مجلة فكرية سياسية ثقافية تعنى بشؤون الشرق الأوسط

الاقتصاد الريعي والاقتصاد التعاوني جدلية الثروة والإنتاج في بناء الدولة والتنمية المستدامة

رائد المصري
تعريف
يُعتبر كل من الاقتصاد الريعي والاقتصاد الإنتاجي من النماذج الاقتصادية التي تختلف جذريًا في مصادر الدخل وأثرها على المجتمع والاقتصاد، إذ يكمن الفرق بينهما على الشكل التالي:

في الاقتصاد الريعي، يعتمد على دخل متولّد من مصادر طبيعية أو غير إنتاجية، مثل الثروات الطبيعية كالنفط والغاز والمعادن، أو مصادر خارجية مثل المساعدات أو التحويلات المالية. ومن سماته: الاعتماد الكبير على مورد واحد أو عدد قليل من الموارد، وضعف في التنويع الاقتصادي، وقلة الحافز على الابتكار والإنتاج، وارتفاع مستوى الفساد أحيانًا بسبب تدفق الثروات من مصادر ريعية، كذلك ضعف المشاركة الاقتصادية للمواطنين، حيث لا تُخلق فرص عمل كافية، كما تواجهه تحديات، منها التعرّض لتقلبات أسعار الموارد الطبيعية، باعتماده على العائدات الخارجية، وغِياب الاستدامة الاقتصادية.

أما الاقتصاد الإنتاجي، فيعتمد على الأنشطة الاقتصادية التي تنتج قيمة مضافة من خلال الصناعة والزراعة والخدمات والتجارة. ومن سماته: التنوّع في مصادر الدخل، وتشجيع الابتكار والاستثمار في البنى التحتية والتعليم، وخلق فرص عمل مستدامة وتحقيق تنمية اقتصادية شاملة، وبُنية استقرار اقتصادية، وتقليل الاعتماد على الموارد الطبيعية. وتكمن التحديات التي تواجهه في التنافسية العالمية، وفي الحاجة إلى تطوير التكنولوجيا والبنية التحتية، وضمان توازن اقتصادي بين مختلف القطاعات.

فالاقتصاد الريعي غالبًا ما يؤدي إلى ضعف التنمية المستدامة والاعتماد المفرط على مصادر غير متجددة، وهو الذي تعتمد فيه الدول بشكل كبير على النفط ومصادر الطاقة مثل بعض دول الخليج، بينما الاقتصاد الإنتاجي يُعزّز النموّ الشامل والاستدامة الاقتصادية، مع قدرة أكبر على التكيّف مع التغيّرات العالمية، وتعتَمده دول صناعية مثل ألمانيا أو الصين، فتطوير الاقتصاد الإنتاجي من الاقتصاد الريعي يتطلّب إصلاحات هيكلية واستثمارات في القطاعات الإنتاجية والبشرية، لتحقيق التنمية والاستدامة الاقتصادية.

مفهوم الدولة الريعية وإشكاليتها

الرِّيع، لغةً يعني النَّماء والزيادة، ويُقال أرض مريعة أي أرض مخصبة، كما يُشير تعريف الرَّيع إلى أنه كمية من الدخل للدولة، ناتجة عن استغلال البيئة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، التي تتواجد فيها مصادر الدخل، من دون أي إنتاج أو نشاط اقتصادي أو ممارسة سوقية. فالدولة الريعية إذن تعتمد على دخل لا يتَمُّ كسبه عن طريق الإنتاج والعمال، والريع له نمطان:

النمط الأول، هو الدخل المُتحقَّق من موارد طبيعية كالثروات المعدنية والغابات والنفط، وهو ما أُطلِق عليه اصطلاحًا بريع الموارد الطبيعية.

أما النمط الثاني، فهو الدخل المُتحقَّق عن ميزة ترتبط بموقع الدولة، من حيث موانئها أو تحكّمها في طرق التجارة، أو نتيجة لثقلها العسكري، أي أن موقعها له ميزة جيوسياسية، وهو ما يُسمّى اصطلاحًا بالريع الاستراتيجي. لذا، فإنَّ الرِّيع أو الاقتصاد الريعي، يعني اعتماد الدولة على مصدر مما تنتجه الأرض من ثروات كالنفط مثلًا، ولهذا فإن اقتصاد تلك الدولة، يكون عادة ضعيفًا ورخوًا، ويعتمد على المبادلات، وينتج مجتمعًا استهلاكيًا يُسيطر فيه قطاع الاستيراد، ولا يهتم بالصناعات التحويلية، ولهذا فقد تُحدِق المخاطر لدى بعض الدول، التي لا يتوفر لديها أي من المورِدَين، لا لناحية المورد الطبيعي ولا لناحية المورد الاستراتيجي، فذلك يُعتبر ذا تأثير كبير على تحوُّل مجتمعات هذه الدول، من مجتمعات منتجة إلى مجتمعات مستهلكة، يغيب عن واقعها الاقتصادي تصنيع وإنتاج احتياجاتها حتى الأساسية منها.

تفاسير متباينة

الكلاسيكيون وفي مقدمتهم آدم سميث، كانت لهم وجهة نظر لتفسير الرَّيع، إذ قالوا إنَّ الرَّيع هو منتج العمل وليس هِبة الطبيعة، أي أنه القيمة التي يُضيفها العامل إلى المواد، واعتُبر الريع عندهم، عنصرًا من العناصر التي يتكوَّن منها ثمن السلعة، شأنه شأن الربح والأجر. أما ديفيد ريكاردو، فاعتبر أنَّ الريع الذي يشتريه، أكبر من مقدار العمل المتمثل بالأجور المدفوعة للعامل، فيوضح، أنَّ الريع مختلف عن الأجر والربح، كون الريع لا يدخل في تحديد السعر إطلاقًا، فهو ليس سببًا له بل نتيجة، في حين يرى كارل ماركس، أنَّ الريع ينشأ بحسب نظرية الاحتكار عنده، من الثمن الاحتكاري للمنتجات الزراعية، إذ إنَّ العرض دائمًا أقل من الطلب عليه، وذلك بسبب انخفاض خصوبة الأرض باستمرار، ويُظهر كارل ماركس، أنَّ الريع هو واحد في الزراعة والصناعة والتجارة، مستندًا بذلك إلى أنَّ النقود كسلعة، تنحصر قيمتها الاستعمالية بقدرتها على تحقيق قيمة تبادلية، في حين أنها سوف تعود للمقرض وهي محقِّقة الزيادة، والنقود تعرض كرأس مال، شأنها شأن السلع المعروفة بقوة العمل، أما جون ماينارد كينز فقد عرَّف الريع، على أنه العائد الصافي الذي يحصل عليه الرأسمالي، نتيجة استثماره لرأسماله، من خلال سلسلة من المردود الصافي المتوقع.

