مجلة فكرية سياسية ثقافية تعنى بشؤون الشرق الأوسط

الصراع الدولي على سلاسل توريد الطاقة وإعادة تشكيل الشرق الأوسط – حرب الممرات الحيوية.. التحالفات وخرائط النفوذ الجيواقتصادي –

 

 

جميل رشيد

 

تمهيد:

تشكّل سلاسل التوريد والوصول إلى مصادر الطاقة وطرق نقلها وتحزينها، ثم إعادة توزيعها، إحدى أهم أشكال الهيمنة ورسم خرائط النفوذ والسيطرة في عالمنا المعاصر. ورغم تراجع الاعتماد على النفط كمصدر للطاقة نوعاً ما، إلا أن الغاز لا يزال يستحوذ على أهميته في دورة الاقتصاد العالمي، ويحتفظ بمركز الصدارة في تدوير عجلة اقتصاد معظم الدول. وغدا تأمين مصادر إمداد الغاز وطرق نقله ووصوله، من أهم مولّدات الصراع العالمي، خصوصاً من قبل الدول الصناعية الكبرى، ما يستدعي وضع استراتيجيات عسكرية وسياسية واقتصادية، تحافظ على ديمومة تدفّق عناصر الطاقة المختلفة، وبما يساهم في تحقيق استقرارها الاقتصادي والسياسي، وتحدُّ من حدوث هزّات اجتماعية كردود فعل على تدهور الحالة الاقتصادية في بلدانها.

لقد تأكد من خلال الوقائع أن معظم الصراعات الدائرة في العالم هي حول السيطرة على سلاسل توريد الطاقة وخاصة النفط والغاز والمعادن النادرة، وضمان انسيابية تدفقها بسلاسة، ما يحقق للدول المتحكّمة بطرق الإمداد والمصادر سيطرة على الجغرافيا وبناء تحالفات عسكرية وسياسية، وحتى خوض حروب هنا وهناك، وتمرير سياسات معينة، وحتى تغيير الخرائط السياسية والاقتصادية، وبما ينسجم مع أهدافها الاستراتيجية في التحكم بالممرات البحرية والبرية والبحار والمحيطات، وفرض هيمنة على جميع خطوط الإمداد، وقطع الطريق على خصومها ومنافسيها ليكون الكل تحت رقابتها، وبالتالي التفرد بالقرار الاقتصادي والعسكري الدولي، ما يجعلها في الصدارة وتغدو القطب الأوحد الذي يقود العالم ويوجّهه حسب مصالحه وأهدافه.

هذه الرؤية الأحادية والتصوّر المبني على عوامل الضغط والنهب والإكراه، تبنّتها الولايات المتحدة الأمريكية بشكل جليّ بعد الحرب العالمية الثانية، وكذلك كل من بريطانيا وفرنسا قبلها. وما هو مؤكّد أن الدول الغربية انتهجت هذا النهج منذ بداية تحوّلها إلى مراكز قوى رأسمالية في بداية القرن السادس عشر، خاصة مع ولادة الرأسمالية في كل من هولندا وبريطانيا، ومن ثم في فرنسا.

وتتميز منطقة الشرق الأوسط بغنى مصادر الطاقة (نفط، غاز، مصادر المعادن النادرة)، وكذلك جغرافيتها الاستراتيجية، تجعلها حلقة الوصل بين القارات الثلاث آسيا، أوروبا وإفريقيا، إلى جانب وجود بحار هامة مثل البحر الأبيض المتوسط والأحمر، وكذلك للممرات بحرية أهميتها في حركة التجارة العالمية مثل “هرمز، باب المندب، قناة السويس، البوسفور وجبل طارق”، حيث تمر نحو 40% من التجارة العالمية عبر هذه الممرات وخاصة مضيق “هرمز”، كما أن المنطقة تملك ما يقارب من 60% من احتياطيات النفط والغاز العالمي، هذا فضلاً عن الجغرافيا الواسعة التي تصل القارات الثلاث ببعضها.

لهذه العوامل وغيرها؛ كانت منطقة الشرق الأوسط تستقطب شهية القوى العالمية التي تسعى للتمركز فيها وفرض هيمنتها الاقتصادية والسياسية وحتى العسكرية في دولها المختلفة، وعمدت إلى سلوك طرق متعددة في التحكم بأنظمة الحكم فيها والدخول معها في اتفاقيات وتحالفات استراتيجية تضمن لها مصالحها الاقتصادية وفي مقدمتها تدفق الطاقة، وسلامة وأمن سلاسل توريدها إلى بلادها.

بناء على هذه الرؤية الاستراتيجية لدى الدول الغربية؛ فإنها أنشأت كيانات موالية لها، تنفذ مشاريعها في المنطقة، مقابل حفاظ الغرب على أمن واستقرار سلطات تلك الدول ومنع حدوث أي هزات تتعرض لها بفعل المعارضة المجتمعية لتوجّهاتها في المطالبة بحقوقها وأوّلها الإدارة الوطنية لمصادر الطاقة (مثال الانقلاب على رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدّق بتخطيط من المخابرات المركزية الأمريكية والبريطانية ضمن عملية أطلقوا عليها اسم “أجاكس”، بالتنسيق مع شاه إيران رضا بهلوي عام 1953).

خططُ الدول الغربية في وضع يدها على سلاسل توريد الطاقة، خلق تنافساً وصل في أحيان كثيرة إلى حد الصراع مع الدول المنافسة لها، وخاصة مع الصين وروسيا، اللتان تسعيان إلى خلق قطبين منافسين للولايات المتحدة وحلفائها، عبر استمالة العديد من دول الشرق الأوسط والاستفادة مع الفراغ الاستراتيجي الذي شكلته الولايات المتحدة من خلال تدخّلاتها السافرة وحروبها العبثية في المنطقة، حتى وصل بكل من الصين وروسيا إلى عقد اتفاقات شراكة استراتيجية واقتصادية مع أقرب الحلفاء إلى الولايات المتحدة مثل دول الخليج العربي.

سنحاول من خلال هذه الدراسة تسليط الضوء على الصراع الدائر في العالم، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، على سلاسل التوريد، وما يترتب عليها من تغييرات جيوسياسية، تعيد رسم خرائط النفوذ والهيمنة في المنطقة والعالم، وكيف أن تلك الصراعات حولت الشرق الأوسط إلى مركز الصراع العالمي على الطاقة، وفي ذات الوقت مركزاً للتحولات والتغيرات السياسية البنيوية في المحيط والعالم.

وأهم ما سنتوقف عنده هو التنافس الدائر بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، والذي قد يتطوّر إلى صراع مكشوف ومفتوح في ضمان كل منها أمن سلاسل توريد الطاقة وبما يتناسب ومصالحها. كما سنعرج على المزاحمة الصينية للولايات المتحدة وأوروبا في الحرب السيبرانية والرقمنة، مع إدخال الصين الجيل الخامس G5″” والعمل بشكل حثيث على الجيل السادسG6″ “، وكذلك الذكاء الاصطناعي ودخوله بشكل مباشر في التحكم بمسارات سلاسل التوريد وما يترتب عليها من تطوير البنى التحتية والموانئ وغير ذلك.

ولا يخفى على أحد أن كردستان أيضاً تشكل، وكما كانت عبر التاريخ، قلب هذا الصراع، ويحتل موقعه في رسم خرائط الطاقة والنفوذ في الشرق الأوسط، بكل ما يترتب عليها من إسقاطات سياسية وعسكرية، تعيد مرة أخرى تعريف قضية شعبها في ضوء المتغيرات الجديدة. وسنتطرق من خلال البحث إلى مكانة كردستان في خضم هذا الصراع المتعدد التوجهات والأهداف.

 

منهج الدراسة:

سنتّبع في دراستنا أسلوب تقصي المعلومة من مصادرها، والتنويع فيها، بما يحقّق الفائدة المرجوة منها، ألا وهي الوصول إلى الغاية الأساسية من الدراسة، والمتمثلة في وضع القارئ في صورة الصراع الدولي، وخاصة في الشرق الأوسط، على ضوء حالات الاستقطاب الجارية، من قيام أحلاف جديدة مثل الحلف الأخير “اتفاقيّة مكّة في الدفاع المشترك بين كل من السعودية وباكستان وتركيا”، وكذلك المشاريع القديمة – الجديدة، مثل مشروع “الممر الهندي”، والمشروع الإسرائيلي “ممر ديفيد/ داود”، وكذلك المشروع التركي “طريق التنمية، والمبادرة الصينية “الطريق والحزام” و”المشروع الأوراسي” الروسي، ومدى تعارض هذه المشاريع مع بعضها، وانعكاس ذلك على مستقبل المنطقة وشعوبها. وسنعمل بأسلوب يعتمد على الأرقام والإحصائيات لتبيان حجم التفاوت الاقتصادي الكبير بين دول العالم والمنطقة، وبيان قدراتها على الصمود في وجه الهجمات الشرسة، الاقتصادية والسياسية والعسكرية، للدول الغربية، وإمكانية بنائها مقومات تطوير البنى التحتية والإنتاجية في بلدانها، وليس الاعتماد على الاقتصاد الريعي، بل التحوّل نحو الصناعة والرقمنة والدخول في العصر من أوسع أبوابه، لتضعها بين الدول القوية وذات النفوذ في المنطقة والعالم، وعدم البقاء دولاً مستهلكة ومتلقية ومستوردة لموادها الخام مصنّعة في الغرب.

 

أسئلة البحث:

سنطرح في هذا البحث جملة من الأسئلة، وأهمها:

1 – ماذا نقصد بسلاسل توريد الطاقة، التعريف، وممَّ تتكون؟

2 – ما هي العناصر الرئيسية لإدارة سلسلة التوريد؟

3 – ما أهمية تلك السلاسل في بناء الدولة الصناعية الحديثة؟

4 – لماذا تتهافت الدول الصناعية لضمان سلاسل توريد الطاقة إلى بلدانها؟

5 – هل سيتحول التنافس على سلاسل التوريد إلى صراعات مفتوحة بين كل من الولايات المتحدة والصين وروسيا ومعها دول المنطقة؟

6 – ما هي التحولات الجيوسياسية المرافقة للصراع على سلاسل توريد الطاقة؟ وكيف تعمل على بناء مجتمعات تعتمد إنتاج أنماط جديدة في الثقافة والمعرفة والسلوك الاجتماعي (العلاقات الاجتماعية)؟ أي ما هي التغيّرات الاجتماعية البنيوية التي تحدثها في تلك المجتمعات؟

7 – هل ينحصر التنافس بين القوى الاقتصادية العظمى في العالم على سلاسل توريد الطاقة من نفط وغاز، أم يتجاوزها إلى التحكم بمصادر المعلومة والثورة الرقمية والأمن السيبراني والرقمنة، والتي تعدّ هي بدورها إحدى السلاسل الأساسية في رسم مستقبل الأمن والاستقرار، وكذلك النفوذ والهيمنة في العالم؟

8 – هل لدى دول منطقة الشرق الأوسط القدرة على الدخول في هذا الصراع المتعدّد الأوجه، وضمان أمنها السيبراني؟

9 – ما هي الترتيبات الأمنية والسياسية والعسكرية المترتبة على أمن سلاسل التوريد، وكيف لها أن تعيد صياغة جملة من المفاهيم والأفكار والإيديولوجيات السابقة والراهنة، وترسم خرائط نفوذ جيوسياسية واقتصادية جديدة وتنسف ما رسمته سايكس – بيكو ولوزان؟

10 – ما مستقبل التنافس الأمريكي – الصيني – الروسي على منطقة الشرق الأوسط، باعتبارها تمثل واسطة العقد في خريطة سلاسل توريد الطاقة إلى العالم؟

11 – ما أهمية الممرات البحرية والبرية والجغرافيا في ضمان أمن سلاسل توريد الطاقة، وكيف يتمثل الصراع عليها، خاصة بعد الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران؟

12 – ما إمكانية تنفيذ المشاريع الدولية والإقليمية حول الصراع على سلاسل التوريد، وهل ستنقلب إلى صراعات عسكرية وسياسية مفتوحة، مثال “الممر الهندي”، “ممر ديفيد/ داو” و”طريق التنمية” التركي؟

13 – هل ولّى زمن صراع الإيديولوجيات وحلّ مكانه الصراع على الطاقة وممرّاتها؟

14 – ما أهمية كردستان في هذا الصراع الدولي، خاصة تجربة إقليم جنوب كردستان/ كردستان العراق؟

15 – ما دور حركات الإسلام السياسي في التمهيد للدول الغربية في ضمان أمن سلاسل التوريد، وهل يفسر السلوك الغربي بمهادنة تلك الحركات، بأنها ستفضي إلى تحالفات تحت الطاولة معها على تمرير مصالحها؟

سنعمل من خلال استعراض عدة تجارب؛ الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها مما يرد في سياق البحث.

 

سلاسل توريد الطاقة وأهميتها الحيوية:

تعرّف الأدبيات الاقتصادية الأكاديمية إدارة سلاسل التوريد SCM)) بأنها تتضمّن “تنسيق تدفق الإنتاج الكامل للأعمال، بدءاً من الحصول على المواد الخام وحتى تسليم المنتج النهائي”. أي أنها عملية اقتصادية متكاملة، بدايتها من مصادر المواد الخام، واستخراجها، ونقلها إلى بلدان أخرى، ومن ثم إعادة تصنيعها وتخزينها، وتصديرها إلى مختلف الدول. أي أنها لا تقتصر على المصدر فقط. مثلاً النفط والغاز، أمن سلسة توريدهما لا يتضمن فقط حماية آبار النفط والغاز، بل طرق نقلهما، وتكريرهما، ومن ثم تصدير مشتقاتهما إلى دول أخرى.

إذاً أمن سلاسل توريد الطاقة يفترض حماية منابعها، وكذلك طرق إيصالها إلى أماكن التصنيع والتخزين وتوزيعها على الجهات المرتبطة بها.

تشمل سلاسل التوريد عدّة عناصر رئيسية، منها التخطيط، التوريد، التصنيع، إدارة المخزون، التسليم والمرتجعات. وكل عنصر فيها لا يقل أهمية عن الآخر، وهي عملية متكاملة ولا يمكن أن تتحقق استدامة سلاسل التوريد في حال حصول خلل في أي عنصر من تلك العناصر، لما لها من تأثيرات مباشرة على تعطيل توريد الطاقة، حيث تحدث معها اضطرابات حتى في الأسواق، ما ينعكس بشكل سلبي في ارتفاع أسعار مواد الطاقة (غاز، مازوت، بنزين وكل المشتقات النفطية)، وبالتالي يمكن أن تتسبّب في حدوث قلاقل اجتماعية عديدة كما حصل أثناء حروب الخليج الثلاثة، حيث توقّف تدفّق النفط إلى الدول الغربية، وفقدت المحروقات في الكثير من محطّات التوزيع، وخلق أزمة كبيرة في جميع القطاعات الحيوية، حتى في النقل والتصنيع والزراعة وما إلى ذلك.

وتعمل الولايات المتحدة على تقويض مساعي الصين في بسط هيمنتها على سلاسل التوريد العالمية، خاصة في آسيا ومناطق الشرق الأوسط. وتضع العديد من الخطط الاستراتيجية الاقتصادية والعسكرية والسياسية لمحاصرة الصين حتى في محيطها، وتحاول الانتشار عسكرياً في البحار والمحيطات عبر نشر الأساطيل وإقامة القواعد العسكرية في الجزر والبلدان القريبة من الصين، إلى جانب إطلاق مشاريع اقتصادية من شأنها أن تحدَّ من قدرة الصين على الانتشار والتمدد في بلدان آسيا وإفريقيا.

