مجلة فكرية سياسية ثقافية تعنى بشؤون الشرق الأوسط

الرأسمالية وتقنيات الحرب المتطورة، وإعادة صياغة التجارب الحربية التأثير على عقل الإنسان وحياته

 

إسماعيل خالد

تمهيد

الفصل الأول: الحروب الحديثة المعتمدة على التكنولوجيا و التجارب الحربية والحروب السبرانية:

أولاً: تقسيمات النظام الحداثي الرأسمالي للعالم

ثانياً: الثورة التكنولوجية والمعلوماتية والتجارب الحربية

ثالثاً: الإشكالية الأخلاقية لبرامج المعلوماتية والآلات الذكية وقدراتها التدميرية

 

الفصل الثاني: التأثيرات الفكرية والإيديولوجية والثقافية على عقل الإنسان وحياته:

أولاً: التعددية الثقافية والحداثة كقيمةٍ حسب المفكر عبد الله أوجلان

ثانياً: الدور السلبي للحداثة الرأسمالية في الثقافات الوطنية والمحلية

ثالثاُ: الغزو الثقافي، وسائله وأدواته، والهيمنة على العقل

رابعاً: الهيمنة الإيديولوجية للحداثة الرأسمالية

خامساً: مصير الحداثة الرأسمالية في الشرق

الخلاصة:

تمهيد:

في معترك التطورات الكبيرة التي  يشهدها العالمُ في عالم تكنولوجيا العسكرة و المعلومات والاتصالات  والذكاء الصناعي؛ والذي أصبح الركيزة الأساسية للسيطرة وإثبات الوجود والهيمنة، وباتت تعتبر من الأساسيات التي تعتمد عليها الحروب الحديثة .

 

حيث لعبت الدولُ الغربية والمتطورة دورها في هذا المجال وشكلت منصاتٍ و جيوش إلكترونية مختصة للدفاع عنها، ومن ثم الانطلاق لفرض السيطرة والهيمنة على الدول والكيانات والمجالات والأنظمة التي تسعى للسيطرة والهيمنة عليها.

ومن ثم دعت إلى تهاوي الحدود والقيود لصالح حيتان الأعمال والاقتصاد، ذلك أن ” البقاء للأقوى” وإن ” الضحية تستحق مصيرها “، كل ذلك تحت مسمى  ” عصر ما بعد الحداثة ” وهو ما فُسّر بأنه عملية ” دمج اقتصادية ” حيث تتداخل القوة والثقافة، وساعد في ذلك أمران:

 أولهما: هو التطورُ العلمي والتكنولوجي الهائل وما ترتب عليه من ثورة في وسائل الاتصال والإعلام وانتشار المحطات الفضائية، التي تبثّ برامجها لكل أنحاء الكوكب ولكل البشر، لتربط بذلك سكانَ الأقاليم المتفاوتة بشكل لا مثيل له سابقاً، ناهيك عن ثورة المعلومات الهائلة التي تجسدها الشبكةُ العنكبوتية والذكاء الاصطناعي والهندسة الحيوية.  وهذا الأمرُ الذي فرضته العولمة ليس مطروحاً للقبول أو الرفض، فهو واقعٌ أصبح أحدَ ظواهر العصر الذي نعيشه، وليس أمامنا إلا أن نستعدَ لمواجهة السلبيات منها، ولكن علينا أن نعرف كيف نتعامل معه لنكون أكثر تأثيراً في عالمنا.

أما الثاني: فهو قيمّي، جاء نتيجة الطابع التوسعي الاحتكاري لنمط الإنتاج الرأسمالي؛ الذي فرض اقتصادَ السوق على العالم وتعزز باتفاقية منظمة التجارة العالمية، ونشاط الشركات متعددة الجنسية، وهذا الجانب هو الذي يجعل من العولمة مسألةً خلافية لما لها من آثار تحدّ من دور الدولة التقليدي ومن سلطاتها لتضعف تأثيرَ الحدود السياسية والسيادة الوطنية، في مقابل سطوة وهيمنة المركز الرأسمالي.

 

الفصل الأول: الحروب الحديثة المعتمدة على التكنولوجيا و التجارب الحربية والحروب السبرانية:

­­­

أولاً: تقسيمات النظام الحداثي الرأسمالي للعالم:

لقد سعت الحداثةُ الرأسمالية، وعبر ممارساتها وأدواتها، إلى رسم وإخضاع العالم في تصنيفاتٍ تماشي وتساير سياساتها المرتكزة على الهيمنة والتحكم وإخضاع الشعوب والمجتمعات عبر حروبٍ وصراعات وأزمات.

وبحكم تلك التقسيمات والصراعات غدا  العالمُ مقسماً إلى:

1- دول غنية، هي “المركز” للنظام الرأسمالي العالمي ومحيطها الشركات العابرة للقارات والمتعددة الجنسية والرؤوس الضخمة من الأموال والاستثمارات في الدول النامية مثل إفريقيا وجنوب آسيا.