وإذا أردنا وصف واقع الدولة الريعية بحسب الاقتصاديين، فهي الدولة التي تعتمد على المداخيل والريوع الخارجية في تحقيق دخلها، فهي لا تقوم بتحصيله من مواطنيها، ويكون للدولة دورًا توزيعيًا فقط، أي بإعادة توزيع ذلك الريع الخارجي بالشكل الذي تراه مناسبًا، ويؤمِّن مصلحتها السياسية، ويضمن دوامها واستمراريتها، فلا حاجة لتطوير أي نظام إنتاجي أو مؤسسي داخلي، أو تنويع مصادر الدخل الأخرى مثل الضرائب، فالدخل يأتي من مصادر طبيعية، وما على الدولة إلَّا إعادة توزيعه وتدويره، والدولة غالبًا لا توصَف بالريعية، إلَّا إذا أصبحت دولة رفاه، تقدم الخدمات للمواطنين من دون مقابل، الذين يعتمدون على هذه الخدمات بشكل أساسي، وهذا الاعتماد الكبير يؤثر سلبًا على الاقتصاد والمجتمع، من خلال انخفاض إنتاجية هذا المجتمع، بمعنى آخر، أن الدولة الريعية، هي الدولة التي تعتاش على دخل غير مكتسب بالعمل، ونُشير بالذكر إلى أن الدول المتقدمة، تعتمد على الدول الريعية في الحصول على المواد الخام، خصوصًا النفط، وتكون بذات الوقت سوقًا لتصريف سلعها المصنَّعة، وفي المقابل تعمل الدولة الريعية على هذا المنوال، لحاجتها المستمرة في الحصول على الدخول المتزايدة، لمواجهة التزاماتها المالية وتحقيق الازدهار الاقتصادي، وبالتالي الدولة الريعية تعتمد في نشاطها الاقتصادي على مورد طبيعي واحد لتوليد الدخل، وهذا النشاط غالبًا ما يكون خارج العملية الإنتاجية الحقيقية.(1)

نحن هنا قد لا نحصر وجود بُنى الدولة الريعية وأُسُسها في المجتمعات العربية، إلَّا أنه من المؤكَّد أنها موجودة فيها كغيرها من باقي المجتمعات، وليس هذا ما هو مقصود، بل المقصود، هو أنه في مراحل تاريخية معينة، وفي مجتمعات معينة وتحديدًا في تشكيلات اجتماعية اقتصادية معينة، تسيطر إيديولوجيا مفادها، أن الحاكم مالك للوطن، وبالتالي يقَرُّ ويقبل به المجتمع، بناءً على هيمنة إيديولوجية، بالحصول على ريع تشكيلة اجتماعية اقتصادية بأسرها، لذلك فإنَّ الدولة بامتلاكها لمورد طبيعي له عوائد مالية كبيرة، قد يدفعها إلى الاستبداد والديكتاتورية، حيث يعتمد ذلك على كيفية إدارة جهاز الدولة لهذه العوائد، ويؤدي ذلك بطبيعة الحال، إلى قيام اقتصادات مُشوَّهة، مبنية على الإسراف بالاستهلاك وضعف القاعدة الإنتاجية، بسبب اعتمادها على هذه الموارد الطبيعية، ويسود أيضًا نوع من الغموض وغِياب الشفافية في كل ما يتعلَّق بالإيرادات الخارجية، من دون أن يكون لها مقياس في الكفاءة، فالدولة الريعية تضمن بقاءها واستمرارها، عن طريق جمع الريع المتأتي من الخارج ومن ثم إعادة توزيعه، وهذا يتطلَّب جهازًا أمنيًا وقوة عسكرية، قادرة على حماية مصادر الريع والسلطة الحاكمة من جهة، وإعادة توزيع ذلك الريع من جهة أخرى.

والدولة الريعية تعتمد على مقادير الريوع المُتحصَّلة وعلى عمرها الإنتاجي، حيث تكون خاضعة ومقيَّدة لها، إذ من الممكن أن ينتهي الولاء الذي تشتريه الدولة من المواطنين، بنهاية ذلك الريع أو إنهائه، ذلك أنَّ الولاء المَبني على المقايضة، لا بدَّ أن يخلق بيئة ينتشر فيها الفساد، بكلِّ أنواعه المالية والاقتصادية والإدارية، ولذلك فإنَّ سهولة الحصول على الإيرادات، تؤدِّي إلى إنفاقها بإفراط في مشاريع غير إنتاجية، ويزيد من تشوُّهات الاقتصاد وانحرافاته، بعيدًا عن تحقيق تطور اقتصادي حقيقي، مبني وقائم على تطوير المشاريع الإنتاجية للدولة، وهذا يدلُّ على تخَلُّف السلطة الحاكمة، التي تسعى إلى تحقيق مصالحها السياسية، على حساب النمو الاقتصادي الحقيقي، وهنا يظهر التفاوت الطبقي، والتكتل القبلي أبناء المجتمع، ليصل إلى التفكُّك الاجتماعي وضعف الولاءات للوطن، فالدولة الريعية توسِّع الإنفاق العام دون فرض ضرائب على مواطنيها، عبر توفير الخدمات الاجتماعية وفرص العمل للراغبين فيه، وهذا التوسُّع بالإنفاق، يكون على حساب القطاعات الإنتاجية، فبدلاً من توجيه هذه الإيرادات لتطوير مشاريع إنتاجية، تذهب إلى أغراض استهلاكية، ومن هنا تُسمّى الدولة الريعية، ليس فقط بسبب اعتمادها على مصدر للدخل كالنفط مثلًا، بل لأن له دورًا أكبر في إدارة تلك العوائد وإعادة توزيعها، متحكِّمة بذلك إلى حد بعيد بالحياة الاجتماعية والسياسية للبلد، وتكون بذات الوقت هي المسيطرة على عملية بيع النفط وإنفاق ريعه وحده، وذلك من خلال احتكار لتلك العوائد النفطية، وهو يؤدي إلى تدني المستوى الإنتاجي للشعوب، بسبب هيمنة الدولة على العوائد والإيرادات، ونظرًا لتخلُّف السلطة الحاكمة، وعدم مراعاة إنتاجية حقيقية أو إحداث أي تقدم إنتاجي، ينعكس ذلك على تقدم النظام الاقتصادي وتطوره ويُعوِّق التنمية، ويُحدِد الناس من خلال اكتفائهم باقتسام المنافع التي تقدمها الدولة، ويؤدِّي بالتالي إلى ضعف القاعدة الإنتاجية وارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي، وهو ما يشجِّع على زيادة الاستيراد من السلع والخدمات بدَل إنتاجها محليًا.(2)

