وجود المرأة أساس وجود المجتمع
هيفي ديريك
عندما يتناول الإنسان مسألة وجود المرأة ويبحث فيها، فإنه يدرك الحقائق المرّة والقاسية بشكل أوضح, وعند التأمل فيها، يرى بوضوح كيف أن مشاكل المرأة والمجتمع مثل كرات الثلج التي تتجمّع وتكبر شيئاً فشيئاً، حتى تتحول إلى كتل جليدية ثقيلة. كما يجب على الإنسان أن يدرك أن مشاكل المرأة والأُسرة تُعمَّق بأساليب خفيّة من قبل النظام السلطوي المهيمن، والذي عمل على تشويه الحقائق والأكاذيب في المجتمع، وجعلها تبدو وكأنها منفصلة عن بعضها, وهكذا يتم فرض رؤية النظام الحاكم كحقيقة مطلقة. ومن المعروف أن العديد من المفكرين والفلاسفة والناشطين حتى الآن أصبحوا ضحايا للنظام الذكوري المستبدّ, وكثير من الباحثين عن الحقيقة تمّ معاقبتهم، وفقدوا حياتهم، ليصبحوا شهوداً للحقّ والحقيقة أمام الإنسانية, ويجب التأكيد على أن مشاكل المرأة والمجتمع ليست كما يُعتقد أو يُتصوَّر.
إن جميع مشاكل المجتمع قد حُصرت في قضية المرأة والرجل كما أوضحنا سابقاً، وجذر كل هذه المشاكل يكمن في العقلية الذكورية والسلطوية المهيمنة, فعندما يتأمل المرء في طبيعة العلاقة المشتركة بين المرأة والرجل، يرى بوضوح وجود ظلم كبير وغياب صارخ للعدالة، حيث تواجه النساء يومياً أعمال عنف لا حدود لها، قد تصل إلى حد القتل في أحيان نادرة.
وقد وصلت قضية الأنوثة والذكورة إلى طريق مسدود وأصبحت كالعقدة المستعصية على الانفكاك، والتي لا يمكن حلها بالطرق التقليدية. وكما هو معروف في التاريخ فقد قيل إن لا أحد يستطيع حلّ تلك العقدة المستعصية، حين جاء الاسكندر المقدوني إلى الشرق الأوسط وفك العقد بسيفه، ما يعني أن بعض المشاكل لا تُحلّ إلا بالقوة و الجرأة.
ولكن للأسف، عندما نبحث في التاريخ لا نجد أن المشاكل قد حُلَّت بالحرب والعنف, بل على العكس تماماً، فبالحرب والعنف تتعمق المشاكل وتصبح أكثر تأزماً. ومع الأسف، لا تزال المرأة والمجتمع يدوران في حلقة مفرغة من الأزمات العالقة، ويقفان على حافة الهاوية. لذا من الأجدر بنا أن نناقش قضايا المرأة والمجتمع بحكمة، ونبحث عن حلول عملية بمشاركة جميع مكونات المجتمع من نساء ورجال؟ يجب أن نعمل على تعميم الحلول من خلال عمليات اجتماعية منظمة. وكما هو معروف، فقد كرَّس المفكر عبدالله أوجلان 52 عاماً من حياته من أجل حرية المرأة والمجتمع. يجب أن ندرك أن جهوده ونضاله، إلى جانب تضحيات المناضلين الأبطال، قد أنتجوا إرثاً غنياً وأصبحوا أساساً لمستقبل حر وعادل للمرأة والمجتمع. أما النساء المناضلات والمقاومات فقد شمرّن عن زنودهن، وخرجن إلى الجبال وصرن رمزاً للإلهام النضالي لكل امرأة ومجتمع يعشق الحرية.
النساء المقاومات في دعوة القائد أوجلان الذي يقول فيها: يجب على كل كائن أن يناضل من أجل حريته، ومن ناحية أخرى، يجب أن يعرف أن الحرية لا تُمنح، بل على العكس، يجب على المرأة أن تكتسب حريتها بيديها. والنساء المقاومات، مثل الفراشات الثلاث الباحثات عن الحقيقة، يقدمن بأنفسهن في خضم الثورة وقدّمْنَ تضحيات ثمينة جدًا وما زلن يناضلن ويقدّمن التضحيات. نضال القائد والمفكر أوجلان أثار لدى النساء مشاعر الحرية، وجعل الحياة ممكنة، وبالفلسفة والعلم حرر المرأة من الرجل وحوّلها إلى بطولات وأرباب حرية. وكما نعلم جميعًا، بدأ القائد أوجلان نضاله على أساس المساواة وحرية المرأة، وربى المرأة وقدم لها تعريفاً للحرية كي تثق بنفسها ولتضمن حريتها بقوتها الفكرية والتنظيمية. والنساء الذكيات صاحبات الإرادة تقدمن خطوة بخطوة، توجهن إلى جبال الحرية، حملن سلاح العزيمة، ودخلن في صف الآلهات.