 

مشروع “فولت” الأمريكي:

في دراسة للدكتورة في العلوم السياسية “غدي قنديل” بعنوان “حروب المعادن النادرة”، تتحدث بشكل مستفيض عن “مشروع فولت الأمريكي، وإعادة هندسة التوازنات الجيواقتصادية وسط وجنوب آسيا”، بأن الولايات المتحدة في تنافس شديد مع الصين في إنتاج وتعدين ونقل المعادن النادرة. وتقول “قنديل” إنه “ليس من قبيل المبالغة القول إن مشروع “فولت” (Project Vault أو مشروع “القبو”، الذي أطلقته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والمتعلق بإنشاء أول احتياطي وطني للمعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة داخل الولايات المتحدة، يُعد منعطفاً جوهرياً في بنية السياسة الاقتصادية – الأمنية الأمريكية؛ إذ يُجسِّد هذا المشروع أهم محاولة أمريكية لمعالجة الثغرة التاريخية المتمثّلة في الاعتماد شِبْه الكلي على القدرات الصينية في معالجة المعادن الحيوية وتكريرها، بالنظر إلى أهميتها المركزية في سلاسل الإمداد التكنولوجية والدفاعية”.

يتبين من خلال مشروع “فولت” الأمريكي أن سلاسل التوريد لا تتعلق فقط بالطاقة من نفط وغاز، بل تحرص الدول المتقدمة صناعياً للاستحواذ على المعادن النادرة والحيوية والتي تعتمد عليها بشكل مباشر في معظم صناعاتها، وخاصة العسكرية منها. وحروب الدول الرأسمالية على مناجم الفحم والحديد والنحاس والمعادن الأخرى لها تاريخ طويل، إلا أنها في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ومن ثم انهيار الاتحاد السوفياتي وبدء عصر العولمة، تخطّت طموحات الدول الصناعية وخاصة الغربية منها وكذلك الصين وروسيا، لتتجّه نحو السيطرة على مناجم ومصادر المعادن الثقيلة مثل اليورانيوم والليثيوم وما إلى ذلك.

وتوضّح الدكتورة “قنديل” بأن القيمة الإجمالية لهذا المشروع سوف تتجاوز، الذي تم الإعلان عنه في الثاني من فبراير/ شباط الماضي، 12 مليار دولار.

وتربط “قنديل” نجاح المشروع الذي “يستهدف تأمين تدفّق المعادن الاستراتيجية للأمن القومي وقطاعات التكنولوجيا المتقدمة” بأنه “رهن بنجاحه الهيكلي بتنويع واسع في مصادر الإمداد الأولية وسط تنافس حاد مع الصين من جانب ووجود تحديات أمنية واقتصادية عديدة في مناطق مختلفة تعتمد عليها الإدارة الأمريكية”.

غير أن المشروع ورغم أنه صُمِّمَ “كآلية للتخزين الداخلي”، إلا أنه في الوقت ذاته يجري توظيفه من الولايات المتحدة كأداة هجومية لإعادة هندسة سلاسل الإمداد العالمية بعيداً عن الهيمنة الصينية وكبح جماح الصين في الوصول إلى المصادر الأساسية لتلك المعادن. والمشروع في هذه الحالة يتجاوز من حيث هدفه في تأمين المعادن الستين الأساسية، ليتحول إلى أداة للنفوذ الجيواقتصادي في العالم، وهو ما يستدعي انخراطاً أمريكياً واسعاً مع مناطق الإمداد وطرق الوصول إليها، وخاصة في منطقة آسيا الوسطى الغنية بالمعادن النادرة، وكذلك يترتب عليها مواجهة التحديات الإقليمية والدولية والأمنية التي تواجهها دول المصدر، إضافة إلى إمكانية الوصول إلى الأسواق العالمية بسلاسة دون أي قيود وموانع اقتصادية وعسكرية وسياسية.

ويمكن استنباط أهم حالات التنافس بين الولايات المتحدة والصين وتحليل البنية الاقتصادية والعسكرية التي يستند عليها كل طرف في نقل التنافس من ساحة إلى أخرى، إلى جانب محاولة كل طرف إبقاء الآخر خارج معادلة الهيمنة على سلاسل إمداد الطاقة والمعادن النادرة، إضافة إلى السيطرة على طرق الوصول إلى الأسواق. وتتمثل تلك الحالات في المجالات التالية:

1 – محاولة إعادة هندسة التنافس الأمريكي – الصيني عبر مشروع “فولت”:

تورد الدكتورة “قنديل” في دراستها بأن “مشروع فولت يعكس أحد مؤشرات التحول الجوهري في طبيعة التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين، حيث ينتقل الصراع من المستوى الجيوسياسي التقليدي إلى مستوى أكثر تعقيداً يمكن توصيفه بـ “صراع جيوتقني” من خلال التنافس على السيطرة على البنية التحتية المادية والتكنولوجية التي تُنتِج القوة الاقتصادية في النظام الدولي الحالي، والذي أصبحت فيه المعادن الحرجة وسلاسل الإمداد المرتبطة بها ساحة مركزية لإعادة تشكيل موازين القوة العالمية”.

الصين تعتمد في سرعة تمدد نفوذها الاقتصادي والوصول إلى مصادر الطاقة والمعادن، على الكتلة الديمغرافية الضخمة، إضافة إلى التطوير الدائم للبنية الصناعية لديها، وإدخال تحسينات دائمة على جودة صناعاتها وخدماتها، بحيث باتت تزاحم الصناعة الأمريكية والغربية بشكل عام، إضافة إلى رخص اليد العاملة، وعدم دخولها في نزاعات دولية وإقليمية من شأنها أن تتخذ مواقف ضد أو إلى جانب أحد أطراف تلك النزاعات، وظلت تنأى بنفسها عن الانخراط في تلك النزاعات والصراعات، حيث مسكت العصا من المنتصف، واستطاعت أن تتسلل إلى المناطق والدول التي فشلت فيها الولايات المتحدة الأمريكية وتطلق فيها مشاريع اقتصادية ضخمة تساهم في بناء البنية التحتية لديها، إلى جانب تطوير شبكة الموانئ والسكك الحديدية والمطارات وما إلى ذلك، مثل مشاريعها في باكستان.

هذه القوة الاقتصادية الهائلة للصين جعلتها “تحتفظ بموقع مهيمن داخل سلاسل التوريد العالمية، ولاسيما في مراحل التكرير والمعالجة، وهي المرحلة الأكثر حساسية في دورة إنتاج المعادن الاستراتيجية”. وتجلّت الهيمنة الصينية أكثر في قطاع إنتاج البطاريات والبنية التحتية في إفريقيا وآسيا. هذه الهيمنة جعلتها تتحكّم في تدفّقات وتوريد المواد الخام، حتى وهي في مصادرها الأساسية وقبل وصولها إلى الأسواق العالمية. وأضحت الصين وفق هذا التطوّر النوعي والكمّي في إنتاج الطاقة النظيفة (الشمسيّة والرياح)، المتحكم الرئيسي في ضبط إيقاع هذه الصناعة الناشئة وتفتح الآفاق أمام الابتعاد عن الاعتماد على مصادر الطاقة الأحفورية التي باتت كلاسيكية وذات تكاليف تشغيل عالية جداً مقارنة مع الطاقة المعتمدة على الشمس والرياح، إلى جانب أنها صديقة للبيئة.

تسعى الولايات المتحدة في استراتيجيتها الجديدة بعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض، إلى كسر الاحتكار الصيني للمعادن النادرة، أو على الأقل “تقليل الاعتماد على الصين في المواد الحرجة وإعادة توزيع مراكز المعالجة والإنتاج”.

تهدف الولايات المتحدة من خلال مشروع “فولت” بأن يلعب – أي المشروع – دوراً محورياً في إعادة تشكيل بنية الشبكات العالمية للتجارة والطاقة، وتنظر إليه من زاوية أن يتحول إلى “طريق حرير أمريكي”، كمنظومة شبكية متعددة تمتد عبر آسيا الوسطى وجنوب آسيا، وبما يسهم في إعادة توجيه تدفقات الطاقة والمعادن بعيداً عن المسارات المتمركزة تقليدياً ضمن نطاق النفوذ الصيني.

2 – الأهمية الاستراتيجية لدول آسيا الوسطى ضمن مشروع “فولت” الأمريكي:

لا تنظر الولايات المتحدة إلى منطقة آسيا الوسطى بدولها الخمس الرئيسية (كازاخستان، أوزبكستان، تركمانستان، قرغيزستان وطاجيكستان) كمنطقة إنتاج أولي، بل تعتبرها “خزاناً استراتيجياً للمواد الخام داخل منظومة تنافسية أوسع بين الولايات المتحدة والصين، حيث تتقاطع فيها المصالح الجيواقتصادية للقوى الكبرى، وتتحدّد من خلالها قدرة هذه القوى على ضمان استدامة سلاسل القيمة في قطاعات الطاقة النظيفة، والتكنولوجيا المتقدمة، والصناعات الدفاعية”.

وعلى ضوء هذه الاستراتيجية تُمثِّل آسيا الوسطى “فضاءً جيوسياسياً وجيواقتصادياً” بالغ الأهمية في البنية التنافسية العالمية المعاصرة، حيث تحولت جمهورياتها الخمس إلى عقدة مركزية في معادلة المعادن الاستراتيجية، بحسب الدكتورة “قنديل”. وتُرجع أهميتها إلى امتلاكها احتياطيات ضخمة من العناصر الأرضية النادرة، والتي تعد العمود الفقري في الصناعات التكنولوجية المتقدمة، ولاسيما في مجالات الطاقة النظيفة والبطاريات وأشباه الموصلات Semi Conductor””.

ويرى الخبراء الاقتصاديون بأن “كازاخستان” تحتل المكانة الأولى عالمياً من حيث امتلاكها قاعدة معدنية كبيرة، فهي المنتج الأكبر عالمياً لليورانيوم، كما تملك ما يقدَّر بنصف إمدادات العالم من “التنغستين”، واحتياطات كبيرة من “النحاس، الكروم والمنغنيز”، إضافة إلى المعادن الحرجة مثل “الليثيوم والجرافيت” وعناصر أرضية أخرى. فيما تبرز “أوزبكستان” دولة لها موقع هام في سلاسل القيمة المرتبطة بالمعادن الحرجة، لامتلاكها العديد من الموارد المعدنية مثل “الذهب، النحاس واليورانيوم”، إلى جانب العديد من المعادن الاستراتيجية الأخرى.

أهمية الجمهوريات الآسيوية الخمس تنبع من موقعها الجغرافي الهام، كونها تشكل حلقة وصل استراتيجية بين الصين وروسيا والشرق الأوسط، ولهذا السبب جميع القوى العالمية توليها أهمية كبيرة، حيث انبرت الصين منذ بداية الألفية الثالثة إلى إطلاق مشاريع حيوية وبنية تحتية، عبر إقامة طرق سريعة وسكك حديدية وجسور عملاقة وأنفاق ضخمة تخترق الجبال الشاهقة، لتؤمن سلاسل توريد الطاقة لنفسها، وتسرّع إيصال بضائعها ومنتجاتها عبرها إلى الأسواق الأوروبية والشرق الأوسط. ما يزيد من المنافسة على هذه المنطقة الحيوية وتعتبر مفصلاً استراتيجياً رئيسياً في عبور وإعادة توزيع المواد الخام، وبما يضاعف من قيمتها الجيواقتصادية في سياق المنافسة الدولية على سلاسل التوريد الحيوية.

الأهمية الاقتصادية لهذه المنطقة جعلتها منطقة تشابكات معقدة للنفوذ الإقليمي والدولي لكل من روسيا، الصين والولايات المتحدة، إلى جانب الاتحاد الأوروبي وقوى إقليمية مثل إيران وتركيا ودول الخليج العربي، ما حوّلها إلى ساحة تنافس واسعة لهندسة المستقبل الصناعي العالمي، “حيث تتداخل الجغرافيا والاقتصاد والتكنولوجيا في إطار صراع حذر للحصول على مصادر الطاقة والسيطرة على المواد الأولية الحيوية”.

 

التنافس السيبراني كأداة رئيسية للهيمنة في النظام الدولي:

يقول الأستاذ الدكتور “عباس فاضل علوان” خبير العلاقات الدولية في دراسة قيّمة له بعنوان “الجيواقتصاد السيبراني وإعادة تشكيل أدوات الهيمنة في النظام الدولي” نشرها مركز “رع” للدراسات الاستراتيجية، “تشهد التحوّلات الكبرى التي تعصف بالقرن الحادي والعشرين إعادة تعريف شاملة لمفهوم القوة، اذ لم تعد تُختزل في فوهات المدافع أو براميل النفط أو حتى الامتدادات الجغرافية الشاسعة، بل انزاحت بمركز ثقلها نحو (بايتات) تسري في أسلاك الإنترنت وأكواد تتخفى خلف الخوارزميات المعقدة ومعلومات باتت قادرة على إسقاط أنظمة أو توجيه مسارات انتخابية من خلف الشاشات”. ويضيف “إننا نعيش اليوم عصر (القوة السيبرانية/Cyber Power )، تلك القوة التي تستمد نفوذها من المعرفة والتكنولوجيا والقدرة الفائقة على التحكّم في تدفق البيانات والمعلومات”.

لقد كانت معظم دول العالم قبل إطلاق “ثورة السيبرنتيك” تعتمد على القوة العسكرية والاختراقات الاستخباراتية في حماية أمنها، إلا أنه في عصرنا الراهن بات الاختراق المعلوماتي والدخول إلى بيانات المؤسسات والدوائر من أهم الأدوات في الوصول إلى أسرار تلك الدول، ومعها تحوّل الفضاء الرقمي إلى ساحة خامسة للصراع الدولي، وبرزت معها مفاهيم جيوسياسية وجيواقتصادية جديدة، ترسم معالم الصراع، حيث بات الحصول على المعلومة مصدراً هاماً للقوة، والتي ترسم ملامح الهيمنة العالمية. وغدا تعريف “الدولة القوية” يرتبط بامتلاكها البنية التحتية الرقمية المتطورة وحمايتها وسيطرتها على سلاسل التوريد التقنية، وهي تتجاوز حواجز الزمان والمكان، حتى أصبحت قوة أي دولة مرتبطة بما تملكه من قوة البيانات والخوارزميات، وليس بما تمتلكه من موارد، وتوازي في قيمتها الاستراتيجية السيطرة العسكرية والنفطية في العقود الماضية. وظهر في الفضاء العام مفهوم “السيادة الرقمية”.

ازداد الاعتماد على الرقمنة في إدارة الدول والمؤسسات، حتى تشكّلت ما يمكن تسميتها بـ”الحكومات الرقمية”، ومعها ظهر “الاستعمار الرقمي” الذي لا يعير أي اعتبار للجغرافيا، بل يسيطر على الوعي والبيانات والبنية التحتية الرقميّة. وهو بطبيعة الحال لا يحتاج إلى جيوش مدججة بالأسلحة على الحدود وتكاليف مادية باهظة، بل يحتاج إلى “منظومات رقميّة تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية عبر التطبيقات والأجهزة الشخصية لتتحوّل إلى شكل من أشكال “العبودية الطوعية” التي يفرضها الإدمان الرقمي”.

