مجلة فكرية سياسية ثقافية تعنى بشؤون الشرق الأوسط

سردية دعوات السلام في الشرق الأوسط ومسار التحول الاستراتيجي

 

صلاح الدين مسلم

أولاً: مقدمة البحث:

تتخذ منطقة الشرق الأوسط موقعاً محورياً في النظام الدولي، إذ تتداخل فيها مصالح القوى الكبرى مع الصراعات الإقليمية والنزاعات الهوياتية، لتشكل بوتقة تغلي بالأزمات المتجددة. في هذا السياق، تبرز سردية دعوات السلام كخطاب متقاطع تتنازعه أطراف متعددة ذات مصالح متباينة، بينما يظل واقع الحروب قائماً بفعل محركات بنيوية وأيديولوجية عميقة . غير أن المشهد السياسي في المنطقة شهد تحولاً استراتيجياً غير مسبوق تمثل في مبادرة القائد عبد الله أوجلان التاريخية في 27 شباط/فبراير 2025، التي دعت إلى حل حزب العمال الكردستاني ونبذ العنف، مما فتح آفاقاً جديدة لفهم إمكانية تحقيق السلام في المنطقة من منظور يتجاوز النماذج التقليدية .

تستند هذه الدراسة إلى المادة التحليلية المقدمة تحت عنوان “سردية دعوات السلام في الشرق الأوسط ومسار التحول الاستراتيجي” للكاتب صلاح الدين مسلم، والتي ترصد تشابك خطابات السلام مع محركات الحرب، وتقدم تحليلاً معمقاً لأطراف النزاع وفق تصنيفات متعددة، مع تركيز خاص على دور القائد أوجلان كصانع سلام تاريخي وتحول الموقف التركي من العداء إلى احتضان مشروع السلام.

ثانياً: مشكلة البحث:

تتمثل المشكلة البحثية في المفارقة الجوهرية القائمة بين تعدد الأطراف المنادية بالسلام في الشرق الأوسط واستمرار دوافع الحرب بفعل بنى أيديولوجية وسياسية واقتصادية متجذرة. فبينما تبرز أصوات متعددة تدعو إلى التهدئة – من دول لها مصالح اقتصادية، وشعوب منهكة، ومنظمات دولية، ونخب مثقفة، وأجيال شابة – يواصل محركو الحرب دفع المنطقة نحو مزيد من التصعيد، في إطار مشاريع توسعية استيطانية، ومصالح مالية خفية، ونرجسية سياسية، واستغلال ممنهج للصراعات.

وتتفاقم هذه الإشكالية مع بروز تحول دراماتيكي تمثل في مشروع السلام العظيم بقيادة القائد عبد الله أوجلان، والذي أعاد تعريف علاقة الحركة الكردية بالدولة التركية، وأحدث زلزالاً في حسابات القوى الإقليمية والدولية. وتطرح هذه التحولات أسئلة حول:

– طبيعة العلاقة بين خطابات السلام ومحركات الحرب في الشرق الأوسط.

– مدى نجاح مشروع القائد أوجلان في تفكيك منطق الدولة القومية لصالح نهج كونفدرالي ديمقراطي.

– إمكانية تجاوز الصراعات الهوياتية عبر تحويل الملف الكردي من أداة ضغط خارجي إلى مشروع سلام داخلي.

– موقف النخب الكردية المختلفة من تحولات روج آفا وصراعها الفكري مع الرؤية الأوجلانية.

ثالثاً: أهداف البحث:

الأهداف العامة:

  1. تحليل سردية دعوات السلام في الشرق الأوسط وتفكيك بنيتها الخطابية بين الداعين للسلام ومحركي الحرب.
  2. دراسة التحول الاستراتيجي في الموقف التركي تجاه الملف الكردي بوصفه نموذجاً لإعادة تعريف المصالح الوطنية.
  3. تأصيل فكر القائد عبد الله أوجلان كمنظومة نقدية تتجاوز منطق الدولة القومي نحو الأمة الديمقراطية والكونفدرالية.

الأهداف الخاصة:

  • تصنيف الأطراف الدافعة للحرب وفق أربع ركائز: الأيديولوجية (الصهيونية الاستيطانية)، والسياسية (القيادة الشخصانية الفوضوية)، والنفسية (المثقفين المأججين)، والاقتصادية (شبكات السلاح والنفط) .
  • دراسة دور المثقفين الكرد والنخب السياسية في تشكيل الرؤية المستقبلية لروج آفا.
  • تحليل استراتيجية اللوبي اليهودي وتفكيك حساباتها عبر خطة القائد أوجلان.
  • استخلاص دلالات المشروع الأوجلاني بوصفه نقلة نوعية من سياسة الهوية إلى سياسة المواطنة ومن منطق الدولة إلى منطق المجتمع .

رابعاً: أسئلة البحث

السؤال الرئيس:

كيف يمكن قراءة سردية دعوات السلام في الشرق الأوسط ومسارها التحولي، في ضوء فكر القائد عبد الله أوجلان كمنهج نقدي يتجاوز منطق الدولة القومي نحو الأمة الديمقراطية والكونفدرالية؟

الأسئلة الفرعية:

  • ما طبيعة العلاقة الجدلية بين خطابات السلام ومحركات الحرب في الشرق الأوسط، وكيف يمكن تصنيف الأطراف المتصارعة وفق طبيعة محركها؟
  • كيف تفسر التحولات الاستراتيجية في الموقف التركي (أردوغان وبخجلي) تجاه الملف الكردي، وما العوامل التي أوجبت احتضان مشروع السلام؟
  • بأي معنى يمثل فكر القائد أوجلان نقلة نوعية من سياسة الهوية إلى سياسة المواطنة، ومن منطق الدولة إلى منطق المجتمع؟
  • ما موقف النخب الكردية المختلفة (المدنية، القومية، البراغماتية) من تحولات روج آفا، وكيف تقرأ الحرب في غربي كردستان؟
  • كيف أفشلت خطة القائد أوجلان حسابات اللوبي اليهودي وحولت الملف الكردي من أداة ضغط إلى مشروع سلام داخلي؟
  • لماذا يُعد التيار التركي (الاحتواء الدبلوماسي) الأقرب للنصر مقارنة بتيار الحرب (إسرائيل وترامب)؟

خامساً: الفرضيات

  • فرضية الأساس: إن الصراع في الشرق الأوسط ليس صراعاً بين دول أو قوميات بقدر ما هو صراع أنطولوجي بين مشروعين كونيين: مشروع الدولة السلطوية القائم على القمع والمركزية، ومشروع المجتمع الديمقراطي القائم على الكونفدرالية والجينولوجيا والبيئة والعيش المشترك.
  • فرضية التحول: إن اضطرار أردوغان لاحتضان مشروع السلام لا يعكس انكساراً بقدر ما هو خيار استراتيجي فرضته حسابات القوة والاستقرار الإقليمي والمتغيرات الجيوسياسية بعد سقوط نظام الأسد.
  • فرضية التفوق الفكري: إن فكر القائد أوجلان يتفوق على خطاب الحرب (ترامب والصهيونية) لأنه حول الصراع من معركة على الأرض إلى معركة على العقول، حيث تثبت الرؤية المجتمعية فشل العقلانية السلطوية.
  • فرضية الصدع المعرفي: إن النخب الكردية المنتقدة لمسار روج آفا تعاني من انفصال معرفي عن جوهر المشروع الأوجلاني، إذ تقيس النجاح بمعايير الدولة القومية بدلاً من معايير تحرير المجتمع من الدولة.
  • فرضية إفشال اللوبي: إن خطة القائد أوجلان نجحت في نسف حسابات اللوبي اليهودي من خلال إلغاء “البضاعة” التي يتاجرون بها (الصراع المسلح) وتحويل الملف الكردي إلى نموذج سلام يحتذى به .
  • فرضية الانتصار الحتمي: الرابح الوحيد في مشهد الشرق الأوسط هو فكر القائد أوجلان نفسه، ليس كتنظير أكاديمي بل كممارسة حية أثبتت قدرتها على الصمود حيث فشلت الجيوش والأنظمة .

 سادساً: حدود البحث:

الحدود الزمانية:

يمتد الإطار الزمني للدراسة من تشرين الأول/أكتوبر 2024 (بداية مبادرة بخجلي) إلى أيار/مايو 2026 (استجابة PKK بحل نفسه)، مع إشارات إلى الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران في شباط/فبراير 2026. ويشمل البحث تطورات مشروع السلام العظيم في 27 شباط/فبراير 2025 وإعلان وقف إطلاق النار في 1 آذار/مارس 2025 .

