.

الجغرافيا السياسية اكتسبت معنى آخر بعد أن سمحت الأساليب والوسائل العملية الحديثة بالحصول على المعرفة الدقيقة للعالم في مظاهره وأشكاله المتعددة، وباستنباط الأسباب التي تكمن وراء ما يطرأ عليه من تبدلات، وتقدير النتائج المترتبة على تدخّل الإنسان بالتوازنات القائمة والتطورات التي قد تحدثها.

وهذا التدخل ليس في الحقيقة سوى تجسيد لإرادة سياسية، تأخذ عند الاقتضاء شكل العمليات العسكرية.

والحرب حسب تعريف المنظّر الألماني  كارل فون كلوزفيتز، هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى. ولا بد إذن للقائد العسكري (رجل الإستراتيجية) ولرجل الدولة (السياسي) من أن يفكرا بالاتحاد، إلى الحد الذي يصل أحياناً إلى أن يشكلا رجلاً واحداً. ذلك أنهما يتواجدان ويتفقان في المفاهيم الحديثة للجغرافيا التطبيقية في الميادين التي تعنيهما، والتي يُطلق عليها اسم «الجغرافيا السياسية» و«الجغرافيا الإستراتيجية».

لقد ساعدت العلوم على اكتشاف قيمة بعض المناطق الصحراوية التي ظلت مهملة زمناً طويلاً، وظهر أن هذه المناطق تحتوي على مواد أولية كثيرة، وتختزن في باطنها كميات هائلة من الطاقة. هذا بالإضافة إلى أن لهذه المناطق بحد ذاتها أهمية إستراتيجية حيوية بسبب موقعها الجغرافي، وهكذا اكتسبت أهمية ومكانة متميزتين بالنسبة للسياسة الدولية.

إن الجغرافيا السياسية، تسعى جاهدة للربط بين كل هذه العناصر، واستنتاج أسبابها الحقيقية وتطوراتها وتأثيرها المتبادل، لكي تصل إلى تركيب وضع سياسي قائم وتحديد إمكانياته, وهي غير ساكنة، ولا تكتفي أبداً بأن تكون مجرد وصف ثابت للأحداث، بل تنبض بالحياة كالأحداث التي تعالجها.

وفي رأي عالم النفس الأمريكي جان غوتمان، فإن الوقائع في السياسة والجغرافيا ليس لها قيمة إلا بردود الفعل داخل المجتمعات، أما السكان فقيمتهم تتوقف على الإنسان المنظّم الذي يعيش في إطارها([1]).

 

في الشرق الأوسط تتوزع الجغرافيا السياسية للطاقة بشكل تقريبي على الدول الخمس التالية، وهي السعودية وإيران والعراق والإمارات العربية المتحدة والكويت، فهي تمتلك ثلثي (61%) احتياطيات النفط العالمية المثبتة. وعلى الرغم من وجود بعض الشكوك حول مدى أهمية هذه الاحتياطيات، فقد كانت هذه البلدان الأربعة (باستثناء العراق) تنتج بنسبة 19.7 مليون برميل في اليوم، أي ما يساوي ربع الإنتاج العالمي (24.6%) عام 2004.

وما كان يُمثل شبه «طاقة معطّلة» على الصعيد العالمي، أصبح قوة متفوّقة في منظمة البلدان المصدّرة للبترول ، إذ إن هذه البلدان الأربعة تؤمّن لها ثلثي الإنتاج تقريباً. نذكر أيضاً بأن قطر وإيران بلدان يمتلكان ثاني وثالث احتياطيات الغاز في العالم، ومن الضروري إذاً أن تضطلع قطر بدور حاسم في هذه السوق من خلال الغاز الطبيعي السائل.

لكن على الرغم من الأهمية العالمية لهذه المنطقة منذ مئة سنة، إذا ما حصرنا اهتمامنا بأهميتها النفطية، نرى أنها ما زالت حتى اليوم، إلى حدّ كبير، على هامش العولمة, وقد قررت الولايات المتحدة، عن خطأ أو عن صواب، إثر إدراكها أهمية هذه المنطقة في الاقتصاد العالمي، ربطها بباقي الدول عبر محاولة إدراج الديمقراطية، وخصوصاً اقتصاد السوق في نظامها.

 

المبحث الثاني: موارد الطاقة ومساراتها، ودورها في تشكيل القوة الدولية:

إن مشروع الهيمنة ضمن النظام العالمي الجديد قائم على إعادة تقسيم النفوذ بين قوى الهيمنة الكبرى على إعادة تشكيل الخرائط، و قائم على العديد من المشاريع الجيوسياسية والسياسية، وتبعية موارد الطاقة، وتتعلق كذلك بسلامة و أمن الدول التي تطل بشكل مباشر على الممرات والمعابر في الشرق الأوسط،  والطرق التي يتم نقل الطاقة عبرها، والتي يتم نقلها وتنفيذ حركة رأس المال دون عوائق، ويمكن أن نرى أن العديد من الدول في الشرق الأوسط التي  يتم استهدافها وإجراء تغييرات كبيرة في بنيتها الوظيفية وترتيب علاقاتها وفق المفاهيم الجديدة، مع المحافظة عليها نظراً لأن أنظمة الشركاء السياسيين يمثلون طبيعة المركز، فيمكن ملاحظة أن عملية بناء المؤيدين الذين سيضمنون أمن المركز لم يكتمل، ومن ناحية أخرى، تحدث حروب وحالات جديدة من حيث الاستقرار وموارد الطاقة في المقام الأول.

لدى الحديث عن الممرات والطرق الاستراتيجية، هناك عدة مشاريع تعمل عليها قوى الهيمنة منها الممرّ الاقتصادي للهند والشرق الأوسط وأوروبا ومشروع اتجاه واحد، يمر عبر إفريقيا والمحيط الهندي والجزيرة العربية والمناطق الآسيوية ومنطقة شرق المتوسط في الشرق الأوسط([2]).

بالنسبة للقارة الأوروبية هناك أربعة مسارات رئيسية للطاقة  وثلاثة منها تمر عبر الشرق الأوسط وهي:
1. المسار الأول: الممر البحري الاستراتيجي: ويمتد من المحيط الهندي التابع للسواحل الشرقية من أفريقيا، يضم البحر الأحمر من خلال مضيق باب المندب ويصل إلى البحر الأبيض من قناة السويس، ويصل إلى البحر الأبيض عن طريق قبرص ، اليونان، إيطاليا فأوروبا الغربية.

  1. المسار الثاني: و يوازي المسار الأول، لكنه يصل فقط إلى أوروبا عبر خط مصر، غزة أي عن طريق إسرائيل ( فلسطين).

3 . المسار الثالث: ويصل بين  السواحل الغربية  والجنوبية لأفريقيا إلى المحيط الأطلسي، إلى الساحل الغربي لأوروبا أو من ساحل جيبرال، ومن هناك يصل إلى الساحل الجنوبي لأوروبا.
4. المسار الرابع: مسار IMEC (الهند- الشرق الأوسط – أوروبا) الذي تم تطويره كبديل للمبادرة الإقليمية والطرق في الصين، وهو عابر من الهند, الإمارات العربية المتحدة, المملكة العربية السعودية، الأردن، إسرائيل, ويصل بعدها إلى أوروبا، وطُرح هذا المسار خلال قمة مجموعة العشرين في نيو دلهي سبتمبر 2023

بالإضافة إلى ذلك يُنظر إلى احتياطيات الطاقة في الشرق الأوسط كخزان استراتيجي للموارد. فعبر هذه المسارات الرئيسية يتم  نقل مصادر الطاقة من الشرق الأوسط ، وكذلك مبادرة الحزام والطريق الصيني (طريق الحرير) وهو مشروع أطلق عام 2013م بهدف ربط آسيا وأوروبا وأفريقيا ومناطق أخرى عبر شبكات ضخمة من البنية التحتية والتجارة والاستثمار.

 

المبحث الثالث: الممرات والمضائق في الشرق الأوسط وأهميتها:

من يتابع خريطة العالم بوضوح يمكن له معرفة أهمية المضائق البحرية وترابطها الكبير مع بعضها البعض، فعبر هذه المضائق تتم المالحة البحرية العالمية وتعبر وسائلها المتعددة  والتي تتصدر وسائط النقل نظراً للوضع الجغرافي الخاص الذي  تمتاز بها المضائق والذي يمكّنه من التحكم بمسارات الملاحة البحرية، نتيجة لتقارب سواحلها وهذا الوضع الجغرافي الذي يمكّن الدول المشرفة على المضائق من التحكم  والسيطرة، وجعل القوى البحرية العالمية تتسابق لفرض نفوذها وسيطرتها على هذه المضائق ذات الأهمية([3]).