والنساء الناشطات مثل بريتان، زيلان، بريفان؛ سما، مزكين، روناهي؛ زكية ورهشان سعَيْنَ لأن يُخرِجْنَ وجودهن كجندر إلى قمة التقديس. وكما قيلَ، تلك المرأة التي سُلبت هويتها وإرادتها، وأُخِذَت منها، وتُركت بلا مأوى مثل العبيد والمساكين. واليوم أيضاً، تتقدم النساء الشجاعات قافلات متتابعة إلى صفوف الثورة، حاملات سلاح الإرادة والكرامة، ويقاتلنَ ببسالة، ويُضِئْنَ مثل نجوم الصباح، منيرةً طريق جميع نساء العالم، ومصدر إلهامٍ للنضال. والنساء الكرديات، بجهد ونضال القائد أوجلان، وبقيادة ومقاومة إلهة الحرب والحياة سارة ديرسم وصل نضال المرأة المقاومة إلى الذروة. وكما نرى، فقد ناضلت العديد من النساء الشجاعات والناشطات حتى النهاية، ورسمْنَ ملاحم البطولة على صفحات التاريخ، وكتبنَ أسماءهن بحروفٍ من ذهب، وأصبحنَ كالنجوم في السماء.
يتم التأكيد مرة أخرى على أنه ما دامت المرأة لا تعرف تاريخها ولا تتمسك بهويتها، فلن تصل إلى أي نتيجة. أليس من الواجب على المرأة أولاً أن تتعرف على نفسها كجندر، وأن تصبح مناضلة واثقة من نفسها وخبيرة؟ القائد أوجلان، الذي خاض نضالًا استثنائياً على مدى 52 عاماً، وآمن بحرية المرأة والمجتمع بكل قلبه وروحه، يقول: أنا اليوم أكثر من أي وقت مضى مؤمن بالسلام والديمقراطية، وأنا مستعد لتحمّل عبء المرحلة على كاهلي، وتحمّل مسؤولية سلام دائم. وطالما أن المرأة لا تتحمل مسؤولية المرحلة، ولا تقف بشموخ وتعلن إما حياة متساوية وحرة أو لا حياة، فلن يكون هناك حل. لأن المجتمع أيضاً يُنظم ويُحرك حول المرأة، لذا يجب عليها أن تدرك تميز دورها ورسالتها وأن تتحرك على هذا الأساس.
كما نعلم جميعاً أيضاً أن القائد أوجلان قال إن قوة المرأة مؤثرة مثل القنبلة الذرية ويمكن استخدامها بشكل جيد أو سيئ. ولكن المهم هو أن تلعب المرأة دورها الإيجابي وتكون فاعلة. فالنظام الذكوري المسيطر يستخدم المرأة كأداة للشر والحروب الخاصة، وحان الوقت أن تدرك المرأة دورها الإيجابي وتجعل من نفسها مفتاحاً للنجاح. وعلى المرأة أن تثق بقوتها الجماعية وتكون منتجة في هذه القضايا، لتجعل من خصالها الإيجابية ميراثاً للمجتمع بأكمله. والآن نرى أن عيون النساء قد انفتحت على الحقيقة.
ومن خلال متابعتنا نلاحظ ونرى أن النساء في جميع أنحاء العالم قد استيقظن ودخلن في نضال قوي وذي معنى. ويجب التأكيد على أن احترام وجود المرأة هو احترام للحقيقة والحرية. أقول إن تعرف المجتمع وفهمه للمرأة سيجعل المرأة أكثر نشاطاً، وسيعزز الاحترام والمساواة بين المرأة والرجل. كما ستمنح المرأة فرصاً أكبر لتلعب دورها القيادي وتكون منتجة. يجب التأكيد على أن دور ومهمة المرأة في المجتمع أساسيان، فبدون المرأة، لا يمكن للحياة أن تستمر.