الريع في العالم العربي

في العالم العربي، رغم كل المتغيِّرات السياسية الكبيرة التي شهدتها دوله، والناتجة عن تقسيم السلطة العثمانية، فقد تغيَّر شكل ومصدر الريع، لكنه بَقِي مهيمنًا، يقف في وجه كلِّ جهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية، حتى لأمْكَننا القول، أن الصراعات التي تكاثرت في القرن العشرين، هي لأجل السيطرة على مصادر الريع، وهو ما فسَّر كَثْرة الانقلابات المتكررة في الخمسينيات والستينيات منها، بالإضافة إلى العنف والتوتر داخل المجتمعات العربية، ولهذا السبب، حدث أول انقلاب عسكري عام 1949 في سوريا، بدافع تسريع بناء خط أنابيب النفط، وجاء العدوان الفرنسي البريطاني الإسرائيلي على مصر عبد الناصر عام 1956، بسبب تأميم قناة السويس، وهي مصدر ريعي هام، وليفتح كذلك على تأميمات عديدة حصلت في مصر وسوريا والعراق وليبيا، وأيضًا على المشاريع ذات الإصلاح الزراعي، التي أخفقت في أماكن ونجحت في أخرى، بعد ذلك عام 1973، جاء انفجار سعر النفط في الدول المنتجة له، ليُظهر مركزية مصدر الريع بشكل رئيسي لمستقبل لملايين العمال العرب والآسيويين، بالإضافة إلى المتعهدين ورجال الأعمال، وهكذا أصبح طريق الإثراء في العالم العربي، يمُرُّ من خلال الإقامة في هذا أو ذاك من البلدان المصدرة للنفط، بالإضافة إلى تحويلات المهاجرين إلى هذه الدول، وبطبيعة الحال، أدى الإثراء السريع للعديد من الأفراد المستفيدين مباشرة، أم بصور غير مباشرة من الريع النفطي، إلى انفجار الريع العقاري في العواصم والمدن الرئيسية العربية، ومن بعدها في عواصم الغرب.

وهكذا، فإن تكاثر مصادر الريع وتزايد تدفقاته المالية الناجمة عنه، انعكست نتائج سيئة على الاقتصادات العربية، وعلى بُنيتهَا، مقارنة باقتصادات بعض البلدان النامية الأخرى، حيث لم تَدُرْ وتوزَّع المداخيل الناجمة من موارد الريع في العالم العربي، ضمن آليات تنموية، تجمع بين القطاع العام والقطاع الخاص، للخروج من واقع التخلف التقني والعلمي، الذي تعاني منه المجتمعات العربية، بُغية تطوير قدرة إنتاجية وتصديرية، للتجهيزات أو للمواد الاستهلاكية المطلوبة بكثرة في الاقتصاد العالمي، ورغم وجود نماذج عديدة من التنمية المتسارعة، قدمتها اليابان ودول جنوب شرق آسيا، بقيت نماذج التنمية في البلدان العربية، متمحورة على رفع مستوى الريع إلى أقصاه، دون الاستخدام الأمثل له، حيث ساهم فقط في ارتفاع مستويات الاستهلاك، والذي ذهب جزءٌ منه إلى الاستهلاكات الفاخرة أو إلى توظيفات مالية وعقارية في الخارج، مقابل ذلك، ازدادت البطالة وتدَنَّى العمل الإنتاجي، خصوصًا لدى الفئات الشابة والمتعلِّمة، وهو ما أدَّى إلى هجرات متزايدة للأدمغة والكفاءات، وقويت الاحتجاجات الشعبية، وانتَظَمت حول مطلب إعادة أسْلَمَة المجتمعات العربية، بمعنى أنَّ الإسلام هو الحل، وتنامت الأصوليات الدينية بمختلف تكويناتها بشكل مخيف، وقد نجحت الأنظمة السياسية التسلُّطية في أكثر الأحيان، من هذا التوجُّه من التطرُّف الديني، بإبعاد الشعوب عن معارضة اجتماعية متعدِّدة، تطالب بتوزيع عادل للمداخيل، وهو ما أفسح في المجال، بالقبول بالمزيد من التسلُّط السياسي، بعد أن وجد مبرراته، تارة في إطار سعيه إلى ترميم الهُوية الإسلامية، وطورًا عبر تقديم نفسه كقلعة في وجه تزايد العنف الديني، لدى الحركات التكفيرية التي تهاجم المسلمين المعتبرين من الفئات الضالة، وبهذا انغلقت الاقتصادات العربية على نفسها في دائرة صغيرة، حيث لا يستخدم الريع لإخراج البلاد من حالة المرواح والركود، ويبقى النمو الاقتصادي مرتهنًا بشكل مباشر بتطور هذا الريع، وهكذا ازدادات الهوَّة في توزيع المداخيل، وأصبحت الهجرة هي الحل والأمل الوحيد(3).

إن النمو في البلدان العربية والتنمية، بمعنى توزيع المنافع والخدمات والرفاهية، وتحسين الأوضاع الاجتماعية والثقافية، ليست ناتجة من الزيادة في إنتاج الثروة أو بسبب الزيادة في الدخل، بل نتيجة البُنية الريعية القائمة، والتي تُظهر بعض مؤشرات النمو، ولكنها تُخفي حقيقة التَّبعية الاقتصادية وغِياب الاستقلال الوطني، وإلى اليوم، هناك من يعتقد أنَّ ريعية الاقتصادات العربية هي بحدودها الدنيا، وبالتالي فإنَّ السياسات المالية والاقتصادية صحيحة، متناسين أن موضوع الإنماء والتنمية في العالم العربي، يرتكز على مفاهيم اقتصادية منتجة، بفضل الفكر الاقتصادي الغربي، من دون التنبُّه إلى التغيير الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وأيضًا دون الالتفات إلى أهمية البُعد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي، في تحديد معالم النهضة العربية، لمعالجة التحديات التي تواجه المجتمعات العربية، منذ حصول الدولة القُطْرية على استقلالها، أو عبر الحَِقبة النفطية التي طغت على بنية الاقتصادات سواء كانت منتجة أم لا، وبالتالي لا بدَّ من التوضيح، أنه لا يمكن فصل الاقتصاد عن السياسة في كل المجتمعات، فالاقتصاد هو السياسة لكن بلغة الأرقام، لذلك فإنَّ أهم ما نقصده هنا هو، أنَّ المصدر الريعي للثروة، هو السِّمة الرئيسية للاقتصاد العربي، وأن بُنيته قائمة أساسًا على الريع، وينتج من ذلك ثقافة مدمِّرة لمستقبل الدولة والأمة، مع العلم أنَّ معظم الأدبيات الاقتصادية العربية، لم تعالج بالشكل الواقعي والكافي دور الريع في الاقتصاد، والتداعيات الناتجة عنه على المستوى الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، خصوصًا البُعد الثقافي والأخلاقي في المجتمعات، وبالتالي إغفال لدور بنية النظام السياسي الفئوي، بشكل أساسي في تثبيت البنية الاقتصادية، في إنتاج الريع كمصدر رئيسي للثروة، هنا يجب التركيز على الطابع الريعي لاقتصاد الدول، والثقافة الناتجة عنه، حيث مصادر الريع هي خارجية وداخلية، ويعتبر المصدر الخارجي، هو الأساس في بُنية العديد من اقتصاديات بلدان الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وأفريقيا.

