الكونفدرالية الديمقراطية كبديل عن الدولة القومية دراسة إمكانية بناء مجتمع ديمقراطي خارج منظومة الدولة القومية الاستبدادية
وليد محمد بكر
مقدمة:
بما أن مشروع نظام الكونفدرالية الديمقراطية هو من فكر وفلسفة القائد والمفكر “عبد الله أوجلان”؛ فسوف نعتمد بشكل رئيسي على أقواله وشرحه لهذه البراديغما من خلال كتبه ومرافعاته القيّمة.
إن نظام الكونفدرالية الديمقراطية ليس شكلاً إدارياً حديثاً فحسب، بل إنه نظام يحتل مكانه في سياق التاريخ بكل ثقله، فالتاريخ معظمه كان كونفدرالياً وليس دولتياً مركزياً، وكذلك فالحياة الاجتماعية هي أقرب إلى الكونفدرالية، وإن لم تُعرف رسمياً على هذا النحو، بسبب البنية المدنية الرسمية وإيديولوجيتها المهيمنة. إن قوى احتكارات السلطة، باتت تتهافت على نظام الدولة لضمان مصالحها وبمركزية مشددة, وفي ظل المجتمع المتعدد الثقافات؛ فإن الإدارة المفرطة في المركزية ونتيجة الضغط الشديد عليها – وعدم قدرتها للتعبير عن ذاتها – تدفع المقاومين للقيام بالتمردات والانتفاضات ضد السلطة المركزية المستبدة.
إن جميع إدارات العشائر والقبائل والأقوام كانت تتصف بالكونفدرالية المتميزة بعلاقاتها الرخوة طيلة التاريخ، فحتى أكثر الإمبراطوريات المركزية المعروفة كانت تُدار بشكل كونفدرالي، وتستند في بنائها الداخلي إلى عدد لا محدود من الإدارات المختلفة.
أما الكونفدرالية الديمقراطية فإنها تتجنب النزعة المركزية قدر الإمكان، بحكم أنها تتخذ المجتمع أساساً لها وليس الاحتكار الذي تمارسه الدولة المركزية. ونظراً لأن المجتمعات ليست متجانسة بل تتألف من عدد كبير من المجموعات والكيانات المختلفة فيما بينها، فهي تشعر بضرورة تأمين وصون تكاملها جميعاً ضمن تناغم متناسق مشترك والعيش في الكونفدرالية الديمقراطية نظراً لتناسبها مع مقدرة كل المجموعات والمؤسسات على التعبير عن الذات. لم تكن يوماً الدولة من أهدافها تحرر الشعوب وتحقيق الديمقراطية، كما سعت إليها الحركات الاشتراكية وحركات التحرر الوطنية، ولم تصبح في خدمة الشعب والمجتمع، ولم تجلب الخير والسعادة لهما، كما اتضح ذلك من خلال مجريات التاريخ، وما نشهده اليوم من صراعات واضطهاد وحروب ومجازر على السلطة داخل الدولة الواحدة أو بين الدول المتجاورة، ما هو إلا نتيجة لها.
الدولة القومية:
يقول المفكر “أوجلان” عن الدولة القومية في مرافعته (أزمة المدنية وحل الحضارة الديمقراطية في الشرق الأوسط): “الدولة القومية هي أشد أنواع السلطة القمعية، تبني مجتمعاً متجانساً منمَّطاً مستلَباً، وعندما تلاقي معارضة فإنها تتحول إلى شوفينية وفاشية، وتصبح الدولة القومية ديناً للدولة وقادتها الملوك آلهةً لها، وتعمل على تقديس المصطلحات كـ (الأمة – الوطن – النشيد – العلم..) ويتم فيها تأجيج النعرات الطائفية والشوفينية، وتصبح الحدود والوطن في الدولة القومية بمثابة سجن للمواطن، وتخلق جيشاً من العبيد العصريين، ويعلمونهم في المدارس (والثكنات ودور العبادة) كيف يكونوا مواطنين تابعين وثنيين يعبدون الدولة، فتمارس البيروقراطية على ظهر المجتمع الذي تدجّنه وتروضه في قفص حديدي، لتسيطر الذهنية الذكورية التي طورتها الهرمية على المرأة حتى تصبح أداةً لرأس المال والسلطة. إن الدولة القومية هي مصيدة للمجتمعات وشبكة قمع واستغلال واضطهاد للشعوب التي صبغت كلها بلون واحد”.