الحدود المكانية:

تتركز الدراسة في منطقة الشرق الأوسط، مع التركيز على الدول الفاعلة في مشهد الصراع والسلام: تركيا، سوريا، العراق، إيران، إسرائيل، ودول الخليج، إضافة إلى الولايات المتحدة كقوة خارجية مؤثرة، وأوروبا وبريطانيا في موقع الحياد المتردد. وتولي الدراسة اهتماماً خاصاً لمنطقة روج آفا (شمال وشرق سوريا).

 سابعاً: منهج البحث:

تعتمد الدراسة على منهجية متكاملة تجمع بين عدة مناهج، وفقاً لما يقتضيه التحليل النقدي للخطاب السياسي والنظريات السلمية:

  • المنهج السيميائي السردي

يُعتمد هذا المنهج لتحليل بنية الخطاب السياسي، وفق نموذج غريماس السيميائي الذي يقوم على ثلاث طبقات: طبقة الوظائف (الأحداث والعقد)، وطبقة الفاعلين (الشخصيات أو القوى التي تقوم بالفعل)، وطبقة الدلالة (القيم والمعاني المنتجة من السرد) . يساعد هذا المنهج في تفكيك سردية دعوات السلام كخطاب يحمل بناءً حكائياً وطنياً، حيث تتحول الشخصيات السياسية إلى وظائف سردية يمكن تبادل مواقعها داخل البنية الحكائية.

  • المنهج النقدي التحليلي لخطاب السلام

يستند إلى النقد الموجه لبناء السلام الليبرالي كما طرحه مفكرون مثل ريتشموند وماك جينتي، الذي يرى أن بناء السلام الليبرالي هو استمرار للعمليات الإمبريالية والاستعمار الجديد، حيث يُعطي الأولوية للسياسات الأمنية والتوزيع على حساب السياسات التكاملية والتنمية المحلية، ويقبل التعايش الطائفي بالإكراه بدلاً من تحقيق سلام تحويلي حقيقي . يُستخدم هذا المنهج لنقد خطاب السلام الغربي ومقارنته بمشروع السلام الأوجلاني.

  • المنهج المقارن

للمقارنة بين نموذجين: النموذج الصهيوني-الأميركي القائم على “تغيير الشرق الأوسط بالقوة”، والنموذج التركي القائم على “الاحتواء الدبلوماسي”، إضافة إلى مقارنة مواقف النخب الكردية المختلفة من مشروع القائد أوجلان.

  • منهج تحليل الخطاب النقدي

وفق نموذج فايركلو، لدراسة العلاقة بين اللغة والأيديولوجيا والسلطة في خطابات السلام والحرب، مع تحليل كيفية إعادة صياغة السرديات لتتوافق مع الأيديولوجيات السائدة، وتوظيف السمات اللغوية لإضفاء الشرعية على الروايات المحمولة أيديولوجياً .

  • المنهج الظاهراتي (الأنطولوجي)

لفهم الصراع في الشرق الأوسط كصراع وجودي بين منطق الحياة ومنطق الموت، بين فلسفة الحرية التي يمثلها القائد أوجلان وفلسفة القفص التي تمثلها الدولة القومية بكل تجلياتها .

 ثامناً: الإطار النظري:

  • نظريات السلام في العلاقات الدولية

أ. نظرية السلام الديمقراطي:

تفترض أن الدول الديمقراطية لا تخوض حروباً فيما بينها، وتستند إلى قيم الحرية والمشاركة السياسية كضمان للتعايش السلمي. غير أن هذا النموذج يظل محدوداً في تفسير الصراعات التي تشارك فيها الدول غير الديمقراطية أو تلك الخارجة من حروب أهلية .

ب. نظرية السلام الرأسمالي:

تركز على دور الأسواق الحرة والترابط الاقتصادي في ردع الحروب بين الدول، وترى أن المصالح التجارية والاستثمارية المشتركة تخلق حواجز أمام الصراع المسلح. لكن هذه النظرية تتعرض للنقد لقصورها في تفسير النزاعات التي تنشأ رغم الترابط الاقتصادي .

ج. نظرية السلام الليبرالي:

يجمع بين الركيزتين السياسية والاقتصادية، لكنها تتعرض لانتقادات حادة من منظور ما بعد الاستعمار، حيث يُنظر إليها كاستمرار للعمليات الإمبريالية التي تهمش التجارب المحلية للسلام وتفرض نموذجاً غربياً مركزياً .

  • منهج القائد أوجلان النقدي للحداثة والدولة

يمثل فكر القائد عبد الله أوجلان نقلة نوعية في فلسفة السلام، حيث يتجاوز النماذج الليبرالية إلى مشروع “الحداثة الديمقراطية” القائم على:

أ. الكونفدرالية الديمقراطية:

نموذج بديل عن الدولة القومية المركزية، يقوم على الإدارة الذاتية للمجتمعات المحلية، مع روابط كونفدرالية تحترم التنوع الثقافي والهوياتي. يهدف هذا النموذج إلى تفكيك الدولة القومية التي يصفها القائد أوجلان بـ”دولة العصابات” التي لا يمكن إصلاحها، بل يجب تجاوزها .

ب. الجينولوجيا (تحرير المرأة):

كأحد الركائز الأساسية للمشروع الأوجلاني، حيث يُنظر إلى تحرير المرأة كشرط لتحرير المجتمع برمته من الهيمنة الذكورية والسلطوية.

ج. علم البيئة:

بوصفه بعداً أساسياً للتحرر من نموذج الرأسمالية المستنزفة للطبيعة والمجتمعات.

د. العيش المشترك:

كبديل عن النزاعات الهوياتية، عبر بناء مجتمع تعددي يتسع لكل المكونات على قاعدة المواطنة المتساوية لا الهوية الأحادية.

  • نظريات التحليل السردي في الخطاب السياسي

تعتمد الدراسة على النظرية السردية كما طورتها مناهج السيميائيات والسرديات في تحليل الخطاب السياسي، حيث:

– يُنظر إلى الخطاب السياسي كبناء حكائي وطني (National Narrative) يعمل على توجيه الرأي العام وصناعة صورة الذات السياسية .

– يتضمن الخطاب السردي ثلاث طبقات: الوظائف (الأحداث)، الفاعلين (الشخصيات)، والدلالة (القيم والمعاني) .

– يُستخدم السرد كآلية لإنتاج المعنى وتحويل الخطاب إلى قصة قابلة للفهم، مما يجعله أداة فاعلة في صناعة الشرعية وتمرير الأيديولوجيات .

 تاسعاً: الإطار العملي: تفكيك المادة التحليلية وفق NPA7:

هو إطار تحليلي يهدف إلى تفكيك الخطاب السياسي السردي وفق سبعة أبعاد متداخلة، تغطي البنية الخطابية، ومصادر القوة والسلطة، والفواعل الأساسية، واستراتيجيات التأطير، والرؤية العالمية المضمرة، والتحولات الاستراتيجية، وأفق التغيير المحتمل. يسمح هذا الإطار بقراءة شاملة للسرديات السياسية تتجاوز التحليل السطحي إلى البنى العميقة والمحركات الخفية للصراع والسلام.

عاشراً: الدراسات السابقة:

  • دراسات في تحليل خطاب السلام والحرب

– جمال محمد سيلان، حاتم علي حيدر (2025): دراسة بعنوان “السرد والتأطير في التغطية الإعلامية لخطة ترامب في غزة” والتي أظهرت تبايناً واضحاً في تغطية الجزيرة نت وCNN العربية، حيث تبنت الأولى سردية نقدية تحذيرية، بينما اعتمدت الثانية سردية سياسية دعائية. خلصت الدراسة إلى تحول خطاب الموقعين بعد موافقة حماس على الخطة نحو براغماتية سياسية .

– سالي بركات (2025): دراسة حول “خطاب السلام والحرب في السرديات الرقمية حول الحرب الروسية الأوكرانية”، والتي تناولت تحليلاً شبكياً ومضمونياً للوساطة الأميركية بوصفها نموذجاً للتحليل السردي الرقمي .

  • دراسات في نظريات السلام:

– باريس، رولاند (2006): دراسة بعنوان “إعادة إحياء ليفياثان: مقارنة بين الدراسات الكلاسيكية والمعاصرة للسلام الليبرالي”، والتي بيّنت الفروق الجوهرية بين المفاهيم الكلاسيكية (لوك وكانط) التي ربطت السلام بالدولة الفاعلة القادرة على تطبيق سيادة القانون، والمفاهيم المعاصرة التي تعاملت مع مؤسسات الدولة كأمر مسلم به، مما يجعل نتائجها غير قابلة للتطبيق على الدول الخارجة من حروب أهلية ذات مؤسسات مدمرة .