تتجلّى الهيمنة السيبرانية والسيطرة على الجيواقتصاد السيبراني في تشكيل النظام الدولي، عبر عدة آليات، ومنها:

1 – استخدام الرقمنة كسلاح من قبل القوى العظمى:

تمتلك القوى المتقدمة في تكنولوجيا الرقمنة قدرة على التحكم بتدفّق المعلومات ومراقبتها للنظم المعلوماتية في الدول الضعيفة في حماية أمنها السيبراني، وبيدها مفاتيح العقد المركزية الإلكترونية لعالم المعلومات، عبر سيطرتها على جميع البرامج المشغّلة للتطبيقات الناظمة لها، ويمكنها بسهولة النفاذ إليها ونقل كل المعلومات المتعلقة بشتى الفروع، حتى الأمنية الدقيقة والعسكرية، وبالتالي معرفة كل أسرار الدولة وعمل مؤسّساتها وآليات إدارتها. كما تلجأ في أحيان كثيرة إلى وضع معلومات خاطئة ضمن منظومتها المعلوماتية، ما يشكّل تهديداً مباشراً لتلك الدولة، لتعمد إلى تغيير كل حساباتها ونظمها الرقمية. أو أنها تعمد إلى ممارسة التهديدات ضد تلك الدولة عبر استخدام الابتزاز السياسي والاقتصادي والعسكري، للحصول على مكاسب وتنازلات.

ويغدو الأمن السيبراني في عصرنا الحديث من أهم الاستراتيجيات التي تضعها الدول في حماية نفسها من عمليات “القرصنة الإلكترونية”، ويبدو أن زمن “القرصنة البحرية” قد ولّى، ولم يعد له أي أهمية في ظل تشابك النظم المعلوماتية في العالم، وقدرة الدول العظمى على التحكّم بضخ المعلومات وفرض وثقافتها الخاصة، حتى باتت تتحكّم بالذوق العام وتحدّد أنماط العيش والعمل وما إلى ذلك، وتمارس عبرها سلطة سياسية واقتصادية شاملة على تنقل رؤوس الأموال، فهي من تسيطر على بروتوكولات نقل البيانات وأنظمة المراسلات المالية العالمية مثل “سويفت/ SWIFT”، ومن خلالها تجمع معلومات استخباراتية حيوية وهامة تساعدها في كشف نقاط ضعف وقوة الخصم أو المنافس لها. وشبكات الربط والتبادل الرقمي العالمية التي صممت أساساً لزيادة كفاءة التعاملات السوقية والمالية، وسرعة نقلها إلى جانب تسهيل التعاملات المالية وإنهاء الروتين البيروقراطي، فإنها على النقيض من ذلك حوّلتها الدول المتحكمة بتدفّق المعلومات وأنشأت تلك الشبكات إلى أداة تحكّم وسيطرة بيدها، تكشف كل المعلومات والبيانات المتعلقة بالدول وحتى بالأشخاص، وحوّلتها إلى أداة تهديد ومراقبة شاملة لسلوكيات وعمل الدول حتى ضمن أجهزتها السيادية. وحسب بعض الخبراء في نظم العلاقات الدولية فإن “هذا النمط من القوة يعيد تشكيل مفهوم (الشرعية) في العلاقات الدولية، حيث يصبح من يمتلك مفاتيح الشبكة – أي شبكة الإنترنت والمعلومات – هو من يحدّد من يسمح له بالمرور ومن يحكم عليه بالعزلة الرقمية”.

تمثل الهيمنة على النظام المعلوماتي السيبراني، الركيزة الأساسية للهيمنة المعاصرة، ولم تعد تلك الدول بحاجة إلى انتزاع سيادة الدول واحتلالها مباشرة على الأرض وتحمّل تكاليفه، وبإمكانها حرمان تلك الدول من الوصول إلى الشبكات العالمية، حيث بات معروفاً أن أي اقتصاد حديث لا يستطيع البقاء خارجها، مما يجعل “المنع الرقمي” يوازي في أثره الحصار البحري التاريخي، حسب مختصين في الاقتصاد. مثال سوريا التي لا تزال خارج نظام المعاملات المالية الرقمية “سويفت” تعاني مؤسسات وأجهزة الدولة وكذلك الأشخاص من مشكلة نقل وتحويل الأموال بسلاسة، في ظل فرض العقوبات الأمريكية عليها حتى الآن. وهذا ما يحدُّ المستثمرين ورجال الأعمال من التوجه إلى سوريا لإقامة استثمارات ومشاريع فيها.

ويرى الكاتب “م. محمد صادق ديب” في دراسة له بعنوان “الشرق الأوسط 2026: صراع المحاور وإعادة هندسة الخرائط”، نشرها المركز السوري للعلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية أنه “في عام 2026 لم تعد موازين القوة تُقاس بعدد الجيوش فقط، بل بمدى التفوق في الذكاء الاصطناعي والقدرات السيبرانية”. وأن “الطائرات المسيّرة والأنظمة القتالية الذاتية والهجمات السيبرانية باتت قادرة على شلّ البنى التحتية الحيوية دون مواجهة تقليدية مباشرة”. ويستنتج أن “السيطرة على الفضاء الرقمي وتكنولوجيا المعالجات غدت جزءاً أساسياً من الصراع الاستراتيجي بين المحاور، حيث تستخدم التكنولوجيا لإعادة تشكيل الردع والنفوذ في المنطقة”.

 

2 – سياسة الحصول على الرقائق الإلكترونية وصراع السيادة التكنولوجية:

تعتمد الصناعة التكنولوجية الحديثة بشكل أساسي على الرقائق الإلكترونية المصنوعة من مادة “السيليكون” وهي من أشباه المعادن/ الموصلات “Semi conductor”. وغدت “العمود الفقري لعصر الذكاء الاصطناعي، والصراع حول امتلاك تكنولوجيا تصنيع هذه الرقائق يوازي في أهميته سباق التسلح النووي في القرن الماضي”.

تمر السيطرة على الجيواقتصاد السيبراني من خلال السيطرة على تصنيع هذه الرقائق وعلى مصادر الحصول على المادة الخام “السيليكون”، وتأكد أن من سيتولى قيادة الابتكار العسكري والاقتصادي والتكنولوجي هو من يكون قادراً على التحكم والسيطرة على تصميم وتصنيع تلك الرقائق، بعد أن غدت “الشرايين الحيوية للنظام الدولي”، حسب وصف أحد الخبراء في نظم المعلومات. وتبرز “تايوان، الصين والولايات المتحدة” أقوى الدول المصنعة لتلك الرقائق والمتحكمة بها أيضاً، وهي في ذلك توظّفها في التحكم بسلاسل توريد الطاقة والمعادن النادرة أيضاً. ويمكن القول بأن “الحرب الاقتصادية” الأقوى بين الولايات المتحدة والصين تكمن في هذا المجال الحيوي بالدرجة الأولى، حيث تسعى الأولى إلى حرمان الصين من الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة اللازمة لتطوير أنظمة ذكية كالذكاء الاصطناعي واستخدامها في التحكم بمسارات الطاقة والأسواق ومصادر المعادن وأشباه الموصلات. ولم تعد الأساطيل العسكرية قادرة على حجب المعلومة عن الآخر، بقدر ما لأنظمة المراقبة والرصد والتعقب في سرقة معلومات الطرف الخصم، حيث لم يعد بإمكان سفينة واحدة الإبحار في البحار والمحيطات دون التزود بالمعلومات الرقمية للقيادة والتوجيه، وأي خطأ فيها قد يودي بها إلى الدخول في المجال البحري للخصم، كما حصل للعديد من السفن التجارية الإيرانية التي وقعت في مجال التشويش الأمريكي، ونقلت إليها خرائط قيادة وتوجيه خاطئة بعد أن قطعت كل تواصلها مع قواعدها الأم في إيران.

ويتبين أن الصراع الراهن للاستحواذ على التكنولوجيا الرقمية لا يقتصر على الربح التجاري بقدر ما يركّز على الحفاظ على أمن المعلومة، بعد أن تحوّل الصراع عليها إلى معركة وجودية حول “السيادة التكنولوجية”. كما أن مجرد الحصول على التكنولوجيا من موردين أجانب يجعل “أمنها القومي في حالة انكشاف دائم، وبالتالي من يكتب قواعد إنتاج هذه الشرائح ويتحكم في سلاسل توريدها هو من سيحدد في النهاية موازين القوى العالمية ومستقبل الهيمنة في الفضاء الافتراضي، لأن السيطرة على العتاد الصلب هي الضمانة الوحيدة لفاعلية أي نظام برمجي، وبدون الرقائق المتقدمة يظل الذكاء الاصطناعي مجرد أكواد “جمع كود” عاجزة عن التنفيذ الفعلي في ساحة القوة”، حسب الدكتور “عباس علوان”.

3 – التحكم بسلوكيات الدول والأفراد وتحويله إلى سلطة معرفية:

تمكنت الدول المالكة لمفاتيح النظام السيبراني المتقدم من إنتاج أنماط جديدة من الهيمنة يطلق عليه اسم “رأسمالية المراقبة” التي تحوّل البيانات الشخصية للأفراد إلى أصول إنتاجية استراتيجية، يتم الوصول إليها بسهولة عبر التقنيات المتطورة التي في أيديها، ومن ثم استغلالها لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية هائلة. وهنا لم تعد السلطة المعتمدة على القوة العسكرية فاعلة بقدر ما لـ”السلطة المعرفية” من قوة وحضور في المشهد العالمي السائد اليوم.

ويرى مختصون في الأمن السيبراني أن الخوارزميات التي تدير منصات التواصل الاجتماعي ومحرّكات البحث ليست مجرد أدوات تقنية، بل هي بمثابة “قضاة غير مرئيين”، يوجهون الرأي العام العالمي نحو سرديات محددة تخدم مصالح القوى التي تمتلك التكنولوجيا، حسب وصفهم. وهي في هذه الحالة قادرة على التنبؤ بسلوك الشعوب وتوجيهه مما يقوض مفهوم السيادة الوطنية التقليدية، ويحول الفرد من مواطن إلى “مادة خام”، يتم استغلالها اقتصادياً وسياسياً.

في هذه الحالة تبرز خطورة هذا النمط وقدرته على هندسة الواقع الاجتماعي وإعادة تعريف الهويات الوطنية في الفضاء الافتراضي ونمذجة السلوكيات العامة للمجتمعات، مما يجعل مقاومة هذا النوع من السيطرة أمراً في غاية الصعوبة، لأنها تستهدف العقل والوعي قبل أن تستهدف الأرض والموارد وسلاسل التوريد، وتصيغ حقائق بما يتوافق مع مصلحة من يمتلك “الكود البرمجي”، والسيطرة على البيانات الضخمة ومعه على المستقبل، لأن من يمتلك القدرة على نمذجة سلوك البشر هو القادر على قيادة النظام الدولي في عصر “ما بعد الحقيقة”.

4 – الحرب الاقتصادية – السيبرانية:

يعيد الفضاء السيبراني تشكيل وجه الحرب الاقتصادية تحت عنوان “الحرب الاقتصادية الممكنة سيبرانياً” ومدى قدرة القوة الممسكة بقوة التكنولوجيا واستخدامها كأداة مركزية في ترسانة قوتها.

فعوضاً عن الحصار البحري التقليدي، تلجأ الدول القوية إلى شن هجمات سيبرانية تستهدف البنية التحتية والمالية والمصرفية لخصومها، عبر تسفير بيانات مؤسسات حيوية أو اختراق أنظمة الطاقة، كما حصل مع شركة “آرامكو” السعودية من قبل إيران، كما نقلته أوساط إعلامية، ما تسبّب في توقف وتعطيل استخراج النفط وتكريره ونقله بصورة تامة. كما تحاول عدة دول استخدام العملات الرقمية للبنوك المركزية كوسيلة للالتفاف على هيمنة الدولار الأمريكي والتحرّر من العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة عبر النظام المصرفي التقليدي.

ويجد مختصون في الشؤون الدولية أن هذه التغيرات إنما تعبّر عن رغبة القوى الصاعدة مثل النمور الآسيوية، على بناء نظام اقتصادي سيبراني يكسر احتكار القوى الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة لأدوات العقاب والمنع الاقتصادي ويؤسّس لـ”قواعد اشتباك جديدة” في النظام العالمي.

وعلى ضوء هذا الاستنتاج؛ تعد “سلاسل التوريد البرمجية”، في عالمنا المعاصر قنبلة موقوتة في الاقتصاد العالمي، حيث يرى خبراء إداريون أن “تحديثاً برمجياً بسيطاً يمكن أن يَشُلَّ آلاف الشركات والمؤسسات الحكومية حول العالم، مما يحوّل الكفاءة التقنية إلى خطر أمني وجودي، ويجعل الأمن السيبراني هو خط الدفاع الأول عن الناتج المحلي الإجمالي في أي دولة تطمح للبقاء تحت مظلة السيادة، إذ إن الحرب الاقتصادية الحديثة لا تهدف فقط إلى تدمير الثروة بل إلى السيطرة على (القرار الاقتصادي) عبر اختراق العقل الرقمي الذي يدير التجارة والمال عالمياً”.

5 – الانقسام الرقمي العالمي:

في ظل الصراع الدولي، يجد العديد من المراقبين أن النظام الدولي يتجه تدريجياً نحو حالة من الانقسام الرقمي بين معسكرين تكنولوجيين متنافسين: المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة وحلفائها، والمعسكر الشرقي بزعامة الصين وروسيا. وفي الحقيقة هذا الانقسام لا يعكس فقط اختلافاً في نماذج البرمجيات وخوارزمياتها، بل يعكس صراعاً على “السيادة الرقمية”، حيث يظهر الاختلاف في الرؤى المستقبلية بينهما. ففي حين تطرح واشنطن نموذج الإنترنت المفتوح الذي يخدم شركاتها الكبرى ويعزّز قيمها “الليبرالية”، فإن الصين تتبنى نموذج “السيادة السيبرانية” المشدَّدة عبر سيطرة الدولة سيطرة كاملة على المحتوى والبيانات داخل حدودها. وهذا التنافس الجيوسياسي يؤدّي إلى تجزئة الفضاء الرقمي العالمي، حيث يسعى كل معسكر لفرض معاييره التقنية وخوارزمياته كمعايير دولية.

هذا الواقع التنافسي “يدفع الدول الأخرى الواقعة في أطراف هذا التنافس، أن تكون مجبرة على الاختيار بين منظومتين تكنولوجيتين غير متوافقتين، ويعمّق الفجوة الرقمية ويعيد إنتاج سياسة المحاور بأسلوب رقمي معقد، وهو ما يهدد وحدة المعرفة الإنسانية ويحوّل الفضاء السيبراني من مشاع عالمي إلى ساحات معارك سيادية حيث يتم استبدال التعاون التقني بالحمائية التكنولوجية التي تسعى لتأمين (النقاء الرقمي) للكتل المتصارعة مما ينذر بنهاية عصر العولمة الرقمية غير المقيدة وبداية مرحلة من الاستقطاب التكنولوجي الحاد الذي سيعيد رسم خريطة النفوذ العالمي لعقود قادمة”، وفق مختصين في الحروب السيبرانية.

6 – الذكاء الاصطناعي ودوره المتنامي في بناء القوة:

دخل الذكاء الاصطناعي اليوم في مختلف مجالات الحياة والصناعة، التجارة والزراعة والاقتصاد، وحتى العسكرة، ولم يعد أداة لتحسين المردود وتقليل التكاليف فقط، بل بات التفوّق في أي مجال من مجالات التطور مرتبطاً بشكل وثيق بمدى امتلاك تقنيات وخوارزميات الذكاء الاصطناعي. فهو القادر على أتمتة الحرب وتحسين الرعاية الصحية وتوجيه الاقتصاد بدقة غير مسبوقة.