صراع المجتمعات مع الدولة القومية المركزية:
عبر التاريخ كانت هناك حروب ليست بين الإثنيات ولكن كانت بين الأسر الحاكمة من أجل الصراع على السلطة، وبعد الوصول إليها بالقوة ولأجل دوام سلطتها وحاكميتها ألبسوها ثوباً شرعياً باسم الله والدين، ومن ثم تم إنشاء الدول القومية في العالم والمنطقة وفق مصالح هيمنة الرأسمالية كلياً. ولكسب شرعيتها راحت تنادي باسم الشعب، وتطور هذا المفهوم إلى التعصب القومي، وهو لا ينسجم مع حقائق المناطق والأمم والإثنيات، حتى تم تقسيم الأوطان التاريخية بين دول مصطنعة حديثاً، ونصبوا عليها حكومات ذات طيف واحد، دون الأخذ بعين الاعتبار رأي الشعوب والمجتمعات. وبما أن الرأسمالية هي نظام لتراكم الربح والرأسمال، ولأجل الزيادة والحفاظ على هيمنتها على المجتمع المديني قامت بتأسيس كيان الدولة القومية المركزية، ذات اللون الواحد، والتي تقوم بفرض التبعية على المجتمع المتعدد القوميات والإثنيات والثقافات تحت اسم الأمة الواحدة المُنمَّطة والمتجانسة، إن منطق إنشاء الدولة القومية وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية بمنطق (يحق لكل قومية دولة) ونمط الاستمرار بها تذكرنا دوماً بالحروب والتطهير العرقي والاضطهاد والمجاعة والشؤم والتعاسة، لأن الدولة (الطبقة الحاكمة) عملها بات محصوراً فيما يعود لمنفعتها وخدمة مصالحها فقط، ولا يهمها ما ينفع الشعب، فيضطر أفراد الشعب حينها إلى إقامة تنظيمات أو منظمات مدنية لخدمتها. وكان لا بد من المقاومة والدفاع من قبل المجتمعات عن الوجود والقيم والتراث، حتى وصل بالدولة بأنها لم تعد تقبل بإبداء الاحترام لاستقلالها الذاتي (أي المجتمعات)، ومهما أبدت من ديمقراطية شكلية، فمحاولاتها اليائسة ما هي إلا لذر الرماد في العيون، فالنظام الديمقراطي الحقيقي هو جوهر المجتمع والطريق الوحيد لحل مشاكله، ولن يكون هناك سلام دائم بينها والدولة والسلطة إلا إذا عملت على صون وتطوير المجتمع الأخلاقي – السياسي وذلك في إطار النظام الكونفدرالي الديمقراطي. فالمجتمع الفاقد لماهيته الأخلاقية والسياسية محكوم عليه بالتبعثر والتفسخ والفناء.
تتولد المشاكل الاجتماعية بالارتباط مع تحكم واستغلال السلطة، فكلما عملت المدنيات على إدارة المجتمع عبر حكم الدولة ـ مثلما جرى تاريخياً مع معظم البنى والهياكل الدولتية ـ ضاقت ساحة حرية المجتمعات، فالسلطة باتت تحاصر المجتمع بأكمله داخلياً وخارجياً في عصر الحداثة الرأسمالية، لتحول المجتمع إلى نوع من المستعمَرة الداخلية، فالسلطة كذلك الدولة القومية تخوض حرباً دائمة ضد المجتمع، ولم يبقَ أمام المجتمعات سوى المقاومة والنضال لتحقيق الديمقراطية، ولن يتعزز ذلك سوى بنظام كونفدرالي ديمقراطي.