أولاً – المصادر الخارجية

عندما نتحدث عن مصادر الريع الخارجية للدولة، تعني النفط والغاز والمعادن، التي يُمْكن تصديرها من دون استغلالها داخليًا، ومن المؤكَّد أن النفط والغاز، هما المصدران اللَّذان يشكلان أكثر الصادرات لبعض الدول العربية، على سبيل المثال، وللحديث عن الريوع بالشكل العام، وبالشكل الخاص في بلدان شبه الجزيرة العربية والجزائر والعراق، كمنتجين أساسيين للنفط، حيث يُعتبر الغاز والنفط من الثروات غير القابلة للتجديد، لكنهما يزيدان الريع الاقتصادي والمالي بسبب الكلفة البديلة، أي كلفة مصدر بديل للنفط والغاز، وكذلك بسبب الفارق الكبير، بين كلفة الإنتاج لاستخراجها وسعر مبيعها، فالفرق بين سعر المبيع وكلفة الإنتاج، لا يعكس مجهودًا خاصًا من قبل الحكومة أو الشركات، التي تستخرج النفط أو الغاز، فآليات السوق مسؤولة عبر العرض والطلب والمضاربة المالية، كذلك بخلق الفرق بين الكلفة المتدنية نسبيًا وسعر السوق.

أما الممرات الاستراتيجية، وخصوصًا منها الممرات المائية التي كانت ولا تزال تشكل مصدرًا للريع، بسبب الموقع الجغرافي للنقل البحري، ولو كانت بهدف تجاري أو عسكري كقناة السويس مثلًا، أو الممر الذي يربط السويس بالبحر المتوسط، إن هذه المواقع والقنوات، تمثِّل الصفة السياسية للدولة مالكة الممرّ، فالممرُّ الذي لا يوجد له بديل اقتصادي مقبول بكلفته، يولِّد فوائد ريعية بامتياز، وككمثال آخر، البَدَلات التي تدفع للدول من قبل الشركات النفطية أو الغازية لإمدادات خطوطها، كما هو حاصل في لبنان وسوريا، وبين ليبيا والجزائر من جهة، وجنوب أوروبا من جهة أخرى، كذلك العائدات السياحية، حيث هناك عدد كبير من الدول التي تتميَّز بمواقع أثرية هامة وحضارية، والدخول العائدة للدولة عن السياحة، هي نتيجة السيادة الداخلية والخارجية على تراثها الثقافي، الذي حدَّد للدولة حصولها على الموقع الاحتكاري للمداخيل، حيث أنَّ مفهوم ممارسة حق الدولة السيادي، هو أمر أساسي، في فهم الطبيعة التي يشكل منها الريع، وكذلك تحويلات المغتربين، التي تشكِّل أهم التدفقات المالية من الخارج، إلى العديد من البلدان الريعية، وتجدر الإشارة إلى أنَّ هذه التحويلات من الخارج مستقرة نسبيًا، فهي لا تتراجع بتراجع النشاط الاقتصادي نتيجة حدوث صدمات مالية أو كوارث طبيعية أو نزاعات سياسية، والمساعدات الخارجية، التي تتلقاها العديد من البلدان الريعية التي لا تنتج النفط، هي مساعدات منظمة من الدول والمؤسسات الدولية، وهي تشكل الجزء الهام من موازنات الدول المتلقِّية لها، في سبيل تمويل مشاريع نفقاتها الداخلية، وهذه المساعدات هي أيضًا نوع من الريع الاقتصادي والمالي، بسبب غياب الجهد من الدولة المستفيدة.

ثانيًا – المصادر الداخلية

كاحتكار الدولة لبعض المرافق الاقتصادية، حيث أنَّ لبعض الدول الريعية مكانة مهمّة، كونها تشكِّل الدور المركزي في الحياة الاقتصادية، سواء عبر التدخُّل مباشرة في الإنتاج، أو عبر الاكتفاء بتنظيم النشاط الاقتصادي أو كلاهما، من هنا، فإنَّ الدولة هي التي تتَّبع وتبادر في النشاط الاقتصادي وسياسة الإنفاق، هي التي تحدد وتيرة النشاط القائم، ويبقى النظام السياسي القائم مع توظيف الاقتصاد الريعي لمصلحته، وهذا ما نراه في بلدان الخليج، حيث أنَّ الدولة بيدها تحديد أنماط الأنشطة الاقتصادية، عبر المناقصات والعقود للقطاع الخاص، كذلك ممارسة السيادة من قبل الدولة على مصدر اقتصادي يأتي بالريع، حتى لو كانت هذه السيادة غير محصورة في سلطة الدولة، والتي يتمُّ نقلها إلى الفعاليات الاقتصادية، التي تمارس هي أيضًا سيادتها على مراكز الإنتاج والتوزيع، فالتجارة تأتي بالريع، عندما يستطيع التاجر أن يقوّي سيادته على شبكات التوزيع، كالاحتكار في النقل مثلًا، أو التحكم بالعرض، أو خلق حاجة غير موجودة من الرغبات الاستهلاكية المولِّدة للطلب.