 

أولاً: الممرات البحرية الشرق أوسطية في ظل الصراعات الإقليمية والعالمية على النفوذ:

مع ترسّخ مفهوم الشرق الأوسط في العصر الحديث بوصفه مفهوماً إستراتيجياً يعكس مصالح وأهداف قوى استعمارية بالأساس، ازدادت أهمية المنطقة من الناحية الإستراتيجية، وساهم في ذلك احتضانها لممرات وطرق عبور تجارية برية وبحرية شديدة الحساسية والحيوية، ولا سيما بعد حفر قناة السويس وتحقيق الربط بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، بما شكّل أقصر وأسرع طريق بحري بين أقصى الشرق الآسيوي وأوروبا.

ومع اكتشاف المخزونات والاحتياطيات الطاقوية الضخمة من النفط والغاز في أراضي الدول الخليجية والعراق وإيران، برزت نقطة تحول مفصلية في أهمية الممرات البحرية التي تضمها المنطقة، إذ أصبحت تلك الممرات نقطة عبور رئيسة لشحنات وإمدادات الطاقة المتجهة من مراكز الإنتاج إلى مناطق الاستهلاك الكبرى في آسيا وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. وبذلك أضيفت إلى هذه الممرات ميزة أخرى إلى جانب دورها التجاري، فأصبحت المنطقة مصدراً إضافياً للقوة العالمية من حيث إنتاج الطاقة وطرق عبورها.

 

وقد فتح ذلك المجال أمام قوى الهيمنة الكبرى والإقليمية للدخول في منافسة محمومة للسيطرة على مناطق إنتاج الطاقة الأحفورية (النفط والغاز) من جهة، والسيطرة على مناطق سلاسل الإمداد (عبور تلك الإمدادات) من جهة أخرى، وذلك منذ الحقبة الاستعمارية البريطانية، مروراً بفترة الهيمنة الأمريكية والتنافس مع الاتحاد السوفييتي خلال الحرب الباردة، وصولًا إلى دخول لاعبين جدد إلى المنطقة، مثل الصين وروسيا الاتحادية، وصعود قوى إقليمية تتحكم في خيوط مهمة للعبة الإستراتيجية، مثل إيران وتركيا وإسرائيل، في ظل تراجع دور بعض القوى العربية.

إن مضائق هرمز وباب المندب والبوسفور والدردنيل، إضافة إلى قناة السويس، تمثل الممرات البحرية التي تمنح منطقة الشرق الأوسط مكانتها الإستراتيجية المميزة، فعبر هذه الممرات تعبر آلاف السفن وملايين الأطنان من السلع والإمدادات النفطية والغازية، وذلك ضمن نطاق جيوسياسي مضطرب طالما صُنِّف باعتباره من أكثر النطاقات الجيوسياسية اضطراباً في العالم.

وهكذا يجمع الشرق الأوسط بين الثروات والمعابر الحيوية من جهة، والصراعات وعدم الاستقرار والتنافس الحاد بين القوى الكبرى من جهة أخرى، مما جعل الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية مرتبطين بشكل أو بآخر، بعوامل الاستقرار أو الاضطراب في هذه المنطقة، رغم ما شهدته الساحة الدولية من تصورات تقلل من مركزية الشرق الأوسط مقابل صعود مناطق إستراتيجية أخرى في آسيا والهندوباسيفيك، وتحوّل أولويات الولايات المتحدة الأمريكية نحو تلك المجالات الجيوسياسية الجديدة. غير أن أحداثاً مثل حرب غزة وهجمات السابع من أكتوبر أعادت التذكير بأن الشرق الأوسط ما يزال حاضراً بقوة في خريطة المصالح والصراعات العالمية([4]).

 

تبرز منطقة الشرق الأوسط بوصفها نقطة محورية في حركة نقل السلع والإمدادات الطاقوية من مناطق الإنتاج إلى أسواق الاستهلاك، بفعل تمركز عدد من أهم الممرات البحرية العالمية فيها، مثل مضيق هرمز، ومضيق باب المندب، والمضائق التركية، وقناة السويس.

ويزيد من حساسية المنطقة ما تشهده البيئة الدولية الراهنة من تطورات متسارعة، مثل الحرب الروسية الأوكرانية، والحرب على غزة، وتهديدات جماعة أنصار الله الحوثية للملاحة البحرية في البحر الأحمر، فضلًا عن تنامي مشاريع إنشاء ممرات بحرية وتجارية جديدة قد تشكل بدائل للممرات الشرق أوسطية.

وهنا  يُطرح التساؤل الآتي:

إلى أي مدى يمكن أن تؤثر التطورات الإقليمية والعالمية الراهنة في مركزية الممرات البحرية الشرق أوسطية بوصفها شرياناً حيوياً للتجارة العالمية وعاملًا مؤثراً في التوازنات الإستراتيجية المنهجية المعتمدة، لأن مسألة الممرات البحرية الشرق أوسطية ترتبط بتفاعلات معقدة بين العناصر الجغرافية والسياسية والإستراتيجية والاقتصادية. ومثل هذه العلاقات الشبكية تتطلب مداخل تحليلية ديناميكية قادرة على تفسير مسارات تلك الممرات ومآلاتها.

 

ثانياً: الممرات البحرية الشرق أوسطية.. المزايا والمكانة:

 

أولاً: مضيق هرمز: المضيق الأهم والأخطر عالمياً

يتفق المختصون على تصنيف مضيق هرمز ضمن أكثر الممرات البحرية العالمية أهمية وخطورة، بل يعدّه كثيرون الأهم على الإطلاق، بالنظر إلى ارتباطه بتجارة النفط والغاز الخاصة بالخليج العربي، فضلاً عن البيئة الجيوسياسية المضطربة التي يقع ضمنها.

يربط المضيق بين الخليج العربي وخليج عمان، ليشكل منفذاً بحرياً نحو المحيط الهندي. ويقع جغرافياً بين دائرتي عرض 25 و27 درجة شمالًا، وخطي طول 55 و57 درجة شرقاً.

ويبلغ طول المضيق نحو 104 أميال بحرية، في حين يصل عرضه الأقصى إلى 52.5 ميلاً بحرياً، بينما تقع أضيق نقطة فيه بين جزيرة سلامة العمانية وجزيرة لارك الإيرانية.

ويواجه المضيق تحديات طبيعية عديدة، مثل ظاهرتي المد والجزر، ومشكلات الرؤية الناتجة عن الضباب، الأمر الذي يزيد من صعوبة الملاحة البحرية فيه.

 

ثانياً: مضيق باب المندب: تصاعد التحديات والرهانات الإستراتيجية

يحظى مضيق باب المندب بأهمية إستراتيجية كبيرة، باعتباره حلقة وصل بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس، وضمن المسار البحري الذي يربط آسيا بأوروبا.

ويقع المضيق في أقصى جنوب غرب شبه الجزيرة العربية، ويفصل بين قارتي آسيا وإفريقيا، وتطل عليه كل من اليمن وجيبوتي وإريتريا.

ولا يتجاوز عرضه 22 ميلًا بحريًا، وتقسمه جزيرة بريم إلى ممرين: شرقي وغربي. ويعد الممر الغربي هو الرئيس للملاحة الدولية بسبب عمقه واتساعه مقارنة بالممر الشرقي.

 

ثالثاً: قناة السويس: شريان التجارة العالمية

تُعد قناة السويس من أعظم المشاريع الهندسية التي غيّرت مجرى التاريخ، إذ أسهمت في تقليص المسافات وربط القارات والبحار، وغيرت خريطة التجارة العالمية والتوازنات الجيوسياسية.

تمتد القناة بطول 193.5 كلم، من ميناء بورسعيد على البحر المتوسط إلى ميناء السويس على البحر الأحمر. وقد ساهم افتتاحها سنة 1869 في إحداث ثورة حقيقية في الملاحة والتجارة الدوليتين، من خلال تقليص المسافة بين أوروبا وآسيا وتخفيض التكاليف الزمنية والاقتصادية للنقل البحري.

كما شهدت القناة توسعات متعددة، كان أبرزها مشروع التوسعة الجديدة سنة 2015، الذي استهدف زيادة الطاقة الاستيعابية وتحسين حركة العبور.

 

رابعاً: المضائق التركية (البوسفور والدردنيل):

تمثل المضائق التركية حلقة وصل بين البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط، وتضم مضيقي البوسفور والدردنيل، اللذين يخضعان للسيادة التركية.