اليوم لم يعد صدور قرار الحرب يعتمد على نقاشات وتحليلات طويلة أو عدد الجنود والمدافع والطائرات التي تمتلكها، بل يتم اتخاذ القرار خلال أجزاء من الثانية عبر سرعة المعالجة اللحظية للمعلومات وقدرة الأنظمة الذكية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي. وبات جلياً أن “من ينجح في تطوير النماذج الأكثر ذكاءً وقدرة على التنبؤ سيكون هو من يحدّد قواعد اللعبة الدولية في العقود القادمة”.

يتمثّل الحصول على البيانات المشغِّلة للذكاء الاصطناعي اليوم وخاصة في مجال “جيوبولوتيكا الصلب والحرارة”، حيث تتحوّل الطاقة اللازمة لتشغيل مراكز البيانات وكابلات الألياف البصرية البحرية إلى مفاتيح القوة العظمى، وهذا يجعل السيطرة على الموارد المادية المشغِّلة للذكاء الاصطناعي هي الساحة الحقيقية التي سيتقرر فيها مصير الهيمنة العالمية في “القرن الرقمي”، وفقاً لبعض تحليلات المراكز الاقتصادية العالمية.

 

القدرات الاقتصادية الصينية العالمية وهيمنتها على قطاع الطاقة البديلة:   

نتيجة التطور المضطّرد للصين في جميع المجالات، باتت تهيمن على القطاع العالمي لمصادر الطاقة المتجدّدة، وكذلك التعدين ومعالجة وتصنيع المواد الخام. وبلغة الأرقام؛ تقوم بكين بتكرير أكثر من 80 في المئة من عناصر الأرض النادرة التي تعد أساسية في صناعة مغناطيسيات توربينات الرياح وتخزين البطاريات. وتتحدّث الإحصائيات بأن الصين أنتجت حتى العام 2021، ما يقارب من 79 في المئة من مادة البولي سيليكون في العالم، و97 في المئة من الرقائق، و85 في المئة من الخلايا الشمسية، بالإضافة إلى أكثر من 80 في المئة من معدّات الطاقة الشمسية و60 في المئة من مكوّنات طاقة الرياح. ويعزو الخبراء هذا التفوق الصيني إلى سياسية صناعية متكاملة ورشيدة ومخطَّطة، وتوفّر تمويل ضخم لها، إضافة إلى سيطرة استراتيجية على المواد الخام وسلاسل التوريد.

وتذكر دراسة لمركز “عُمان الاقتصادي بعنوان “ماذا تعني “الهيمنة في مجال الطاقة” بالنسبة لأمريكا؟”، أنه “في ظلّ تصاعد الطلب العالمي على المنتجات المتجدّدة مثل البطاريات وغيرها من السلع الاستهلاكية، وفيما تُسرّع الولايات المتحدة جهودها لتقليص نفوذ الصين في سلاسل الإمداد الخاصة بها، قد تميل هذه الديناميّة التعاونية نحو المنافسة بشكلٍ متزايد”.

إلا أن المخاوف الأمنية تحدُّ من اندفاع الدول نحو امتلاك التكنولوجيا الصينية، وتسمح لجهود الغرب في فكِّ الارتباط مع الصين وتضيّق عليها فرص الاستثمارات الصينية في الدول التي لديها هواجس أمنية، ولا تملك الجرأة في البحث عن البدائل عن التكنولوجيا الغربية، في ظل مخاوف زعزعة أمنها واستقرارها، خاصة أنها مرتبطة سيبرانياً بالغرب، وكذلك منظوماتها العسكرية والاقتصادية بشكل عام، رغم تطلعها إلى تنويع مصادر الحصول التكنولوجيات المتقدمة وخاصة في مجال الطاقة النظيفة. وتتعزّز خشية تلك الدول، خصوصاً الدول الخليجية من أن تؤدي التوترات الجيوسياسية المتصاعدة إلى خلل في سلاسل توريد الطاقة، التي لا تزال تعتمد عليها بشكل رئيسي في بناء اقتصاد دولها وبناء تنميتها العلمية والتكنولوجية، وترى في الحفاظ على التوازنات الاقتصادية الراهنة عاملاً يساعدها في حفظ أمنها واستقرارها. وتقرأ في تجارب الدول العربية التي شهدت في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين توتّرات وثورات أطاحت بالعديد من أنظمتها، مثالاً حيّاً في عدم المخاطرة والدخول في سياسة المحاور، بل تسعى جاهدة للحفاظ على عدم انخراطها في أي من أزمات المنطقة، وحتى إن اتخذت مواقف من هذا الطرف أو ذاك، فإن وقوعها في مركز ومصدر سلاسل إمداد الطاقة يجنّبها الكثير من الهزّات الاجتماعية والسياسية على غرار تونس، ليبيا، مصر وسوريا.

ويتبيّن من خلال المتابعة الدقيقة لتطوّرات المشهد الاقتصادي والسياسي والعسكري في الشرق الأوسط، أن الصين خرجت كأحد أكبر المستفيدين ممّا تسمى بـ”ثورات الربيع العربي”. فقد تمكّنت بكين من بناء نفوذ اقتصادي متدرّج أعاد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، بحسب ما أكدت عليه الباحثة “زينب ربوع”، زميلة برامج في مركز السلام والأمن في الشرق الأوسط بمعهد “هدسون” في أمريكا، في تقرير نشرته مجلة “ناشيونال إنتريست” الأمريكية، وتشير فيها إلى الاختراقات التي حققتها الصين في المنطقة، وبأن المنطقة لا تزال جبهة حاسمة في عصر التنافس الأمريكي – الصيني.

ويوضح الكاتب “حسن زنيند” في دراسة له بعنوان ” كيف فتح “الربيع العربي” أبواب النفوذ الصيني في الشرق الأوسط؟”، نشرها موقع “دويتش فيليه الألماني، بأن “بكين قدّمت نفسها بديلا غير إيديولوجي، يركّز على السيادة والاستقرار والانخراط الاقتصادي من دون اشتراطات سياسية”. ويضيف “ومع خيبة أمل الحكومات الإقليمية من مشروع الترويج الأمريكي للديمقراطية، بات ينظر إلى الصين على نحو متزايد بوصفها طرفاً يمكن التنبؤ بسلوكه ويتعامل بمنطق المعاملات”.

وتشير إحصائيات وأرقام أوردتها مراكز دراسات اقتصادية عربية بأن مبادرة “الحزام والطريق” الصينية التي شملت إقامة موانئ عديدة على البحر الأبيض المتوسط وامتدت إلى بحر العرب، شكّلت فرصة تاريخية للصين. هذا فيما شرعت شركة “هواوي” الصينية ببناء شبكات الجيل الخامس وبيع أنظمة مراقبة، ما جعل دول شرق أوسطية عديدة تابعة للبنية الرقمية للصين. وتؤكّد أن حجم التبادل التجاري بين الصين والشرق الأوسط تجاوز 500 مليار دولار أمريكي سنوياً في بداية عشرينيات القرن الحالي، متفوّقاً على حجم التجارة الأمريكية مع المنطقة. علاوة على ذلك؛ لم تتحمل الصين أية أعباء أمنية تجاه دول المنطقة.

بالمقابل اعتمدت الصين على مصادر الطاقة الإيرانية من نفط وغاز وتستورد ما حجمه 40% من احتياجاتها من الطاقة من إيران، وأضحت “شريان الحياة الاقتصادي” بالنسبة لطهران، بشكل يخفف عليها وطأة العقوبات الأمريكية. وعززت إيران من قدراتها العسكرية من الطائرات المسيّرة والصواريخ من الصين.

 

السيطرة الأمريكية على سلاسل توريد الطاقة في العالم:

تقول الدكتورة “آنا بروجيل”، خبيرة سياسات الطاقة المستدامة والأستاذة بجامعة جونز هوبكنز، في تقرير نشرته مجلة “ناشيونال إنتريست” الأمريكية إن رؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تركّز للهيمنة في مجال الطاقة، موضّحة أن نقاط القوة الاقتصادية الأمريكية تتمثل في امتلاكها “النفط، الغاز، الفحم، الطاقة النووية والتكنولوجيا الرقمية المتقدمة”. وتشير إلى أن الولايات المتحدة أصبحت اليوم “لاعباً مؤثّراً في الأسواق الدولية للطاقة”. وتعد مصدِّراً رئيسياً للغاز المُسال في العالم، وتمكنت من تعويض النقص في إمدادات النفط الروسي إلى أوروبا بعد الحرب الروسية – الأوكرانية. فعلى الصعيد الجيوسياسي، ساهمت صادرات الغاز الطبيعي المُسال الأمريكية في تقليص إيرادات الطاقة الروسية، كما عزّزت علاقات الولايات المتحدة مع الاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية والصين وتركيا، وهي من كبار مستوردي الغاز الأمريكي. كما أنها من أبرز منتجي السوائل مثل النفط الخام والمكثفات وسوائل الغاز الطبيعي. وتعتمد الولايات المتحدة في إنتاجها النفطي على الوقود الأحفوري المستخرج من أراضيها، وتبلغ تكاليفه أقل من استيراد النفط الخارجي، وتمكّنت من التحكّم في أسعار مبيع البرميل الواحد منه بقيمة 70 دولاراً، وهي تحقّق لها أرباحاً أكثر من النفط المستورد من دول الخليج ودول أخرى.

شهية السيطرة على سلاسل إمداد الطاقة، دفعت الولايات المتحدة إلى وضع استراتيجيات هيمنة متعدّدة الاتجاهات، منها اللجوء إلى شن الحروب وإثارة الصراعات والنزاعات في مختلف الدول واستخدام سياسة “البلطجة”، كما فعلت في فنزويلا، التي خلعت رئيسها بالقوة العسكرية ونقلته إلى أراضيها ليُسجن فيها، في تحدٍّ صارخ لكل القيم والأعراف الدولية والاتفاقات والبروتوكولات المعمول بها بين الدول. والهدف الأول والأخير لها وضع يدها على نفط فنزويلا، خاصة أنها قريبة جغرافياً إليها، وبعيدة عن ساحات التنافس بينها وبين الصين.

تسعى الولايات المتحدة إلى التركيز على مصادر الطاقة القادرة على توفير الكهرباء والاعتماد عليها باستمرار، إلى جانب الوقود الأحفوري، كما تعدُّ المفاعلات النووية مصادر طويلة لتوليد الطاقة الكهربائية. وتحاول الولايات المتحدة إقامة تحالفات مع معظم الدول عبر تصدير تقنيات المفاعلات النووية لتوليد الطاقة الكهربائية، لأن العمر الافتراضي لعملها يمتدُّ نحو مئة عام، وهذا ما يجعل قدرة تلك الدول للفكاك من تحالفاتها معها صعبة، أو على الأقل لا تسمح لها بالبحث عن بدائل أخرى. فيما الاعتماد على المفاعلات النووية في توليد الطاقة الكهربائية من جانب آخر، يسبّب تلوثاً كبيراً في البيئة على عكس الطاقة النظيفة المتولّدة من الشمس والرياح. وتهمّش الولايات المتحدة سرديّة الهيمنة في مجال طاقتي الشمس والرياح، ولا تخطّط لمنافسة الصين في مجال صناعة الطاقة المتجددة أو سلاسل توريد بطاريات السيّارات الكهربائية.

وتوضّح “ربوع” أن استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2025 أشارت إلى أكبر تحوّل في سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط منذ حرب العراق عام 2003. وتقول إن “الإطار الجديد يهدف إلى إعادة توزيع الموارد باتجاه التنافس بين القوى الكبرى، مع التركيز على خفض التكاليف وتقاسم الأعباء مع الشركاء الإقليميين. وتبقى المصالح الأساسية ثابتة متمثلة في أمن الطاقة وحرية الملاحة عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر ومواجهة إيران، وضمان أمن إسرائيل من خلال هيكلية اتفاقات إبراهام”. وتمثَّل هذا التوجّه مع بداية حربها الثانية مع إسرائيل على إيران، حيث حملت دول الخليج العربي أعباء الحرب كاملة، بعد أن وجدت نفسها في مرمى الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، رغم عدم رغبة دول الخليج الانخراط في هكذا حرب تضع أمنها واستقرارها على كفّ عفريت، وهي باتت تدفع فاتورة إقامة القواعد الأمريكية على أراضيها.

من جهة أخرى، تعاملت الولايات المتحدة بازدواجية مع ثورات “الربيع العربي”، حيث روّجت له بوصفه مشروعاً لبناء الديمقراطية. إلا أنه بعد قطع الثورات والاحتجاجات أشواطاً طويلة وقربها من تحقيق نتائج هامة على صعيد التغيير الديمقراطي، تراجعت واشنطن عن أهدافها المُعلنة، وتذبذبت بين دعم المتظاهرين ومجاراة حلفائها السلطويين أو التخلي عن دعم المطالب الشعبية الديمقراطية. ولكنها وإن بدت أنها تخلت عن حسني مبارك ونظامه في مصر، أو ساهمت في قتل الرئيس الليبي معمّر القذافي وسقوط الرئيس التونسي زين الدين بن علي، إلا أنها في الجهة الأخرى قدّمت دعماً للحركات الإسلامية المتطرفة مثل الإخوان المسلمين وجبهة النصرة وأخواتها، ودخلت في متاهات اللعبة السياسية والعسكرية، في مسعى إلى توظيفها في إثارة الصراعات والتوترات، والاعتماد عليها في الحفاظ على أمن طرق الإمداد بالطاقة وسلاسل التوريد. ورغم أنها دعت إلى أن “الأسد يجب أن يرحل”، إلا أنها ترددت كثيراً في تغيير النظام السوري حتى تعرضت لضغوط من دول إقليمية ذات نفوذ كبير في المنطقة مثل السعودية وتركيا وإسرائيل، واقتنعت برحيله نهاية عام 2024. ولكن رغم قناعتها بتغيير أنظمة تلك الدول، إلا أنها في ذات الوقت لم تطرح بدائل مناسبة وديمقراطية لها، بل ظلت تعيش في أزمات تفاعلية معها، ولم تضع استراتيجية واضحة لها في منطقة الشرق الأوسط لا على المستوى السياسي أو الأمني أو الاقتصادي، ووجدت في بعض الدول الحركات المتطرفة والمدرجة على قوائم الإرهاب الدولي بديلاً، وشكلت كارثة على شعوب المنطقة.

الانشغال الأمريكي بمتاهات أزمات المنطقة وبتداعيات سياسة ساهمت هي نفسها في إطلاقها، ترك فراغاً استراتيجياً فيها، ودفعت خصومها للتحرك، حيث استغلت الصين ذاك الفراغ بوصفها المنافس الرئيسي للقوة الأمريكية. وتعتبر الباحثة “ربوع” أن إيران كانت أول من استغلت الفرصة، حيث أن إضعاف الدول العربية فتح لها منافذ للتوسع في المنطقة عبر الوكلاء في كل من العراق، سوريا، لبنان واليمن.