وهناك تجارة النفوذ من المصادر الريعية الداخلية، حيث للريع وثقافته ارتباط وثيق، بالنظام السياسي القائم في مختلف البلدان الريعية، إذ أنَّ الثروة الوطنية، توزع وفقًا للولاءات والقرب من رأس الهرم في السلطة، ومن هنا تبدأ تجارة النفوذ بالظهور والتسيُّد، الذي يوزِّع المكاسب والمناصب والمنافع، حسب سلَّم الأولويات المبني على العلاقة بين المستفيد وصاحب النفوذ، فنجد أنَّ معظم النشاطات التجارية، تتمحور حول وكالات الشركات الأجنبية المحصورة بالتبادل التجاري الداخلي، كذلك ينشأ الريع من خلال سياسة الإنفاق التي تقوم بها الدولة، عبر المشاريع الإنشائية الضخمة، التي يتمُّ تلزيمها لشركات يملكها نافذون في الحكم، أو أفراد في الحكومة، فليس ثَمَّة تناقض بين المصلحة العامة والمصالح الخاصة للمستضعفين، فهم يختزلون بأشخاصهم المصلحة العامة، ويتبع ذلك المضاربات المالية والعقارية، إذ أن فكرة الريع، قد ارتبطت أيضًا بظاهرة المضاربات، لأنها في الكثير من مزاياها تتناقض مع الجهد والإنتاج، الأمر الذي سرعان ما يؤدي إلى قيام عقلية المضاربة، التي تسعى إلى تحقيق الربح السريع، من دون مجهود إنتاجي، فقد شهدت العديد من البلدان الريعية وفي منطقة الشرق الأوسط، نشاطات مكثَّفة وقوية باتجاه الأسواق المالية منذ سبعينيات القرن الماضي، بالتزامن مع دعوات الانفتاح الاقتصادي، وتبنِّي نظرية السوق، خلافًا لأحكام الاقتصاد الموجّه والتخطيط العام، فقد شهدت الكثير من البلدان ومنذ مطلع الثمانينيات من القرن الماضي وأوائل القرن الحالي، مضاربات مالية في مختلف الأسواق التابعة لها، والتي أدَّت من خلالها إلى اختلالات كبيرة، بسبب ضعف الرقابة المقصودة أو غير المقصودة، حيث تراجعت من جرائها البورصات بسرعة فجائية، وأدَّت إلى إفلاس الكثير من المضاربين، ومعظم أصحاب الدخول المحدودة، التي أغْرَتْهُم الأرباح السريعة، من دون بذل أي مجهود عقلي أو جسدي، وهنا لا بدَّ من التطرُّق لذكر ما قامت به دول الخليج، في تثبيت ثقافة الريع، عبر إنشاء صناديق مالية، المعروفة بالصناديق السيادية، التي تؤمِّن الدخل للأجيال القادمة، عبر توظيف الأموال بشكل أساسي في السندات والأوراق المالية وفي الأسواق الأجنبية، علمًا أن هذه السياسة، قد تجعل منهم رهينة وعرضة لابتزازات من قبل الدول الكبرى، التي تُملِي رغباتها على تلك الصناديق، عبر إخضاعها لإرشادات صندوق النقد الدولي أو الخزينة الأمريكية.(4)

وقد سبقت المضاربات العقارية تاريخيًا، المضاربات المالية كمصدر لرَيْع مزدوَج، وهو الريع الناتج من المدخول أي الإيجار المتصاعد، والريع الناتج من ارتفاع أسعار العقار، سواء للاستثمار الحقيقي أو للمضاربة، وقد شهدت عدة أسواق عربية وآسيوية، نماذج عديدة للمضاربات العقارية المولِّدة للريع، أصابت العمليات الاستثمارية الحقيقية، وذلك عبر توزيع الأراضي، بما شكَّل وسيلة لاستمالة الولاءات في أنظمة الحكم المختلفة، وهذه السياسة، سرعان ما تعمقت وأدَّت إلى إيجار مصالح اقتصادية وسياسية، تحافظ على الكيان والنظام، وترفض وتتصدَّى للدعوات الوحدوية، التي كانت سائدة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

تداعيات الاقتصاد الريعي على بلدان الشرق الأوسط

إن أخطر التداعيات في الاعتماد على المداخيل الريعية للدول، هي أنها تضع الاقتصادات تحت وطأة الاهتزازات والتغييرات الخارجية والداخلية، بحيث أنَّ أزمة تصيب حركة التجارة الدولية، سرعان ما تنتقل بسرعة إلى اقتصادات هذه الدول، إذ غالبًا ما تحدث هزات اجتماعية قوية، خصوصًا في الاقتصادات الهشَّة، والتي لا تستند إلى قوى إنتاج حقيقية صلبة، ذلك أن بُنى الاقتصاد الريعي، هي بنى غير منتجة، بالإضافة إلى هذا، فإنه يتميز باستهلاكه الترفي لدى المواطنين، ويساعد في زيادة الهوَّة بين الطبقات الاجتماعية، بقدر قرب هذه الطبقات أو غيرها من السلطة.

وفي الغالب فإنه عادة ما تُبقي السلطات الحاكمة، أو الحكومات في الدول ذات الاقتصاد الريعي، موازين القوى على حالتها دون العمل على تطويرها، بحيث تبقى العلاقات القائمة بين الحاكم والرعيّة، أو بين الحاكم والمحكوم، بقدرة من يملك ويُعطي، ومن ينتظر الهِبات والمِنَح، وهو ما يؤدِّي إلى تعظيم ثقافة الاستكانة والخضوع، على حساب ثقافة التحدِّي والمطالبة بالحقوق، وهو ما نراه بصورة واضحة في أغلبية المجتمعات العربية، المعتمدة على اقتصاديات الريع وسيطرة العلاقات الأبوية والعشائرية، حيث تصبح العلاقات الشخصية، أهم وأقوى من العلم والفكر والمعرفة، وهو ما يتلاءم مع طبيعة النُّظم السياسية، التي تحكم من خلال فئة أو فئات بعينها، تستند على توزيع الريوع وفقًا للولاءات، سواء كانت قبلية أو عشائرية أو طائفية، ووفقًا للقرب من السلطة، ومركز إصدار القرار، وهو ما يجري اليوم من النُّظم السياسية الحاكمة، وأيضًا، فإن اعتماد أي دولة على مصدر واحد في دخلها القومي، يُحدُّ من الحراك الديمقراطي فيها، ويقلِّص نسبة كبيرة من المشاركة الديمقراطية، إذ أن هناك الكثير من الخصائص التي تّم رصدها للاقتصاد الريعي يمكن إيجاز أهمها:

أولاً: التشويه الدائم للاقتصاد، من خلال تمويل معظم الاستثمارات باتجاه قطاع الخدمات والعقارات، وتحويل المجتمع إلى مجتمع استهلاكي من النوع الترفي والترفهي، وشيوع ظاهرة المضاربة، التي تؤدي إلى انفصال حاد بين العمل والمردود.