ما هو نظام الكونفدرالية الديمقراطية؟
موضوعنا ليس عن الكونفدرالية الدولية والتي هي اتفاق على التعاون والتنسيق بين دولتين مستقلتين (أو أكثر)، ولا عن الكونفدرالية ضمن ذهنية الدولة المركزية الصارمة والكيفية التي تديرها والتي ستؤدي حتماً إلى الانفصال بسبب طبيعة الدولة التي لا تقبل أي تنوع أو تمايز خارج إطارها، ولا ترضى بقوة أخرى تزاحمها وتنافسها على السلطة، ولهذا السبب فإنها ترى كل من هو خارجها عدواً لها وتنظر له دائماً بعين الشك، لذلك فالدولة لا يمكن أن تكون ديمقراطية حقيقية. فموضوعنا هو عن الكونفدرالية المجتمعية الديمقراطية ضمن الدولة والمختلفة عنها كثيراً في التركيبة البنيوية والتوجهات والأهداف.
تعريف الكونفدرالية الديمقراطية:
يعرّف – صاحب هذا المشروع – القائد والمفكر “عبد الله أوجلان” الكونفدرالية الديمقراطية في مرافعته الرابعة تحت اسم (أزمة المدنية وحل الحضارة الديمقراطية في الشرق الأوسط) بأنها “نظام اتحادي مبني على أساس (المساواة والمصالح المشتركة) بين المجتمعات، ليس فيها أي نوع من الحكم أو القوة، بل تنضم بإرادتها وتدير نفسها بنفسها، كما كانت في المجتمعات الطبيعية منذ انطلاق البشرية”. ولتتطور لاحقاً إلى كونفدراليات العشائر والقبائل. ومادامت حركة حرية كردستان تتبنى (الديمقراطية، المساواة، العدالة، الحرية، أخوة الشعوب)، فإنها سلكت نهج الكونفدرالية الديمقراطية للمجتمع العصري المستندة إلى الديمقراطية الجماهيرية المباشرة كمفهوم للخلاص من الأزمات والمآزق التي خلقتها الرأسمالية في نظام الدولة القومية للمجتمعات والطبيعة والبيئة. ويتابع قائلاً بأنها: “شكل سياسي أساسي للعصرانية الديمقراطية، وهو الخيار الرئيسي للمجتمعات في وجه الدولة القومية، التي تولِّد القضايا والإشكاليات على الدوام. فإنها، أي الكونفدرالية الديمقراطية، تعتبر وسيلة السياسة الديمقراطية الأنسب لصياغة الحلول للقضايا العادلة”، وحسب المفكر “أوجلان” يتحقق ذلك بقوة النقاش والقرار والممارسة التي ينفذها المجتمع عبر قوته الوجدانية والذهنية الذاتية الجوهرية، وأن الأمة الديمقراطية هي وسيلة حل أساسية تجاه القضايا الإثنية والدينية والمدينية والمحلية والإقليمية والقومية الناجمة عن نموذج المجتمع الفاشي النمطي ذي اللون الواحد، والمسيَّر بيد الحداثة الرأسمالية عن طريق الدولة القومية.