2- دول فقيرة هي “تابعها” أو “محيطها”؛ بلاد المحيط هذه أجورها زهيدة تفرضها نظمٌ قهرية تحبط اتحادات العمال المستقلة والحركات الاجتماعية، ويستغلها “المركز” من أجل العمالة الرخيصة والموارد الطبيعية (نفط ومعادن ومياه…) الرخيصة والتربة الخصبة، لذلك فإن الدولَ الفقيرة والغنية هي أجزاءٌ للكل نفسه أي (النظام الرأسمالي العالمي ، قوى الهيمنة العالمية كما يمكن تسميتها الآن )، وإن التخلفَ في المحيط هو النتيجة المباشرة للنمو في المركز وبالعكس، حيث يتكرر تَسلّط “المركز” على “المحيط” على امتداد سلسةٍ من العلاقات غير المتكافئة تتدفق من السلطة وفائض القيمة والهيمنة الأيديولوجية والمنتجات باهظة الثمن. وهذه العلاقات تُسلّط الضوءَ لا على الطابع العالمي للرأسمالية فقط، بل أيضاً على حقيقة أن توسعها ليس نتيجة مجرد نماءٍ وقوة اقتصادية، إنما هي نتيجة علاقات معينة للتنمية الاقتصادية مبنية على الهيمنة واللامساواة.

 

وتفسر علاقة التبعية هذه بمجموعة من العوامل التي تنشطها، لعلّ أهمها هو الرأسمالُ الأجنبي، ممثلاً بالشركات متعددة الجنسية، والتي تعتبر بمثابة ذراع لقوة “المركز” داخل “المحيط”، والعامل الآخر هو ما يمكن تسميته بـ “مجموعة النخبة” داخل دول المحيط؛ والتي شَكّلت في المراحل الأخيرة لوجود الاستعمار وفي الحقبة التالية للاستقلال “حكومات وطنية” لم يكن لها من مهمة سوى الحفاظ على علاقات التبعية لقوى الحداثة الجديدة .

إنّ الجمعَ  بين المجال الجيوبوليتي العالمي والطابع العالمي المزعوم للعقائد المتنافسة أعطى الصراعَ  شدة غير مسبوقة. ولكن عاملاً إضافياً، ومشرباً أيضاً في المضامين العالمية، جعل هذا الصراع فريداً من نوعه فعلاً. فقد عنى ظهورُ الأسلحة النووية أنّ أي حربٍ قادمة، حتى ولـو كانت من النوع الكلاسيكي، بين المتصارعين الرئيسيين لن تؤدي إلى تدمير متبـادل فحسـب،  ولكن يمكن أن تؤدي إلى نتائج مميتة لجزء هام من البشرية كلها، وهكذا أخضعت شدة النـزاع في الوقت ذاته إلى قيود ذاتية استثنائية فرضها كلا الطرفين المتزاحمين.

بالتأكيد إن هناك دولاً مثل روسيا والصين اللتان تعتبران قوتان تغتاظان من الهيمنة الأميركية،  فإنهما وبالرغم من امتلاكهما ترسانات نووية يمكنهـا أن تهـدد المصالحَ الأميركية الحيوية، ولكن الحقيقة القاسية هي أنه في الوقت الراهن، وفـي المسـتقبل القريب، وبالرغم من أنهما تستطيعان شنّ حروبٍ سيبرانية أو نووية انتحارية، فإن أياً منهما لا تستطيع تحقيقَ النصر في هذه الحرب. وبما أنهما تفتقران إلى القدرة على نقل القوات إلى مسافات طويلة بغيةَ فرض إرادتهما السياسية، ونظراً إلى كونهما متخلفتين تكنولوجياً عن أميركا، فإنهما لا تملكـان الوسائلَ اللازمة لممارسة نفوذٍ سياسي مدعوم ودائم في أنحاء العالم كله، ولن يملكا قريباً مثـل هذه الوسائل.

 

باختصار، فإن أميركا تحتلّ مرتبةً عليا في المجالات الحاسمة الأربعة للقـوة العالميـة، وهي المجال العسكري الذي تملك فيه قدرةَ وصولٍ عالمية لا مثيل لها، والمجـال الاقتصـادي الذي تبقى فيه ذات قدرة تحرك رئيسية في النمو العالمي؛ حتى ولو واجهت تحدياتٍ في بعـض المظاهر من قبل ألمانيا واليابان (لا تملك أي دولة منهما المزايا الأخرى للقوة العالمية )، والمجال التكنولوجي حيث تحافظ فيه على المجالات الحادة والحساسة في الابتكار؛ والمجال الثقافي الذي تتمتع فيه، بالرغم من بعض السلبيات، بإغراء لا يمكن منافسته، و خاصة بين شبان العالم، الذين يرون في الولايات المتحدة دولةً تملك نفوذاً سياسياً لا تقترب أي دولة أخرى من مجال القـدرة على منافسته. وهكذا، فإن الجمعَ بين هذه المجالات الأربعة هو الذي يجعل من أميركا تلك القوة العظمى العالمية الوحيدة حصراً.

 

ثانياً: الثورة التكنولوجية والمعلوماتية المرتكزة على التجارب الحربية:

إذا كانت الثوراتُ الصناعية والتكنولوجية أغرزت الذكاء الاصطناعي الذي يضم كل الخوارزميات والطرق النظرية منها والتطبيقية التي تعنى بأتمتة عملية أخذَ القرارات مكان الإنسان سواء كان ذلك بطريقة كاملة أو جزئية بمعية الإنسان، مع القدرة على التأقلم أو الاقتباس أو التنبؤ، عادة، يكون البرنامج ذكيا إذا قام تلقائيا بسلوك غير مبرمج مسبقاً حيث يستطيع من نفسه أخذ قرارات جديدة للتكيف مع حالته وحالة محيطه عبر الزمن.