ثانيًا: انكشاف الدول ذات الاقتصادات الريعية على الخارج، وخضوعها للشروط وللإملاءات الخارجية المجتمعة، وللتبعية الاقتصادية، فضلاً عن ذلك، فإن من أهم مخاطر هذا الانكشاف، ما يتعلق بالأمن الغذائي، حيث يتم استيراد ما يقارب الـ 60% من الاحتياجات الغذائية والدوائية من الخارج، فيتضاعف التراكُم الرأسمالي، وتعجز المجتمعات عن إضافة طاقات إنتاجية جديدة، وتزداد في سيطرتها فئات معينة، على مراكز الثروة والتحكم في توزيعها، وتزداد ثقافة الاعتماد على الخارج، في توفير الاحتياجات على حساب الإنتاج، وقد شكَّلت مصر صورة عن هذا النمط.(5)

ثالثًا: سوء توزيع الدخل القومي، على أثر تركُّز الثروات، وتمركزها مع أيدي مجموعات صغيرة، كما حصل في سوريا بعد استلام بشار الأسد للحكم، محتكرة للسلطة وللثروة بحكم قربها من النُّخبة الحاكمة، وهو ما أدَّى إلى نشوء طبقة طفيلية، تعتمد على انتهازية الفرص والتربُّص، من أجل تكوين أموال وثروات من مصادر غير مشروعة، حيث أنه ووفقًا لبعض الاقتصاديين، فإنَّ من أعقد المشكلات التي تفرزها في سياسات الدول الريعية، هو ظهور أمراض اقتصادية، يتربَّى عليها خلل أخلاقي واجتماعي، ويصبح المجتمع بيئة خصبة لاستشراء الفساد بكل صنوفه ومجالاته، فالطبقة السياسية الحاكمة في الدولة الريعية، غالبًا ما تكون من عائلة واحدة، ممتدة أفقياً، وتعتمد عادة على العلاقات الاجتماعية، وعلى صلة القرابة والمصاهرة، وهو ما ينعكس على عملية اختيار كبار موظَّفي الدولة ومساعديهم، من دون الاعتماد أو الالتزام بمبدأ الجدارة والكفاءة، وهذا النظام والنهج، يكون غالبًا بعيدًا عن المساءلة والمحاسبة، ويقف إلى جانب الفساد وينشر ثقافة التواطؤ والخنوع، ناهيك أنه في الدولة الريعية، يكون لِمَن يقبض ويُسيطر على الموارد الريعية الكثير من المزايا، سواء مزايا اقتصادية ناتجة من الحصول على الأرباح عن طريق تقديم تسهيلات بالاستيراد والتصدير وما شابهه، أم مزايا سياسية، تتمثل في توزيع المناصب السياسية، ومواضع السلطة على أساس الولاء للحاكم وليس على معيار الكفاءة.

إضافة إلى ذلك، هناك مزايا معلوماتية، وهي التي تتمثَّل في إمكانية الحصول على المعلومات الهامة، بالسياسة أو بالاقتصاد، والاستفادة منها لأغراض شخصية، أو لحساب شخص معيَّن أو فئة ما، ومن شأن التمتُّع بهذه المزايا، أن تؤدي إلى زيادة كلفة التوظيفات الرأسمالية والتعاملات والنشاطات الاقتصادية، مع انعدام إمكانية التنبؤات الاقتصادية، ما يُلحق ضررًا بسياسات التشجيع والحماية الاقتصادية، وتمنع التنمية المستدامة، وكل ذلك يؤدي إلى إضعاف ثقة الرأي العام بقدرة الدولة وإرادتها السياسية، وتراجع اعتماد الرأي العام على الحكومة، وقبول المجتمع به، وأنَّ التحديث وتمركز الدخول بيد الدولة، وتمركز السلطة بيد القلة، لا يؤدي بالطَّبع إلى حرمان مشاركة الرأي العام، وينتج كذلك مجموعة من الآثار أهمها:

الأثر الضريبي: كون القسم الأكبر من مداخيل الدولة الريعية، يأتي عن طريق الصادرات النفطية والمواد الخام، فإنَّ عملية تحصيل الضرائب، لا تأتي ضمن أولويات السياسة المالية للدولة، وتكون موارد الدولة من الضرائب محدودة جدًا، لذلك يصبح أثر وضغط الضرائب على المواطنين قليل جدًا أو معدوم كليًا، واستنادًا إلى ذلك، تصبح مساءلة الشعب للدولة محدودة أو معدومة أيضًا، وهو بدوره يؤدي إلى التقليل من ضغط المواطنين في الرقابة على السلطات التنفيذية.

أثر الإنفاق: حيث أن استحصال الدولة الريعية على الدخول النفطية، يُوفِّر لها قدر كبير من العمل، لأجل كسب رضا الرأي العام، حتى لو كان ذلك شكليًا، حيث توجّه الدولة عادة خزينتها للإنفاق الجاري، من دون أن توفر إمكانية الإنفاق على البُنى التحتية، لأنَّ الدولة تميل في واقعها، إلى توظيف رؤوس الأموال في مجالات ومناخات تَأتي بالربح السريع، والقيام بمبادلات استعراضية لكسب رضا المواطنين، وعليه فالدولة لا تولي الاهتمام لتأمين قوى العمل الماهرة، وإنجاز القطاع الخاص والمؤسسات المنظَّمة للمتخصِّصين، بقدر ما تُولي الاهتمام الأولي للإنفاق على مشاريع قصيرة الأمد، ومشاريع استعراضية، لقاء حصولهم على الدخول الريعية السهلة المنال، بالإضافة إلى ذلك، تقوم الدولة وعن طريق زيادة الإنفاق الجاري، بإيجاد فرص عمل وهمية، والتستُّر على البطالة الواسعة، كما تلجأ الدولة إلى توسيع الجهاز الإداري، من أجل حصول كل الموالين للحكم من المواطنيين على فرص عمل لهم، وعلى مورد ثابت، لتأمين جزء من مقوِّمات حياتهم، وهو الأمر الذي يؤدي حتمًا إلى ضعف في أداء جهاز الدولة، وضعف أداء الجهاز الإداري في عدم الاستجابة لمتطلبات المرحلة، وفقدان حرية الصحافة والشفافية، الممهِّد لانتشار ثقافة الفساد الإداري، هذا وتُهدف الدولة الريعية من وراء دعمها للسلع الاستهلاكية، إلى تفادي استياء الرأي العام، وبالتالي، فإنَّ تدخُّلها في سوق السلع أو الخدمات الأخرى، بهدف القضاء على سوء استفادة القطاع الخاص، قد يؤدي مؤقتًا إلى نتائج حميدة، ولكنه في المدى البعيد، يمهِّد الأرضية للفساد الإداري، عن طريق تشجيع موظَّفي الدولة بالحصول على حصة أكبر من الريع الاحتكاري.