ومن المعروف أيضاً أن الأنظمة السلطوية تُربك المجتمع وتُضيع الحقائق. فالسلطة تخلق العديد من الألاعيب لتبرير نفسها، وتزرع الارتباك في أذهان الناس. من الواضح جداً كيف تقلب الأنظمة السلطوية حقائق المجتمع رأساً على عقب، وتحاول دائماً أن تُربكه.
النساء الناشطات تسلحن بفكر القائد “أوجلان” وأصبحن نساءً مؤمناتٍ بالنضال. لقد قال القائد “أوجلان” إن المرأة ضمان الحرية، وشرح مرة أخرى قائلاً: إذا انسحب الرجال من الجبال، فستواصل النساء نضالهن لأن هدفهن استراتيجي، وهو مجتمع حرّ ومتساوٍ.
كما هو معروف، الدفاع عن النفس حق طبيعي لكل كائن حي. المرأة أيضاً، باعتبارها جنساً، تعتبر مهمة الدفاع عن النفس مقدسة وتقف في وجه جميع أشكال العنف والقسوة بفلسفة المعرفة.
ويجب أن يُفهم أن الدفاع الجسدي للمرأة هو أيضاً موضوع نقاش، لأن هناك هجمات شديدة القسوة تُشن على الجنس الأنثوي. وكما نرى، يتم تنفيذ هجمات على النساء في جميع أنحاء العالم يومياً، وباستمرار تُقتل العشرات من النساء.
يجب أن يُدرك أن المرأة هي إرث المجتمع الطبيعي، وعليها أن تحمي جوهرها وتبرز أصالتها لتسيطر على قدسية الحياة. وأن تنتج خيراً لمجتمعها.
من أجل أن تكون المرأة لائقة لجهد ونتاج الأم الآلهة، وأن تبلغ النصر. ولكي لا نصبح كالأنظمة السلطوية والمستبدّة، يجب أن نصل إلى النيرفانا (التحرر الروحي)، وأن نحول أفكارنا وأرواحنا وأجسادنا إلى دروع للحرية.
وكامرأة، يجب أن تثبّت موقفها وتقف بثبات في وجه النظام السلطوي، وألّا تتراجع أبداً عن موقفها. فإذا تراجعت، ستتجاوز معاييرها بسرعة وستسقط في فخ النظام الوحشي الرأسمالي، لتصبح قطعة سهلة للابتلاع. كما هو معروف، قدّم القائد “أوجلان” العديد من التحليلات الثرية حول هذا الموضوع، قائلاً: يجب أن تتقيؤوا ذلك السم الذي شربتموه من يد النظام الرأسمالي باسم المشروبات الحلوة، وتطهروا أنفسكم كي لا تصبحوا أشراراً. ويحلل القائد “أوجلان” طبيعة النظام الذكوري السلطوي قائلاً: النظام الرأسمالي زرع نفسه كورمٍ خبيث في عقل المجتمع، وكدودة تأكل من الداخل، فتفسد المجتمع وتجعله ضعيفاً، ليصبح لقمة سائغة تُلتهم.
يُربي النظام الرأسمالي المجتمع على الجوع ويُخضعه لهيمنته. ويمكن أيضاً تحليل النظام الرأسمالي على النحو التالي: إنه يتسلل مثل سرطان خبيث في جسد البشرية، ثم يبدأ بإظهار آثاره المدمرة. ولكي يواجه المرء النظام السلطوي، عليه أولاً أن يحلله بدقة، ولتعطيل فعاليته يجب تقوية الوعي والانتقال إلى العمل النضالي.
وبالمقابل كما هو معروف، فإن النظام الديمقراطي يعمل بأساليب سلمية على ترسيخ نفسه في المجتمع وتنظيمه, ورغم كل العقبات التي يضعها النظام السلطوي في طريقه، فإنه مثل الطوفان يجد دائماً طريقاً لتحقيق أهدافه. النظام الديمقراطي يحمي نفسه بالفلسفة والأيديولوجيا, ولا يقبل على نفسه أن يدور في فراغ روحي وفكري.