– دراسة مقارنة بين السلام الديمقراطي والسلام الرأسمالي (2026): حللت كيفية تقييد الحرية السياسية والاقتصادية للسلوك الصراعي للدول، وخلصت إلى أن العوامل الاقتصادية التي يقدمها السلام الرأسمالي قد تكون بنفس قوة الديمقراطية في تفسير صنع السلام في العلاقات الدولية .

– بناء السلام الليبرالي في الفكر النقدي: تناولت هذه الدراسات نقد بناء السلام الليبرالي بوصفه استمراراً للإمبريالية والاستعمار الجديد، حيث يُهمش المشاركة المحلية والهوية والقواعد التقليدية للسلطة، ويعيد إنتاج العنف عبر إعادة أمننة الدولة .

  • دراسات في تحليل الخطاب السياسي والسردي

– الجعافرة، خلدون (2025): دراسة حول “التخيل التاريخي بين النص والسلطة”، اعتمدت السيميائيات السردية والمنظور الغريماسي لتحليل الخطاب السياسي في الرواية، وخلصت إلى أن التخيل التاريخي كشف طبيعة نظم الحكم الاستبدادية وآليات تشكل الأنساق الثقافية والدينية في فهم السلطة .

– سالمي أسماء، عامر رضا (2024): دراسة حول “تجليات الحروب الطائفية في الرواية النسوية العربية”، أكدت دور المتخيل السردي كأداة فاعلة في تقديم تفسيرات مختلفة لقضايا الصراع، بعيداً عن التقريرية، وخلق واقع موازٍ يناهض العنف .

– محمد، منال والسويدي، بلقيس (2023): دراسة حول “جسر الأيديولوجيات في الترجمة” طبقت نموذج بيكر السردي والأسلوبية النقدية لتحليل خطاب الصراع اليمني، وأظهرت كيف تُستخدم استراتيجيات إعادة الصياغة والتأطير اللغوي لإضفاء الشرعية على الروايات المحملة أيديولوجياً .

  • الدراسات ذات الصلة بالصراع الكردي والسلام

تشير المادة التحليلية إلى غياب دراسات سابقة متخصصة في تحليل مشروع السلام الذي قاده القائد أوجلان من منظور فكره الفلسفي، مما يمثل فجوة بحثية تسعى هذه الدراسة إلى سدها. تبرز الدراسات الأكاديمية حول التحولات في الشرق الأوسط – مثل كتاب سيمون سيباغ مونتيفيوري “المرجل: صنع الشرق الأوسط الحديث” – أهمية إدراج الأكراد كفاعلين أساسيين في قصة المنطقة، ورفض فكرة العالم العربي المتجانس .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

سردية دعوات السلام في الشرق الأوسط ومسار التحول الاستراتيجي

تبدأ هذه السردية من المشهد المتوتر في الشرق الأوسط، حيث تتصارع دعوات السلام مع نزْعات الحرب التي تُطلقها إسرائيل وأميركا. ففي خضم هذا الصراع، تبرز أطراف متعددة تنادي بالسلام، كل منها بدوافعه وأهدافه المختلفة، لترسم لوحة معقدة من المصالح المتشابكة والرؤى المتضاربة.

أولى هذه الأطراف هي الدول التي ترى في السلام حفاظاً على مصالحها، كتركيا وسوريا والعراق وإيران ولبنان ودول الخليج، التي تعدّ دولها بمثابة مصانع تدرّ المال والسلطة. فالسلام بالنسبة لها ليس خياراً أخلاقياً، بل ضرورة اقتصادية وسياسية تحمي منشآتها وتؤمن استمرار نفوذها. ثم تأتي الشعوب الحرة التي تضررت من ويلات الحروب، والتي تنحو نحو السلام بفعل طبيعتها السلمية وإيمانها بالحياة، فهي الضحية الأكبر والأكثر تطلعاً للاستقرار.

لا يمكن إغفال دور المفكرين الأصلاء، غير الانتهازيين، الذين يرون في السلام رسالة إنسانية تاريخية بدأت مع المفكرين والفلاسفة والرسل والقديسين منذ فجر الكتابة. فهؤلاء يحملون مشعل القيم الإنسانية التي تتجاوز الزمان والمكان. وفي الجانب الاقتصادي، تنخرط الأوساط التجارية والقطاع الخاص ورجال الأعمال في الدعوة للسلام، ليس بدافع أخلاقي محض، بل لأنّ الحرب تعني إغلاق الممرات التجارية، وارتفاع تكاليف التأمين على البضائع، وهروب الاستثمارات، وانهيار العملات. هذه الفئة تمثل ضاغطاً عملياً غير حكوميٍّ على صنّاع القرار، فهي تحمي مصانعها وعقودها وخطوط إمدادها التي تدرّ الأرباح.

كما تساهم المنظمات الدولية والإقليمية، كالأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، في دفع باتجاه التهدئة. هذه الكيانات تسعى للسلام كضرورة للحفاظ على شرعيتها الدولية وميثاقها التأسيسي، وتخشى من انزلاق العالم إلى فوضى تنسف قراراتها وهيئاتها، فتدفع نحو التهدئة كواجب مؤسساتي وقانوني، لا كموقف سياسي عابر. وتبرز في الجهة المقابلة الأصوات العاقلة داخل المجتمعات الغربية والإسرائيلية نفسها، وتضم جنوداً احتياطاً يرفضون الخدمة في الأراضي المحتلة، وصناع سلام إسرائيليين، ولوبيات يهودية معادية للصهيونية، ونخباً أميركية مناهضة للحروب الاستعمارية. هؤلاء يرون في الحرب خطراً على مستقبل كيانهم وسمعة مجتمعاتهم، ويدفعون ثمنها معنوياً واستراتيجياً.

إلى جانبهم، تقوم مؤسسات المجتمع المدني والحقوقية والإعلام المستقل بدور محوري، حيث ينادي الناشطون والمراسلون الميدانيون والهيئات الحقوقية الموثّقة للانتهاكات بالسلام كضرورة إنسانية آنية، لأنهم يرون بأعينهم حجم الدمار اليومي، ويوظفون توثيقهم للضغط من أجل وقف إطلاق النار، بعيداً عن التنظير الفلسفي، بل انطلاقاً من المشهد المباشر للضحايا. وفي العمق، تحمل الأجيال الشابة والمستقبلية في المنطقة صوتاً غائباً عن التمثيل الرسمي، لكنها الأكثر تضرراً، إذ تنادي بالسلام لأنها تريد أن تبني مستقبلها في وطن غير مدمر، بعيداً عن ثقافة الكراهية والحروب الموروثة، وتمثّل الرهان الحقيقي على سلام دائم يمتد لعقود قادمة.

لكن في مقابل هذه القوى الداعية للسلام، يقف محركو الحرب، ويمكن تقسيمهم وفق أربع ركائز رئيسة؛ أولها المشروع الأيديولوجي المتطرف المتمثل بالصهيونية اليمينية الاستيطانية، وتحديداً التيار التوراتي الاستيطاني كحكومة نتنياهو وأحزاب اليمين الديني المتطرف، الذين يرون في الحرب طقساً دينياً وسياسياً لتوسيع المستوطنات وضم الضفة الغربية وغزة، وليس وسيلة للدفاع. إنّهم يريدون حرباً مفتوحة لأنها تخدم مشروعهم التوسعي، وتبقي على حالة التوتر التي تبرر استمرار سيطرتهم على السلطة، حتى وإنْ كلّف ذلك استقرار الكيان نفسه.

وثانيها القيادة الشخصانية الفوضوية التي يمثلها ترامب وفريقه المتهور، الذين لا ينتمون إلى مدرسة الاستراتيجية بقدر ما ينتمون إلى مدرسة إشعال الفوضى الخلاقة. يرون في الحرب صفقة يمكن تسويقها داخلياً للفوز بأصوات اليمين المتطرف ولوبي الأسلحة، ويهدفون إلى كسر نفوذ إيران بالوكالة عن طريق الحرب الشاملة، وإلهاء الرأي العام الأميركي عن المشاكل الداخلية، وفرض سلام بالقوة يملى شروطهم دون اعتبار للقانون الدولي.

أما الركيزة الثالثة فتمثلها النخب الفاشلة والانتهازية، من كتاب ومحللين وقادة مأزومين، ينقسمون إلى محللين غربيين يكتبون من مكاتبهم البعيدة، يروّجون لصراع الحضارات ويزينون الحرب تحت عناوين براقة كحق الدفاع عن النفس أو محور الشر، متجاهلين الإحصاءات الدقيقة للضحايا، وقادة وسياسيين مأزومين يجدون في استمرار الحرب مبرراً لتأجيل الإصلاحات الداخلية، وكبش فداء لتبرير فشلهم الاقتصادي والسياسي، ووسيلة لابتزاز الجمهور باسم التضامن.