تكوين قوى ضغط موالية: إذ باستطاعة الدولة الريعية، أن تُكَوِّن قوى ضغط موالية لها، وتقديم الامتيازات والتسهيلات المالية لهم، بهدف الوقوف سدًا منيعًا أمام التنظيمات والجماعات المستقلة عن الحكم والمخالفة له، حيث تنظِّم أنصارها وتابعيها في إطار جهاز الدولة، أو تشكيل مجموعات شبه مستقلة تأتمر بأوامرها، إن هذا التشكل من قوى الضغط من قبل الدولة الريعية، يُعتبر مانعًا أمام تكون المجتمع المدني المستقل عن الحكم، وكذلك الرأسمال الاجتماعي، وعلى أساس سياسة الشكليات في هذه الدولة، فإنَّ كل فروع المجتمع المدني مثل الأحزاب والمؤسسات المدنية وغير الحكومية، هي منظمات شكلية، ليس لها القدرة على المساءلة والشفافية في العلاقات الاجتماعية، وليس لها القدرة على القيام بالرقابة على مؤسسات الحكم، فالهدف من توزيع الريوع بين المواطنين، هو تشكيل مجموعات منغمسة في سياسات الحكومة، بُغية الحصول على دعمها وعدم انجرافها إلى مواقع المعارضة، ويمكننا ملاحظة ذلك، في أغلبية الدول المصدرة للنفط، فالعلاقات الزبائنية والأرستقراطية، تؤدي حتمًا إلى توزيع الدخول، والسلطة في مثل هذه الدول، تعمل لصالح الجماعات الداعمة للحكم وبشكل غير متساوٍ، وكون هذه العلاقات تصبح كافية طاغية على المؤسسات الرسمية، فإنَّ نشاطها ينحرف عن المسار القانوني والرسمي، ويزرع الفساد في إدارات الدولة، وبذلك يتراجع نشاط وسَّعي المواطن الاقتصادي، نحو التنمية الاقتصادية، وتتراجع معه عملية ابتكار المنتج الوطني، ويَعْمَد الحكم إلى استيراد البضائع من الخارج، لسدِّ النقص الحاصل من الإنتاج المحلي، وهو ما يؤدِّي إلى زيادة في الاستيراد، وهو ما يوضح ظاهرة الميزان السلبي المتراجع في التجارة الخارجية في أغلب الدول الريعية.

اللُّوبيات الريعية والفساد المنظَّم

إن تشكيل مجموعات لوبي ريعية قريبة من السلطة، تتحوَّل تدريجيًا إلى شبكة اقتصادية، تحتكر لنفسها كل نشاطات المجتمع والدولة، وترتكز على سوق العملات والبضائع المستوردة، والمناقصات والمزادات الحكومية، باعتبارها المساحات المفضَّلة لقابضي الريع، وبذلك أيضًا تستطيع الدولة الريعية السيطرة على كل الحركات الاجتماعية والقضاء عليها، وذلك عبر الاستفادة من الأجهزة المختلفة، من أجهزة الإعلام والإعلان وتوسيع الجهاز الإداري، لذلك يأخذ الإنفاق على الأجهزة الأمنية والعسكرية والإعلامية، حيزًا كبيرًا في الميزانية العامة للدولة الريعية، ممَّا يجبر الحكومة على تحديد وتخفيف النفقات المخصصة للتنمية.(6)

وأيضًا للاقتصاد الريعي ميزة غالبة، هي أنه دولة غنية، لكن هذا الغنى لا تستفيد منه كل شرائح المجتمع بالشكل المتساوي بين المواطنين، وهذا يعود إلى سوء توزيع الدخل القومي كما ذكرنا، كما يربط اقتصاديات البلدان الريعية، بالأزمات الاقتصادية العالمية ارتباطًا وثيقًا، لاعتماد مواردها المالية على العائدات الريعية، وهذا الارتباط يتمثَّل بشكل أساسي في الطلب على المادة الريعية من نفط وغاز، وأسعارها وامكانية تصديرها، وهذا يعني أن الاقتصاد الريعي، تنعكس عليه آثار التذبذب في أسعار المادة الريعية على نحو مباشر، متمثلاً في تذبذب سعر صرف العملة الأجنبية، التي تشكِّل عملة مبادلة لعائدات المصدر الريعي، بمقدار الزيادة أو النقصان في أسعار العملات التي يتم على أساسها المبادلة.

كما يتمثَّل في التجارة الخارجية، التي تعتمد على الاستيراد، وهي ستتأثر في النهاية بنتائج الطلب على المادة الريعية، وتذبذب سعر صرف العملة الأجنبية، بسبب ارتفاع معدلات الإنفاق على السلع الكمالية، وانتهاك ثقافة انتهاز الفرص، والبحث عن الربح السريع والتفاخر الاجتماعي، فإنَّ الاقتصاد يبدأ بالتوجه نحو قطاعيَّ العقارات والخدمات، والابتعاد عن الكسب المبني على العمل المنتج، وهذه الظواهر تشجِّع انتشار الفساد بكل صورة من صور بُنية المجتمع الرَّيعي، إذ إن سماته هي ارتباطه الوثيق مع الفساد، حيث الوفرة في الدخول وعدم وجود رقابة مالية صارمة لكل أوجُه الإنفاق، مع تدنِّي وانعدام الإنفاق على البحث العلمي والتقني، وحيث أن بعض البلدان العربية الريعية مثلًا، لا تنفق أكثر من 2% من موازاناتها السنوية على المجالات البحثية.

بالإضافة إلى التبعية السياسية والاقتصادية، نلاحظ أن الدول الريعية أو التي تعتمد على الاقتصاد الريعي بالمطلق، هي دول تابعة، تدور في فلك الدول الكبرى، لضمان الحماية الخارجية لبقائها في السلطة، من أي توَجُّهات أو عمليات، لتغيير نظام الحكم وتغيير التركيبة الاجتماعية، فالاقتصاد الريعي، ينتج سلوكًا سياسيًا في الدولة الريعية، قائمًا على تعميق النَّعرات العشائرية والطائفية وتقويتها، بهدف تعميق الخلافات داخل المجتمع، ما يُسهِّل السيطرة على تحركاته، وهنا نجد صعوبة في إحداث إصلاحات سياسية، لأنه يتطلب تغييرًا جذريًا في شكل الحكم، وهو ما لا يسمح به النظام أو النظم الحاكمة والمسيطرة، والتي تحتكر الاستيلاء على الريع وتتحكَّم بتوزيعه، وبالتالي تبني سلطتها السياسية فيه.