يربط مضيق البوسفور البحر الأسود ببحر مرمرة، ويفصل بين قارتي آسيا وأوروبا عبر مدينة إسطنبول، ويعد المنفذ البحري الوحيد للدول المطلة على البحر الأسود نحو البحر المتوسط.

أما مضيق الدردنيل، فيربط بحر مرمرة ببحر إيجا، ويمثل بدوره ممرًا إستراتيجيًا بالغ الأهمية لحركة التجارة والملاحة الدولية.

  • أهم التطورات الدولية وانعكاساتها على الممرات البحرية الشرق أوسطية:

عُرفت منطقة الشرق الأوسط بأنها من أكثر مناطق العالم حيوية من حيث التفاعلات الإستراتيجية، نظراً لما تشهده من صراعات وأزمات مستمرة.

وتؤثر هذه التطورات بشكل مباشر في واقع ومستقبل الممرات البحرية في المنطقة، نظراً لارتباطها الوثيق بالتجارة العالمية والأمن الدولي والطاقة.

كما إن العلاقة بين تلك الممرات وبيئتها الإقليمية والدولية علاقة تأثير وتأثّر متبادل، مما يجعل القوى الكبرى تراقب عن كثب كل ما يحدث في المنطقة، باعتبار أن أي اضطراب فيها ينعكس على الاقتصاد العالمي وموازين القوى الدولية.

 

المبحث الرابع: الموقع الجغرافي الإستراتيجي للشرق الأوسط، ودورها في أمن الطاقة العالمي:

الشرق الأوسط من خلال التطوّرات الحاصلة على مستوى النسق الدولي في بداية القرن الثامن عشر؛ عصر النهضة الصناعية وحتى في عصر الفتوحات الجغرافية لم يكن له أي دور فعّال, بل كان مفعولاً به، ويقتصر دوره على انعكاسات للتطوّرات الحاصلة في النسق الدولي.

ونظراً لتنامي الرغبة لدى الدول في الكشوفات الجغرافية والبحث عن الموارد والبحث عن طرق للتجارة بين آسيا وأوربا، سيطرت إسبانيا والبرتغال وهولندا وبريطانيا وفرنسا على تلك الطرق التجارية، وسُدّ ذلك الباب لصالح الدول الأوروبية الناشئة صناعيّاً، والتي راحت تعمل على البحث عن موارد أوّلية لدعم صناعتها الناشئة، وأسواق لتصريف تلك المنتوجات، وتحوّل النسق الدّولي في بداية القرن الثامن عشر إلى دول منتجة، ودول مستهلكة على إثر الصراع الفكري في أوروبا حول المفاهيم الفلسفية، والبحث في أمور الدولة وسياساتها وعلاقاتها، وما يجب أن تكون عليه إلى جانب الاكتشافات العلمية وتطويرها، كان الشرق الأوسط في تلك الحقبة عبارة عن جزيرة مغلقة, جلّ الصراعات التي تدور فيه عبارة عن صراعات دينية، مذهبية، وحروب قبلية, وعانت فترات من الصراعات والفوضى خاصة خلال فترة السلطنة العثمانية التي سيطرت على مساحات كبيرة من الجغرافيا في الشرق الأوسط بخاصة الدول التي تقع على الخليج العربي.

 

أولاً: الموقع الجيوسياسي للشرق الأوسط:

تضم جغرافيا الشرق الأوسط 17 دولة منها 13 دولة عربية إلى جانب كل من قبرص وتركيا وإيران وإسرائيل, إلى جانب أقاليم كإقليم كردستان العراق، وشمال قبرص.

وتأتي أهمّية موقعه الجغرافي، لأنه يضم جزءاً من الحضارات المنتشرة في العالم، ومهد للديانات السماوية، ويضاف إلى موقعه بين القارات الثلاثة آسيا وإفريقيا وأوروبا، ويعتبر بوّابة التجارة البرّيّة والبحريّة بين تلك القارات الثلاث، ومناخه القارّي شبه المعتدل، وانفتاحه على البحار والمحيطات، ويُضاف إلى ذلك احتواؤه على منابع الطاقة كالنفط والغاز، ويقدّر احتياطي الشرق الأوسط بـ 60 بالمئة من احتياطي العالم من الغاز والنفط، إلى جانب شموله على الأراضي الزراعية الخصبة في العالم.

 

وعلى الرغم من أهمية الموقع الجغرافي للشرق الأوسط وتأثيره على العلاقات الدولية، فإنه لم يستطع أن يسخر ويستفيد من تلك الأهمية موقعه الجغرافي، ويفرض علاقاته الدولية عبر التحولات التاريخية، بل كان دائماً تُفرض عليه علاقات دولية من الخارج بسبب تلك الأهمّية لموقعه الجغرافي، ففي بداية الاستكشافات الأوربية بقيادة البرتغال وهولندا وبريطانيا في بداية القرن السادس عشر كان الشرق الأوسط برمّته يقع تحت سيطرة الإمبراطورية العثمانية التي لم تعرف معنى العلاقات الدولية، وكانت دائمة الاستعداد للحرب مع دول الجوار خاصة الدول الأوربية وإيران.

ثانياً: دور الشرق الأوسط في أمن الطاقة العالمي:

إن أمن الطاقة العالمي في الشرق الأوسط تم ارتباطه اليوم بتحقيق المصالح الأمريكية والغربية مع دول الشرق الأوسط وبخاصة العربية (السعودية، الإمارات العربية المتحدة، والكويت) وغيرها.

وتأتي الرعاية البريطانية الكبيرة والغربية للتعاون بين السعودية والأردن والملكيين اليمنيين مع إسرائيل تحقيقاً لاستقرار أمنهم في مجال الطاقة الأحفورية.

إيران وعلى الرغم من خلافاتها الإيديولوجية مع الجوار العربي تعتبر من أكبر المنتجين للموارد الأحفورية النفط والغاز, وهي تساهم من خلال علاقاتها مع شرق آسيا وروسيا إلى تشكيل تحالف يحميها من التهديدات الغربية لها على الدوام وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.

كان استخدام المملكة العربية السعودية لورقة الضغط النفطية في حرب أكتوبر 1973 نابعاً من دعم القضية الفلسطينية ونصرة للعرب.

أما الكويت التي تجاور العراق والسعودية وإيران، وهي قوى إقليمية خليجية لها وزنها، فقد واجهت – الكويت تهديداً وجودياً من العراق خلال حرب الخليج الأولى عام 1990، وهي تحاول إيجاد علاقات متميزة مع جوارها. ومن الأهمية بمكان ذكر بأن سياسة إيران الشاه براجماتية بشكل كبير ومتقلبة، على سبيل المثال، في الخمسينيات كان يحاول إقناع بريطانيا بإعطائه جزراً كويتية، كما أنهُ يهدد أمن البحرين باعتبارها جزءاً من إيران، وقبيل استقلال الإمارات بيومين احتل جزرها الثلاثة.

تأسست منظمة مجلس التعاون الخليجي في مايو 1981 بعيداً عن العراق العربي وإيران الفارسية الثورية، في أجواء التداخل الكبير بين المستوى الإقليمي والدولي والعالمي، فعدم انضمام العراق كان بسبب نظامه الاشتراكي الذي لا ينسجم مع الدول الملكية، كما أن المملكة العربية السعودية كانت تريد لنفسها دور القيادة.

هناك سعي عُماني في تحقيق دور بارز في منطقة الشرق الأوسط والعلاقات بين أطراف مهمة ومتصارعة في المنطقة؛ تحديداً إيران وإسرائيل والسعودية.

ثمة مخاوف أمنية قطرية من دول الجوار وبخاصة إيران، حيث تجاور قطر المملكة العربية السعودية في حدود برية وبحرية، بينما تجاور إيران بحرياً وتشترك معها في حقل غاز الشمال الضخم, فالعلاقات القطرية السعودية دائماً تحمل الهاجس الأمني من قبل قطر الدولة الصغيرة في حجمها الجغرافي والبشري، فقد حدث صدام مسلح على خلاف حدودي عُرف باسم مركز الخفوس الحدودي 1992، وهددت الدوحة في عدم التقيد باتفاقية الحدود لعام 1965، وهنا طالبت الرياض في اختيار وسيط لترسم الحدود حسب هذه الاتفاقية ([5]).

جدير بالذكر أن السعودية كانت ترفض ترسيم الحدود البحرية مع قطر وأيضاً ترفض إمدادات الغاز القطري إلى الكويت عبر أراضيها البرية.