إنّ خصائصَ الذكاء الاصطناعي من التصرفات التلقائية والتطور الذاتي والتعلم الآلي التلقائي توحي بفكرة حرية الآلة المطلقة في أخذ القرارات في المستقبل القريب ومنه التخوفات المتصاعدة حالياً على الساحتين الإعلامية والأكاديمية، لكن الواقعَ التقني والعوائق الأخلاقية والتكنولوجية وإشكالية أخلاقية البرامج المعلوماتية والآلات الذكية ليست بجديدة، وهي مطروحة منذ البداية وتستمر في مرافقة التطور التكنولوجي، بل أنها خلقت فرعاً جديداً في علم المعلوماتية والحقوق يتخصص في هذا المجال.

أبرز المجالات التي يمكن للثورة التكنولوجية والمعلوماتية العمل فيها على نمو الاقتصادات هي:

1- الأتمتة الذكية، أي أتمتة المهام المادية المعقدة التي تتطلب مقداراً كبيراً من التكيف واتخاذ القرارات، مثل العمليات الصناعية والتجارية المتكررة، على سبيل المثال قراءة المستندات وتحليلها، إعادة توجيه رسائل البريد الإلكتروني.

2- عملية التنبؤ من خلال خوارزميات التعلم العميق (Deep learning  ) التي تقدمُ حلاً فعالاً لعمليات تحليل البيانات داخل المؤسسات وربطها بمئات التصورات والاحتمالات للوصول إلى أدق توقع يشكل أساساً لاتخاذ القرارات.

3- تسريع الإنتاج وزيادة كفاءة العمل، من خلال تطبيقات تعلم الآلة (Machine Learning  ) التي يمكنها القيام بالعديد من المهام بنسبة خطأ قد تلامس الصفر في الكثير من العمليات داخل المؤسسات.

لكنّ الواقعَ التقني والعوائق الأخلاقية والتكنولوجية واستخداماتها العسكرية والحربية تقول غير ذلك، وأنّ الإشكالية الأخلاقية لبرامج المعلوماتية والآلات الذكية ليست بجديدة، وهي مطروحة منذ البداية وتستمر في مرافقة التطور التكنولوجي الصناعوي؛ بل خلقت فروعاً جديدة ستخلق معها كوارث بشرية في سوق العمل، وستتسبب بارتفاع مستويات البطالة والصراع على العمل وتخلق مشاكل اجتماعية كبيرة.

إنّ الاستمرارَ في الزمن سيتغير التطور التكنولوجي إيجابياته وسلبياته، حتى عمّا تم ذكره في هذا البحث، ففي المستقبل القريب ربّما سيتغيّر منظورُ رؤية الحياة، والكثير من التقنيات الجديدة الناشئة ستظهر، وقد يكون بعضها مفيداً وقد يتسبب البعض في تهديد للبشرية كالذكاء الاصطناعي، حيث يرى الخبراءُ أنّ الذكاءَ الاصطناعي قد يتفوق على ذكاء الإنسان في عام 2035 تقريبًا، فإذا حصل الذكاءُ الاصطناعي على مستوى إنساني فيمكنه تطوير نفسه أضعافاً مضاعفة، وهذا قد يؤدي لدمار البشرية.

إضافة لأمورٍ أخرى كالتكنولوجيا الحيوية والطاقة الخضراء وعلوم الفضاء والحواسيب الكمية والتكنولوجيا العسكرية، وغيرها الكثير من التكنولوجيا المستقبلية التي حتمًا ستؤثر على الحياة ومستوياتها.

انطلاقًا من هذه التعليقات التوضيحية المؤقتة، قد يبدو، تاريخياً، لكي تصبح دولة مهيمنة، أن تنشئ وتحافظ على نظام عالمي يكون عالمياً في مفهومها، أي ليس نظاماً سوف تستغل الدولة المهيمنة الآخرين بشكل مباشر، بل بالأحرى نظام يمكن لمعظم الدول الأخرى (أو على الأقل تلك التي قد تجد نفسها في دائرة هذه القوة المهيمنة) أن تراه متوافقاً مع مصالحها الخاصة. يصعب تصوّر مثل هذا النظام من خلال مصطلحاتٍ مشتركة بين الدول فقط، لأن هذا من المرجح أن يسلط الضوءَ على الاختلافات في مصالح الدول. من المرجح أن يعطي الأولوية للفرص المتاحة لقوى المجتمع المدني للعمل على نطاق عالمي (أو نطاق المجال الذي تسود فيه الهيمنة).

وباعتبار الحديث عن قوى الهيمنة العالمية والسياسات التي تعمل عليها، بالإضافة إلى استخدام قدراتها العسكرية والتكنولوجية، فقد قام المفكر الأمريكيي “فرانسيس فوكوياما”  بتوضيح الإطار النظري الإيديولوجي و السياسي للنظام العالمي الجديد المتشكل من تلك القوى المهيمن، والذي انطوى على الخلفية النظرية الفلسفية التي تستند إليها إيديولوجيا العولمة وسياستها اللبيرالية في الاقتصاد، وفي ممارسة السلطة و الحكم في الحياة لاجتماعية الفكرية و الثقافية عامة.

وفي هذا السياق تم النظرُ إلى الأزمات التي عصفت باقتصاديات البلدان الآسيوية  وروسيا، وتراجع الديمقراطيات وتنامي الأنظمة القمعية والديكتاتورية، وانتشار الحروب الأهلية  في مناطق شتى من العالم، وانتشار  اتجاهات العولمة بالمنظور الحداثي الغربي، أنها قد تجذرت وتوطدت لسببين أساسين:

1-  غياب نموذج تنموي بديل يعبّر عن تطلعات المجتمعات بصورة حقيقية غير تابعة لهيمنة النظام العالمي الجديد.