ثم تأتي الركيزة الرابعة المتمثلة بشبكات الصناعة العسكرية والطاقة، اللوبي الدفاعي الذي لا يظهر في وسائل الإعلام لكنه المحرك الخفي للحرب. شركات السلاح الأميركية والإسرائيلية وشركات النفط التي تتربص بموارد غاز المتوسط ترى في الحرب سوقاً رائجة لتصريف مخزونها القديم ورفع أسعار العقود، وهي من أكبر الممولين لحملات سياسيي الحرب في الكونغرس، وتدفع باتجاه التصعيد لأن السلام يعني خسارة أرباحها الفائقة.

تتكون بذلك جبهة متواطئة من محرك أيديولوجي هو الاستيطان، ومحرك فردي متهور هو القيادة الشخصانية، ومحرك نخبوي فاشل من الصناع والمحللين المنحرفين، ومحرك مالي خفي من السلاح والنفط. تتكامل هذه الأطراف الأربعة فيما بينها؛ الأولى توفر الشرعية الدينية، والثانية توفر القوة العمياء، والثالثة توفر التغطية الإعلامية، والرابعة توفر التمويل والاستمرارية. ولن يتحقّق سلام الشرق الأوسط ما دام هذا الرباعي متحالفاً، لأنهم يربحون من الموت أكثر ممّا يربحون من الحياة. ومن خلال هذه الرؤية، نلمس البعد النفسي والبعد الاستغلالي المباشر، وهما من أخطر الطبقات التي غالباً ما تهمش في التحليلات السياسية الجافة.

عند إعادة صياغة تصنيف دقيق وشامل لكلّ الأطراف الدافعة للحرب وفق طبيعة المحرك، نجد المحرك الأيديولوجي المقدس المتمثل بالصهيونية الاستيطانية المتطرفة، وتحديداً تيار إسرائيل الكبرى القائم على التفسير التوراتي المسياني (التناخ باليهودية)، الذي يحوّل الأرض إلى معبد والحرب إلى شعيرة دينية، ولا يريد السلام لأنه يلغي مشروعه التوسعي، ويرى في الفلسطينيين عائقاً بشرياً يجب إزالته أو تهجيره. ثم المحرك السياسي الشخصاني الفوضوي الذي يمثله ترامب واليمين الأميركي المتطرف، أصحاب مدرسة كسر الطاولة، الذين يستخدمون الحرب كورقة تفاوضية وانتخابية داخلية، ويبحثون عن صفقة القرن بالقوة العسكرية لا بالمفاوضات، ويهدفون لإحراق المنطقة لإعادة رسم خرائطها بما يخدم الولاء الشخصي لا المصالح الاستراتيجية الراسخة.

ويأتي المحرك النفسي السيكوباتي المتمثل بالمفكرين المأججين والباحثين عن الشهرة، وهم ليسوا جهلة بل مثقفون انتهازيون يستخدمون الحرب كمسرح شخصي. يعانون من عقد النرجسية السادية، يستمتعون بمشاهدة الألم عن بُعد لأنهم في منأى عنه، ويكتبون خطابات الحرب بلغة أدبية مثيرة لجذب المشاهدات. هم ليسوا مقتنعين بما يقولون، لكنهم يدركون أن خطاب الكراهية يبيع أكثر من خطاب السلام. هدفهم الأساس البقاء في دائرة الضوء، وتغذية غرورهم الفكري، واستعراض عضلاتهم التحليلية على حساب دماء الآخرين. وفي الخلفية، يعمل المحرك الاقتصادي الخفي المتمثّل بشبكات السلاح والنفط ولوبي الدفاع، الذين لا يظهرون في الإعلام لكنّهم يمولون الحملات الانتخابية لصناع القرار، ويعتبرون الحرب سوقاً رائجة لتصريف الأسلحة القديمة ورفع عقود الطاقة، وهم المستفيد الأكبر من استمرار التصعيد.

وهناك المحرك الاستغلالي المباشر المتمثل بالجهلة وتجار الحرب السورية على وجه الخصوص، وهذه فئة تختلف تماماً عن سابقتها، فهم ليسوا مفكرين ولا سياسيين كبار، بل طبقة من الهامشيين والمرتزقة والعصابات المسلحة الذين استفادوا مادياً من تهريب الآثار ونهب المصانع وبيع الوقود المهرب وفرض الأتاوات على المعابر الحدودية في سوريا. هؤلاء الجهلة لا يقرؤون التاريخ ولا يهتمون بالقضية، هم – حرفياً – مقاولو الموت الذين وجدوا في الحرب السورية فرصة للثراء السريع، ويتربصون أي حرب جديدة ليفتحوا متاجرهم من جديد. جهلهم ليس جهلاً بالسياسة، بل جهل أخلاقي وإنساني تام. أما المحرك النخبوي الفاشل، فيتمثل بالكتّاب والقادة المأزومين في المنطقة الشرقية، وهم فئة وسط ليست سادية كالمفكرين المأججين ولا جشعة كتجار الحرب، بل دفاعية هزيلة، يستخدمون الحرب كبش فداء لتبرير فشلهم الداخلي اقتصادياً وسياسياً، ويصرفون انتباه شعوبهم بأخبار المواجهة بدلاً من معالجة البطالة والفساد.

يتشكل بذلك هرم عمل متكامل: في القمة المحرك العقائدي المتمثل بالصهيونية المتطرفة التي ترسم الهدف، وفي الجانب الآخر المحرك السياسي الخارجي المتمثل بترامب وفريقه الذي يمنح القوة والغطاء، وفي الواجهة الإعلامية المحرك النفسي المتمثل بالمثقفين الساديين الباحثين عن الشهرة، الذين يصنعون الشرعية الذهنية للحرب، وفي الخلفية المحرك المالي المتمثل بلوبي السلاح والنفط الذي يمول الاستمرارية، وعلى الأرض المحرك الاستغلالي الفوضوي المتمثل بتجار الحرب السورية والجهلة المسلحين الذين ينهبون الخراب لحظة بلحظة، وفي الهامش السياسي المحرك الدفاعي الفاشل المتمثل بالنخب الشرقية المأزومة التي تستخدم الحرب كغطاء لهزيمتها. يعمل هذا الهرم بتناغم: العقيدة ترسم، والسياسي ينفذ، والنفسي يبرر، والمالي يمول، والجاهل ينهب، والفاشل يتستر. لوقف الحرب، لا بد من تفكيك هذا الهرم من قاعدته النفسية والمالية، وليس فقط من قمته السياسية.

في خضم هذا المشهد، يبرز دور القائد عبد الله أوجلان في مشروع السلام العظيم، حيث تحوّل من قائد عسكري إلى صانع سلام تاريخي. وكانت دعوته التاريخية في 27 شباط – فبراير 2025 نقطة التحول الجوهرية، والتي شكلت الأساس لمسار جديد كلياً. حيث طالب القائد أوجلان من سجنه حزب العمال الكردستاني (PKK) بحل نفسه ونبذ العنف، واضعاً حداً لصراع دام أكثر من 40 عاماً وأودى بحياة نحو 40 ألف شخص. أدت دعوته إلى إعلان وقف إطلاق النار في 1 آذار – مارس 2025، وفي أيار – مايو 2025، استجاب الحزب رسمياً بحل نفسه وإنهاء نشاطه المسلح. أكد القائد أوجلان في رسالة لاحقة أن ولى زمن النزاع المسلح وأن مسار السلام لا رجعة فيه، كما طالب بصيغة جديدة تعيد تعريف علاقة الكُرد بالدولة التركية، وأعرب عن رغبته بمخاطبة الرأي العام التركي لنشر رؤيته.

كانت العلاقة بين أوجلان وبخجلي التحالف العملي الأكثر غرابة في هذه العملية، حيث لعب بخجلي دور المحرك السياسي والميسر، وكان من أطلق المبادرة في تشرين الأول – أكتوبر 2024 بدعوته لالقائد أوجلان لحث حزبه على إنهاء حملته العسكرية، واقترح السماح له بالتحدث في البرلمان. وبعد إقرار الإطار القانوني للسلام، طالب بخجلي بتهيئة الظروف لتمكين القائد أوجلان من مواصلة المساهمة في العملية، معتبراً إياه القائد المؤسس للحزب.