أما دولة الإمارات العربية المتحدة فهي تجيد العلاقات الدولية في حلقات التعاون والصراع في نفس الوقت، ومثال ذلك علاقاتها التعاونية مع إيران في التجارة، حيث تعتبر الإمارات الشريك التجاري الأكبر لإيران في الخليج، وذلك لا يلغي حلقات الصراع في اليمن عبر الجماعة الحوثية ومطالبة الإمارات بجزرها المحتلة من إيران، وصدّ نفوذ إيران في المنطقة.

 

الفصل الثاني:

العلاقات الدولية وصراع القوى حول الطاقة، والصراع على الموارد وأثره في استقرار الشرق الأوسط

 

المبحث الأول: الطاقة كأداة في العلاقات الدولية:

أولاً: العلاقات بين دول الشرق الأوسط نفسها:

اعتُبرت هذه العلاقات علاقاتٍ مرحلية وليست علاقات إستراتيجية، بسبب انعدام الثقة بين تلك الحكومات في تلك الدول، وارتباطها مع أحلاف خارجية متصارعة، ممّا يعكس ذلك الصراع بين الأقطاب ذات القوى العظمى على واقع العلاقات في الشرق الأوسط، فنجد تلك الدول في صراع دائم فيما بينها، صراع العراق وإيران، صراع تركيا ودول الخليج، الصراع الإسرائيلي العربي.

وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي وانهيار يوغسلافيا، والأحداث التي تلت انهيار برجَي التجارة الدوليان، بدأت علاقات الدول في الشرق الأوسط تتّجه إلى الولايات المتّحدة الأمريكية التي نصّبت نفسها راعياً للسلم والأمن العالمي، والدّاعي إلى إحقاق حقوق الإنسان على مستوى عالمي، لكن معظم الأنظمة الأمنية في الشرق الأوسط لم تحبّب هذا النظام العالمي الجديد، بالرغم من محاولاتها القيام بتغييرات شكلية في أنظمتها تماشياً مع مقومات النظام العالمي الجديد.

 

يقول المؤرخ  الفرنسي “فرناند برودل”: العولمة أحدثت تغييراً في الحياة المادية ـ أي أنّ العولمة فرضت على الدول نظاماً إنتاجيّاً جديداً، فنجد أنّ أغلب الدول التي كانت تئنّ من أجل تأمين قوت شعوبها، الصغيرة منها، والضعيفة، نجدها الآن تصارع من أجل طرح بضائعها في الأسواق العالمية المفتوحة، بمعنى أن العولمة فرضت نظاماً اقتصاديّاً جديداً على العالم.

 

ثانياً: علاقات دول الشرق الأوسط فيما بين الدول والمحيط الخارجي:

كانت هناك نزاعات حدودية برية وبحرية عديدة بين دول الخليج الثمانية “الدول المكوّنة لمجلس التعاون الخليجي والعراق وإيران”، مع قضية احتلال إيران للجزر الإماراتية المستمر، كما أن اليمن دخل في نزاعات حدودية كدولة من دول الجزيرة العربية([6]).

ففي هذه الفترة حدثت متغيرات أمنية مهمة مثل الحرب العراقية الإيرانية بسبب عدم رضاء بغداد على اتفاقية الجزائر بين العراق وإيران عام 1975 مع فرصة ضعف إيران بسبب تغير النظام السياسي وصد تصدير الثورة الإيرانية.

أما العلاقات بين الكويت وإسرائيل فكانت بشكل غير مباشر في محاولة تقريب العلاقات الإيرانية العربية 1969 على حساب العلاقات الإيرانية الإسرائيلية.

أما على الصعيد الدولي، فجاءت المشاركة في حرب أكتوبر 1973 من خلال استخدام النفط في الحرب؛ دليلاً على الارتباط الوثيق بين أمن الخليج والأمن العربي والقضية الفلسطينية، الذي بدوره أثّر على المستوى العالمي، حيث خرج الأمن القومي الأميركي من أولوية الخطر من الشيوعية إلى نفاد وتدفق النفط. وعلى الصعيد العالمي المتعلق بالحرب الباردة، فإن جميع دول الخليج كانت قريبة من الكتلة الغربية، باستثناء العراق، وتجدر الإشارة في هذه الفترة إلى وجود محاولة للعثور على اتفاقية أمنية بين دول الخليج الثمانية، التي فشلت في مؤتمر مسقط عام 1976([7]) .

 

المبحث الثاني: أدوار القوى الكبرى في الشرق الأوسط:

إن أهمية الدولة بات في تراجع وتقويض يومي, خاصة في ظل الليبرالية الجديدة، وربما تنبّأ البعض من الباحثين والمفكرين باضمحلال أهمّية الحكومات المحلية في ظل سيطرة الشركات العالمية، أي تنازلت الفئات السياسية لصالح الفئات الاقتصادية في العالم، فلم تعد تلك الأهمية للسياسيين في العالم في ظل صعود الشركات الاقتصادية العالمية.

أولاً: الدور الأمريكي والتحالفات الغربية:

النظام السياسي أو الحكومة الأمريكية التي أضحت القوة الأكثر هيمنة في العالم تنقاد من قبل رجالات الاقتصاد والشركات العالمية وانتشار جيشها في أغلب الدول من أجل الحفاظ على مصالح الشركات العملاقة كما هو عليه في الخليج العربي والعراق وأفريقيا، ونجد أنّ الدول والحكومات المحلية لم تعد مسيطرة على الأسواق المحلية كما في العقود السابقة في القرن العشرين.

تحوّلت العلاقات من علاقات سياسية إلى علاقات اقتصادية تقودها وتبنيها الشركات العالمية، فلم تعد الدولة قادرة على السيطرة والتحكم في الإنتاج والحفاظ على قيمة الصرف في أسواقها المحلية أمام ما تفرضه الأسواق العالمية على الأسواق المحلّيّة وتأثيراتها من ناحية قيمة الصرف النقدي، وتراجع دور الدولة فيما تجنيه من دخل عبر فرض الرسوم الجمركية والضرائب على تصدير المنتجات المحلية واستيراد المنتوجات الخارجية في ظل الليبرالية الاقتصادية والتسوّق الإلكتروني عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

 

نجد أن السياسة الدولية عبر القرن الماضي كانت سياسة القطب الثنائي بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية؛ مرحلة الحرب الباردة، على الرغم من ظهور بعض التحالفات بين دول الشرق الأوسط وشرق آسيا، لكنها في الحقيقة لم ترتقِ إلى مستوى قطب ثالث إلى جانب القطبين الأساسيين، ونجد ميلها إلى القطب الذي يمثّله الاتّحاد السوفيتي، وتلك الدول قامت بإنشاء قطبين، تكلّلت بإنشاء تحالفات عسكرية قوية وفق نظام صارم يجعل الدول المنضوية في كل حلف يصعب عليها الإفلات أو الخروج من ذلك الحلف بسهولة.

وفي حال محاولتها الخروج من ذلك الحلف ستعرّض ذاتها لعقوبات عسكرية أو اقتصادية تودي بوجودها، فكان ذلك ضمن حلف وارسو بقيادة الاتحاد السوفيتي وحلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، ونتيجة الويلات التي شهدها العالم في ظل الحربين العالميتين الأولى والثانية نجد أنّ العالم تحوّل من سياسة العنف والقوة والحرب إلى سياسة الحرب الباردة التي تعمل على التوسع السياسي، وفرض النفوذ عبر مدّ يد العون للدول النامية والمنهكة، واستنهاضها للوقوف إلى جانب أحد الحلفين، وكانت الولايات المتحدة سبّاقة في تلك الخطوة، عبر طرحها وتبنّيها مشروع ماريشال لبناء أوربا المدمّرة المستغيثة الخارجة من الحرب العالمية الثانية بجلدها المتفسخ.

وقام الاتحاد السوفيتي هو الآخر بنهج ما انتهجته الولايات المتحدة الأمريكية في مد يد العون للدول النامية والمنهكة، كما هو عليه في دول شرق أوربا وبعض دول الشرق الأوسط، فمدّت يد عونها إلى سوريا في بناء السدود وتطوير المشاريع الزراعية والخدمية وكذلك في مصر واليمن، لكنّ نصيب الولايات المتحدة التي خرجت من الحرب العالمية الثانية متعافية اقتصاديّاً وعسكريّاً هو الأكبر بين دول الشرق الأوسط، فجاءت علاقاتها التي بنتها مع دول الخليج العربي ذات الموقع الجيوستراتيجي المهمّ.