2- الثورة التقنية المعلوماتية وما نتجت عنه من تطور في جميع أدوات وأساليب الهيمنة.

 

وبعد ذلك جاءت أحداثُ 22 من سبتمبر 2001م  وأنتجت نظريةً جديد لصراعات عالم ما بعد الحرب الباردة.

إن من الأسباب التي جعلت الكثيرَ من الدول تعيش ثوراتٍ أو انقلابات أو أي نوع من الاضطرابات المصاحبة لتغيير النظام السياسي، تقفُ في “منطقة رمادية”، حيث السلطوية المرافقة  بالديمقراطية المتوافقة مع قادة “منتخبون” ولكنهم مشغولون بشراء وسائل الإعلام أو إغلاقها، والتضييق على المعارضة، والتلاعب بالانتخابات، والاستيلاء على مؤسسات الدولة إزاء قدرتها على تقديم  وشخصنة شروط الحياة السياسية.

 

هناك أشكالٌ عديدة من الأنظمة العسكرية البيروقراطية توجه الثورة السلبية في أطراف اليوم. في نموذج الهيمنة العالمي، تكون الهيمنة أكثر كثافة وتماسكاً في المركز وأكثر اتساعاً بالتناقضات في الأطراف، وبالتالي فإن الهيمنة على المستوى الدولي ليست مجرد نظام بين الدول، إنه نظام داخل الاقتصاد العالمي بنموذج إنتاج مهيمن يتخلل جميعَ الدول ويربطها بنماذج إنتاج ثانوية أخرى.

إنها أيضاً مجموعةٌ من العلاقات الاجتماعية الدولية التي تربط الطبقات الاجتماعية في مختلف البلدان. يمكن صياغة الهيمنة العالمية على أنها هيكلٌ اجتماعي، وبنية اقتصادية، ومنظومة سياسية مترابطة ومشتركة مؤثرة متفاعلة.

 

ثالثاً: الإشكالية الأخلاقية لبرامج المعلوماتية والآلات الذكية وقدراتها التدميرية:

إن ما أفرزته نتائجُ تطورات القدرات التكنولوجية والصناعية في عالم العسكرة، واختلاف وتغير الأمر بالنسبة لشكل الصراعات والحروب والأزمات بين الدول، والذي على ما يبدو أن عالم اليوم يواجه مصادر ووجوهاً جديدة للحروب والنزاعات لم تكن معروفة من قبل.

منذ نهاية القرن الماضي وخاصة في العقد الأخير منه، يوحي بأنّ شكلاً جديداً للحروب والنزاعات قد أخذ يظهر على الساحة، وهذا الشكلُ الجديد يمكن اعتباره سمةً من سمات الحرب ما بعد حقبة الحرب الباردة، وأن عصرَ حرب الدول الكبرى والقوى العظمى بشكله التقليدي قد تم تجاوزه.

 

لعلّ أبرزَ ملامح هذه الثورة تتجسد في تفوق الصناعات العسكرية بشكل بارزٍ وحادّ، حيث تؤكد الدراساتُ وجودَ صراع متصاعد فيما بين الدول الغربية وروسيا والصين، في حين يمكن القول أن الذكاءَ الاصطناعي سيكون هو المستقبل، وأن من يتفوقَ في هذا المجال سيحكم العالم.

والسباق على أشده بين دول الهيمنة، الولايات المتحدة وروسيا والصين وألمانيا وكذلك الهند وبريطانيا وإسرائيل والكوريتين، وغيرها من الدول في مجال تطوير التكنولوجيا العسكرية، التي تحاكي القدرات الذهنية البشرية وأنماط اشتغالها، وانتشار استخدام المركبات المسيّرة الجوية والبحرية والبرية، وأنظمة القتال التي تعتمد على الذكاء الصناعي ليس بحاجة إلى دليل، وأخطر ما تحقق دخول النظم الالكترونية مجالَ اتخاذ قرارات ضرب الأهداف.

إن أسبابَ تهديد الأنظمة المعزَّزة بالذكاء الاصطناعي للأمن العالمي، يتجسد في غياب المعرفة الدقيقة لقدرات النظم الذكية، ومعدلات الخطأ الواردة في عملها، إذ أنها لم تخضع للاختبارات الجادة بعد، الأمر الذي قد تترتب عليه عواقبُ خطيرة، وغلبة روح التصعيد والمواجهة والضرب الاستباقي لتحقيق الردع، بدلاً من حلّ الخلافات سلمياً.

وإن الواقعَ التقني والعوائق الأخلاقية والتكنولوجية، و الإشكالية الأخلاقية لبرامج المعلوماتية والآلات الذكية ليست بجديدة، وهي مطروحةٌ منذ البداية وتستمر في مرافقة التطور التكنولوجي الصناعوي؛ بل خلقت فروعاً جديدة ستخلق معها كوارث بشرية في سوق العمل وستتسبب بارتفاع مستويات البطالة والصراع على العمل وتخلق مشاكل اجتماعية كبيرة.

إن من دلالات ومؤشرات الحرب العالمية الثالثة هي  شكلُ المنافسة الدولية، والتي قد تغيّر بعض الشيء،  خاصة بعد انهيار برجي التجارة العالمين 11 سبتمبر 2001م ليتّخذَ شكلاً مختلفاً عن الأشكال والوسائل الكلاسيكية المعروفة التي سبق سردُها، فالعالم، وخاصة الدول العظمى، باتت تتسابق في الفضاءات الافتراضية الرحبة وليس على الأرض فحسب.