ولا بدَّ من ذكر عامل مهم، يتعلق بأثر المركزية الشديدة والصارمة في الدولة الريعية، وإشاعة البيروقراطية في الأداء الحكومي المتقاطع مع الديمقراطية، بسبب سيادة بعض القوى الاجتماعية المتخلفة على القرار الاقتصادي والسياسي، وقد تلجأ بعض الدول، إلى إقامة نظام ديمقراطي بالشكل الديكوري، وليس في البنية السياسية، كعمليات الاستفتاء الشعبي المُخطَّط لنتائجها مُسبقًا بإمعان، والتي تستعيد وتُعيد إنتاج ذات الطبقة السياسية، وإذا أمْعَنَّا ودقَّقنا النظر في المظاهر السياسية للاقتصاد الريعي، فنجد أنَّ هذا الاقتصاد، يعتمد التفصيل السياسي لأوجه حكمٍ، تستخدم الريع لحِيازة وترسيخ موقع إمتيازي، في تحريك الموارد وتوزيعها وصنع الولاءات.

فلا تهتم السلطة الحاكمة في الدول الريعية في الغالب بالتعليم كثيرًا، حيث يكون التعليم فيها إذا ما وُجِد، مشتَّتًا وأشبه ما يكون لسدِّ الفراغ وخاصة التعليم الجامعي، كونه ليس بحاجة ماسة إلى المجتمع المتعلِّم، لأنَّ اقتصادها أولًا وأخيرًا، يعتمد على الريع الطبيعي، وليس بحاجة إلى مهارات كثيرة لاستخراجه أو إنتاجه، وفي ظلِّ الاقتصاد الريعي، وعندما لا يكون هناك مجتمعًا صناعيًا، لا تكون هناك قواعد عمالية، ومن ثم يقلُّ عصف الأفكار والطروحات البناءة، ولا يكون هناك من تنشئة سياسية وغيرها من الحياة السياسية والمشاركة فيها، إذ هنا تكون المؤسسات الدينية، مجرَّد مؤسسات ديكورية تبرِّر سلوكيات الحاكم والطبقة السياسية الحاكمة.

في الختام.. إن علماء الاجتماع والسياسة والفلسفة، يُجمعون على أنَّ الدولة الريعية، تتميَّز بالحكم الفردي الاستبدادي، وببيئتها من أصعب وأخطر البيئات لتكوين وممارسة الديمقراطية، وتفتقر إلى التنشئة السياسية والاجتماعية، والسبب يعود إلى أنَّ السلطة في الدولة الريعية ليست بحاجة إلى الشعب، ولا إلى تأييده، ففي الغالب تكون مالية الدولة الريعية جديدة ومحدثة وفيها وفورات كثيرة، وليست بحاجة إلى أي مورد اقتصادي أو زراعي، كما وأن المجتمع في الدولة الدينية _ الريعية، هو مجتمع استهلاكي مستورد لكل شيء، حتى الثقافة، وهو كذلك مجتمع يقدس السلطة مهما كانت طبيعة هذه السلطة، وشكل عدائها للديمقراطية، حتى أنَّ البعض من هذه الدول جعلت من المثقفين أبواقًا إعلامية للحكام، يبرِّرون سلوكياتهم، وهو ما تراه غالبًا في دول باتت تمثل تاج الدولة الريعية والاقتصاد الريعي.

إن الاستعراض التاريخي والفكري للأبعاد الاقتصادية، التي حكمت منظومة الدول الريعية على وجه الخصوص، منها ما حمل الرخاء والتنمية والاستقرار والتطور، ومنها ما كان مترهِّلًا لم تتقدم عجلة تطوره إلى الأمام، وهو ما أثَّر بشكل أو بآخر على المفاهيم والنظريات الاقتصادية والسياسية، التي تحكَّمت بالعديد من البلدان وفي الشرق الأوسط تحديدًا، بحيث بقيت رهينة وحبيسة الموروث الاجتماعي والديني والتاريخي، بالإضافة إلى المظاهر الريعية للإنتاج، والتي ما زالت تشكِّل حجر الزاوية في أغلب الاقتصاديات العربية، وحَجَبَت عنها الاستقلال في قرارها الحر، وضلَّت تحكمها نُخب وقيادات ترهن البلاد ونموها وخيراتها لقوى الاستعمار الخارجي، حيث ما تزال هذه السياسات الكولونيالية مستمرة إلى يومنا هذا، وهو ما رَاكَمَ العديـد من المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، التي ظلَّت طول لعقود من الزمن، بدون حلول جذرية، بحيث باتنا اليوم أمام مفاصل خطيرة من إعادة تركيب وتكوين الدولة وسلطاتها، وهو ما جعل الغرب، يُعيد النظر بحساباته، في إعادة تكوين السلطة والخريطة الجيوسياسية للعالم العربي والشرق الأوسط، بما يفيد اقتصاداته وعلاقات إنتاجـه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع

1. الحسن عاشي، مقال نشر له في جريدة الحياة، بتاريخ 16 آذار 2012.
2. عادل سمارة، دول الريع القديمة، مقال نشر له في مركز دار الأخبار، تاريخ 26/6/2012، الموقع الإلكتروني www.dar al-akhbar.com.
3. رنا الصباغ، السلطات العربية أمام خياري الاقتصاد الريعي والإصلاح المستدام، مقال نشر لها في مجلة الحقيقة الدولية الإلكترونية، 1 تشرين ثاني 2013، الموقع الإلكتروني arana.sabbagh@alrabalyawm.net.
4. زياد الحافظ، الاقتصاد العربي إلى أين؟ من الريع إلى الإنتاج، مجلة المستقبل العربي، عدد 390 آب أغسطس 2011، مركز دراسات الوحدة العربية بيروت، لبنان، ص 34.
5. محمد نبيل الشيمي، الاقتصاد الريعي المفهوم والإشكالية الإدارة والاقتصاد، مجلة الحوار المتمدن، العدد 3637 تاريخ 13/2/2012.
6. جيمس بتراوس، جذور الثورات العربية، الموقع الإلكتروني WWW.ARAB,PHILOSOPHY.COM.ARABIC.

كاتب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.