بالإضافة إلى إيران وتركيا وإسرائيل، جعل حلفاء الاتحاد السوفيتي محاصرين من قبل حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية، فتحولت دول الشرق الأوسط إلى دول متناحرة بموجب سياسة كل قطب تجاه القطب الآخر، فظهرت بعض الدول التي تنادي بقطب ثالث حيادي بإرشادات سوفياتية لتجنّب الحرب والمواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية، فظهر حلف عدم الانحياز إلى جانب حلفَي الاتحاد السوفيتي والأمريكي.

لكن الحقيقة كانت مكشوفة أمام الحلف الآخر؛ الحلف الأمريكي, ممّا جعل ذلك الحلف قصير العمر، ولم يدم طويلاً، فكانت حقيقة عصر الحرب الباردة عصر الدكتاتوريات والدول الكتومة التي فرضت سيطرتها التامة على شعوبها، خاصة الدول التابعة لقطب الاتحاد السوفيتي عبر وضع وسنّ قوانين صارمة لكل من يحاول معارضة تلك السياسة، فصدرت قوانين التأميم، وتمّ بناء وإنشاء القطاع العام للدولة التي تملّكت بموجبه جميع وسائل الإنتاج هذا في الدول المنضوية ضمن حلف الاتحاد السوفيتي.

أمّا الدول الأخرى المنضوية ضمن حلف الولايات المتحدة الأمريكية فاتّبعت سياسة ليبرالية اقتصادية “سياسة السوق المفتوحة” وربما اتّباع تلك السياسة الاقتصادية جاء لخدمة السياسة الاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية، فنشطت الشركات الخاصة والقطاع الخاص في الإنتاج، والقروض المالية مقابل تقوية سيطرة الدولة السياسية المحلية والعسكرية، كما في دول الخليج وإيران وتركيا.

 

إذا تم الأخذ بالحسبان فإن عملية اتخاذ القرارات السياسية تخضع لإدراك محددات ومتغيرات وخيارات البيئة الدولية والإقليمية، وأيضاً البيئة المحلية.

 

ثانياً: الدور الروسي في الشرق الأوسط:

في بدايات القرن الواحد والعشرين عملت روسيا على جمع ما تبقّى من شتات تلك الدول في الحد الممكن، وراحت تظهر كقوى عسكرية عظمى إلى جانب الدول التي ارتأت أن قوتها في القوى الاقتصادية المنفتحة على الأسواق العالمية كما هي عليه الصين، وحاولت روسيا أن تبني قطباً جديداً في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية ضمن مجموعة دول البريكس، و يشير المصطلح إلى الحروف الأولى لخمس دول هي البرازيل، روسيا، الهند ، الصين ، وجنوب أفريقيا، كان استخدام هذا المصطلح أول مرة في عام 2001 إشارة إلى الدول الصاعدة، ولكن هذه المجموعة ظلت هشّة وغير رسمية حتى عام 2009.

وتظهر المؤشرات بأنها سوف تتفوق على اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية في العقد القادم من القرن الحالي، وعلى اقتصاديات الدول السبع الكبرى في منتصف القرن .

انطلقت مجموعة البريكس من أهداف اقتصادية مشتركة لتكون حافزاً لتماسك هذه المجموعة، متخذين من

الاتحاد الأوروبي نموذجاً في ذلك, لأن دول المجموعة مختلفة عن بعضها في الكثير من الجوانب السياسية والثقافية، لذلك ركزت أهدافها على:

  1. تشجيع التجارة والاستثمارات البينية لتحقيق تكامل اقتصادي خاصة في مجال النفط والغاز والبنى التحتية.
  2. إصلاح مؤسسات التمويل الدولية من أجل زيادة دور القوى الاقتصادية الصاعدة في صناعة

القرار داخل مؤسسات النقد الدولية “الصندوق والبنك الدوليين”.

  1. محاولة تغيير نظام النقد الدولي بتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي في المدفوعات الدولية، حيث

تبلور لدى الدول الخمس اتفاقية تقديم قروض أو منَح لبعضها البعض بعملتها المحلية لتدويل تلك العملات، وتأسيس آليات جديدة.

  1. تهتم المجموعة بشكل خاص بالتعاون التكنولوجي خاصة في مجالات الطاقة المتجددة وتحسين استخدامها, لا سيما وأن البرازيل تعدّ الدولة الرائدة في هذا المجال.
  2. الاتفاق على هوية موحدة وتعاون مؤسسي بما يجعلهم مجموعة جيوسياسية وجيواقتصادية لها وزنها قادرة على الثبات ودرء المخاطر مع خلق نظام للتنسيق الأمني فيما بينهم.
  3. العمل على تأسيس نظام عالمي جديد بعيد عن الهيمنة الأمريكية مع العمل على إصلاح المنظمات السياسية الدولية وتحديداً الأمم المتحدة ومجلس الأمن.
  4. السعي لسحب دول صاعدة وناجحة تشارك هذه المجموعة في تطلعاتها، إذ يمكن الانفتاح على العالم .

ثالثاً: دور البريكس في الاقتصاد العالمي:

تمثل دول البريكس أكبر الاقتصادات خارج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وهي نادي الأغنياء بالنسبة للاقتصادات الناشئة. وبالرغم من أنها مجموعة لا تتمتع بالتماسك القانوني والتاريخي والجيوسياسي مثل الاتحاد الأوروبي, إلا أنها تملك من المؤشرات الاقتصادية ما يجعل لها دوراً ومكانة في الاقتصاد العالمي([8])

وراحت روسيا تتعافى عسكريّاً واقتصادياً، وتعمل على كسب ما تبقّى من الحلفاء السابقين للاتحاد السوفيتي، فنجدها تعمل على إيجاد توازن عسكري في النسق الدولي، لكنها استجرّت إلى أوّل مختبر تم بناؤه من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، وهو مختبر أوكرانيا.

كان لابدّ لروسيا الاتحادية من استرداد عافيتها والتوسع في مناطق النفوذ خاصة في العالم وبالأخص في قارة آسيا، وكذلك ونظراً لحاجة الصين الكبيرة إلى موارد مختلفة لتأمين استمرار قوتها الاقتصادية كان لا بدّ من اللجوء إلى إنشاء تكتلات واتفاقيات تضمن لها تحقيق تلك الأهداف, فتمّ تشكيل منظمة (شانغهاي) للتعاون وهي منظمة إقليمية دولية سياسية واقتصادية وأمنية أوراسيّة, تضم الصين، روسيا، كازاخستان،  قرغيزستان،  طاجيكستان  وأوزبكستان ، كانت بداية تأسيسها في مدينة  شنغهاي الصينية عام 2001م .

تتميز منظمة شنغهاي للتعاون بأن مساحات الدول الأعضاء فيها تتجاوز أكثر من 30 مليون كيلو متر مربع, أي ما يساوي ثلاثة أخماس مساحة قارتي أوروبا وآسيا، ويبلغ عدد سكان الدول الأعضاء فيها نحو نصف تعداد سكان العالم. للمنظمة  مقرّان دائمان هما مقرّ الأمانة العامة للمنظمة في العاصمة الصينية بيجين، ومقرّ آخر في العاصمة  الأوزبكية  طشقند.

من أهم  أهداف  منظمة شنغهاي للتعاون:

1- تحقيق التنسيق البيني  في المجال السياسي والأمني والاقتصادي والتجاري والثقافي وشبكات النقل والطاقة.

بالرغم من الدور الروسي الهزيل في دول الشرق الأوسط وتضييق المساحة التي تلعب فيها روسيا كلاعب دولي، فإنّ استمرار الحرب الروسيّة الأوكرانية يعني إضعاف روسيا، فنجد بالمقابل صعود دول إقليمية مثل تركيا حيث راحت تبتعد في سياستها الدولية التي كانت تتوجه بالاتجاه الروسي، ودول كثيرة حذت حذوها.

 

رابعاً: العلاقات الروسية الصينية وتأثيراتها على الشرق الأوسط:

لقد سارت روسيا والصين بعقلية جديدة لمواجهة الأخطار المشتركة، ولتحقيق توازن جديد في العلاقات الدولية  بالشراكة الاستراتيجية الروسية – الصينية لمواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين.

بناء على ما تفرزه الوقائع لا يمكن للأهداف الجيوسياسية الروسية الصينية أن تصل إلى ما هو أبعد من هدفين: الهدف الأول هو البحث عن شركاء دوليين وإقليميين، وهي مستعدة لتقاسم النصر معهم وإن تعارضت رؤاهم وأساليبهم، حتى لا تتحمل ثمن الفشل لوحدها في حال حصوله، وحتى لا تغوص في مستنقعات الفشل, ولذلك تسعى روسيا والصين جاهدة لترويض التكتلات الناشئة التي تحمل صبغات اقتصادية شكلاً, بينما تحمل في مضامينها أهدافاً أبعد من ذلك .