عمل حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM) كحلقة وصل بين أنقرة وأوجلان، حيث اجتمع وفد منه مع بخجلي وأردوغان لمناقشة إعادة إطلاق الحوار. أما اضطرار أردوغان إلى الانحياز لهذا المسار، فكان تحولاً استراتيجياً فرضته عدة عوامل: انتهازية سياسية، حيث أعلن أردوغان النصر بعد استجابة PKK لدعوة القائد أوجلان ليقدم العملية كإنجاز يعزز شعبيته، والحاجة لاستقرار إقليمي بعد اندلاع الحرب في الشرق الأوسط التي سلطت الضوء على أهمية مسار السلام الذي اعتمدته تركيا، وإعادة تعريف المصالح حيث أصبح السلام وسيلة لتثبيت المكاسب ومواجهة تحديات إقليمية جديدة متجاوزاً عداوته التاريخية للكُرد، والقبول بواقع سياسي جديد حيث أقر أردوغان بمرحلة جديدة لإنهاء العنف، مما يعني قبوله جدولَ أعمال حدّده بخجلي وأوجلان وإن كان تحت شعار تركيا الخالية من الإرهاب.

تشكل هذه العملية مفارقة سياسية كبرى: أوجلان القائد المسجون هو صاحب الرؤية والمبادر، وبخجلي القومي المتطرف هو المحرك السياسي غير المتوقع، وأردوغان الرئيس القوي هو المضطر لاحتضان المشروع لاعتباره أقل الخيارات ضرراً. يحقق هذا المثلث مصالح كل طرف: القائد أوجلان ينتقل من مربع العنف إلى مربع الشرعية السياسية، وبخجلي يعزز نفوذه كصانع قرار محوري، وأردوغان يحقق إنجازاً أمنياً ويعيد تعريف سياسته الداخلية. تتطلب العملية الآن إطاراً قانونياً شاملاً لتثبيت مكاسبها، ومراقبة تنفيذها على الأرض.

إن اضطرار أردوغان لاحتضان مشروع السلام لا يعكس انكساراً بقدر ما هو خيار استراتيجي فرضته حسابات القوة، حيث تحول القائد أوجلان من إرهابي (حسب زعم الدولة التركية) إلى شريك لا غنى عنه، بينما لعب بخجلي دور المهندس لهذا التحول. تكمن عظمة القائد أوجلان في قدرته على تحويل أوراقه من موقع الضعف، إذ أقدم في 27 شباط – فبراير 2025 على خطوة تاريخية بدعوة حزبه لحلّ نفسه ونبذ العنف، مما جعله صانع سلام بدلاً من كونه قائداً متمرداً. القائد أوجلان هو الزعيم المؤسس والرمز الأهم للحركة الكردية، وحظيت دعوته استجابة مباشرة من الحزب، مما جعله الطرف الوحيد القادر على إنهاء صراع دام 40 عاماً. جعل القائد أوجلان نفسه جزءاً من الحل وليس المشكلة، ممّا أجبر أنقرة على التعامل معه كشريك في إدارة العملية لضمان نجاحها.

أمّا التحول الأغرب فتمثل في بخجلي؛ زعيم القوميين المتشددين، الذي لعب دوراً محورياً كجسر عبور. ففي تشرين الأول – أكتوبر 2024، فاجأ بخجلي الجميع بدعوته للقائد أوجلان لإلقاء السلاح، ولم تكن خطوته فردية بل تمت بتنسيق كامل مع أردوغان، ليمنحه غطاءً سياسياً لتقبل ما كان محظوراً. وقد واصل بخجلي دوره باقتراح منح القائد أوجلان دوراً رسمياً كمنسق لعملية السلام مع بقائه في السجن. ولم يكن احتضان أردوغان للسلام نابعاً من قناعة، بل من إكراهات واقعية؛ فالمكاسب السياسية بإعلان النصر فور استجابة الحزب ليقدم العملية كإنجاز يعزز شعبيته ويحقق وعده بتركيا الخالية من الإرهاب، والاستقرار الاقتصادي حيث دمّر الصراع اقتصاد جنوب شرق تركيا لعقود والسلام يفتح آفاقاً للتنمية، والحاجة لإعادة الهيكلة حيث القائد أوجلان هو الضامن الوحيد لمنع انشقاقات جديدة داخل الحزب وإشراكه يضمن تفكيكاً منظماً للمنظمة، والمتغيرات الإقليمية بعد سقوط نظام الأسد حيث وجد أردوغان فرصة لحلّ الملف الكردي نهائياً، كما أنّ التطورات في سوريا والشرق الأوسط جعلت الأطراف تميل إلى الانتظار. وقد أدرك أردوغان أنّ استمرار الصراع يكلفه أكثر من السلام، ولم يكن خياره نابعاً من ضعف بل من حسابات باردة للسلطة، حيث تحول القائد أوجلان من خصم إلى أداة، واستخدم بخجلي كغطاء ليخرج من المأزق وهو يرفع راية النصر.

عند توسيع نطاق النظر ليشمل التيارين المتصارعين في المنطقة، نجد أنّ المشهد لا يقتصر على صراع محلي، بل هو مواجهة بين تيار إعادة التشكيل بالقوة الذي تقوده إسرائيل وترامب، وتيار الاحتواء الدبلوماسي الذي تقوده تركيا، بينما تقف أوروبا وبريطانيا في منطقة رمادية تحاول فيها حفظ ماء الوجه. فالتيار الأول؛ مشروع تغيير الشرق الأوسط الذي تقوده إسرائيل وترامب، لا يريد حرباً تقليدية بل حرباً وجودية لإعادة رسم خريطة المنطقة من جذورها. يرى قادة إسرائيل في الحرب على إيران التي انطلقت في 28 فبراير 2026 فرصة لتفكيك محور المقاومة وإعادة تشكيل الشرق الأوسط حسب رؤيتهم التوسعية، وهو حلم يعود لنظرية شد الأطراف منذ أيام بن غوريون. أمّا ترامب المتهور جداً فينظر إلى الحرب كجزء من صفقة كبرى، إذْ يضغط عسكرياً على إيران لكنه يربط أي اتفاق نووي معها بشرط أساسي: تطبيع إلزامي لكلّ من السعودية وقطر وباكستان مع إسرائيل. هدفه ليس الاستقرار، بل فرض نظام أميركي جديد يخدم رؤيته لجعل أميركا عظيمة مجدداً.

في مقابل الفوضى، يقدم أردوغان المضطر لاحتضان السلام نموذجاً مختلفاً قوامه المصالح العملية وتجنب الهاوية، وهو التيار الثاني؛ مشروع الاحتواء الدبلوماسي. إذْ أعلنت تركيا معارضتها الشديدة للحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وحذّر أردوغان من أنها ستجر المنطقة إلى دائرة من النار. في خطوة دراماتيكية، كشفت تقارير أن أردوغان أفشل خطة سرية للـ(CIA) وكان الموساد يهدف إلى إشعال انتفاضة كردية مسلحة للإطاحة بنظامها. وكان خوفه أنّ أيّ كردستان جديدة على حدوده ستسلح خصومه السياسيين وتزعزع أمنه. فمشروع السلام مع القائد أوجلان ليس منعزلاً، وأيّ تفاهم بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية سيفتح المجال أمام تقدم سلام أنقرة مع الـ(PKK).

بين هذين القطبين، تقف بريطانيا وأوروبا في موقف المنزعج العاجز، منقسمة ومنزعجة من تهور ترامب. تصف بريطانيا الحرب على إيران بأنها غير شرعية، وتحاول جاهدة موازنة دعمها واشنطن مع حماية مصالحها كأمن الطاقة والملاحة دون الانجراف للمواجهة المباشرة، وقد تعرّضت قاعدتها الجوية في قبرص لهجوم، ممّا زاد من قلقها. أمّا الاتحاد الأوروبي فهو عاجز عن صياغة موقف موحد، فمواقف الدول منقسمة، وتوجُّهها العام استراتيجية دفاعية لحماية أراضيها وليس الانخراط العسكري. وقد تزايدت انتقاداتها لإسرائيل بسبب الحرب على غزة، لكنّها تبقى حائرة بين الضغوط الأميركية ومخاوفها الأمنية. وقد فشل الاتحاد في اتخاذ إجراءات عقابية ضد إسرائيل يثير اتهامات له بالصمت.