مقارنة بين نموذج الكونفدرالية الديمقراطية والدولة القومية:
إن طرح نموذج الكونفدرالية الديمقراطية من قبل المفكر “أوجلان” هو البديل للدولة القومية الشديدة المركزية، فيصف “الكونفدرالية الديمقراطية” بأنها: شكل الإدارة السياسية التي ليست بدولة، وينبغي عدم الخلط بين الإدارات الديمقراطية وحكم الدولة الإداري، فالدولة تحكم بينما الديمقراطيات تقوم بالإدارة، تعتمد الدولة على السلطة بينما الديمقراطيات تعتمد على الرضا الجماعي، فالتعيين أساسي في الدول – وإن تشبه بالديمقراطية – بينما الانتخابات المباشرة هي الأساس في الديمقراطيات. عندما نرصد الطبيعة الاجتماعية بدقة فسندرك بكل سهولة ماهية القفص الحديدي للدولة القومية والماهية التحررية الأنسب للكونفدرالية الديمقراطية، فبقدر ما تقوم الدولة القومية بقمع المجتمع وجعله نمطياً أحادياً وإبعاده عن الديمقراطية، فنموذج الكونفدرالية الديمقراطية تحرري وتعددي ومتوجهة نحو الدمقرطة بنفس القدر”. وأخيراً بما أن الدولة القومية في أساسها نظام عسكري وهي ثمرة للحروب، فإنها تفرض حصاراً على المجتمع برمته من خلال درع عسكري، وما المؤسسات المدنية التابعة لها ليست سوى ستاراً لذاك الدرع، هذا هو الواقع المتخفي خلف كافة القضايا والأزمات والتفسخات الاجتماعية وهي ثمرة الدولة القومية، فلا يمكن للكونفدرالية الديمقراطية كبح جماح نزعة الدولة القومية في ذاك التعسكر إلا بأداة الدفاع الذاتي، فالمجتمعات المحرومة من الدفاع الذاتي تغدو وجهاً لوجه أمام خطر فقدان هويتها وخاصيتها السياسية وديمقراطيتها.
إن علاقة الكونفدرالية الديمقراطية مع الدول القومية، ليست صراعاً ضدها حتى آخر رمق، ولا انصهاراً في بوتقتها، بل هي علاقة مبدئية تستند إلى الاعتراف بوجود بعضهما بعضاً ضمن أجواء سلمية. حول ذلك يقول المفكر “أوجلان”: “إن الرفض التام للدولة أو القبول التام بها لا يخدمان أهداف الحرية والمساواة والديمقراطية، كما أن تجاوز الدولة القومية هو مسألة زمن، فكلما فرضت الكونفدراليات الديمقراطية تفوقها وكفاءتها في حل القضايا الاجتماعية، فسيتم تخطي الدولة القومية تلقائياً”.
المواطنة في ظل مجتمع الكونفدرالية الديمقراطية:
يرتبط الإنسان بالدولة كعبد دون أن يكون له تأثير أو دور في المجتمع، فشخصيته مسحوقة ومحتقرة، فيصبح أنانياً يبحث عن مصالحه الشخصية فقط، فلا يُترك له المجال لممارسة السياسة الحرة إلا كما تريد السلطة والطبقة الحاكمة. المواطنة في ظل نظام الكونفدرالية الديمقراطية ليست كالتي في ظل الدولة القومية والتعصب القومي، فالمواطنة في مجتمع الكونفدرالية الديمقراطية هي شخصية حرة، والإنسان هو العنصر الأساسي والفعال في الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية، ويمتلك شخصية قوية وحية، فينضم بكامل رغبته وبكل نشاط إلى الفعاليات الاجتماعية، على المستوى الإقليمي والعام، وله دور بارز في انبعاث الحياة من جديد، بعيداً عن الأنانية والمصالح الشخصية، فهو مواطن حر على أعلى المستويات، ويقف بجرأة أمام المجتمع ليتحمل مسؤولياته. ولأنه يمتلك ثقافة ديمقراطية وذهنية منظمة؛ فهو لا يقبل الظلم وعدم الأحقية، كما أنه ينظم نفسه بسرعة ويتحرك بفعالية ويناضل في مختلف ظروف الحياة ولا يتخلى عن مواقف فلسفة الحياة الديمقراطية والحرة، ليصبح مع أمثاله صمام الأمان لقوة واستقلالية أمتهم. الكونفدرالية الديمقراطية لا تستمد قوتها من خلال إضعاف الشعب، أو إبعاد التنظيمات المجتمعية كالمرأة والشبيبة عن الفعاليات المجتمعية، وإنما تعتمد في بنائها على تنظيم الطاقات العظيمة لهما، لأنهما العنصر الأساسي في بناء الكونفدرالية الديمقراطية. كما أنها (الكونفدرالية الديمقراطية) تنظر إلى الأعراق والمجتمعات الدينية التي تعيش معها على أنها منبع للغنى، فهي لا تقبل بنمط الدولة القومية الواحدية في كل شيء، (العرق، اللغة، المذهب..) بل تقبل وتدافع عن التنوع، ولا تفرق بين المكونات، مهما كان عددها، ولا ترى أن الحدود السياسية تشكل عائقاً أمام تعاون ووحدة الشعوب، لذا تفضل العيش مع أمة أخرى على العيش مع النظام الدولتي.