الهدف الثاني: الترويج لمنظومة أمنية متكاملة من آسيا الوسطى مروراً بالشرق الأوسط  وشمال أفريقيا، وصولاً إلى أقصى الغرب  بمشاركة بعض الأطراف الإقليمية ذات الأهداف المشتركة، بديلاً عن المنظومة الأمنية الأميركية المهيمنة منذ عقود. مقاربة ربما تبدو بسيطة لكنها ستفتح معركة جيوسياسية شاملة، وغير مضمونة النتائج مع الحلفاء والشركاء قبل المنافسين الآخرين([9]) .

 

يمكننا القول: باتت السياسة الدولية التي تتحتّم المواجهة الأمريكية الصينية بعد الانتهاء من القوة الروسيّة، عاجلاً أم آجلاً، وكل الظن بأنّ تلك المواجهة ستنحصر في الحرب الاقتصادية فقط، ولن تصل إلى المواجهة العسكرية، وربما الصين ترجّح مصالحها مع حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية على حلفاء الروس، فالعلاقات التجارية الصينية مع حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية تتطلب من الصينيين التريّث وامتصاص الغضب الأمريكي لصالح النموّ المتصاعد في الاقتصاد الصيني.

وحقيقة الأمر أنّ الولايات المتحدة الأمريكية لا تقبل بأي قطب ثنائي جديد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وستعمل على إضعاف أيّ قوة عسكرية أو اقتصادية منافسة للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط والعالم، وبذلك تصبح دول الشرق الأوسط أمام خيار وحيد؛ وهو التعامل والتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية([10]).

 

المبحث الثالث: التحالفات والصراعات المرتبطة بالطاقة:

كانت العلاقات الدولية في أوج انتشارها في الغرب وأوروبا خاصّة، فالتبادل التجاري والعلمي والاكتشافات والاختراعات بين الدول الأوربية في سباق، وظهرت مؤتمرات وتحالفات على تقسيم العالم الجديد في أفريقيا بين الدول الأوربية في مؤتمر برلين عام 1885 وأضحت الدول الأوربية تمتلك القوى العسكرية الحربية، فراحت تزحف باتجاه الشرق الأوسط الذي رأت فيه منابع لخيرات جديدة، فنشبت الحرب العالمية الأولى التي وجدت فيها الإمبراطورية العثمانية طرفاً تتحالف معه وفق تقديرات خاطئة، فوقفت مع دول المحور بقيادة ألمانيا، إلى جانب النمسا والمجر ضدّ دول التحالف التي كانت تحاصرها من جميع الجهات، بقيادة بريطانيا وفرنسا.

والحقيقة لم تمتد آثار مبادئ وستافاليا إلى الشرق الأوسط، وظلّت تلك المبادئ محصورة في القارة الأوروبية التي لم يتمّ احترامها بين الدول الأوربية، وظلّ الصراع الطامع بين الدول، وغالباً هو صراع اقتصادي نفعيّ، وتفاقمت تلك الخروقات لمبادئ وستافاليا في بداية القرن التاسع عشر التي كانت بداية الصراعات على الثروات والخيرات والمواد الأولية في حدها البسيط، ونشوب الحرب العالمية الأولى التي كانت في دوافعها الأساسية السيطرة على الموارد الاقتصادية، وفرض القوى العسكرية للحصول على أكبر قدر من المستعمرات في الشرق وأفريقيا، وعلى إثرها انقسم العالم إلى قطبين متحاربَين، إذْ وجد الشرق الأوسط في تلك المرحلة عبارة عن ساحة للمعارك المنقولة بالوكالة، واتّخذته الإمبراطورية العثمانية كمنبع بشري لتزويد حليفتها “ألمانيا” بالقوى البشرية.

 

لم تظهر ظاهرة التدوّل في الشرق الأوسط إلا بعد الحرب العالمية الأولى، حيث ظهرت دول ذات سيادة ناقصة في معظم الشرق الأوسط، وجلّها أصبح تحت الوصاية الفرنسية أو البريطانية أو الاتحاد السوفيتي.

وتحوّلت معظم بلدان الشرق الأوسط من ساحات الصراعات على النفوذ في الحرب العالمية الثانية من عام 1939 حتى عام 1945 إلى السيطرة الكاملة عليه من قبل ” الحلفاء” بريطانيا  وفرنسا، وساد الشرق الأوسط مرحلة هدوء حذرة تحت قيادة الجيش الثامن التابع لدول الكومنولث.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية انقسم الشرق الأوسط إلى دول متّنت علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية الحليف الجديد المنتصر، كدول الخليج العربي بداية مع سلطنة عمان، وبعدها مع المملكة العربية السعودية، لأسباب تجارية واستراتيجية، وبعضها الآخر بنى علاقات قوية مع الاتحاد السوفيتي القطب الآخر المنتصر في الحرب، على أساس النظام الاشتراكي، كمصر وسوريا والعراق.

وما يجب التطرّق إليه هو ظهور الولايات المتحدة الأمريكية كدولة عظمى بعد الحرب العالمية الثانية على حساب انهيار الدول الأوربية العظمى مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا، فنجد أنّ أمريكا استطاعت أن تخرج من الحرب العالمية الثانية محافظة على عافية اقتصادها وصناعتها عبر وقوفها مع دول الحلفاء ضد ألمانيا، خرجت وعيونها شاخصة على حلفائها، وتوجّست القوى من الاتحاد السوفيتي المنتصر الآخر مع الحلفاء.

وفي الجانب الآخر رأت دول في الشرق الأوسط سوقاً خصبة بالمواد الأوّلية لدعم صناعتها، فنجدها اتجهت إلى إعمار أوربا، واكتفت ببناء علاقات استثمارية لاستخراج النفط ومشتقاته من دول الشرق الأوسط، كما في إيران ودول الخليج والعراق، فظهر في الشرق الأوسط  قطبان دوليان من العلاقات يتمتع كلّ قطب بحماية خاصة؛  قطب مع الولايات المتحدة، وقطب مع الاتحاد السوفيتي.

 

إذا ما أخذنا بالحسبان تصنيف الدول في الشرق الأوسط فسنرى عدة تصنيفات منها الدول الصغيرة مثل البحرين وقطر والكويت والإمارات وحتى إسرائيل رغم امتلاكها القوة النووية، أما سلطنة عُمان فتعتبر دولة متوسطة الحجم الجغرافي والاقتصادي وصغيرة بحجم سكانها مقابل مساحتها الجغرافية، بينما هناك قوة اقتصادية ثقيلة للدول الصغيرة معتمدة على النفط والغاز مثل الكويت وقطر والإمارات، كما أن إسرائيل ذات قدرات اقتصادية وتكنولوجية، في حين أن المملكة العربية السعودية تمتلك حجماً جغرافياً كبيراً مع مكانتها الإسلامية الدولية، ولكن قوتها الاقتصادية معتمدة على النفط بشكل أساسي ووحيد، مما جعلها تصنف دولة ضعيفة[11].

أهمية هذا التصنيف يرجع إلى كونهِ السبب الرئيسي الذي جعل هذه الدول تعتمد على قوى خارجية في تحقيق أمنها، وخاصةً الاعتماد على الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا في فترات معينة.

 

المبحث الرابع: طبيعة الصراعات على موارد الطاقة:

إن عملية تقسيم الشرق الأوسط وموارده المختلفة على أساس ثرواتها، كانت محور حروب قوى الهيمنة العالمية، فالدور التاريخي للصناعوية في الشرق الأوسط، كان التفكيك والقضاء على المجتمع الزراعي التقليدي المعمّر منذ خمسة عشر ألف سنة، ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى سعت القوى العالمية إلى رسم خارطة المنطقة التي بدأت تفوح منها رائحة ثروات النفط والغاز ناهيك عن الموارد المائية، فالرغبة بالهيمنة على منابع هذه الثروات التي بدا أنها ستكون عصب الصناعوية الغربية لقرن قادم من الزمان, كانت هدفاً لمختلف هذه القوى، وبالتالي تمّ تقسيم الجغرافيا على أساس توزيع ثروات المنطقة.

إن الصراع الدولي الذي تتفرع منه وتندمج فيه كل أشكال العلاقات الدولية السلبية والإيجابية، كان يتمحور حول العلاقات التفاعلية؛ أي الصراعات بين الغرب والشرق، انطلاقاً مما يسمى اليوم “الشرق الأوسط”. واستناداً إلى هذه العلاقات التفاعلية الصراعية، نشأت مفاهيم جيوبوليتيكية مثل الشرق الأوسط.