نشرت وثيقة أمريكية حول استراتيجية الأمن القومي الأمريكي في عام 2022، أن الصين هي المنافس الأقوى لها في إعادة تشكيل إعادة النظام العالمي. وتقرُّ الوثيقة بأن الصين تمتلك الموارد والإمكانات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية وحتى العسكرية لتكون البديل للولايات المتحدة. وتشير الوثيقة إلى أن السنوات العشر القادمة ستشهد تنافساً قوياً بين الولايات المتحدة والصين، وربما تصل إلى الحرب العسكرية المفتوحة. مشكلة تايوان تُعدُّ عقدة بالنسبة للطرفين، فالأولى لا تسمح بسيطرة صينية عليها، ولكنها في ذات الوقت لا تعترف باستقلالها أيضاً، فهي تستخدمها ورقة ضغط على الصين.

فيما تعتبر الوثيقة أن روسيا لا تشكل منافساً قوياً للولايات المتحدة، إلا أنها تعد تهديداً لأوروبا، والحرب الأوكرانية كشفت عن حدود قوة موسكو وضعفها وانعدامها للإمكانات المادية والثقافية لتتحوّل إلى قطب عالمي، رغم وجود بعض العلاقات بينها وبين بعض الدول وهي أقل من تحالف.

ويرى الدكتور “محمد بن صقر السلمي” في دراسة له بعنوان “التنافس الأمريكي – الصيني وانعكاساته على منطقة الشرق الأوسط” نشرها “المعهد الدولي للدراسات الإيرانية” أن كلاً من الولايات المتحدة والصين تتجهان في اتجاهين معاكسين، ففيما تتجه الأولى “شرقاً” لاحتواء النفوذ الصيني وقطع الطريق على تمددها، فإن الثانية تتجه “غرباً” لاستغلال الحالة الأمنية التي وفّرتها القوة العسكرية الأمريكية في بعض دول الشرق الأوسط وإفريقيا. وتحاول الصين عبر “قوتها الناعمة” تعزيز قوتها الاقتصادية الكبيرة، وإيصال بضائعها الأقل ثمناً إلى مختلف دول المنطقة، وتتمكّن من التسلل بسلاسة ضمن هياكل المنطقة الجيوسياسية عبر آليتها الجيواقتصادية القوية جداً.

 

الدور الإسرائيلي في الصراع على منطقة الشرق الأوسط:

تتحرّك إسرائيل، بشكل مكثّف، في حيّز جيوبوليتيك منطقة الشرق الأوسط، لسدّ الفراغ الأمريكي فيها، وإعادة التموضع بما يتناسب مع مصالحها ومشاريعها الاستراتيجية.

وتتطلّع إسرائيل إلى زيادة نفوذها السياسي والاقتصادي والأمني في منطقة الشرق الأوسط اعتماداً على قوتها العسكرية وتفوقها التكنولوجي، والدعم المقدَّم لها من الدول الغربية خصوصاً الولايات المتحدة. فهي إلى جانب انخراطها في مشاريع دولية مثل مشروع “الممر الهندي” الذي يبدأ من ميناء دلهي في الهند وينتهي في ميناء حيفا، إلا أن طموحاتها في توسيع نفوذها لم تتوقف عند ذاك المشروع، بل طرحت مشروعها الخاص المتمثّل بمشروع “ممر ديفيد/ داود”، الذي يبدأ من أراضيها ويمرُّ بإقليم “باشان/ درعا، القنيطرة والسويداء وقسم من الأراضي اللبنانية”، ويعبر منطقة بادية “التنف” في سوريا، ثم مناطق روجآفا، ليدخل أراضي إقليم كردستان العراق وينتهي في مدينة كركوك.

تعمل إسرائيل على التحكّم بجميع المشاريع الاستراتيجية لسلاسل توريد الطاقة في المنطقة، ومعارضة أي مشاريع أخرى لا يكون لها دور مركزي فيها. وبناءً على هذه الرؤية الاستراتيجية، أقدمت إلى بناء تحالفات مع محيطها ودول الإقليم، ويأتي التحالف “الإسرائيلي – اليوناني – القبرصي” ضمن هذا السياق. وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” أنه يسعى إلى إقامة تحالف من سبعة دول تضمُّ إلى جانب “اليونان وقبرص” كلاً من ” الهند ودول عربية وإفريقية وآسيوية” غير مسماة، ربما بينها الإمارات العربية المتحدة، لمواجهة ما وصفه بـ “المحاور الراديكالية” في المنطقة.

إلا أن الكاتب “م. محمد صادق ديب” يرى أن “هذا المشروع يبقى حتى الآن رؤية سياسية أكثر من كونه تحالفاً رسمياً، ولم يتم إعلان انضمام رسمي من الدول المذكورة، بل هي شراكات سياسية واقتصادية مع بعضها، مثل العلاقات المتنامية بين إسرائيل والهند”.

وتحاول إسرائيل في ذات الوقت مزاحمة ومنافسة كل المشاريع المنافسة الإقليمية مثل مشروع “طريق التنمية” التركي، والذي تحاول تركيا جاهدة من خلاله أن تعيد تحكّمها بمسارات الطاقة في المنطقة، لتوظّف موقعها الجغرافي بين منطقة الشرق الأوسط حيث منابع النفط والغاز وبين أوروبا كمستورد رئيسي.

وباعتبار الجغرافيا السورية هي نقطة التقاء مسارات سلاسل التوريد الرئيسية في المنطقة، فإن كلاً من إسرائيل وتركيا حوّلتها إلى ساحة للتنافس السياسي والعسكري، والذي قد يغدو في المستقبل صراعاً مباشراً ومفتوحاً، خاصة بعد التمدد التركي في معظم مفاصل الدولة السورية، وبنائها قواعد عسكرية لها في عدة مناطق سورية، إضافة إلى تغلغلها الاقتصادي في بنية الهيكلية الاقتصادية السورية. والقصف الإسرائيلي لمطار “أبو ضهور” في الشمال السوري قرب الحدود التركية، يأتي في سياق تقويض جهود تركيا في التموضع العسكري ومزاحمة الوجود العسكري الإسرائيلي في الجنوب السوري، بعد أن سيطرت على مناطق هامة في ريف درعا والقنيطرة وباتت على بعد عدة كيلومترات من العاصمة السورية دمشق. ويذهب العديد من المراقبين إلى حد الاعتقاد بأن الضربات الإسرائيلية جاءت ضمن تنسيق مباشر مع الولايات المتحدة، على اعتبار أن إسرائيل تعدُّ القوة الأولى في الحسابات الأمريكية لخلق التوازنات في الشرق الأوسط، وعن طريقها تعمل على كبح جماح أي قوة أخرى تحاول توسيع نفوذها الإقليمي. فالرسالة كانت موجهة إلى تركيا أكثر مما هي موجهة إلى سوريا، على اعتبار أن القوات التركية كانت تعمل على إعادة تأهيل المطار واستخدامه.

إسرائيل حريصة على توظيف تفوّقها التكنولوجي والعسكري في فرض مشاريعها على الأرض، في ظل ضعف منافسيها، وخاصة تركيا. بالتوازي مع ذلك تعمل وتتحرك في الإقليم بالاعتماد على تحالفها مع الإمارات العربية المتحدة وقدرتها المالية، حتى وصلت إلى مستوى الاختلاف مع الولايات المتحدة وإدارة الرئيس ترامب حول عدد من القضايا الأمنية والاستراتيجية الحيوية في الشرق الأوسط، ومنها معارضتها لغض النظر الأمريكي عن التمدد التركي في سوريا. فهي لا تأخذ القضية من منظور اقتصادي فقط، بل تولي أهمية كبيرة للبُعد الأمني في التمدّد التركي ذي الحوامل الإسلامية. وتتوجّس إسرائيل كثيراً من قيادة تركيا للحركات الإسلامية المتطرّفة، من بينها حركة “الإخوان المسلمين”. وإسرائيل على يقين تام أن تلك الحركات تشكل خطراً على “أمنها القومي”، فهي لا تزال تتوعّد “بإزالة إسرائيل من الخريطة”، وتقيم دولتها الإسلامية في فلسطين، والمشاهد التي تبثها بعض الحركات الإسلامية في سوريا عبر وسائل التواصل الاجتماعي تؤكّد على صحة الادعاءات الإسرائيلية.

كما أن التنسيق الأمريكي – الإسرائيلي في العمل على دفع دول المنطقة للانخراط في اتفاقيات “أبرام”، يأتي ضمن مشروع الشرق الأوسط الجديد. وهذا ما دفع إسرائيل إلى تفعيل الدور الإماراتي في المنطقة، وإقامة ترتيبات أمنية تتصل بتفعيل موانئها التي تتصل بخط مباشر مع المحيط الهندي، لتفتح أمامها ثغرة لا يمكن لأي قوة التحكم بها وإغلاقها، وفي ذات الوقت تتحوّل إلى فاعل جيوسياسي في إغلاق الطريق على مشروع خط طريق الحرير الصيني، وهو ما يؤمّن النفوذ الأمريكي في الخليج العربي.

ومثلما ترى إسرائيل أن البرنامج النووي الإيراني يمثّل تهديداً وجودياً لها، وتجد أنها تحتفظ بخيار العمل العسكري ضدها في حال وجدت أن المسار الدبلوماسي لا يحقق لها أهدافها، فإنها في ذات الوقت ترى في الوجود التركي المتحالف مع الحركات الإسلامية في سوريا تهديداً لا يقلُّ خطورة على أمنها القومي من الخطر الإيراني، وفق سرديات إسرائيل الأمنية والعسكرية. ومن هذا المنطلق تبرر كل أعمالها العسكرية ضد الأهداف والقواعد التركية في سوريا.

 

الصراع على الممرات البرية والبحرية:

تشكّل السيطرة على الممرات البرية والبحرية في العالم، من أهم دوافع اندلاع الصراع العالمي، باعتبارها نقاطاً استراتيجية في معادلات توازن القوة وسلاسل توريد الطاقة، وتعتبر عقداً هامة في أمن تلك السلاسل وضمن تدفق عناصر الطاقة والبضائع، وبات من يسيطر على تلك الممرّات والمضائق، يملك النفوذ الإقليمي والدولي ويتحكم في الأسواق، ويتمكن من استخدامها ورقة ضغط وتهديد ضد خصومه بها.

وتعتبر دول جنوب آسيا، وتحديداً الهند، باكستان وأفغانستان، منطقة جيواستراتيجية حاسمة في إعادة تشكيل شبكات الإمداد العالمية، فهي منطقة عبور رئيسية للموارد الاستراتيجية، نظراً لدورها كممر وسيط يربط بين قلب آسيا والمحيط الهندي.

وتبرز باكستان كممر إجباري لتدفق الموارد القادمة من الأسواق الوسطى، إذ تعد الموانئ الباكستانية مثل “كراتشي وجوادر”، “نقاط ارتكاز لوجستية ذات أهمية استراتيجية”. والهند تتصدّر المشهد التنافسي بوصفها “مركزاً مستقبلياً محتملاً” في سلاسل توريد المعادن القادمة من آسيا الوسطى. ويرى بعض الخبراء الاستراتيجيون أنه يمكن أن تتحول الهند إلى “حلقة وسيطة بين المواد الخام القادمة من آسيا الوسطى وبين مراكز المعالجة النهائية الغربية”.

فيما أفغانستان، وبسبب بنيتها الأمنية غير المستقرة ونظامها الإيديولوجي الديني المتشدّد، يمكن أن تتحوّل إلى “نقطة اختناق” للمشاريع الغربية المبنية على منحها دوراً في معادلات ضمان أمن سلاسل توريد الطاقة والمعادن، أو تتحوّل إلى “نقطة قسرية” قد تتسبّب في تعطيل توريد تلك السلاسل، وهو بكل الأحوال مرتبط بمدى استقرار نظام “طالبان” الحاكم فيها، وانسجامه مع المشاريع العالمية في المنطقة.

التركيز الغربي على كل من باكستان والهند، ينبع من رؤية استراتيجية لقطع الطريق على الصين ومشروعها “الطريق والحزام”.

إن ممرّات الطاقة والمعادن الحرجة والنادرة تفرض منطقاً جيواقتصادياً جديداً ومغايراً في منطقة جنوب آسيا، ويُنظر إليها بوصفها “هياكل متكاملة لإعادة هندسة تدفّقات الموارد الاستراتيجية عالمياً”.

وتبرز ممرات ومضائق “هرمز، باب المندب، قناة السويس، البوسفور، جوادر وجبل طارق”، مناطق عبور استراتيجية في خارطة سلاسل توريد الطاقة، وتحاول كل قوة متحكّمة بها توظيفها في تعزيز قوتها وحضورها الجيواقتصادي في المنطقة والعالم.

وفي ذروة التنافس والتوتر بين الولايات المتحدة والصين، تتجلى حقيقة أن أكثر من نصف نفط الصين يمرّ عبر نقاط مضائق وفَّرت البحرية الأمريكية تاريخياً أمنها مثل “باب المندب وقناة السويس”. فيما قناة “هرمز” الواقع تحت السيادة الإيرانية يشكّل قلقاً وهاجساً كبيراً لدى الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة، بسبب استخدامها من قبل إيران أداة ضغط في حربها مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل. مضيق “هرمز” الذي تمرّ منه أكثر من 20% من إمدادات الطاقة العالمي، تحاول الولايات المتحدة انتزاع سيادته التاريخية من إيران، واعتباره ممرّاً دولياً على غرار مضيقي “البوسفور وجبل طارق”، رغم أن الأول واقع تحت سيادة تركيا الصورية، والثاني تحت السيادة البريطانية. إلا أن إيران من جهتها تعمل جاهدة الاحتفاظ بورقة “هرمز”، والتفاوض بها مع الدول الغربية لتعزيز مكانتها في سلاسل التوريد من جهة، وتخفيف الضغط عليها ووقف الحرب ورفع العقوبات الأمريكية عن كاهلها، حتى اختصرت كل الأطراف المتخاصمة أهداف الحرب على إيران، بحرية الملاحة في مضيق “هرمز”، ووصل بالولايات المتحدة بقبول على إعادة الأمور إلى ما قبل الحرب إذا سمحت إيران بحرية الملاحة البحرية والتجارية عبر “هرمز”، فيما إسرائيل تعارض التوجه الأمريكي، وتصر على مواصلة الحرب حتى تغيير النظام الإيراني.

لقد أدركت الولايات المتحدة جيداً مدى الخسائر التي لحقت بها وبأسواق الطاقة العالمي جراء إغلاق إيران مضيق “هرمز” أمام تصدير النفط والغاز المُسال من دول الخليج، وهو ما تسبب في حدوث اضطراب كبير في أسواق الطاقة العالمي، وقطع سلاسل التوريد، ما دفع العديد من الدول الغربية والإقليمية إلى التفكير ببدائل مناسبة لإعادة إمداد الأسواق بالطاقة واستقرار الأسعار، فلجأت إلى التخطيط مع كل من تركيا والعراق وسوريا، لإعادة تشغيل خطوط “التابلاين” والوصول إلى الموانئ السورية “اللاذقية، بانياس وطرطوس”، وهو ما لمح إليه الرئيس السوري المؤقت “أحمد الشرع” في إحدى المناسبات، بأن اعتبر أن “سوريا لها أهمية كبيرة في سلاسل توريد الطاقة”، ليبني عليها آمالاً كبيرة في انتشال سوريا من واقعها الاقتصادي المزري، عبر تحويل أراضيها إلى ممرّات لنقل خطوط الطاقة إن كان الغاز أو النفط. وهذا ما دفع تركيا إلى تمركز قطع من أساطيلها في ميناء اللاذقية، لإعادة تأهيله واستعداده ليكون البديل لمضيق “هرمز”، واستبعاد روسيا من استثمار ميناء طرطوس، رغم وجود قاعدتين عسكريتين لها في كل من طرطوس وحميميم.