التنظيم الكونفدرالي:
يقوم التنظيم الكونفدرالي بالقضاء على مركزية الدولة، مستفيداً من سلبياتها في شل وخنق التنظيمات التابعة لها. فالتنظيم الكونفدرالي يظهر جميع طاقات المجتمع العضوية والحيوية للعيان، يوحدها ويضعها في خدمة المجتمع. إن الكونفدرالية الديمقراطية تستهدف جميع أفراد المجتمع الذين هم خارج إطار الدولة والسلطة، فمن المؤثرات والخصائص الحية للنظام الكونفدرالي هي أنه ليس دولتياً ولا سلطوياً، وتقوم بمنح الفرصة للمجتمع – بدءاً من أصغر وحدة وكومونة في القرية وحتى الوحدات الأكثر تأثيراً – بأن يظهر كافة طاقاته وإمكاناته للعيان، ويستخدمها من أجل التطوير والإبداع. في تنظيم الكونفدرالية الديمقراطية صاحب الكلمة والقرار والقوة هو الشعب نفسه – عن طريق الكومينات والمجالس – على عكس نظام الدولة، فالقاعدة (الشعب) وظيفتها وواجبها تنفيذ القرارات الصادرة من أعلى الهرم. في ذهنية الدولة القومية المتعصبة، فإن الشعب ليس له كلمة ولا قرار، بل بالعكس فإن المجتمع بأكمله ينظر بعين التعصب القومي الأعمى ويقوم بخدمة الدولة والسلطة، فالمجتمع والأفراد لا حول لهم ولا قوة، فنظام (السلطة والدولة) لا يتوسع في تنظيم المجتمع ولا يجعله صاحب إرادة، ويدعي القول: “إننا نفعل كل شيء من أجلكم”، ويصيب جسم المجتمع برمته بالشلل، ويجعل مستوى العلاقات الاجتماعية في أدنى مستوياتها وفي مؤخرة اهتماماته، فهو يترك المجتمع والأفراد ضعفاء ليسهل التحكم بهم.
إن نظام الكونفدرالية الديمقراطية يفتح المجال أمام المجتمع لإظهار طاقاتهم وليتم وضعها وتسخيرها في خدمة البشرية، وبالتالي إذا كانت الأفعال والقرارات من الشعب بشكل مباشر، فإن الفرد سيكون مشاركاً كفاعل مؤثر في الفعاليات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وبعلاقاته مع الأشخاص الذين يتواصلون باستمرار مع الأحداث والتطورات الحاصلة وتربطهم علاقات قوية بتلك التطورات الجارية، وسط مشاعر وهموم مشتركة، وتؤدي إلى وحدة المصير، والتي تعزز الروابط الاجتماعية، وهكذا تتطور العلاقات بين أفراد المجتمع في إطار التحول الديمقراطي.
مقترحات لأسس بناء كونفدرالية الشرق الأوسط:
لقد توصل الفيلسوف “عبد الله أوجلان” من خلال تحليلاته المنطقية لثقافة الشرق الأوسط إلى مقترحات في البرنامج السياسي الديمقراطي لكونفدرالية الشرق الأوسط، إلى جملة من الاستنتاجات الهامة والتاريخية، والتي يمكن عدها بأنها صياغة مشروع نهضوي لمنطقة الشرق الأوسط، وتمثلت أبرزها فيما يلي: يجب بناء سقفي للكلياتية الثقافية باسم (كونفدرالية الأمم الديمقراطية) في الشرق الأوسط، بحيث لا تعترف بحدود الدولة القومية الحالية، ولا بتقسيماتها الفظة. فقد عاشت مجتمعات وأمم المنطقة عبر التاريخ متداخلة فيما بينها وأنشأت حضارات غنية والمثال التاريخي (كانت تعيش”72″ ثقافة وقومية في مدينة بابل)، وكانت العديد من القبائل والأقوام والأديان والمذاهب تعيش متداخلة معاً عبر التاريخ. كما أن الوطن المشترك للأمم وكافة المكونات المتنوعة لها أمثلة كثيرة في التاريخ، فمفهوم المجتمع والأمة النقية منافي تماماً للعلم، والدولة القومية المستندة إلى الوحدانية في كل شيء قد تسببت بآلاف المجازر والآلام والحروب.