على الجميع، وخاصة النساء، تنظيم أنفسهم بشكل جيد وجعل المجتمع يتحمل مسؤولية جادة؛ حتى لا تسيطر عليهم أمراض النظام السلطوي، ويقوموا بواجباتهم بنجاح ويتوّجوها بإنجازاتهم. كما يجب على الشخصيات القيادية والرائدة أن تكون في قمة الوعي، وأن تعمل بمهارة وتتفانى في العمل، لتفي بوعودها التاريخية وتستحق كلمة القيادة والريادة. على النساء أن يكن في صلب التغيير والتحول كحاجة ملحة، حتى لا يصبحن أدوات بيد النظام السلطوي وأدوات يستغلها. وكما هو معروف، فإن الجنس الأنثوي هو الأكثر تضرراً من النظام الرأسمالي؛ لذا يجب أن يكن الأكثر حراكاً تجاه النظام السلطوي والأكثر نشاطاً في مواجهته. يوجد العديد من المؤلفات القيّمة للقائد أوجلان التي تستحق البحث والدراسة، لكي يأخذن كجنس ومجتمع ثأرهن من النظام المتسلط.
نحن نشعر وكأننا في خضم معركة فكرية، خاصة عندما نستمع إلى تحليلات القائد أوجلان (آبو) ونتمعن فيها. في تلك اللحظة، يدرك المرء بوضوح حقيقة نظام الهيمنة. وعندما يتأمل المرء ذاته ويعرف نفسه، يشعر بغضب شديد تجاه نفسه لأنه لم يكن واعياً، وكأنه عاش في غفلة. عندما نقرأ كتاب القائد أوجلان ‘كيف نعيش؟’، نتأثر بشدة ونسأل أنفسنا: لماذا عاشت شخصياتنا بهذا الضعف واللامبالاة؟ ونرى أننا كشعب خذلنا أنفسنا، وخنّا أحلام طفولتنا، وسلكنا طرقاً خاطئة في ظل نظام السلطة المهيمنة. لكن القائد أوجلان كان يقظاً ونشطاً، وخاض النضال بثبات، ونتائجه واضحة كضوء الشمس، وهذا يجعلنا نشعر بالخجل.
منذ أن كان المفكر عبدالله أوجلان طفلاً، تساءل عن سبب تعرّض المرأة للقمع من قبل المجتمع الذكوري، وطالب بأن تشارك الفتيات في الألعاب والأنشطة مثل الجميع. كان للقائد أوجلان أحلام وطموحات بخلق عالم عادل يسوده السلام، خالٍ من الظلم والاضطهاد. حلم القائد أوجلان بالعيش في عالم جميل رائع حيث لا مكان للحرب والعنف. ولكي تصبح النساء الكرديات تلميذات ومقاتلات حقيقيات للقائد ، يجب أن يظهرن التزامهن بنضاله ويقدّرن كفاحه ومقاومته. وعلى النساء تعميق أبحاثهن في التاريخ لربط الماضي بالحاضر وتحليله. ولإجراء دراسات قوية وصحيحة، يجب العودة إلى كتب القائد أوجلان وقراءتها وفهمها بعمق.
كما هو معروف، قدم المفكر أوجلان العديد من الكتابات والأبحاث حول العلم الوضعي ونظريته التدميرية، وفي المقابل طرح العلم الاجتماعي والبيئي وعلم تحرير المرأة. وكان هدف القائد أوجلان أن تكتسب المرأة والمجتمع وعيًا ذاتيًا ولا يكونوا مجرد أدوات في يد أنظمة السلطة. في أبحاثه ودراساته، يعود إلى جذور المجتمع الطبيعي ويحلل؛ لكشف الحقائق وإظهارها للجميع. وكما هو معروف، يُشار إلى تلك الحلقة الأولى بعصر الزراعة (النيوليتيك) الذي كان مصدراً لحياة متساوية وحرة. في الواقع، يشير المفكر أوجلان في أجزاء مرافعاته الخمسة إلى بداية التاريخ ويقول: إذا أردتم فهم الحقائق بدقة، يجب أن تدرسوا الأساطير وتتعمقوا فيها؛ لتدركوا حقائق الحياة. وقد أجرى أبحاثاً معمقة حول المرأة والمجتمع الكردي، ووصل إلى الحقيقة الراهنة التي فقدها الوجود حتى الآن.
وكما هو معروف، فإن المجتمع الكردي وأرض كردستان قد تعرضا للتقسيم على يد الدول المركزية الأوروبية منذ مئتي عام، وما زالت تعاني من قمع المحتلين وتتعرض للاضطهاد. وعندما يُبحث في هذه الحقائق، يشعر المرء بضيق شديد. وهذا يتطلب منا تحليلاً عميقاً كي لا نستسلم للغضب ولا نقع في اليأس. لكن الأهم أن المرأة تدرك انفصالها عن تاريخها، وهذا ما يجعلها تبحث في تاريخها بشكل معمق. والأكثر من ذلك، كما هو معروف، أن المرأة قد وُضعت في عزلة صارمة، وعندما يقول القائد للنساء: “أنتن أكثر مني تعرضاً للصلب”، فإن ذلك يعكس حجم المعاناة.