لقد تغيّر شكلُ الحروب حتى من حرب مواجهة إلى حرب بالوكالة، وأخذ الصراعُ على مدّ النفوذ لا يُمارس بطريق الضغط بالآلة العسكرية بشكل مباشر، وقد أخذت الصفقاتُ والاتفاقات التجارية والمصالح المتبادلة والمقايضات والمساومات، وحتى عمليات الابتزاز السياسي، هي التي تلعب دورَها المفصليّ والحاسم في كثيرٍ من الأحيان، هذا إلى جانب خلق وصناعة جماعاتٍ وفصائل  موالية في بؤرة معينة لتعمل على تحقيق أجندة القوة التي صنعتها، وبهذا الشكل تجاوز العالمُ اليوم شكلَ المنافسة التي كانت بالحرب الساخنة ثم الحرب الباردة إلى الحرب بالوكالة، وبالتالي يمكن أن نرى أنّ الحربَ العالميّة الثالثة قد بدأت مع بداية الألفيّة الثالثة، لكن بشكلٍ جديد يحقق سياساتِ ومصالحَ تلك الدول المهيمنة على صناعة القرارات.

وبات من المعروف امتلاكُ دول الهيمنة العالمية القدراتِ التكنولوجية والعسكرية وجيوشاً هائلة، ومسلحة بأحدث الأسلحة الفتاكة القادرة ليس على تدمير بعضها بعضاً فحسب، بل هي قادرة على إبادة البشرية عن بكرة أبيها. لدينا ثلاثُ دول مرشحة للقيام بتدمير الحضارة البشرية المعاصرة، وهي أمريكا وروسيا والصين. لا يفكر زعماءُ هذه الدول بمصير البشرية، وإنما يفكرون فقط بصراعاتهم. وقد وصلت التناقضاتُ بين هذه الدول إلى مستوى أن كل دولة من تلك الدول تعتبر بقاءها مرهوناً بالقضاء على الأخرى أو تفتيتها.

يمكننا القول، ومن خلال تأكيد  المفكر عبد الله أوجلان، بأن الحربَ أخذت كل ما نملكه و جعلت الإنسان بدون عقل، و لأجل أن نفهم القيادة قليلاً و نرتبط بها نوعاً ما، فعندئذ يجب أن نفهم الحربَ بشكلٍ صحيح، و عندما يفهم الإنسانُ الحربَ فسيتم فهمُ ما يتم تخطيطه وما يجري بشكل أكبر.

 

الفصل الثاني: التأثيرات الفكرية والإيديولوجية والثقافية على عقل الإنسان وحياته

 

أولاً: التعددية الثقافية والحداثة كقيمة حسب المفكر عبد الله أوجلان

يقول المفكر عبد الله أوجلان: ” لقد فَرَضَت تجربةُ الفاشيةِ في أوروبا خلال الحربِ العالميةِ الثانيةِ أنْ تُعيدَ الحداثةُ النظرَ ثانيةً في مشروعِ المجتمعِ النمطيّ. فعُمِلَ عن طريقِ مشروعِ الاتحادِ الأوروبيِّ على الرجوعِ إلى التعدديةِ الثقافيةِ كبديل. وإلى جانبِ مشاطرةِ ما وراء الحداثةِ للتعدديةِ الثقافيةِ كقيمةٍ أساسيةٍ مضموناً، إلا إنها بعيدةٌ عن أنْ تَكُونَ بديلاً للحداثةِ الرأسمالية. أما جميعُ الثقافاتِ التي خارجَ نطاقِ الهويةِ الثقافيةِ الرسمية، فيُفرَضُ عليها في نهايةِ المطافِ أنْ تصبحَ هامشيةً وتُواجِهَ حقيقةَ التصفيةِ والزوال، تلقائياً كان أم بالإبادةِ غيرِ المباشرة بأساليبِ القمعِ والاستغلالِ الرأسماليّ أو عبرَ سياساتِ الدولةِ القوميةِ في خلقِ مجتمعٍ نمطيٍّ رسميّ.

والسبيلُ الأصحُّ للوقوفِ في وجهِ ذلك ولصَونِ وجودِها الثقافيِّ وجعلِه حراً طَليقاً، هو تَبَنّي مفهومِ الهويةِ الثقافيةِ منفتحةِ الأطراف، وتوحيدُها مع الثقافاتِ الأخرى في تركيبةٍ جديدة، وصياغةُ مشاريعِ العيش المشترك الأرقى.

في خضم الصراع المخفي والعلني فيما بين الأنظمة الرأسمالية والبرجوازية الجديدة والاشتراكية،  يتبادر إلى الذهن أنّ التحولات التاريخية التي طرأت على الساحة الدولية قد أفسحت المجال أمام القوة الرأسمالية المتمثلة بالولايات المتحدة الأمريكية التي تبوّأت لوحدها زعامة النسق العالمي الراهن، ومن الطبيعي أن تلقي بظلالها على منطقة الشرق الأوسط وعلى التفاعلات السياسية التي تجري فيها.

لقد سَلَكَت الحداثةُ الرأسماليةُ موقفَ الصهرِ والإبادةِ الجماعيةِ بصددِ الثقافةِ المعنويةِ أيضاً، مُنجِزةً ذلك بواسطةِ آلياتِ الإبادةِ في الدولتيةِ القومية.