إن كونفدرالية الأمم الديمقراطية هي كونفدراليات مرنة ومنفتحة على كل الأطراف وملائمة للوقائع التاريخية وتشكل تعبيرها المثالي. كما أنها تعتبر كومونات ديمقراطية للوحدات والمكونات الوطنية والاجتماعية المنضوية ضمنها، وتتحلى تشكيلاتها بامتيازات التنفيذ وفقاً للمبادئ الديمقراطية، وهي من أروع الأمثلة على “الإدارة الديمقراطية للمجتمع”. لا تشاد أمم الكونفدرالية الديمقراطية بقوة “السلطة والدولة” بل هي انضمام طوعي حر، تمثل مصالح الأمة جمعاء في الحرية والعدالة والمساواة، وهي أثمن أشكال المجتمع المستقبلي، ومنفتحة على الكونفدراليات الأكبر. فتشكل اتحادات كونفدرالية عليا وإقامة علاقات دبلوماسية واسعة. أما كيانات وهياكل الدول المعتمدة على قوة السلطة والدولة فهي لا تخدم كافة المكونات، بل المصالح الأنانية للطبقة (الأوليغارشية) المسيطرِة. إن المجتمع الذي تتخذه الكونفدرالية الديمقراطية أساساً لها هو المجتمع الاقتصادي الإيكولوجي، ويعترف بالسوق الذي يخدم احتياجات المجتمع الضرورية بعيداً عن الاستغلال والاحتكار والمضاربات، فأفضل علاقة للإنتاج تكون مُلكية كومونالية جماعية للأرض ولوسائل الإنتاج، وليست خاصة سواءً للفرد أو الدولة، ويكون للمرأة، وهي أساس الاقتصاد، دوراً كبيراً فيها، بحيث لا تؤدي إلى ظهور الأزمات ولا إلى تدمير البيئة وتهديد المناخ.
إن التيارات الإيديولوجية والسياسية المناهضة للحداثة الرأسمالية مرغمة على الارتكاز إلى نشاطات علم الاجتماع الذي يتعدى السوسيولوجيا “الوضعية”، وتحطيم الاحتكار العلمي المسخر في التهافت على خدمة النظام القائم. وبالإمكان إنشاء الوحدات الأولية للنشاطات في علم الاجتماع، وفي شتى مجالات العلاقات الاجتماعية، على شكل أكاديميات ومعاهد حسب الحاجة، حيث يتميز بإرث غني من الخبرة في ثقافة الشرق الأوسط، والذي بدأت منه أولى مراحل انتشار الأديان والطرائق والمذاهب الدينية، وتُعتبر فعاليات المجتمع المدني مثالاً.
وفي الوقت الراهن تواجه التيارات الفامينية الوهن والفشل مراراً بخصوص تقصيرها في تحليل الجنسوية ذي الحاكمية الذكورية الذي تستند إلى قوة الهرمية والسلطة والدولة المتحكمة بـ”المرأة”، فيجب إنشاء كومونات خاصة متمحورة حول حرية المرأة، فيستحيل دمقرطة ثقافة الشرق الأوسط ما لم تبتعد عن ثقافة الإرث الهرمي والسلطوي والدولتي، وما لم تزداد الممارسات الإيديولوجية والسياسية ويتم تطوير المجتمع الأخلاقي والسياسي، والذي يتخذ ثلاث ركائز كأساس له، وهي: ديمقراطية الكومونات والمجالس، التحرر الجنسوي، المجتمع البيئي (الأيكولوجي)، إن جوهر التحرر الجنسوي الاجتماعي يستند إلى النظام الديمقراطي وحرية المرأة والمجتمع الأيكولوجي والكونفدرالي.