يجب أن نعلم أن سبب هذه التحليلات هو أن الإنسان عندما لا يدرك التاريخ بشكل صحيح، يصل إلى استنتاج خاطئ بأن لا تغيير ولا تحوّل موجود، وكأن كل شيء محصور في قالب جامد. ولكن من المهم أن ندرك أن هذا التفكير خاطئ، فالتاريخ ديناميكي ومتغير ولا يتجمد أبداً، ومع ذلك يظن البعض أن كل الوجود يعيد نفسه ضمن نفس القالب. وهذا خطأ فادح. ويثبت مرة أخرى أن مثل هؤلاء الأشخاص لا يؤمنون بأي تغيير، وعقولهم تعيش في جمود. أليس من المفترض أن يكون التحليل السريع هو سبيلنا للتحرر من الأوهام وتخفيف همومنا، لكسر قيودنا؟ لكي ننخرط في عملية التجديد والتحوّل. ولكي تدرك المرأة وضعها العام، يجب أن تكون باستمرار في حالة من التدفق الفكري.
القائد والمفكر عبدالله أوجلان في كتاباته يتحدث عن كتابة تاريخ المرأة ويقول إن تاريخ المرأة حتى الآن لم يُدوّن وهو بانتظار الكتابة، وعلى المرأة أن تكتب تاريخها بيدها. وقد طرح القائد أوجلان علم المرأة (الجينولوجيا) كجوهرة للعلم الاجتماعي، وكلّف المرأة بمهمة البحث في كل موضوع بعقلها وعلمها وضميرها، والخوض في عملية التصحيح.
أدرك القائد أوجلان الحاجة الملحة لعلم المرأة، وقدمه كجوهرة للعلم الاجتماعي على هذه الأسس. لأن المجتمع حتى الآن لم يعطِ الأهمية اللازمة للوجود الأنثوي، بل ظل غارقاً في إنكاره. وباختصار، يمكن القول إن المجتمع الذكوري حتى في وعيه يحافظ على التمييز الجنسي.
بالفعل، كما يُلاحظ المستوى الذي وصل إليه علم الجينولوجيا (علم المرأة)، فقد حقق نتائج إيجابية رغم كل الهجمات التي تعرض لها، وأصبح الآن ملكاً للمرأة والمجتمع, وسيصبح جوهر علم الاجتماع أيضاً, فقد قطع مسافة طويلة ووصل إلى شريحة كبيرة من نساء الشرق الأوسط والعالم, فكما نعلم، أصبح علم المرأة منتجاً جداً وتحول إلى دواء شافٍ للمرأة والمجتمع. إن الجهود العظيمة التي تبذلها النساء العاملات تؤتي ثمارها.
نحن كنساء ومجتمع مدينون للفيلسوف والمفكر والقائد عبد الله أوجلان، ولكي نوفي ديننا، يجب أن نكمل مسيرته التي استمرت 52 عاماً، ويجب أن يصبح كل منا طليعة قوية ويناضل على مدار 24 ساعة دون توقف أو تأخير في قضية المرأة. ونلاحظ أن المرأة والمجتمع الكردي أصبحا أكثر وعياً بالحقائق الاجتماعية ويسعيان للظهور في مسيرة القائد أوجلان، لأن المرأة والمجتمع الكردي ظلا تحت القمع لمئات السنين وتحملوا الكثير من المعاناة على أيدي الأعداء.
واليوم أيضاً يجدون خلاصهم في أفكار ومفاهيم القائد أوجلان ويحتمون بها. لا يمكن تخيل حجم الظلم والقمع الذي عانت منه المرأة والمجتمع الكردي، حيث لم يشهد أي جنس أو مجتمع ما عانوه، فمنذ أكثر من مئتي عام وهم يعيشون تحت نير استعباد عميق. لكن المرأة والمجتمع الكردي محظوظان جدًا لظهور قائد مثل القائد أوجلان الذي أيقظهم؛ ليناضلوا من أجل حريتهم ويصبحوا طليعة للمرأة والإنسانية جمعاء. ولذلك يقال إن المرأة والمجتمع الكرديان مدينان للقائد أوجلان، وعليهما إظهار الوفاء والإخلاص له، وأن يقدما عملاً مثمراً, وكما هو معروف، فإن وضع المرأة في المجتمع الكردي كان أسوأ من جميع المجتمعات, وقد عانت المرأة الكردية بشكل خاص من استعباد عميق، لأن المجتمع الكردي كان تحت الاحتلال.