إن وحدة السوق التجارية العالمية القائمة على تفعيل حركة الاستثمارات وتوظيف الرأسمال في مختلف الأقاليم المتقاربة، عبر الهيمنة على اقتصادات العالم المتعددة الأقاليم وفق “منهج العولمة اللانمطي” .

لقد أدت عولمة العلاقات الاقتصادية الرأسمالية في مرحلة ما بعد الحداثة, إلى انتقال الهيمنة داخل اقتصادات الدول وداخل الاقتصاد العالمي إجمالاً إلى الشركات العابرة للقارات ومؤسسات الإعمال الكبرى, التي تملك سلطة قوية قادرة على نقل الاستثمارات الرأسمالية من مكان إلى آخر, مع ما يستتبع ذلك وما يستلزمه من تأثيرات في مجالات الاقتصاد وحركة الموارد والسيطرة عليها وأنماط المعيشة في المجتمعات المحلية.

 

تكمن مفارقة منطقة الشرق الأوسط بأنها من أضعف الحلقات في بنية النظام الدولي المعاصر وأكثرها صلابة وتطرفاً في المحافظة على هذه الإيديولوجية المدمّرة، وهي كونها في وضعية التبعية والخضوع للنسق الرأسمالي الدولي وفق إيمانويل فالرشتاين، فإنها من خلال آلية الدولة القومية الاستبدادية دخلت في حرب مفتوحة وشاملة ضد المجتمع بغرض التعويض عن مكانتها المهينة والمذلّة في بنية النظام الدولي.

هذا التقسيم الدولي، سيجعل من الشرق الأوسط حيّزاً مكانياً بغرض تأمين المواد الخام للأسواق الدولية مقابل استيراد السلع العالمية إلى سوقها الداخلي، بيد أنّ النخب الاحتكارية العالمية التي تتضخم على قيمة الفائض الدولي ستدخل في الشراكة مع الطبقة الاحتكارية في الشرق الأوسط في سلب ونهب مجتمعاتها المحلية. هذه الخلاصة، ستحبط عزيمة فرانز فانون، الذي سينعت ظاهرة الاستقلال في بلدان العالم الثالث، بوصفها إعادة تمكين الفاشية التي استولت على الدولة باسم القومية والنضال ضد الاستعمار من أجل إعادة الاستغلال وتعميق البطالة الشاملة على كاهل الشعوب الثائرة، وكان جلياً أن التمردات المجتمعية في الشرق الأوسط مع تفجير ربيع الشعوب، تنبع في جانب ما من هذه الخلفية الاقتصادية المضطربة.

كانت الصراعات على الهيمنة والتحكم والتوسع الجغرافي وما يزال الهدف الأقصى والمنشود للدول الكبرى وقوى الهيمنة، عبر افتعال الأزمات واختلاق الحروب، وعندما نقول الصراع على التوسع في الجغرافيا، فليست جميع المناطق متساوية القيمة في نظر تلك القوى، وتلك الهيمنة، فثمة خبراء في هذا المجال يدرسون القيمة الفعلية لكل منطقة يُراد التوغل فيها، وماذا يمكن أن تحقق أو أن تضيف هذه المنطقة من شيء جديد بالنسبة للدولة الراغبة بذلك الامتداد المكاني في رقعة جغرافية معينة؟!.

فالثروات الباطنية كانت ومازالت وبشكل تقليدي سبباً رئيسياً للحروب والسيطرة على الأرض، وإلى جانب ذلك المياه؛ فموارد الطاقة والمياه العذبة ومناطق تواجد الأنهار هي الأخرى من المناطق المرغوب فيها، إضافة إلى المناطق الإستراتيجية من النواحي العسكرية أو التجارية، مثل الممرات والمضائق والطرق التجارية، لأن مثل هذه الطرق تكون دائماً ورقة ضغط في يد من يملكها أو يسيطر عليها، والتاريخ يشهد بالعديد من الأمثلة على ذلك، مثل مضيق هرمز وباب المندب و البوسفور وقناة السويس.

إن شكل الصراع الدولي قد تغيّر بعض الشيء بعد انهيار البُرجَين ليتّخذَ شكلاً مختلفاً عن الأشكال والوسائل الكلاسيكية المعروفة التي سبق سردُها، فالعالم اليوم وخاصة الدول العظمى باتت تتسابق في الفضاءات الافتراضية الرحبة وليس على الأرض فحسب، لقد تغيّر شكل الحروب حتى من حرب مواجهة إلى حرب بالوكالة، وأخذ الصراع على مدّ النفوذ لا يُمارس بطريق الضغط بالآلة العسكرية بشكل مباشر، وإنما أخذت الصفقات والاتفاقات التجارية والمصالح المتبادلة والمقايضات هي التي تلعب دورَها المفصليّ والحاسم في كثير من الأحيان، هذا إلى جانب خلق وصناعة جماعات أو فصائل موالية في بؤرة معينة لتعمل على تحقيق أجندة القوة التي صنعتها، وبهذا الشكل تجاوز العالم اليوم شكل المنافسة التي كانت بالحرب الساخنة ثم الحرب الباردة إلى الحرب بالوكالة، وبالتالي يمكن أن نرى أنّ الحرب العالميّة الثالثة قد بدأت مع بداية الألفيّة الثالثة، لكن بشكل جديد.

 

المبحث الخامس: انعكاسات الصراع على الأمن الإقليمي:

يعيش العالم عملية انتقال فوضوية كبيرة، ودخل مرحلة متعددة الأوجه، تنضم الدول في بعض الأحيان في التحالفات العامة، في بعض الأحيان تدخل في تحالفات إقليمية وأحيانا تقوم بتطوير التحالفات المحلية.
عندما تدخل الولايات المتحدة وروسيا في تنافس كبير، فيمكنهم مواصلة علاقاتهم مع كلا البلدين، نفس الحالة إلى جانب الصين، وهي دولة متفوقة على المستوى العالمي، تقوم بتطوير تحالفات استراتيجية، فضلاً عن قيادة حملات للحوارات الجديدة على المستوى الإقليمي.

وعلى المستوى العالمي، يمكن ملاحظة أن هناك حربا كبيرة بين مشاريع مسار الطاقة الأمريكية والروسية والصينية، ويتم فرض هذه المشاريع على بلدان الشرق الأوسط، كما سيتم وضع خطط للتغلب على العملية الوسيطة الفوضوية بعد أن يصبح وضع ممرات الطاقة واضحة، ويبدو أنها تتطور بسرعة.

أما الطريق الإقليمي أو الممر الاقتصادي للهند والشرق الأوسط وأوروبا، بهذا الطريق، فيتم ممارسة الضغط على الولايات لاختيار  الدول العربية أو تركيا، وإيران قد تُركت لمواجهة خيار آخر.

تم تعريف موضوع مهم من مناقشة هذه المقالة كعملية تغيير المواد التقنية والمواد التكنولوجية والطاقة كعملية تمرير حقبة جديدة، تماما كما أنشأت التسلسل الهرمي الوطني والدولي بدلا من الفحم، فإن عملية تمرير استخدام الطاقة المنسقة المناخية والبحث عن مواد الطاقة الجديدة ستقوم بتطوير تسلسل هرمي جديد يجب أن ينص على أن عملية جيوسياسية بدأت في هذه البلدان. بادئ ذي بدء، من المعروف أن الولايات المتحدة الأمريكية ودول أخرى تعمل على إنشاء عمليات تمرير الطاقة الملائمة للمناخ، ودفعت البلدان الأكثر توافقا مع العالم مثل دول الخليج.

وجعلهم هذا البحث مركزا للتغيرات الجذرية التي ستسمح بالتصالح بين الجهات الفاعلة، وإذا كان هذا صحيحا، فيمكن القول بالنسبة لدول الخليج أن عملية باهظة الثمن قد بدأت، وفقط على أساس الجغرافيا، فلا يمكن دمجها في العملية الجديدة، لاعتبارات أكثر أهمية، ليس لكون  الأنظمة السياسية تعمل وفقاً لشروط القيمة الرسمية أم لا، بل لأنه يتطلب نظاماً سياسياً واقتصادياً وبيروقراطياً يحمي الحقوق الكبيرة لممرات رأس المال والطاقة والتجارة.