وعندما تَكُونُ ثقافةُ المقاومةِ غيرَ منيعة، فالنتيجةُ ستَكُونُ الانصهارَ والزوالَ رويداً رويداً دون بُد، مثلما يُصادَفُ ذلك في كلِّ ظاهرةٍ مثيلة. فضلاً عن أنّ الأشكالَ القومويةَ البورجوازيةَ لا تمتلكُ الآفاقَ التي تُخَوِّلُها لإحياءِ وتطويرِ ثقافاتِ الشعوب، بل على النقيض، فهي تقومُ بوظيفةِ تحريفِها وإفراغِها من مضامينِها. وفيما عدا بضعةِ أنشطةٍ ضحلةٍ سقيمة، وبسببِ الحظرِ والصهر. ”

 

ثانياً: الدور السلبي للحداثة الرأسمالية في الثقافات الوطنية والمحلية

دورُ الحداثةِ الرأسماليةِ سلبيٌّ في تطورِ الثقافةِ الوطنيةِ ضمن الواقعِ الكرديّ. بل ولَم يَجرِ الدنوُّ من الواقعيةِ حتى على صعيدِ إنشاءِ الثقافةِ الوطنيةِ البورجوازية. فالثقافةُ السائدةُ هي ثقافةُ الدولةِ القوميةِ الحاكمةِ في الإفناءِ والصهرِ والإبادةِ العرقية. ومقولةُ “وطنٌ واحد، أمةٌ واحدة، دولةٌ واحدة، لغةٌ واحدة، وعَلَمٌ واحد”، والتي هي شعاراتٌ فاشيّةٌ تتكَرَّرُ يومياً؛ إنما تفيدُ بهذه الحقيقة.

 

فمُقَوِّماتُ الحداثةِ الرأسمالية، والتي هي نظامٌ يتعدى نطاقَ القمعِ والصهرِ الثقافيِّ الذي كان سائداً في العصورِ الأولى والوسطى، تهرعُ وراء إقامةِ القيامةِ لحظةً قبل أخرى، بصفتِها فرسانَ المحشرِ الثلاث. فثقافةُ الربحِ الأعظميِّ والصناعويةِ والدولةِ القوميةِ لا تتوانى عن تطبيقِ كافةِ أساليبِها الإمحائيةِ المُهلِكة، في سبيلِ استهلاكِ الثقافةِ الكرديةِ التقليديةِ التي لا تفتأُ بعيدةً عن العصرية، واستنفاذِها قبلَ تحوُّلِها إلى أمة.

 

ثالثاُ: الغزو الثقافي وسائله وأدواته، والهيمنة على العقل

إن للغزو الثقافي تأثيراتٍ كبيرة، فهو يهدف إلى احتلال العقل والسيطرة عليه وتسييره وتوجيهه؛ لذلك يعتبر  أخطر من الغزو العسكري، وإن كانت علامة ذلك أن الغزو العسكري يستمد قوته من آليات الإخضاع الخارجي، فإن للغزو الثقافي أدواتٍ وأساليبَ وآليات أخرى تسعى إلى الإخضاع الداخلي للإنسان، مما يبدو وكأنه تعمية للحال، أو تجميل له، فيُقبل الإخضاع على أنه شيء آخر غير الإخضاع، لالتباسه بمفاهيم كثيرة تتصل بعمليات التكوين الذاتي، كالنمو والاستقلالية والأصالة والصلابة والسلطة والمناعة والوعي.. الخ.

وتختلف وسائلُ وأدوات الغزو الثقافي التي تستخدمها الرأسمالية والحداثة الغربية  لتحقيق أهدافها في السيطرة والهيمنة على المنطقة، وهذه الأدوات التي طوعتها العولمة ببعدها الثقافي لصالح أهدافها، خلفت أضراراً كبيرة ومدمرة على المجتمعات  ، ويمكن أن نذكر بعض الأدوات والوسائل فيما يأتي:

1- التقدم التقني والتكنولوجي عند الحداثة الرأسمالية: إن ظاهرة الغزو الثقافي على وجه العموم وبمساره الثقافي على وجه الخصوص، ما كان لها أن تنطلق بسرعة وبزخم بالشكل الذي نعرفه اليوم، لولا التقدم العلمي والتكنولوجي المتسارع الذي يجتاز عالمنا المعاصر.

إن الحقيقةَ الأساسية للثورة التكنولوجية التي تجتاز العالم المعاصر والتي تمثل تكنولوجيا الاتصال أهم معطياتها، هي في كونها أصبحت مصدراً أساسياً للمعلومات والمعرفة والخبرات وناقلة سريعة لها، وبفعل هذه التغييرات الهائلة المتسارعة سوف يزداد ترابط العالم، وعلى ذلك ازدياد التأثير المتبادل بين الدول والمجتمعات بعضها والبعض الآخر.

كذلك ساهم التطورُ التكنولوجي في إزالة الحدود الزمانية والمكانية بين الأفراد والمجتمعات، كما أدى التطور التكنولوجي الهائل في مجال العلم والاتصال إلى ظهور مجال الأقمار الصناعية، التي بفضلها أصبح العالمُ أشبهَ بقرية صغيرة مترابطة.

إن التقنياتِ الحديثة في مجال الاتصال تمتلك أدوات تفاعل بين أطراف التواصل، وفي مقدمة هذه الوسائل شبكة الإنترنت وقدرتها على النقل الحي والسريع للمعلومات، واستخدامها للوسائط المتعددة كالصوت والصورة الثابتة والمتحركة، وتبادل الرسائل بين أطراف العملية الاتصالية، والجمع بينهم.