برأي المراقبين، إنّ تيار الاحتواء بقيادة تركيا هو الأقرب للنصر، وذلك لأسباب عملية: فهناك مؤشرات واضحة تشير إلى فشل الحرب الأميركية-الإسرائيلية في تحقيق أهدافها، فما زالت إيران صامدة، ومشروع التغيير تحول إلى مستنقع فشل في تحقيق أهدافه حتى اضطر ترامب إلى التراجع عن هجماته وهناك حديث عن تسوية. فوصف ترامب لأردوغان بأنه من قادة العالم الأكثر ثقة لديه يمنح أنقرة نفوذاً هائلاً لإقناع واشنطن بجدوى مسار السلام.

إنّ التيار الحربي يدرك أن استمرار الصراع يكلفه أكثر من السلام، بينما يقدم تيار أردوغان مكاسب آنية كأمن حدودي واستقرار اقتصادي دون تكبد عناء حرب إقليمية شاملة. فالتيار الرابح هو من يمتلك مشروعاً عملياً لا ينهك حلفاءه، وهذا ما تقدمه تركيا عبر مشروع السلام. وفي المقابل، يبدو أن تيار ترامب وإسرائيل يعاني انكساراً استراتيجياً يدفعه إلى القبول تدريجياً بخطاب التهدئة، وإن ظلّ يلوح بتهديداته.

لم تغفل خطة القائد أوجلان المستقبلية قوة اللوبي اليهودي في تركيا، بل استبقتها ونسفت حساباتها، محولة إياه من شريك في اللعبة إلى لاعب خارج السباق. فلطبيعة هذا اللوبي نفوذ تاريخي واستراتيجي، ويمتلك جذوراً عميقة، وغالباً ما يستخدم كورقة ضغط لتعزيز العلاقات مع واشنطن وإسرائيل، حيث سبق لإسرائيل أن استفادت من معلومات استخباراتية عن القائد أوجلان. تركز قوته في قدرته على التأثير على السياسة الأميركية لا على القرار التركي الداخلي بشكل مباشر.

لقد جاءت خطة القائد أوجلان كزلزال حول كل هذه الحسابات رأساً على عقب. أولاً، نزعت ورقة الصراع الداخلي، فكانت إسرائيل واللوبي يستفيدان من استمرار الصراع الكردي لإضعاف تركيا داخلياً، لكن القائد أوجلان بدعوته التاريخية في 27 شباط – فبراير 2025 أنهى هذه اللعبة بنزع سلاح الحزب وحل نفسه. ثانياً، لم يكتفِ بالدعوة بل وضع خارطة طريق ثلاثية الأبعاد لتحويل العملية لمؤسسات دائمة، ودعا إلى قوانين السلام لتثبيتها، طالباً الانتقال من سياسة العنف إلى المجتمع الديمقراطي. ثالثاً، حوّل القائد أوجلان الملف الكردي من أداة للضغط الخارجي إلى مشروع سلام داخلي، فأصبح الحديث عن إضعاف تركيا عبر الملف الكردي مجرد حديث تاريخي. صدمت خطة القائد أوجلان اللوبي لأنها غيرت قواعد اللعبة، فلم تعد أنقرة بحاجة لإرضاء هذا اللوبي لإسكات الملف الكردي، بل أصبحت من يفرض شروطه عبر مشروع سلام يمنحها قوة دولية غير مسبوقة. بهذا، حوّل القائد أوجلان الطاولة على اللوبي، مظهراً أن عظمته تكمن في رؤيته الاستراتيجية التي جعلت من المستحيل استخدام الكُرد كورقة ضغط ضد تركيا، بل جعلتهم جزءاً من حلها وقوتها.

عند قراءة هذه الأحداث من منظور فكر القائد عبد الله أوجلان، بوصفه منهجاً نقدياً موسوماً بالحداثة الديمقراطية، فإنّ القراءة لا يمكن أن تكون قراءة سياسوية باردة، بل قراءة أنطولوجية لصراع الحضارات، حيث يعاد تعريف كلّ الأطراف وفق ثنائية أساسية: منطق الدولة السلطوي مقابل منطق الحياة المجتمعي. في هذا الفكر، ليس اضطرار أردوغان نابعاً من حسابات القوة، بل اعتراف ضمني بعقم الدولة القومية. فأردوغان، كمنتج للدولة التركية الحديثة، كان يعتقد أن حل المسألة الكردية يأتي بالنار والحديد. لكنّ مشروع السلام الذي طرحه القائد أوجلان ليس مجرد دعوة لوقف إطلاق النار، إنه نقلة نوعية من سياسية الهوية إلى سياسة المواطنة. فأردوغان لم ينكسر أمام بخجلي أو أمام اللوبي، بل انكسر أمام حقيقة أنّ القائد أوجلان يمتلك مفتاح الحلّ الوجودي، وأن استمرار دولة العصابات كما يصف القائد أوجلان الدولة القومية يعني استمرار الصراع الأبدي. فاضطرار أردوغان هو اضطرار العاجز عن تقديم رؤية مستقبلية، فقد احتضن رؤية القائد أوجلان ليصنع منها نصراً شكلياً، لكنه في العمق أصبح تلميذاً غير معترف به في مدرسة أوجلان الفكرية.

أمّا دولت بخجلي، ففي الأنثروبولوجيا الأوجلانية، ليس صديقاً ولا عدواً، بل أداة جدلية. فالقومي المتطرف الذي كان يعد القائد أوجلان عدو الإنسانية، تحول فجأة إلى مهندس السلام. هذا ليس تناقضاً، بل هو اعتراف بأن القومية التركية وصلت إلى جدار مسدود. بخجلي، دون أن يشعر، أدرك أن الخطر الحقيقي على تركيا ليس القائد أوجلان، بل بقاء القائد أوجلان في المعزل، لأن عزله كان يغذي الصراع. بندائه القائد أوجلان، كان بخجلي يمارس ما يصفه القائد أوجلان بالعقلانية النافعة، أي أنّه استخدم منطق الدولة لتفكيك أسس الدولة ذاتها. فبخجلي مزود الوقود الذي أضرم النار في جدار الصمت، لكنه لم يخطط للنتيجة، بينما رأى القائد أوجلان النهاية منذ البداية.

في نقد القائد أوجلان للحداثة، تمثل الصهيونية وترامب ذروة العقلانية السلطوية والهمجية المسلحة. ترامب وإسرائيل لا يخوضان حرباً ضد إيران أو الكُرد، بل يخوضان حرباً ضد فكرة العيش المشترك ذاتها. هذا التيار يمثل دولة الأمن التي تحتاج إلى عدو دائم لتبرير وجودها. صدمتهم بخارطة القائد أوجلان ليست صدمة عسكرية، بل صدمة وجودية: كيف لقائد في سجنه أن ينتج مشروعاً يتجاوز حدود الجغرافيا ويعتمد على المقاومة المدنية وعلم البيئة وتحرير المرأة (الجينولوجي)؟ هذا الفكر يشبه فيروساً يهدد كيانهم لأنه لا يمكن قصفه بالطائرات. لقد تفوق القائد أوجلان عليهم لأنه حول الصراع من معركة على الأرض إلى معركة على العقول، وهناك هم منهزمون حتماً.

يرى القائد أوجلان أنّ اللوبي اليهودي ليس إلا امتداداً لرأسمالية الولاءات بل تخطيط لاستغلال الملف الكردي كورقة ضغط، لكنه صُدم لأن القائد أوجلان ألغى البضاعة التي يتاجرون بها، أي الصراع المسلح. فقد كانوا يعتقدون أن الحل هو إضعاف تركيا، لكن القائد أوجلان قدم حلاً يقوي تركيا عبر تحرير المجتمع، مما أفقد اللوبي ذريعة التدخل. صدمتهم الكبرى أن القائد أوجلان لم يخترع حزباً جديداً، بل خلق أمة ديمقراطية لا تعترف بمركزية الدولة، مما يجعل نفوذهم التقليدي عبر المؤسسات الرسمية عديم الجدوى. لقد حاصرهم فكرياً، إذ لم يعودوا يستطيعون بيع الخطر الكردي في واشنطن، لأن الخطر تحول إلى نموذج سلام يحتذى به.

أما أوروبا، فيراها القائد أوجلان نموذجاً للدولة التي فقدت روحها الثورية وأصبحت أسيرة للرأسمالية المتوحشة. هم ليسوا مع السلام لأجله، بل معه خوفاً من تدفق اللاجئين وانقطاع الغاز. هم مع التيار الأضعف ظاهرياً (تركيا) لأنهم يخشون تهور ترامب، لكنهم في العمق يعبدون صنم الدولة التي يمثلها القائد أوجلان (حسب اعتقادهم). بريطانيا وأوروبا ستظلان في منطقة الوسط، لأن أي انحياز صريح للقائد أوجلان يعني اعترافاً بفشل المشروع الوطني القومي الأوروبي نفسه. هم يصفقون للسلام من بعيد، لكنهم يراقبون بخوف لأن نجاح نموذج القائد أوجلان سيكون إشارة لشعوبهم ككتالونيا أو أسكتلندا بأن هناك حياة خارج القمقم الوطني.