وتطلعات دول الخليج وفقا لهذه الظروف تأخذ عدة خيارات، فدول الخليج تعلم أن الوقود الأحفوري لن يكون مصدر إنتاج الطاقة الأساسية، وفي هذه التطورات فإن دول الخليج في وئام مع العالم الجديد، وتحاول دول الخليج تجنّب الاقتصاد القائم على النفط، ففي تقرير المشاريع العالمية التي أجرتها بعض الدراسات العالمية، فقد ذُكر أن بلدان الخليج قد استثمرت لأجل هذه المتغيرات، وعلى سبيل المثال، ففي المملكة العربية السعودية، أكثر من 5،200 مشروع، تبلغ قيمتها الإجمالية 819 مليار دولار.

وقد حققت دول الخليج وفي المقام الأول المملكة العربية السعودية، في إطار اقتصاد يمكن الحفاظ عليه، تحالفات طويلة الأمد لمشاريع مشتركة في العديد من البلدان مثل الولايات المتحدة الأمريكية وإنكلترا والهند والصين قد بدأت، وللقيام بذلك يعملون على تخفيض تعاملاتهم الاقتصادية والقائمة على مبيعات موارد الطاقة النفط والغاز.

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث السادس: آفاق التعاون وإدارة الصراعات على الطاقة:

اتفاقية أبراهام وسيلة لتحقيق أهداف مهمة عدة للمثلث “أبوظبي، الرياض، والمنامة” مع تل أبيب، وقد سرد Steven Simon أهمها:

احتواء الخطر الإيراني الذي يمثل تهديداً للاستقرار الإقليمي، إذ تنظر الإمارات والسعودية والبحرين إلى بناء العلاقات مع إسرائيل على أنهُ تحوّلٌ ضد تراجع الاهتمام الأمريكي بالشرق الأوسط، فهناك مساعٍ بين بعض دول الخليج العربي لملء الفراغ الجيوسياسي على أثر فكّ الارتباط المتوقع لحامي أمن الخليج والشرق الأوسط الولايات المتحدة الأمريكية.

وعلى الجانب الآخر تنظر طهران إلى اتفاقات إبراهام باعتبارها تهديدًا خطيراً، فقد أصبحت إيران والثورة الإسلامية الشيعية موجودة على الحدود الشمالية لإسرائيل منذ الثمانينيات بسبب حرب لبنان بين عامي 1982 و 1984، والآن أصبحت إسرائيل موجودة في الخليج بعلاقاتها الرسمية مع الإمارات والبحرين وغير الرسمية مع السعودية، والتي “الرياض” تعتبر داعمة لهذه الاتفاقية.

تشترك الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل أيضاً في مصلحة مواجهة النشاط التركي، فمنذ التوقيع على اتفاقيات أبراهام، قامت الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل بالطيران جنباً إلى جنب في التدريبات العسكرية التي رعتها اليونان في عام 2021، والذي يشكل دعماً لأثينا في خلافات الحدود البحرية مع أنقرة.

الاستفادة من التكنولوجيا الإسرائيلية في الزراعة وتحلية المياه، مع تعزيز التجارة والسياحة، وتصدير النفط الخليجي عبر إسرائيل إلى أوروبا, إلى جانب وجود مستويات عالية من القبول الشعبي السعودي والإماراتي والبحريني لإقامة علاقات مع إسرائيل, ثم إن العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي خاصة الإمارات والبحرين والسعودية بشكل غير رسمي حتماً ستقود إلى تقويم السياسة الإيرانية مع دول المنطقة الخليجية([12]).

 

الخلاصة:

يُظهر هذا البحث أن الجغرافيا السياسية للطاقة تلعب دوراً محورياً في تشكيل الصراعات في الشرق الأوسط, فالموارد الطبيعية إلى جانب الموقع الجغرافي، تجعل المنطقة مركزاً للتنافس الدولي.

إن فهم هذه العلاقة يساعد في تفسير العديد من النزاعات، كما يُبرز أهمية تطوير سياسات توازن بين استغلال الموارد وتحقيق الاستقرار.

في هذا البحث، تم التركيز على ممرات الطاقة التي تشكل أداة أساسية  في حرب الهيمنة والتحكم والسيطرة وطرق التجارة الجديدة والحركة دون عوائق، بناءً  على أساس هذا التحليل السياسي, لأن هذه العملية عملية خارج التنبؤ، ومن الصعب للغاية التنبؤ بعواقبها دون تحليل سياسي دقيق وصائب.
تم إجراء التحليل على آثار الهيمنة التي تشكل طبيعة الحرب، ولهذا السبب ذكرنا الغاية التي تمنحنا تحليل  طبيعة الحرب الشاملة  مباشرة أو ما وراءها، فهناك مالك لمواد الطاقة وآلية  تنفيذ أمن طرق الطاقة، وكذلك تصريح حركة نظام رأس المال دون عوائق.

 

المراجع العربية:

  1. بيير سليرييه، الجغرافيا السياسية والجغرافيا الاستراتيجية، ترجمة أحمد عبد الكريم،الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة1988
  2. ممرات الطاقة، دراسة أكاديمية عبد الله أوجلان العلوم الاجتماعية،2025
  3. محمد أزهر السماك، الجغرافية السياسية أسس وتطبيقات، دار الكتب للطباعة والنشر، الموصل.2011
  4. عبد القادر دندن، معضلة الممرات البحرية الشرق أوسطية، حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية، بغداد 2023
  5. عبد الجليل مرهون أمن الخليج والمتغير الأمريكي، مركز الإمارات للدراسات وابحوث الاستراتيجية، ابوظبي2024
  6. عبد الجليل مرهون، أمن الخليج بعد الحرب الباردة، (بيروت: دار النهار للنشر، الطبعة الأولى، 1997)
  7. حميد المنصوري، الاتفاق النووي الإيراني ومستقبل الأمن الخليجي. جريدة الاتحاد، أبوظبي، 12 أعسطس 2013.
  8. أحمد دياب، البريكس تكتل القوى الصاعدة، مركز الدراسات السياسية الاستراتيجية، مؤسسة الأهرام، 2011
  9. جعفر بهلول جابر الحسيناوي، التحديات السياسية والاقتصادية للهيمنة الأمريكية تكتل البريكس وشنغهاي نموذجاً، اطروحة دكتوراه، جامعة النهرين، كلية العلوم السياسية، 2017
  10. أحمد نصر الدين، دراسات في العلاقات الدولية الافريقية، مكتبة مدبولي القاهرة، 2011

 

المراجع الأجنبية:

[1]. In the matter of country classification, please see: Michael, H., (1981). Weak states in the international system. London: Publication Info.

.2 Simon Tanios, Iran, Israel, the Persian Gulf, and the United States: A conflict Resolution Perspective.

 

 

 

 

[1]. بيير سليرييه، الجغرافيا السياسية والجغرافيا الاستراتيجية، ترجمة أحمد عبد الكريم،الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة1988، ص9-10.

[2]– ممرات الطاقة، دراسة أكاديمية عبد الله أوجلان العلوم الاجتماعية،2025

[3]. محمد أزهر السماك، الجغرافية السياسية أسس وتطبيقات، دار الكتب للطباعة والنشر، الموصل، ص277.

[4]. عبد القادر دندن، معضلة الممرات البحرية الشرق أوسطية، حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية، بغداد 2023، ص 13-17.

[5]. عبد الجليل مرهون أمن الخليج والمتغير الأمريكي،  مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ابوظبي ص153-155.

[6] .عبد الجليل زيد مرهون، أمن الخليج بعد الحرب الباردة، (بيروت: دار النهار للنشر، الطبعة الأولى، 1997)، ص146 -186.

[7]. حميد المنصوري، الاتفاق النووي الإيراني ومستقبل الأمن الخليجي. جريدة الاتحاد، أبوظبي، 12 أغسطس 2013.

[8] – أحمد دياب، البريكس تكتل القوى الصاعدة، مركز الدراسات السياسية الاستراتيجية، مؤسسة الأهرام، 2011

[9] . جعفر بهلول جابر الحسيناوي، التحديات السياسية والاقتصادية للهيمنة الأمريكية تكتل البريكس وشنغهاي نموذجاً، اطروحة دكتوراه، جامعة النهرين، كلية العلوم السياسية، 2017

[10] . أحمد نصر الدين، دراسات في العلاقات الدولية الافريقية، مكتبة مدبولي القاهرة، 2011

[11] – In the matter of country classification, please see: Michael, H., (1981). Weak states in the international system. London: Publication Info.

[12]. Simon Tanios, Iran, Israel, the Persian Gulf, and the United States: A conflict Resolution Perspective.

 

كاتب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.