في سياق الصراع على الممرات؛ تتطلّع الولايات المتحدة “خنق” الصين عبر التحكّم بالممرات البحرية والبرية. فرغم أن ميناء “جوادر” الباكستاني يشكل عقدة استراتيجية لوصل دول آسيا مع دول المتوسط، وفي ذات الوقت يولّد المخاوف لدى الولايات المتحدة بسبب وقوع الميناء في حيّز التأثير الصيني، وضمن مشروعها “الطريق والحزام”، الذي يهدف إلى ربط الصين برياً وبحرياً بالعالم.

ورصدت له ما يقارب من /3/ تريليون دولار لمبادرتها “الطريق والحزام”، منها ما يقرب من /1.3/ تريليون دولار في الدول التي يمر منها المشروع، وخاصة باكستان، عبر بناء موانئ وطرق وسكك حديدية ومناطق صناعية. وتشارك في المشروع نحو /123/ دولة.

ويتضمن الطريق البري لمشروع “طريق الحرير” ثلاثة خطوط رئيسية، الخط الأول، يربط بين شرق الصين مروراً بآسيا الوسطى وروسيا الاتحادية وصولاً إلى أوروبا. الخط الثاني، يبدأ من الصين مروراً بوسط وغرب آسيا ومنطقة الخليج وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط. الخط الثالث، يمتد من الصين مروراً بجنوب شرق آسيا وجنوب آسيا وصولاً إلى المحيط الهندي.

وهدف الصين من مشروع مبادرة “الطريق والحزام” بناء سلاسل توريد تهيمن عليها بكين. وبناء على هذا التوجه؛ تسعى الصين إلى تطوير قدرة الموانئ الواقعة في حيّزها الجغرافي وضمن مبادرتها “الطريق والحزام”، وتوسيع طاقاتها الاستيعابية لتكون موانئ تجارية ضخمة تستقبل أكبر البواخر الحاملة للسلع الصينية، خاصة في إيران واليونان.

من زاوية أخرى، استُنزفت معظم القوة الفائضة الروسية في حربها مع أوكرانيا، ولم تعد قادرة على السير قدماً في مشروعها “الأوراسي” لفرض هيمنتها العسكرية والاقتصادية في العالم، وباتت تتطلع إلى الاستفادة من تحالفها مع الصين في تعزيز حضورها وقوتها الدولية، دون التمكن من التحول إلى قطب منافس للولايات المتحدة.

 

مستقبل الشرق الأوسط على ضوء صراع النفوذ والسيطرة على سلاسل التوريد:

تقع منطقة الشرق الأوسط في قلب التنافس الدولي، بما تمثله من أهمية دولية في سوق النفط وخطوط التجارة العالمية.

وتزداد حدة التنافس بين الغرب بقيادة الولايات المتحدة، وكل من الصين وروسيا، ليصل في أحيان كثيرة مرحلة الصراع والتصادم، وهو ما يفضي إلى خلق بيئة أكثر فوضى في مناطق الصراع لا سيما في منطقة الشرق الأوسط ذات الموقع الاستراتيجي الهام، والذي يشكّل نقطة التقاء وتقاطع بين مختلف المناطق في العالم، ما يؤدي إلى ظهور ما يمكن تسميتها بـ”المناطق الرخوة” وتحوّل بعض الدول إلى لعب أدوار هامشية لا تؤثّر على سياقات الصراع. فيما يزداد دور القوى الكبيرة والمتوسطة في البحث عن أدوار ونفوذ لها في المنطقة. فهناك تركيا وإيران من جهة، وأمريكا والصين وروسيا من جهة أخرى، وكذلك إسرائيل، كل قوة تبحث عن موقع لها على خرائط النفوذ في الشرق الأوسط ودور فاعل في التأثير على سلاسل توريد الطاقة، مع ما يترتب على تلك الأدوار من ترتيبات أمنية وعسكرية، وتحالفات وتوقيع اتفاقيات مع الدول المؤثرة في المنطقة، وهو ما يجعل الشرق الأوسط ساحة صراع مفتوحة لا يتوقع أحد أين ومتى سينتهي وإلى أين سيفضي. لكن بالتأكيد أن الشكل القديم لخرائط النفوذ والسيطرة لم يعد لها فاعليتها. فالخريطة التي رسمتها مسطرة سايكس – بيكو لم تعد تلبي متطلّبات التوسع الرأسمالي بعد دخولها عصر العولمة، وهو ما كشف عنه مبعوث الرئيس الأمريكي لسوريا والعراق وسفير الولايات المتحدة في تركيا “توماس باراك” في أكثر من مناسبة.

وفق رؤية الكاتب “جلال نصار” رئيس وحدة الدراسات العربية في تحليل له بعنوان “إعادة اختراع الشرق الأوسط واليوم التالي لـ”ولادة البديل”، فإن “الحروب التي امتدت من العراق إلى سوريا، ومن ليبيا إلى اليمن، ثم المواجهات المتلاحقة بين إسرائيل وإيران، وما صاحبها من تغيّرات في مواقف القوى الكبرى، لم تُنتج فقط وقائع جديدة على الأرض، بل أطلقت عملية مراجعة شاملة للمسلَّمات التي حكمت الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة”. ومن وجهة نظره “أصبحت المنطقة تعيش لحظة تتراجع فيها قواعد النظام القديم بوتيرة أسرع من قدرة نظام جديد على التشكّل، وهو ما يفسّر حالة السيولة الاستراتيجية التي تميّز الإقليم اليوم”.

ويعتبر “نصار” أن التغيير لا يمكن اختزاله في “انتهاء حرب، أو توقيع اتفاق، أو تغيير نظام سياسي، وإنما يمثّل مرحلة تاريخية أطول وأكثر تعقيداً؛ مرحلة يُعاد خلالها تعريف موازين القوة، وأنماط التحالفات، وأولويات الأمن، وقواعد النفوذ، بل وحتى مفهوم الدولة ودورها داخل الإقليم”.

وفي هذا السياق فإن الترويج لمفهوم “إعادة اختراع الشرق الأوسط” لا يفيد بإعادة رسم الحدود أو استبدال تحالف بآخر، وإنما يشير إلى بناء “البيئة الاستراتيجية” التي ستحدّد شكل الإقليم لعقود مقبلة، وفق رؤية “نصار”، مشيراً إلى أن “كل عناصر القوة التقليدية تقريباً أصبحت محل مراجعة؛ من طبيعة الردع العسكري، إلى دور الاقتصاد، ومن مركزية النفط، إلى أهمية التكنولوجيا، ومن التحالفات الصلبة إلى الشراكات المرنة، ومن احتكار القوى الكبرى لصناعة التوازنات إلى تصاعد قدرة القوى الإقليمية على التأثير في مسار الأحداث”.

والحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران الأخيرة، هي جزء من الصراع الدائر على المنطقة بكل إسقاطاته الاقتصادية والأمنية والعسكرية والسياسية. لم تندلع الحرب لمجرّد القضاء على المشروع النووي الإيراني، أو إضعاف قوة إيران العسكرية، أو إنهاء دور أذرعها ووكلائها في المنطقة، بل إن الهدف الأوّل والأخير هو السيطرة على مقدّرات إيران من الطاقة ووضع مضيق “هرمز” تحت سيطرتها، علاوة على قطع طرق إمداد الصين بمصادر الطاقة إيران، ومنع تزويد إيران بالأسلحة والمعدات العسكرية الصينية وخاصة الطائرات المسيرة والصواريخ. والولايات المتحدة ترسل إشارات قوية بأنها ستوقف الحرب بمجرد حلّ قضية مضيق “هرمز” والسماح بمرور السفن المحمّلة بالنفط والغاز المضيق، أو تسعى لإقحام نفسها شريكاً في عائدات المضيق، حتى وصل الصلف بالرئيس الأمريكي ترامب إلى نيّته إعلان المضيق جزءاً من الأراضي الأمريكية.

من جهة أخرى، كشف مسار الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، بكل وضوح، أن الولايات المتحدة لم تقدّم الحماية الكافية لأمن الدول الخليجية، حيث أصبحت أراضيها ومنشآتها النفطية وحتى القواعد الأمريكية في مرمى الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، ولم توفّر لها الأمن كما تروّج له، بل على النقيض من ذلك أصبح وجود القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها وبالاً عليها، رغم أنها تحمّلت معظم الأعباء المالية للحرب.

إن نظرية الأمن مقابل الاقتصاد التي فرضتها الولايات المتحدة على دول الخليج فشلت في إرساء أسس الاستقرار فيها، وأضحت دول الخليج تبحث عن البديل الاقتصادي والعسكري، فانحازت إلى كل من الصين وروسيا، عبر توقيع عدد من الاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية، وهو ما يزيد من أمد الحروب في المنطقة، لينتقل إلى حيّز الانفجار في كل الدول، وتتشابك خيوط الصراع، دون أي بارقة أمل في تحقيق تحول ديمقراطي لصالح شعوب المنطقة.

وفي هذا الإطار، ومع تمكّن الصين من إقامة روابط اقتصادية وتجارية مع عدد من دول منطقة الشرق الأوسط، بالمقابل “تحرص الولايات المتحدة على تعميق علاقاتها مع حلفائها الرئيسيين، والحفاظ على أدوارها في المنطقة دون السماح للنفوذ الصيني بتحدي ذلك، وتمارس ضغوطاً على دول الإقليم بهذا الصدد خاصة، لمنع التعاون مع الصين في المجالات العسكرية والتقنية المتقدمة”.

وتدّعي واشنطن أنها في صراعها مع كل من الصين وروسيا في الشرق الأوسط، تعمل على تعزيز قيم الديمقراطية مقابل ما تصفه بـ”الأنظمة الاستبدادية”. واستراتيجيّتها الراهنة في الإقليم لا تتمحور حول القوة العسكرية في تغيير الأنظمة، بل “تتبنى مقاربة براغماتية تستند إلى الدبلوماسية وبناء الشراكات والتحالفات ودعم جهود أنظمة المنطقة لتحقيق الاستقرار وبما يتناسب مع مصالحها الحيوية، أي أنها تضع الأولوية لدعم حلفائها في المنطقة والتغاضي عن معايير الديمقراطية من أجل الاعتبارات الجيوسياسية”. وتجاربها في العقد الثاني من القرن الحالي أثبتت أن سياستها تتمحور حول دعم الدول ذات الأنظمة المركزية، وبذلك تناقض توجّهاتها. حيث أعلن مبعوث رئيسها إلى سوريا والعراق “باراك” أكثر من مرة بأن “بلاده تدعم الأنظمة ذات الحكم المركزي”، متهّماً معظم دول المنطقة بأنها تعيش ما قبل “الدولة، وهي في طور القبيلة والعشيرة الطائفة والمذهب”، وأنها في حالة “بداوة سياسية” و”لا تناسبها الأنظمة الديمقراطية”.

إلا أن الحرب الأوكرانية والحرب مع إيران، وضعت منطقة الشرق الأوسط في بؤرة التركيز الأمريكي في المدى المنظور. ويمكن تلخيص أهداف الحرب الأخيرة على إيران ضمن السياقات التالية:

1 – ضمان أمن إسرائيل، بما يشمل جهوداً منسقة إقليمياً ودولياً لإضعاف حماس وحزب الله عسكرياً ومالياً وسياسيا، بالتزامن مع السعي لاحتواء سوريا والوصول معها إلى تفاهمات أولية ومن ثم اتفاقية سلام شاملة.

2 – تسريع وتيرة دمج إسرائيل في هيكل المنطقة الأمني والسياسي، من خلال توسيع اتفاقيات “أبرام”، خاصة مع السعودية، وتعزيز الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية ذات الطابع الاستراتيجي بين إسرائيل ودول المنطقة، وضمان استقرار علاقاتها مع مصر والأردن.

3 – مواصلة جهود احتواء نفوذ إيران الإقليمي، والحد من قدرة وكلائها على تهديد أمن إسرائيل، وحلفاء واشنطن، وأمن سلاسل توريد الطاقة، خاصة في مضيقي “هرمز وباب المندب”.

ويعتقد الدكتور “محمد بن صقر السلمي” أن الشرق الأوسط يقع ضمن حيِّز المبادرة الصينية “الحزام والطريق”، وأن الصين أصدرت الصين منذ عام 2016 “الكتاب الأبيض” لتفصيل سياساتها تجاه الشرق الأوسط، وفق صيغة تعاونية قائمة على ثلاثة جوانب؛ الأوَّل مجال الطاقة كمحورٍ رئيس، والثاني مجالا البُنى التحتية وتسهيل التجارة والاستثمار كرافدين مهمّين، وثالثاً المجالات التقنية المتقدِّمة كالطاقة النووية والفضاء والأقمار الصناعية.

وحسب الكاتب “م. محمد صادق ديب” أنه “لم يعد الشرق الأوسط في عام 2026 ساحة للنزاعات الإقليمية التقليدية، بل تحوّل إلى نقطة ارتكاز في إعادة تشكيل موازين القوى العالمية”. ويضيف “فبين تصعيد أمريكي إيراني غير مسبوق، وتحركات حذرة لموسكو وبكين، ومساعي إسرائيلية لهندسة تحالفات عابرة للجغرافيا، تقف المنطقة عند لحظة مفصلية يتشابك فيها أمن الطاقة بالعقيدة العسكرية”. ويوضّح أننا “أمام صراع محاور يختبر حدود الردع الدولي، ويضع المنطقة على حافة انفجار محسوب، في محاولة لإعادة رسم النظام الدولي من بوابة الشرق الأوسط”.

 

سيناريوهات مستقبل الشرق الأوسط:

تعدد السيناريوهات المحتملة لمستقبل إعادة تشكيل الخارطة السياسية والاقتصادية للشرق الأوسط. ويستشرف الكاتب “م. محمد صادق ديب” مستقبل منطقة الشرق الأوسط وفق ثلاثة سيناريوهات محتملة:

السيناريو الأول – تصعيد عسكري محدود مع إيران بنسبة 40%: “عبر شن الولايات المتحدة تشن ضربات جوية محدودة تستهدف قدرات صاروخية ونووية في إيران. ويتوقع أن ترد إيران بشكل غير مباشر عبر وكلائها في العراق ولبنان واليمن، مما يخلق حالة توتر إقليمي. فيما كل من الصين وروسيا يدعوان للتهدئة ويقومان بدبلوماسية مضادة لمنع توسع النزاع”.

السيناريو الثاني – دبلوماسية تفضي إلى تسوية موقتة واحتماليتها بنسبة 35%: “تتوصل كل من أمريكا وإيران (بوساطة دولية) إلى اتفاق مؤقت يحد من تخصيب اليورانيوم ويقلل الدعم الوظيفي للجماعات المسلحة، وهذا يؤدي إلى تخفيض التوتر وفتح المجال لمبادرات اقتصادية إقليمية، فيما التحالفات الإقليمية تتجه إلى تعاون أوسع ضد التهديدات المتبادلة”، يعني التنافس المُدار، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى المنظور؛ حيث تستمر المنافسة بين القوى الإقليمية، لكنها تظل محكومة بسقوف تمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة، في ظل إدراك متبادل لارتفاع كلفة الصدام المباشر، وتعاظم المصالح الاقتصادية المشتركة.

أي أن القوى الإقليمية تنجح في إعادة التوازن المنظّم، بدعم دولي، في بناء تفاهمات تقلّل من حدة الصراعات، وتفتح المجال أمام تعاون اقتصادي وأمني أوسع، دون أن تنهي بالضرورة جميع بؤر التوتر.