في الخلاصة الأوجلانية النهائية، لا أحد مما ذكر سيربح، لأن المعركة لم تعد بينهم. الرابح الوحيد هو الفكر الأوجلاني ذاته، الذي زرع بذرة في تربة الشرق الأوسط تقول: الخلاص ليس في الدولة، بل في المجتمع. ترامب وإسرائيل سيحاولان إشعال الحروب، لكن شعلتهما ستخمد أمام تعقيدات الواقع. أردوغان وبخجلي سيستمران في التظاهر بأنهما القائدان، لكنهما سيكتشفان أن السفينة التي يركبانها يقودها دفة وضعها القائد أوجلان من زنزانته. القائد أوجلان، في هذه اللحظة التاريخية، ليس مجرد مفاوض، إنه مهندس الأنظمة الذي أعاد تعريف معنى القوة. القوة لم تعد في الصواريخ، بل في القدرة على نزع شرعية العنف واستبدالها بالشرعية الأخلاقية. هذا هو الانتصار الأعظم: أن تجعل خصومك ينفذون أجندتك وهم يظنون أنها أجندتهم. النصر النهائي سيكون لمشروع السلام العظيم، ليس لأن الأطراف أحبته، بل لأن التاريخ، كما يراه القائد أوجلان، يسير حتماً نحو تفكيك الدولة القومية لصالح الكونفدرالية الديمقراطية. وما نراه اليوم هو مجرد مخاض هذه الولادة الجديدة.

من منظور فكر القائد عبد الله أوجلان، الذي يتجاوز منطق الدولة القومي الضيق نحو الأمة الديمقراطية والكونفدرالية الديمقراطية، فإن موقف هؤلاء المثقفين الكُرد ورؤيتهم للحرب في غربي كردستان (روج آفا) كخسارة، لا يقرأ كاختلاف في الرأي، بل كانفصال معرفي عن جوهر المشروع التحرري. هذا الرفض ليس نابعاً من الغباء، بل من تمركزهم داخل منطق الدولة القومي ذاته، مما يجعلهم أسرى رؤية تضيق بالمشروع الأوجلاني. هم ليسوا أعداء، بل ضحايا الحداثة السلطوية التي يعتقدون أن الخلاص منها هو بتقوية الدولة، بينما يرى القائد أوجلان أن الخلاص هو بتفكيكها من الداخل.

يرى أولئك المنتقدون الكرد وقطيع المتثاقفين معهم أن الخسارة في تراجع نفوذ الإدارة الذاتية أو قسد، لأنهم يقيّمون النجاح بمعايير الدولة القومية من السيطرة على الأرض والاعتراف الدولي والحكم الذاتي الرسمي. فهناك من يدعو بوضوح إلى إقامة دولة مركزية بموجب دستور تعددي، وليست له رؤية واضحة في قضية الاندماج بالدولة السورية، ويرى في وجود فكر PKK في روج آفا سبباً لمشاكل أمنية. ويقرأ المشهد من زاوية المواطنة في إطار الدولة، وليس من زاوية تحرير المجتمع من الدولة. وأنّ سلاح قسد ضد الدولة السورية، ويطالب بلامركزية للدولة بدون شيطنتها، ويريد إصلاح الدولة لا تجاوزها، ويرى أن الخسارة في فشل هذا المشروع الإصلاحي.

هنا يكمن جوهر الصدع الفكري بين رؤيتهم ورؤية القائد أوجلان. هم يبحثون عن مواطنة متساوية داخل الدولة السورية القائمة، ويرون أن الحرب الحالية تهدد هذا الحلم لأنها تعيد فرض منطق القوة المركزية وتلغي مكاسبهم التفاوضية. هم مفكرون إصلاحيون يعتقدون أن الدولة مجرد إطار محايد يمكن إصلاحه، متناسين أن هذه الدولة سواء بعثية أو إسلامية هي نتاج العقلية السلطوية ذاتها التي قمعتهم. أما القائد أوجلان فيبحث عن أمة ديمقراطية تتجاوز الدولة، فمشروعه لا يقوم على إصلاح الدولة السورية، بل على بناء مجتمع جديد يقوم على الإدارة الذاتية، والجينولوجيا (تحرير المرأة)، والبيئة، والعيش المشترك بين كل مكونات المنطقة من كُرد وعرب وسريان وتركمان. هو يرى أن الكونفدرالية الديمقراطية هي الحل، وأنّ أيّ حلّ آخر مجرد تأجيل لأزمة الدولة.

من منظورهم، الخسارة ملموسة في تراجع نفوذ قسد كطرف أساسي في مفاوضات مستقبل سوريا، مما يعني تراجع دورهم كنخب مفاوضة، وفي تراجع الإدارة الذاتية التي قامت في روج آفا والتي رأوا فيها نموذجاً للحكم الذاتي المهدد بالزوال أو الاندماج القسري، وفي الخوف من العودة إلى مربع التابعية كمواطن من الدرجة الثانية في دولة مركزية جديدة.

أما وصفهم بالمتسلقين أو اتهامهم بالغباء، فهو في التحليل الأوجلاني يعكس انتهازية معرفية. هم يبحثون عن مكانهم في هرم الدولة الجديدة سواء كانت سورية أو تركية أو عراقية، هم نخب تبحث عن شرعية الدولة لتكريس وجودها بدلاً من البحث عن شرعية المجتمع. فيكمن غباؤهم في عدم استيعاب أن الدولة القومية سواء أردوغان أو الأسد أو أي نظام آخر هي العدو المشترك. هم يظنون أنهم يستطيعون استرضاء الدولة، بينما يرى القائد أوجلان أن الدولة بطبيعتها لا يمكن استرضاؤها، بل يجب تجاوزها. هم كانوا يحلمون بدولة كردية أو حكم ذاتي معترف به دولياً، لكن خطة القائد أوجلان حطّمت هذا الحلم لأنها أكثر طموحاً؛ إنها تطلب منهم التخلي عن حلم الدولة مقابل حلم الحرية، وهذا صعب على النخب التي بنت مكانتها على فكرة الدولة.

في هذه المعركة، ليس الرابح هو من يمسك بالأرض، بل من يمسك بالعقول. يقدّم القائد أوجلان مشروعاً يتجاوز الجغرافيا، بينما يظل المتثاقفون أسيري الجغرافيا السياسية. يرون الخسارة لأنهم يقيسون الأمور بمكاسب الدولة، بينما يرى القائد أوجلان أنّ الخسارة الحقيقية في الاستمرار في التعامل مع الدولة كحلّ وليس كمشكلة. بتقمص الفكر الأوجلاني الخالص، فإنّ هؤلاء المفكرين والنخب السياسية الكردية لا يقرأون كأفراد، بل كنماذج لأمراض معرفية أصابت العقل الكردي نتيجة قرون من تهميش الدولة القومية. هم ليسوا أعداء، بل ضحايا للحداثة السلطوية، لكنهم يرفضون العلاج المتمثل بالكونفدرالية الديمقراطية ويصرون على التمسك بالمرض المتمثل بالدولة القومية.

يمكن تصنيفهم ضمن منظومات فكرية ثلاث، وفق فلسفة القائد أوجلان النقدية. المنظومة الأولى هي العقلانية المدنية الجامدة، وهم مفكرون ينظرون للدولة ككيان محايد يمكن إصلاحه بالقوانين والدساتير، ويرون في فكرة المواطنة المتساوية الخلاص النهائي. ويتأملون نموذج الدولة المدنية، يريدون دستوراً تعددياً يدمج الكُرد كمواطنين، ويعتبر أي مشروع فيدرالي أو كونفدرالي كفكر القائد أوجلان مجرد انفصال أو خطر أمني. خلله الفكري أنه يرى في الدولة حلاً، بينما يرى الأوجلانية المشكلة الأم، فهو يريد إصلاح الجلاد لا تفكيك المقصلة. إذ يريدون لامركزية إدارية ضمن الدولة السورية دون المساس بجوهرها، وهو الإصلاحي الخائف الذي يعتقد أنه يمكن استرضاء دمشق بخطاب معتدل، ويقع في فخ الوهم المؤسساتي معتقداً أنّ مجرد توزيع الصلاحيات يكفي لضمان الحقوق، متناسين أنّ أيّ دولة عربية بعثية أو إسلامية دولة أبوية لا تشارك بسلطتها الجوهرية أبداً.