النتيجة:
إن الإصرار على الدولة القومية يعني المزيد من الحروب والاشتباكات والتوترات والتي لا تزال قائمة في الشرق الأوسط، تلك الصراعات النابعة من أشكال الظلم التاريخي. وفي سبيل وضع حد لهذه الأمور، فإن درب الكونفدرالية الديمقراطية هو درب السلام والعدالة والحرية لتلافي التوترات وتذليل كافة تراكمات الظلم والاستبداد التاريخي بحق جميع الشعوب والمجتمعات، وخاصة الكردية والمجموعات المسيحية والعلويين والدروز واليهود. فالإصرار على الدولة القومية يعني الاستمرار في الأزمة العراقية بين الكرد والعرب وبين السنة والشيعة والنظام السوري (السابق والحالي) والإخوان والكرد وغيرهم، والصراع (الإسرائيلي – الفلسطيني) ومشاكل الهند في كشمير مع باكستان، بلوجستان، إيران ولبنان.. (ناغورني كاراباخ – الأرمن والأذريين)، روسيا – أوكرانيا، وتداعيات أزمات الدول العربية التي ظهرت فيها انتفاضات الربيع، وفي الصومال والسودان وبعض الدول الأفريقية الأخرى.
إن تاريخ المدنية في الشرق الأوسط هي تاريخ مضاد ومدمِّر لجميع العناصر المطرودين والمهمشين واتجاه المرأة والشبيبة، ومجتمع الزراعة والقرية والعشائر المستقرة والرحالة (البدويون العرب، التركمان والكرمانج) وأصحاب المذاهب والعقائد الباطنية، يعتبرون القوى والمادة الأساسية في عملية “التحول الديمقراطي” وبناء المجتمع الديمقراطي. وباعتبار الشرق الأوسط موطن جميع الأديان التوحيدية والمذاهب، وكذلك منطقة من اعتبروا أقليات (الإيزيديين، العلويين، السريان، الأرمن، الهيلينيين واليهود)، والنظر إليهم بأنهم كنوز ثقافية في المنطقة، فلا بد من السماح لها بالتمتع بالحرية والحياة المفعمة بالمساواة والديمقراطية في كل الشروط، وتقييمها ضمن إطار (الكونفدرالية الديمقراطية)، ويعد ذلك مهمة تاريخية لا غنى عنها.
إن حل القضايا والأزمات البنيوية المتفاقمة لشعوب المنطقة، يمكن أن يرى النور عن طريق نظام الكونفدرالية الديمقراطية، فالميزة الأساسية لهذا النظام هي أنها لا دولتية، (أي لا تسعى إلى الانفصال والتقسيم وإنشاء دولة لكل قوم وطائفة)، كما أن الدعوة إلى تطبيق الديمقراطية العصرية بعيداً عن هيمنة الدولة تعني تنظيم الشعب والمجتمع وإدارته نفسه بنفسه، فالنظام الكونفدرالي ينشأ بتوافق الإصلاحات الديمقراطية ضمن الدولة.
المراجع:
1 – عبد الله أوجلان – الدفاع عن الشعب – ترجمة زاخو شيار – تاريخ الطبع / شباط/2005
2 – عبد الله أوجلان – مانيفيستو الحضارة الديمقراطية – سوسيولوجيا الحرية – المجلد/3 – ترجمة زاخو شيار-– الطبعة/3 – أيلول – 2018
3 – عبد الله أوجلان – مانيفيستو الحضارة الديمقراطية – أزمة المدنية وحل الحضارة الديمقراطية – المجلد/4 – ترجمة زاخو شيار –– مطبعة الشهيد هركول – الطبعة/3 – 2010
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.