السيناريو الثالث – صراع إقليمي واسع النطاق بنسبة 25%: تصعيد غير محسوب بين إيران والولايات المتحدة/ إسرائيل يجرُّ المنطقة إلى مواجهة مفتوحة. يشارك فيها وكلاء متعددون من الطرفين، ما يؤدي إلى زعزعة استقرار في سوق الطاقة العالمية وتصعيد أوسع في التحالفات الدولية. أي توجّه المنطقة نحو فوضى شاملة، هذا في حال أخفقت القوى الدولية والإقليمية في إنتاج قواعد مستقرة لإدارة التنافس، بما يسمح باستمرار النزاعات، واتّساع دور الفاعلين من غير دول، وتزايد الضغوط الاقتصادية والأمنية على معظم دول المنطقة.

بات من شبه المؤكد أن هذا التنافس بين القوى العظمى لن يمر دون تغيير ما في هيكلية النظام العالمي والمعايير الحاكمة له، وأي تغيير سيؤدي إلى نشوء قيم سياسية واقتصادية جديدة مغايرة للسابقة، ويمنحها الصاعد الجديد سلطة تشكيل بعض قواعد النظام الجديد، ما يترك مساحة وخيارات للدول الأخرى الدائرة في فلكها حرية الاختيار بين أكثر من قطب عالمي مثل الصن وروسيا.

والشرق الأوسط سيتأثر بشكل مباشر لصعود أي قطب عالمي جديد، نظراً لأنه يحظى باهتمامٍ كبير من جانِب كُلٍّ منها وسيوفر لها خيارات متعددة في التفضيل بين إحداها، لتتعافى وتتحرر من الهيمنة الغربية، ولو بشكل نسبي، وهو ما بدأنا نلمسه، ولو بحدوده الدنيا، في عدد من دول المنطقة، التي تحاول الفكاك من الهيمنة الأمريكية بالدرجة الأولى، ولو على المستوى الاقتصادي، وإعادة تشكيل علاقاتها الاقتصادية مع الصين وروسيا. وتجلّى التنافس الأمريكي – الصيني على الشرق الأوسط في توقيع إسرائيل اتفاقية تشغيل ميناء حيفا مع الصين رغم اعتمادها على الدعم الأمريكي في حماية أمنها واستقرارها، رغم أنه يرسي في الميناء الأسطول السادس الأمريكي. كذلك اتجهت دول الخليج العربي ومنها السعودية إلى تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع الصين.

وحسب الكاتب “نصار” أن الواقع يشير إلى أن الشرق الأوسط لن يستقر بالكامل، كما أنه لن ينزلق إلى فوضى مطلقة. والأرجح أنه سيدخل مرحلة انتقالية طويلة، يعاد خلالها التفاوض على قواعد النظام الإقليمي، وتختبر فيه جميع القوى قدرتها على التكيف مع بيئة استراتيجية غير مسبوقة في تعقيدها.

كما انعكس التنافس بين الولايات المتحدة والصين وروسيا سياسياً على الشرق الأوسط في المحافل الدولية، خاصة في مجلس الأمن الدولي ووكالة الطاقة الذرية، حيث تحاول كل قوة الدفاع عن مشروعها من خلال تمرير بعض القرارات أو تعطيلها عبر استخدام حق النقض “الفيتو”، خاصة عندما استخدمته كل من روسيا والصين عدة مرات ضد صدور قرارات إدانة للنظام السوري السابق.

يسود تصور لدى العديد من الخبراء والمختصين بالصراعات في الشرق الأوسط والعالم أن السؤال الحقيقي الذي تطرحه تحديات العصر لم يعد: “من يمتلك القوة الأكبر، وإنما من يمتلك القدرة على إنتاج القوة؟”، وبأن القوة لم تعد تُقاس بحجم الجيوش والترسانة العسكرية، ولا بحجم الثروات الطبيعية، وإنما بقدرة الدولة على تحويل موارده العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والدبلوماسية والمجتمعية إلى قوة ونفوذ سياسي مستدام، والمشاركة في صياغة قواعد النظام الإقليمي الجديد. ويذهب البعض إلى حد الاعتقاد بأن القوة هي “عملية الانتقال من امتلاك عناصر القوة إلى القدرة على إنتاجها وتوظيفها”.

ويقول الباحث “نصار” إن “إعادة اختراع الشرق الأوسط ليست مشروعاً أمريكياً خالصاً، ولا مشروعاً إسرائيلياً أو إيرانياً أو تركياً منفرداً، كما أنها ليست نتاجاً مباشراً لتفاهمات القوى الكبرى؛ إنها حصيلة تفاعل معقد بين أربعة مستويات متشابكة: التحوّلات في بنية النظام الدولي، وصعود قوى إقليمية أكثر استقلالاً في قرارها، والثورة التكنولوجية والاقتصادية التي تُعيد تعريف مصادر النفوذ، وأخيراً التحولات العميقة في مفهوم الأمن ذاته”.

على ضوء هذه الرؤية يتأكد أن مستقبل الإقليم لن تصنعه قوة واحدة، بل يجب فهم التحوّلات الجارية اليوم بأنها مرحلة ينتهي فيها النظام القديم قبل أن ينجح الوليد الجديد في تثبيت قواعده.

لقد ثبت من خلال الوقائع، وخاصة بعد بدء ما تسمى ثورات “الربيع العربي”، أن “النظم الإقليمية لا تنهار بقرار سياسي أو إعلان رسمي، وإنما تبدأ نهايتها عندما تفقد القواعد التي قامت عليها قدرتها على تفسير الواقع أو توجيه مساره”.

ظل الشرق الأوسط حتى انهيار الاتحاد السوفياتي قائماً على توازن دقيق بين القطبين المضادين “الغربي والشرقي”، ثم انفردت الولايات المتحدة بالحفاظ على توازنات الإقليم لصالحها كقطب أوحد. فيما شكل النفط إحدى أهم مرتكزات القوة فيه، وحصلت تنمية، ولو محدودة، في قدرات امتلاك القوة لدى بعض الدول، وعلى ضوء هذا التوازن نشأت تحالفات حافظت على ديمومتها طيلة أكثر من خمسة عقود. وبرزت دول إقليمية حاولت – ولاتزال – لتكون دولاً مؤثرة في الحيّز الإقليمي مثل “السعودية، مصر، إسرائيل، تركيا، الإمارات وإيران”، التي تحاول الاعتماد على الجغرافيا الاقتصادية بوصفها أحد أهم مصادر القوة مثل “الموانئ، الممرات البحرية، خطوط الطاقة، سلاسل الإمداد، مشروعات الربط البري والبحري”، إضافة إلى الجغرافيا السياسية، وتعتبرها عناصر لا تقل أهمية عن القواعد العسكرية أو التحالفات، بل إنها – أي التحالفات – باتت تُبنى على أساس تلك العناصر وحضورها في معادلات القوة. فـ”المنطقة تشهد انتقالاً من شرق أوسط الجغرافيا السياسية إلى شرق أوسط الجغرافيا الاقتصادية”.

وتسود قناعة لدى جميع القوى الفاعلة في الشرق الأوسط؛ أن من يستطيع إنتاج عناصر تلك القوة بصورة مستدامة؛ يغدو شريكاً في وضع قواعد الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط والعالم إلى حد كبير. وهو يعتبر معياراً لفهم موازين القوى في الشرق الأوسط. “والمستقبل سيكون من نصيب الدول التي تنجح في تحويل الجغرافيا إلى اقتصاد، والاقتصاد إلى نفوذ، والنفوذ إلى قدرة مستدامة على إنتاج القوة، وأن من سيقود الشرق الأوسط ليست قوة منفردة، بل شبكة من القوى الإقليمية، تسعى إلى توسيع نفوذها عبر أدوات مختلفة، اقتصادية، عسكرية، تكنولوجية ودبلوماسية”. وهنا تحضر التجربة الإيرانية بإنشائها شبكة نفوذ إقليمية، رغم تراجعها في الآونة الأخيرة، إلا أنها لا تزال تحتفظ بطاقة كامنة تؤمن لها حضورها في معادلات توازنات المنطقة. فيما لم يعد يشفع لإسرائيل تفوقها العسكري والتكنولوجي في قيادة المنطقة، بل تواجه تحديات كبيرة من خصومها في محيطها وأيضاً من تركيا، وهي المسكونة دائماً بهاجس الأمن. كذلك مصر تستخدم “قوتها الناعمة”، وتحاول توظيف قدراتها الديمغرافية والعسكرية وموقعها كعمق استراتيجي للمنطقة العربية، في إعادة تموضعها ضمن المعادلات الإقليمية كقوة لها تأثيرها في رسم مسارات مستقبل المنطقة. فيما تركيا تتحرّك كقوة “استعمارية” مدفوعة بمشاريع قديمة – جديدة مثل “الميثاق الملي، الوطن الأزرق”، لتوسيع نفوذها في المنطقة، رغم مشاركتها في رسم معالم الشرق الأوسط الجديد، إلا أنها تواجه تعارضاً مع إسرائيل، إضافة إلى أنها تسبغ على كل تحرّكاتها في المنطقة لوناً قومياً إيديولوجياً تركياً صرفاً، وهذا ما يحدُّ من قدرتها على تحقيق نجاحات كبيرة في المنطقة، لأنها تتحرك بمنطق إعادة عقارب الزمن للوراء في استعادة “أمجاد الإمبراطورية العثمانية”، وهذا يتناقض مع منطق العصر وتطوراته.

 

تركيا وصراع النفوذ والسيطرة على سلاسل توريد الطاقة:

تسعى تركيا بكل قوتها إلى استغلال موقعها الجغرافي في الربط بين قارتي آسيا وأوروبا، وإقحام نفسها في صراع النفوذ والسيطرة على سلاسل توريد الطاقة والممرات البرية والبحرية في الشرق الأوسط والعالم، لتغدو جزءاً من معادلات التوازن الجيوسياسي في المنطقة والعالم.

تتحرّك تركيا ضمن حيّز التأثير الجغرافي المحيط بها، عبر أدوات قوّتها العسكرية والاقتصادية، مستغلّة حالة الفوضى السياسية والعسكرية السائدة في المنطقة، لإطلاق مشاريعها السياسية والاقتصادية الخاصة بها، مثل مشروع “طريق التنمية” و”الوطن الأزرق”، إضافة إلى “الميثاق الملّي” كمشاريع إيديولوجية سياسية أكثر مما هي اقتصادية، وفرض سيطرتها السياسية عبر استحضار الماضي بزعم أحقيتها في إدارة مناطق وضعتها ضمن خارطتها السياسية الجديدة المفترضة، متجاوزة في ذلك حتى مشاريع القوى الكبرى، مثل مشروع “الشرق الأوسط الجديد” و”ممر ديفيد/ داود”، رغم أنها في نهاية المطاف جزء لا يتجزأ من تلك المشاريع، باعتبارها دولة “أطلسية” في النهاية.

التمدّد التركي في ليبيا وتمركزها في السودان، ووصولها إلى الصومال، وإقامة قواعد عسكرية فيها، هدفها توسيع حيّزها الجيواقتصادي عبر الاستثمار في مشاريع اكتشاف النفط والغاز، والسيطرة على مصادرها في البلدان المنتجة لها، إضافة إلى فرض سيطرتها غير المباشرة على الممرّات البحرية لمرور شحنات الطاقة عبر وكلائها وشركائها في تلك الدول. ورغم توقيعها مذكرتي تفاهم رئيسيتين مع حكومة “فائز السراج” الليبية عام 2019، الأولى لترسيم الحدود البحرية في البحر المتوسط، والثانية للتعاون الأمني والعسكري، إلا أن المذكّرتين لم تتحوّلا إلى اتفاقية مسجّلة لدى الأمم المتحدة، وأثارت في ذات الوقت توتّرات إقليمية واسعة ورفضاَ من دول مثل اليونان، إسرائيل، قبرص ومصر.

كما أن وجودها العسكري في جزيرة “سواكن” السودانية قوبل برفض كبير من قبل أطراف عديدة في الصراع السوداني. وفي المحصّلة تحوّل وجودها وانتشارها الإقليمي إلى عبء عليها ولم تحقّق منه أي نجاح استراتيجي في توسيع نفوذها في ظل صراع القوى الكبرى، مثل روسيا، الولايات المتحدة وفرنسا على القرن الإفريقي والشرق الأوسط.

تتبنّى تركيا سياسة توازن دقيقة بين عضويتها في حلف الناتو، ورغبتها في الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع إيران وروسيا، بما يخدم مصالحها الأمنية والاقتصادية. وتعمل على تحويل جغرافيتها إلى نقطة تتقاطع في سلاسل توريد الطاقة من الشرق والشمال، خاصة عبر بناء شبكات مرور النفط والغاز الروسي والخليجي على أراضيها.

انتهجت تركيا سياسة براغماتية في توثيق صلاتها مع الغرب وكل من روسيا والصين، حتى أنها أبدت رغبتها في الانضمام إلى معاهدة “شنغهاي” ومجموعة دول “البريكس”، وأيضاً الانخراط في المشروع الصيني “الطريق والحزام”. استخدمت تركيا تلك السياسة ورقة ضغط ضد الولايات المتحدة والدول الغربية لاستمالتها وتعزيز مكانتها لديها وقبولها ضمن مشاريعها الحيوية في الشرق الأوسط.

إلا أن تركيا تمكّنت خلال العقدين الماضيين، وبالاعتماد على عضويتها في حلف “الناتو”، وعلاقاتها الوثيقة وتعاونها مع إسرائيل، من بناء نموذج يجمع بين القوة العسكرية، والصناعة الدفاعية، والحضور الاقتصادي، والنشاط الدبلوماسي المعتمد على الاستثمار في الإسلام السياسي، مستفيدة من موقعها الجغرافي الرابط بين آسيا وأوروبا. ويرى العديد من المراقبين أنه تركيا “رغم ما تواجهه من تحديات داخلية وإقليمية، فإنها لا تزال تنظر إلى نفسها باعتبارها فاعلاً رئيسياً في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية”.

ومع وصول ترامب إلى البيت الأبيض ثانية، تمكنت من عقد “صفقات” سياسية، عسكرية واقتصادية كبيرة، في إطلاق ترامب يد تركيا في المنطقة، لتتحوّل إلى الدولة الأكثر فاعلية في استراتيجيتها الجديدة، من خلال التمدد في سوريا بعد إسقاط النظام السابق، وكذلك في العراق، وتوظيف دورها في تقويض طموحات إيران وتحجيم دورها، وهو ما منح تركيا جرعة إضافية للتمادي واستغلال “الفرصة الأمريكية” في تنفيذ مشاريعها في القضاء على طموح الشعب الكردي في نيل حقوقه، إن كان في روجآفا/ غرب كردستان وسوريا، وحتى في باكور/ شمال كردستان وتركيا.

من جهة أخرى، التنافس التركي – الإسرائيلي على الساحة السورية، مردّه اختلاف المشاريع الجيواقتصادية والإيديولوجية لكل منهما، ولا يمكن حصرها بالوجود العسكري وحده. تعتبر تركيا سوريا جزءاً من فضائها الجيوسياسي والاقتصادي، ويجب ألا ينازعها عليها أحد، خاصة أنها كوفئت بشبه “تفويض” من ترامب. تركيا تخطط بتحويل كل خطوط نقل الغاز والنفط القطري والخليجي عبر الأراضي السورية إلى أراضيها، ومن ثم نقلها إلى أوروبا، وتطرح نفسها أنها الوحيدة القادرة على حماية ممرات وسلاسل توريد الطاقة، بفضل قوتها العسكرية ونفوذها في سوريا. وعلى ضوء هذه الرؤية، تبذل جهوداً سياسية ودبلوماسية واسعة لتوثيق علاقاتها مع دول الخليج وتوقيع اتفاقيات شراكة دائمة معها، لتكون البديل للمشروع الإسرائيلي.