وتعتبر هذه الوسائل من أهم الأدوات التي طوعها الغربُ في الغزو الثقافي للمنطقة، حيث كانت للعولمة الثقافية القدرة على تغيير اتجاهات الأفراد نحو قضايا معينة، وكان لأدوات الدعاية والإعلان الأثر البالغ في تعزيز أنماط الثقافة الاستهلاكية في نفوس الأفراد من خلال التسويق لمنتجات قد لا تكون الحاجة لها إنما يكون الدافع وراء اقتنائها تلبية رغبات النفس المادية. وهذا ما ساعد على تعميم النموذج الثقافي الغربي

ومن الملاحظ اتساعُ دائرة تأثير الإعلام على منظومة المقومات الأساسية للهوية الثقافية لشعوب المنطقة في الشرق الأوسط بعد التطورات الحاصلة في هذا العصر، والتحول إلى قيم العالم الرقمي الذي أعطى للغرب فرصة المساهمة في التأثير؛ حيث أصبح الجمهورُ يسعى للحصول على المعلومات وتبادل الرسائل مع المرسل بعد ما كان دوره مجرد نقل للمعلومات، ولذا نجد من يذهب إلى أنّ التمييزَ بين المرسل والمتلقي قد أصبح صعباً في حالات متعددة في ظل استخدام هدم الوسائل التي هيأت الطريقَ السريع للوصوم إلى المعلومات.

أن خطورةَ هذا الأمر تظهر من خلال ما تبثه وسائلُ الإعلام من فكرٍ وثقافة غربية تدعو للتبعية الفكرية، وبين القيم والمبادئ التي يؤمن بها أفرادُ المجتمع في منطقة الشرق الأوسط، ويسعى لترسيخها في شخصية أبنائه، مما قد يؤدي إلى آثار سلبية قد تفتت ثقافةَ المجتمعات وتلغي هويته.

2-القوة الناعمة وتأثيراتها الفكرية والثقافية:

إن امتلاكَ القوة ناعمة تجعل الآخرين يعجبون بالأفكار الغربية ويتطلعون إلى ما يقوم به الغربُ، فيتخذون موقفاً إيجابياً من قِيَمهم وأفكارهم وبالتالي تتفق رغبات الشعوب الشرقية مع رغباتهم.

ونفهم أنّ القوة الناعمة تعتمد على قدرة الدول والمنظمات في صياغة رغبات الآخرين، بعد أن تكون بمثابة قدوةٍ لهم يتبنون قِيَمها وأسلوب حياتها. ومن أهم مزايا القوة الناعمة أنها تغني عن استخدام أسلوب العصا والجزرة، وهناك دولٌ لا تمتلك قوة عسكرية أو اقتصادية كبيرة، إلا أنها تتمتع بقوة ناعمة بسبب مشاركتها في قضايا عالمية جاذبة مثل محادثات السلام ومبادرات الحفاظ على البيئة ومكافحة الأمراض والأوبئة، ولكن ذلك لا يعني بالطبع التقليل من أهمية القوة الصلبة.

إن خطورةَ الغزو الثقافي والفكري الايديولوجي تكمن في أنه يسعى لخلخلة هوية المجتمعات والأمم في منطقتنا ويستهدف قيمها، وتقويض الأسس والمرتكزات التي يقوم عليها بناؤها. وهنا ينبغي ألا نضع في حسبانناَ بأن أية عملية تلاقي بين الأمم والثقافات هي – بالضرورة – عملية غزو ينبغي الوقوف في وجهها؛ فيكون ذلك عاملاً مؤسساً للانغلاق.

 

رابعاً: الهيمنة الإيديولوجية للحداثة الرأسمالية

إن ممارسةَ الهيمنة العالمية للحداثة الرأسمالية تكـون حساسـةً إزاء الحقيقـة القائلـة إن الجغرافيا السياسية تبقى اعتباراً حرجاً في الشؤون الدولية. وقد روي عن نابليون أنه قال: إنـه لمعرفة الجغرافيا المتعلقة بشعبٍ ما يجب معرفة سياسته الأجنبية، وإن فهمنا لأهمية الجغرافيـا السياسية يجب، عموماً، أن يتكيف مع الحقائق الجديدة للقوة.

يؤكد المفكرُ عبد الله أوجلان على”  استخدام الهيمنة الأيديولوجية للحداثةِ الرأسماليةِ، وأن هذا الأسلوبَ من الهمينة تجاه كافةِ الايديولوجياتِ الثوريةِ والاشتراكيةِ المشيدةِ والثقافاتِ المُحَقِّقةِ للتحررِ الوطنيِّ منذ ولادتِها، أَحرزَت نجاحاً لا يُستَهانُ به في هذا الشأن. لقد حظيَت الهيمنةُ الأيديولوجيةُ الليبراليةُ بخبرةٍ عظيمةٍ في تطبيقِ وظيفتِها هذه بنجاحٍ فائقٍ خلال القرونِ الثلاثةِ الأخيرة، وبالأخصِّ في عصرِ الثورات، متَّبِعةً في ذلك جميعَ الوسائلِ الرفيعةِ والغليظةِ الفظة “.

 

أما التجاربُ الاشتراكيةُ والديمقراطيةُ والقوميةُ التي أحرزَت النجاح، فلَم تُنقِذْ نفسَها من نيرِ الهيمنةِ الأيديولوجيةِ الليبراليةِ للحداثةِ الرأسمالية، وعجزَت عن الخلاصِ من الانصهارِ في بوتقتِها، نظراً لقصورِها في رسمِ الحدودِ الفاصلةِ بينهما بوضوحٍ وشفافية. لكنّ هذا الوضعَ لا يدلُّ قطعياً على زوالِ ثقافةِ المقاومةِ والحياةِ الحريةِ كلياً، بل يُبَرهِنُ تطويرَ وتطبيقَ مثالٍ يُشبِهُ القمعَ المهيمنَ المُعاشَ مِراراً وتكراراً طيلةَ مسارِ تاريخِ المدنية.