لقد قدم القائد أوجلان شهادة خاصة عن المرأة الكردية قال فيها: “على الكرديات أن ينهضن ويقمن بدور الطليعة لجميع نساء العالم”. وهكذا عبّر عن شهادته قولاً وعملاً، فمهما بلغت درجات السقوط، فإنهن نهضن بقوة وبدأن نضالهن. وفي طريق ثورة كردستان، قاد القائد أوجلان نضالاً عظيماً، وجعل تحرير كردستان وحرية المرأة الكردية من أهم أهدافه، وقدم نضالاً فريداً أذهل الإنسانية, فقد جعل المرأة والمجتمع الكردي محور نضاله، وبذل جهوداً جبارة لإقناعهم ودفعهم نحو حالة الوعي الذاتي والمقاومة. واليوم نرى بوضوح كم كانت ثمار ذلك النضال عظيمة، حيث أصبحت مثالاً يُحتذى به لنساء ومجتمعات الشرق الأوسط, لأنه أدرك أن قضية تحرير المرأة لا تقل أهمية عن قضية الشعب الكردي، وأنها مشكلة مترسّخة وتتطلب تدخلاً عاجلاً، فشرع في إشراك المرأة بالثورة.
ومع مرور الأيام، تدفقت النساء الكرديات كسيول نحو الثورة، وأثبتن بطولتهن من خلال نضالهن وجهودهن الجبارة. وتجسدت بطولتهن في تنظيم أنفسهن كجيش على مثال القائدة الشجاعة والمضحّية بريتان (كلناز كاراتاش). وفي 25-10-1992، الذكرى السنوية لاستشهادها، إذ تم إعلان هذا التاريخ يوم تأسيس جيش نساء كردستان.
وكما هو معروف، فقد انضم عدد متزايد من النساء الكرديات إلى صفوف الكريلا، وقاتلن كبطلات أسطوريات، ليصبحن أبطالاً أسطوريين. وبهذا اكتشفت النساء الكرديات ذواتهن وأصبحن قائدات ومحاربات عصرهن. عندما نتحدث عن نضال النساء، فإن هدفنا ليس إعادة تعريف نضال المرأة الكردية أو إثباته، فمنذ 46 عاماً وهذه المقاومة والبطولات مستمرة. لكننا نحاول مرة أخرى تحليل هذا النضال والبسالة لنقول إن هذه المقاومة اليوم تؤتي ثمارها وتصبح حجر الزاوية للحل الديمقراطي والأخوّة بين الشعوب.
مرة أخرى، نتذكر جميعاً هؤلاء النساء الشجاعات، البطلات الموهوبات، وننحني إجلالاً لذكراهن، ونحييهن باحترام وامتنان قائلين: الشهيدات هن نور طريقنا، ونحن نذكرهن ونواصل النضال على طريقهنّ.
مرة أخرى نؤكد أن الوقت قد حان لنذوب كالشمع في أفكار ومفاهيم القائد أوجلان قائد الإنسانية، لنصبح كتلة واحدة كتلاميذ أمام فكره وفلسفته، وفي البداية أذكر أن القائد أوجلان بدأ نضاله من أجل المرأة الحرة من خلال الشهيدة سارة، واستمر حتى يومنا هذا، وهو الآن ينتظر أن تتبنى النساء المناضلات هذا الجهد وتكملنه. ففي سجن إمرالي قال القائد لمحاميه: “لقد تركت أعمالي ونضالي من أجل النساء غير مكتملة، لكني واثق أن النساء الواعيات سيكملن مسيرتي ويصلن إلى مستوى يجعلنه ملكاً لجميع نساء العالم وطليعة للمجتمع”. وفي الختام أقول بأن الزمن هو زمان السلام والمجتمع الديمقراطي, ومسؤوليتنا كنساء أن نكون راية المساواة والحرية والديمقراطية، فالديمقراطية والسلام وحدهما يمكن أن يكونا الدواء والحل لمعاناة نساء الكرد ونساء العالم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.