غير أن إسرائيل تستخدم كل قوتها العسكرية والاقتصادية، والدعم الغربي لها، في الاستفراد بمشاريع مرور خطوط الطاقة من الأراضي السورية وتحويلها ميناء “حيفا” إلى نقطة استراتيجية ونهائية لوصول إمدادات النفط والغاز الخليجي إلى أوروبا عبر البحر المتوسط وقبرص واليونان، متجاوزة الجغرافيا التركية. والاحتكاكات العسكرية التركية – الإسرائيلية على الجغرافيا السورية مصدرها هذه التوجهات المختلفة لكل منهما. وتعمل إسرائيل على إغلاق المجال الحيوي “البري والبحري” أمام التمدد التركي في الشرق الأوسط، عبر توقيع اتفاقيات مع كل من اليونان (الخصم التاريخي لتركيا) وقبرص، ومحاولة جر مصر إليها أيضاً، إضافة إلى زعزعة الوجود الاستراتيجي التركي في سوريا، عبر خلق العديد من المصاعب لها، والضغط باتجاه إلغاء وجودها العسكري، الذي يشكل ضمانة لحماية مصالحها في سوريا.

والمقاربة التركية من حل القضية الكردية في كل من باكور/ شمال كردستان وتركيا، وأيضاً في روجآفاي/ غرب كردستان وسوريا، ضمن مشروع “السلام والمجتمع الديمقراطي” الذي أطلقه الزعيم الكردي عبد الله أوجلان، لا يعد أكثر من مناورة سياسية على التهرب من استحقاقات حل القضية الكردية، بل ترى تركيا فيه مدخلاً لتحقيق نوع من الاستقرار الداخلي، للانطلاق نحو تحقيق النجاح في مشاريعها الخارجية في التمدد والسيطرة على الجغرافيا خارج حدودها، وكذلك تحويل نفسها إلى عقدة مرور مشاريع الطاقة وسلاسل توريدها. فهي تعتبر إنهاء الكفاح المسلح لحزب العمال الكردستاني ضماناً لنجاح مشروعها “طريق التنمية”، حيث كانت في البداية تخشى كثيراً أن يفشل المشروع نتيجة اصطدامه بالقوة العسكرية للعمال الكردستاني في باشور/ جنوب كردستان.

تنظر تركيا إلى نفسها على أن جغرافيتها جاذبة لمرور جميع سلاسل توريد الطاقة منها، وتبني تصوراتها ورؤاها الاستراتيجية على ضوئها، في إقامة التحالفات والاصطفافات من مختلف أطراف الصراع في المنطقة.

التحالف الأخير بين تركيا، السعودية وباكستان مؤخراً ضمن ما أطلق عليه اسم “اتفاق مكة”، جاء ضمن رؤية ثلاثية للدول الثلاث في تعزيز دورها في المنطقة. ويُنظر إليه كتحالف “إسلامي – سني” في مواجهة إيران “الشيعية”. فالتحالف يستند إلى قاعدة قوة الردع النووية الباكستانية، والقوة العسكرية التركية، والقوة الاقتصادية السعودية، لتكون ندّاً لإيران، ما يزيد من حالة التوتر والنزاعات في المنطقة. والحقيقة الثابتة في كل التحالفات في الشرق الأوسط، أنها لا يمكن أن ترى النور إلا بمباركة أمريكية، واتفاق مكة لم يكن استثناء. ولم تجد فيه إسرائيل أي تهديد لأمنها القومي والاقتصادي، واعتبره البعض مجرد ظاهرة صورية لا يمكن أن يؤثر على معادلات التوازن في المنطقة وعلى سلاسل توريد الطاقة، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن السعودية وقعت فيما سبق معاهدات واتفاقيات استراتيجية مع الولايات المتحدة. كما أن التحالف الإسرائيلي – الإماراتي سيحدّ من تأثير وفاعلية اتفاق مكة.

ورغم أن تركيا أبدت موقفاً “محايداً” نوعاً ما من الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، إلى أنها دائمة مسكونة بهاجس تطوّر الملف الكردي في روجهلاتي/ شرق كردستان، وحصول الكرد على حقوقهم بعد تغيير النظام الإيراني. لكن بعد عقد قمة حلف “الناتو” في أنقرة، أبدت استعدادها للمشاركة في أي جهد عسكري ضد إيران، ولا تزال الولايات المتحدة تدرس خيار إشراكها في الحرب ضد إيران في حال فشلت في التوصل إلى اتفاقية بشأن مضيق “هرمز” ومستقبل إيران، خاصة أن أنقرة تنظر إلى أي تصعيد أمريكي – إيراني من زاوية تأثيره على أمن حدودها الجنوبية، ومسارات الطاقة، واستقرار العراق وسوريا، حيث تمتلك حضوراً عسكرياً مباشراً فيهما.

تركيا ما بعد قمة الناتو ليست كما قبلها، حيث أن الولايات المتحدة والغرب عموماً وضع شروطاً مجحفة أمامها لعودتها إلى “الحظيرة الأطلسية”، منها التخلص من منظومة صواريخ “إس – 400” الروسية، والمساهمة في الجهد العسكري ضد روسيا في أوكرانيا، وهو شرط يضعها في مواجهة روسيا.

 

 

كردستان في قلب صراع سلاسل التوريد:

مرة أخرى يعيد التاريخ نفسه بشكل تراجيدي بالنسبة لجغرافية كردستان، فمثلما كانت ملتقى وبؤرة لصراع الإمبراطوريات الكبرى في التاريخ مثل الرومانية، الفارسية، العثمانية، ولاحقاً في صراع الاستعمار الأوروبي في بدايات القرن العشرين، كذلك في هذه المرحلة الدقيقة من القرن الواحد والعشرين، وفي خضم التنافس والصراع على مصادر الطاقة والنفوذ الجيوسياسي والاقتصادي، تغدو كردستان ساحة تتوجه إليها الأنظار، لوقوعها على تقاطعات طرق إمداد الطاقة وسلاسل التوريد، إن كان في باشور أو روجآفا أو باكور.

تركيا تبني تصوراتها واستراتيجياتها في المنطقة للسيطرة على كامل جغرافية كردستان، ووضع يدها على مقدراتها الاقتصادية، وخاصة النفط والغاز ومناجم المعادن النادرة مثل “النيكل، الكروم، النحاس والحديد”، إضافة إلى استخدام أراضيها كممرات لمشروع “طريق التنمية”، دون إشراك الكرد ممثّلة بحكومة إقليم كردستان فيها.

إلا أن حكومة إقليم كردستان، كان لها حضوراً مقبولاً في المحافل الاقتصادية الدولية الهامة لتقاسم مناطق النفوذ الاقتصادي والسياسي، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط. مشاركة حكومة إقليم في منتدى “دافوس” الاقتصادي، ومؤتمرات الدول الصناعية السبع الكبار في العالم (G7)، يعتبرها بعض المراقبين بداية الدخول والانخراط في جهود رسم توازنات القوى في الشرق الأوسط. فرغم النكسة التي مُنِيَ بها الإقليم بعد استفتاء الاستقلال عام 2017، واقتطاع كركوك الغنية بموارد الطاقة من جغرافيتها، إلا أنه لا يزال يحتفظ بقوته، من حيث التأثير في معادلات سلاسل توريد الطاقة في المنطقة والعالم، رغم عدم انخراطه في حروب ومنافسات مع القوى الإقليمية والعالمية الكبرى، وتمكن من الحفاظ على حياديته “الإيجابية”.

امتلاك إقليم كردستان باحتياطيات كبيرة من النفط والغاز والمعادن النادرة، يجعل له أهمية كبيرة في سلاسل توريد الطاقة. ورغم الهامش الضيق لتحركاته الاقتصادية والسياسية، بفعل ارتباطاته الوثيقة مع الحكومة المركزية العراقية، والتضييق الدائم عليه من قبل تركيا، إلا أنه يعمل على فتح مسارات أمامه، تمكنه من تسجيل حضوره بين اللاعبين الدوليين والإقليميين، خاصة في مجال الطاقة ونقلها وضمان أمن سلاسل التوريد ضمن نطاقه الجغرافي. ويحرص الإقليم على الابتعاد عن التجاذبات الإقليمية والدولية المبنية على التنافس والصراع على مصادر الطاقة وطرقها، كما أنه يحاول أن يوازن بين تطلعاته في إطلاق تنمية شاملة في الإقليم والاستحواذ على أحدث التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي، وربط هذه التنمية بالتحوّلات السريعة في العالم، عبر تطوير البنية التحتية في مدنه، من خلال شق الطرق الحديثة والسريعة، وإعادة تأهيل المرافق العامة، وتغيير واجهة مدنها، لتكون أكثر قابلية وجاذبة للاستثمارات، وخاصة في مجال النفط والغاز.

إن بيئة آمنة ومستقرة قادرة على جذب الاستثمارات الأجنبية في الإقليم، لها دور كبير في تطوره، وتساهم في ربط الإقليم مع العالم، ويضعه في قلب التغيّرات والتحوّلات الجديدة، خاصة في مجال الاقتصاد. ولا يمكن بمطلق الأحوال بناء اقتصاد قوي ومتماسك ومنتج دون سياسة واعية وراشدة.

والدعوة التي أطلقها مبعوث الرئيس الأمريكي لسوريا والعراق “توماس باراك”، حول ضرورة التوجّه نحو بناء الدول المركزية في المنطقة، والتلميح بتهديد إقليم كردستان ودعوته لحلّ قوات البيشمركه، واجه معارضة واسعة وكبيرة من قبل الكرد والعديد من الدول الإقليمية، ليعود ويقدم اعتذاره لحكومة الإقليم، ويقول بأن هناك سوء تفسير ونقل المعلومة إلى رئيسه ترامب. واعتذاره يؤكّد قوة حضور الإقليم في معادلات التوازن في المنطقة، وأنه لا يمكن تجاهل دوره في أمن واستقرار المنطقة، وهو ما يؤكد على دوره في رسم معالم مستقبل المنطقة.

 

الخاتمة:

تحتدم المنافسة في العالم للسيطرة على سلاسل توريد الطاقة والمعادن النادرة، وتتخذ تلك المنافسة أشكالاً عديدة وتتطور في أحيان كثيرة إلى صراعات وحروب، إلا أن الطابع المشترك بينها، أنها تهدف إلى السيطرة الاقتصادية وتتجاهل أشكال السيطرة السياسية على غرار الاستعمار القديم في بداية القرن المنصرم.

رغم أن منطقة الشرق الأوسط متخمة بالصراعات القومية، الإثنية، الدينية والمذهبية، إلا أنها تشكل في الوقت الراهن مركزاً رئيسياً واستراتيجياً للصراعات على سلاسل توريد الطاقة. ويُعاد النظر في رسم خرائطه الاقتصادية قبل السياسية، وتوضع قواعد شرق أوسط جديد بناء على النفوذ الاقتصادي وموقع كل دولة في خريطة سلاسل التوريد، بعد أن غدت معايير القوة يحددها الاقتصاد قبل الجيوش وترسانات الأسلحة.

وتشكل المنافسة على الممرات البرية والبحرية مدخلاً هاماً في القدرة للهيمنة على سلاسل التوريد، وضبط إيقاع حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة. ويبرز التنافس الكبير بين الولايات المتحدة والصين بأشكاله المتعددة، في واجهة الصراع على سلاسل توريد وإمداد الطاقة والمعادن، وتتحدى كل دولة خصمها بقدراتها الاقتصادية ومدى امتلاكها لتكنولوجيا الرقمنة والذكاء الاصطناعي، بعد أن غدت الحرب السيبرانية من أخطر وأقوى الحروب في التسلل لمعلومات الخصم وسحب أسرار قوته، ومن ثم ضربها في مقتل. فبينما تسعى الصين إلى إقامة سلاسل توريد للطاقة خاصة بها، اعتماداً على قوتها الاقتصادية في إطلاق مشاريع بنيوية ضخمة في العديد من الدول التي تقع في نطاق مبادرتها “الطريق والحزام”، فإن الولايات المتحدة تعتمد بشكل أساسي على قوتها العسكرية والتكنولوجية في خنق التوجهات الصينية، والتلويح بإثارة الصراعات في الدول التي تتعامل مع الصين، على غرار إيران، وتقاوم تحوّل كل من الصين وروسيا إلى قطب عالمي منافس لها.

يبقى مصير العالم والمنطقة رهن بصراع القوة الاقتصادية الكبرى، حيث بات من يمتلك اقتصاداً قوياً يتحكم بمصير العالم ويتسلم دفة قيادته.

 

المراجع

______________________________

 

1 – دراسة للدكتورة الباحثة في العلوم السياسية والمتخصصة في الشأن الآسيوي “غدي قنديل” بعنوان “حروب المعادن النادرة”: مشروع فولت الأمريكي وإعادة هندسة التوازنات الجيواقتصادية في وسط وجنوب آسيا”.

2 – دراسة للأستاذ الدكتور “عباس فاضل علوان”، خبير العلاقات الدولية، بعنوان “الجيواقتصاد السيبراني وإعادة تشكيل أدوات الهيمنة في النظام الدولي”، نشرها مركز “رع” للدراسات الاستراتيجية.

3 – دراسة للكاتب “م. محمد صادق ديب” بعنوان “الشرق الأوسط 2026: صراع المحاور وإعادة هندسة الخرائط”، نشرها المركز السوري للعلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية.

4 – دراسة لمركز “عُمان الاقتصادي بعنوان “ماذا تعني “الهيمنة في مجال الطاقة” بالنسبة لأمريكا؟”.

5 – تقرير للباحثة “زينب ربوع”، زميلة برامج في مركز السلام والأمن في الشرق الأوسط بمعهد “هدسون” في أمريكا، نشرته مجلة “ناشيونال إنتريست” الأمريكية، حول “ثورات الربيع العربي”.

6 – دراسة للكاتب “حسن زنيند” بعنوان ” كيف فتح “الربيع العربي” أبواب النفوذ الصيني في الشرق الأوسط؟”، نشرها موقع “دويتش فيليه الألماني.

7 – دراسة للدكتورة “آنا بروجيل”، خبيرة سياسات الطاقة المستدامة والأستاذة بجامعة جونز هوبكنز، نشرته مجلة “ناشيونال إنتريست” الأمريكية، حول نقاط القوة الاقتصادية الأمريكية ومحاولاتها للهيمنة الأمريكية على مصادر الطاقة.

8 – وثيقة أمريكية حول استراتيجية الأمن القومي الأمريكي في عام 2022.

9 – دراسة للدكتور “محمد بن صقر السلمي” بعنوان “التنافس الأمريكي – الصيني وانعكاساته على منطقة الشرق الأوسط” نشرها “المعهد الدولي للدراسات الإيرانية”.

10 – دراسة تحليلية للكاتب “جلال نصار”، رئيس وحدة الدراسات العربية، بعنوان “إعادة اختراع الشرق الأوسط واليوم التالي لـ”ولادة البديل”.

 

كاتب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.