بالرغم من غزو الطرائق الرأسمالية الغربية العالم بالتدريج، فإنه يخلق الوسطَ الأكثر ملاءمـة لممارسـة الهيمنة الحداثية  غير المباشرة، والتي تبدو كأنها ذات طابع يوجد إجماع عليه . وعلى غرار ما هو عليه الحال في النظام الأميركي الداخلي، فإن هذه الهيمنة تتضمن بنية معقدة من المؤسسات والإجراءات المترابطة داخلياً في ما بينها، والمعدة لتوليد الإجماع وعدم التماثل الغـامض فـي القوة والنفوذ . وهكذا، تدعم السادة العالية الأميركية بوساطة منظومـة دقيقـة مـن التحالفـات والائتلافات تمتد في كل أنحاء العالم.

 

خامساً: مصير الحداثة الرأسمالية في الشرق:

عندما نقرأ في مصير الحداثة الرأسمالية في الشرق كما قال وتحدث عنها القائد عبدالله أوجلان  في المجلد الخامس من مانفيستو الحضارة الديقراطية، تماشياً مع القول الشعبي ” كل عشب ينمو على جذره “، ورغم كل التحفظات فإن الاحتمالَ الأرجح هو أن مصيرَ الحداثة الرأسمالية التي هي آخرُ نظامٍ للمدنية المركزية، سيحدد وفق سير الصراعات الدائرة في الشرق الأوسط؛  فبالرغم من الحاكمية الساحقة للحداثة الرأسمالية في حاضرنا، إلا أن الرأسمالية من حيث وصولها قد عدت على مرّ التاريخ البشري شذوذاً اجتماعياً أرعناً وتضاداً مع مسار التدفق العام للإنسانية، وانشقاقاً عن الديالكتيكية الكوني للطبيعة.

 

أما صعودُ الرأسمالية وتأسيسها لهيمنتها العالمية خلال القرن الثالث عشر، فشبيه إلى حدّ ما بحكاية( الأريعين حرامي)،  فلولا الشذوذُ الفاقع لجغرافيا أوروبا الغربية ولثقافات المجموعات فيها عن مجرى التيار العام للمدنية، ولولا الصراعات المذهبية في العالمين الإسلامي والمسيحي، وغارات المغول المدمرة، والعوالم المنزوية التي تستمر بوجودها في الصين على شكل سلالات، لولا كل ذلك لما كان بمقدور الرأسمالية أن تنتهز الفرصةَ في أوروبا الغربية للانتقال إلى بسط هيمنتها.

هذا وينبغي عدمُ التناسي قطعياً أن هذه الانطلاقةَ المهيمنة تحققت في الجزيرة البريطانية لا يتوقع منها هذا بتاتاً، لأنها تقع في الأقاصي الغربية لأراضي فسيحة تتحد فيها ثلاثُ قارات على خط مثل خط امستردام- لندن.

ذلك أن نخبة صغيرة من أصحاب السلطة والرأسمال المنفيين إلى الجزيرة، استمالت في اللوذ عن نفسها كي لا تبتلعها الإمبراطوريات القائمة على بر الجزيرة، فكان النصرُ حليفها.

 

الخلاصة:

يمكننا القول في نهاية هذا البحث أنّ جميع الأطروحات التي تعمل عليها قوى الهيمنة العالمية والحداثة الرأسمالية قد تمّ نشرها و حقنها في عقول الإنسان وشعوب المنطقة في الشرق الأوسط.

وأكد المفكر “عبد الله اوجلان”، وعبر الكثير من الدلائل، رفضه التحول إلى آلة للسياسات المفروضة، ودعا إلى الحلول التي تحقق الأخوة، الديمقراطية والمساواة لشعوب المنطقة والحرية للجنسين. من هنا نرى بأن قوى الهيمنة و تلك الموالية لها  من الدول المفترسة التي تمثلها الكيانات والقوى الدولية الإقليمية التي تهدف إلى تحقيق مصالحها عبر مختلف الأساليب والوسائل، حيث أنها تبني قواعدها، وتشكل مؤسساتها، وترسم سياساتها وأنظمتها وقوانينها  بغرض تعزيز تلك المصالح الخاصة وتدخل ضمنها السلطات المهيمنة داخل أنظمة حكمها، عملت وما تزال كل ما في وسعهما من أجل تصفية أو تضييق الخناق على الحركات الديمقراطية والتحولات السياسية والقيادات الاستراتيجية الجديدة بحقّ الشعوب في الشرق الأوسط.

 

 

المصادر والمراجع:

  • مانيفستو الحضارة الديمقراطية، المجلد الخامس(القضية الكردية)،عبد الله أوجلان، الطبعة الثالثة،2018م
  • الغزو الثقافي الغربي أسبابه مخاطره ونتائجه ، المرزقي علي الهادي، الجامعة المفتوحة، ليبيا
  • رقعة الشطرنج الكبرى السيطرة الأميركية وما يترتب عليها جيواستراتيجياً، زبغنيو بريجنسكي ،طبعة ثانية مركز الدراسات العسكرية،1999م
  • صدام الحضارات ،إعادة صنع النظام العالمي، صامويل هنتنجتون،،نيو يورك ترجمة طلعت الشايب،1996م
  • الذكاء الاصطناعي بين الواقع والمأمول، سامية قمورة، الجزائر،2018م

كاتب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.