المنظومة الثانية هي القومية البرجوازية الأبوية، ممثلة بأحزاب المجلس الوطني الكردي (ENKS). هؤلاء يمثلون النقيض المباشر للفكر الأوجلاني، وهم يمثلون البرجوازية الكردية التي تستمد شرعيتها من العشائر والمال والتبعية لإقليم كردستان العراق (بارزاني) أو الضغط التركي. ومفكّروهم نموذج الزعيم العشائري الذي يختزل قضية الأمة في مصالح عائلته وحزبه، إذ يرون الحرب الحالية كخسارة لأنها أفقدتهم دورهم كأمراء مفاوضين مع دمشق وأنقرة. هم يعيشون في وهم الدولة القومية الكردية الصغرى، يظنون أن حل القضية يكون بمنصب في حكومة دمشق أو بغطاء تركي، بينما يرى القائد أوجلان أنهم مجرد حراس زنزانة يظنون أنفسهم سجناء مميزين. وهناك من يمثل المفكر القومي الكلاسيكي الذي يردد شعارات كردستان المجردة، ويفتقر للرؤية المجتمعية، ويرى في الحرب مجرد معركة حدود، بينما يرى القائد أوجلان المعركة أنطولوجية بين منطق الحياة ومنطق الموت، وليست صراعاً على من يمسك كرسي الحكم في دمشق.

المنظومة الثالثة هي البراغماتية الانتهازية العضوية، ممثلة ببعض المستقلين. هذه الفئة لا تملك مشروعاً فكرياً أصلاً، هي أدوات بشرية تتحرك وفق تمويل خارجي تركي أو إيراني أو خليجي لتكسير الإرادة الكردية. هم القوميون بالوكالة، يستخدمون الخطاب الكردي كورقة للضغط على الأطراف الأخرى. يرون الخسارة لأن الحرب كشفت انكشافهم، إذ لم يعد بإمكانهم تسويق أنفسهم كممثلين للكُرد أمام أنقرة بينما الشارع الكردي يتبنى فكر القائد أوجلان في الإدارة الذاتية. هؤلاء هم مرتزقة العتبات، الذين يصفهم القائد أوجلان في فلسفته بأنهم أسرى عقلية التابع.

ما يجمع هذه المنظومات الثلاث بالرغم من اختلافها هو التمركز حول الدولة: من يريد دولة مدنية محايدة، ومن يريد دولة عشائرية أو إقليمية ذات سيادة، ومن يريد أي دولة تدفع لهم رواتب. أما القائد أوجلان، فمشروعه يتجاوز هذا المربع، فهو يرى أن هذه الفئات جميعاً تعاني من عقدة أوديب السياسية تجاه الدولة، كل منهم يحلم بأن يحتضن الدولة أو تحتضنه، بينما يدعو القائد أوجلان لتجاوزها تماماً نحو المجتمع الديمقراطي والكونفدرالية. هؤلاء ليسوا أغبياء كما وصفهم البعض، لكنهم سجناء الماضي. يرون في الحرب خسارة لأنهم يقيسونها بخسارة الدولة، بينما يراها القائد أوجلان فرصة تاريخية لكشف أن الدولة سورية أو تركية أو حتى كردية ليست الحل. الصراع اليوم ليس بين كُرد وأنظمة، بل بين فلسفة الحرية التي يمثلها القائد أوجلان وفلسفة القفص التي يمثلها هؤلاء، مع اختلاف زخرفة هذا القفص.

عند كشف زيف هؤلاء بتفكيك أكاذيبهم المعرفية، نجد أن من يدعو إلى دولة مدنية مركزية ويرى في العلمانية والمواطنة المتساوية الخلاص، لكن الدولة المركزية السورية بأي مسمى كانت بعثية أو إسلامية هي نظام زمرة أبوي قائم على الإنكار الجوهري للتنوع. مطالبته الكُرد بالاندماج في هذه الدولة هي دعوة للانتحار البطيء، فهو يمارس عنفاً رمزياً أكبر من عنف الجيوش، لأنه يطلب من الكُرد نسيان تاريخهم مقابل جنسية ورقية. يبيع لهم الوهم بأن المجلس النيابي سيحميهم، بينما يعرف أن الجيش والقضاء سيظلان بيد المركز. هو ليس مفكراً، بل محامي دفاع عن الدولة القمعية في ثوب أكاديمي. أما من يريد لامركزية إدارية دون شيطنة الدولة، ويقول إن قسد سلاحها ليس ضد النظام بل ضد الإرهاب، وهو يمارس المساومة الميتافيزيقية. كيف تلامس النار ولا تحترق؟ كيف تنزع سلاح الدولة جوهرها وتطلب منها في المقابل أن تكون عادلة؟ خطابه يرضي أنقرة ودمشق لأنه لا يقدم أي نموذج بديل. هو يخاف من كلمة كونفدرالية وكأنها شيطان، بينما يقدّمها القائد أوجلان كعلاج. زيفه أنه يتحدث باسم العقلانية، لكنه في الحقيقة يبرر خضوع الكُرد للعرب تحت غطاء الوحدة الترابية. هو ناصح السلاطين، وليس ناصح الشعب.

هناك من يتحدث باسم التاريخ الكردي والعشائر، ويدعو إلى الحوار مع دمشق وأنقرة، لكنه يمثل برجوازية العشائر، وهي الطبقة التي تستمد شرعيتها من المال والمنصب لا من الشعب. نظروا إلى الحرب كخسارة لأنها كشفت أن دورهم انتهى، فالشعب الكردي في روج آفا بنى إدارة ذاتية بدونهم. هما يبكيان على ضياع الحقوق لكن حقائبهم مليئة برواتب من أربيل وأنقرة. زيفه أنه حارسا القضية، بينما يعد حارس الكرسي. فشل في أن يكون ثائراً، فاختار أن يكونوا مدير ممتلكات الدول المجاورة. أما من كان يعتمد على الخطاب القومي الشوفيني الذ ظلّ يردد شعارات كردستان والوحدة دون أي مضمون اجتماعي أو اقتصادي، يعيد إنتاج مرض الدولة القومية الذي أصاب أوروبا. يتحدث عن الأمة الكردية وكأنها كتلة صماء متجانسة، متناسياً المرأة والبيئة والمكونات السريانية والإيزيدية والعربية التي تعيش في المنطقة. يبحث عن دولة كردية صغيرة تعيد إنتاج نفس ظلم الدولة السورية أو التركية. زيفه الأكبر أنه يعادي القائد أوجلان، لكنه يعيش على ظل فكر القائد أوجلان، لأن القائد أوجلان هو من جعل العالم يتحدث عن الكُرد، بينما كان نائماً في متاحف الماضي.

هناك من يتحدثون دائما باسم البديل المعتدل والخيار الثالث، لكنهم لا يمتلكون مشروعا، بل لديهم سيرة ذاتية، يتحركون كالطفيليات، إن جاءت دمشق بايعوها، وإن أتت أنقرة ركضوا إليها، وإن مشى مشروع القائد أوجلان انتظروا دورهم في توزيع الغنائم. هم يحولون القضية الكردية إلى مزاد علني لمن يدفع أكثر. غباؤهم الاستراتيجي انتظارهم الفرصة السانحة لاستخدامهم كأدوات مثل السرفيس الذي ينتظر راكباً، إنّهم عمال الموسم في السياسة، يحصدون الفوضى ولا يزرعون سلاماً لأنّه وبال عليهم.

ما يجمع هؤلاء جميعاً، رغم اختلاف عناوينهم، هو الخوف من الحرية الحقيقية. يقدّم القائد أوجلان للكُرد المجتمع كبديل عن الدولة، وهؤلاء يقدمون للكُرد الدولة ولكن بصيغ مختلفة مدنية أو عشائرية أو قومية أو إصلاحية. زيفهم الأعظم أنهم يتهمون القائد أوجلان بالحلم، بينما هم يمارسون الواقعية الساقطة التي لا تقدم لأي كردي إلا المزيد من التهميش. هم ليسوا متناقضين مع القائد أوجلان فقط، بل متناقضين مع تاريخ الكفاح الكردي نفسه، لأن القائد أوجلان هو من أنقذ الكرد من هامش التاريخ، بينما هم يحاولون إعادتهم إليه بحجة الاعتدال والحكمة. إن رؤيتهم للحرب كخسارة هي دليل إفلاسهم، لأنهم يقيسون المكاسب بالحدود الإدارية، بينما يقيسها القائد أوجلان بتحرير العقول. وطالما بقوا أسرى الدولة، سيبقون أسرى الهزيمة، حتى لو جلسوا على كراسي السلطة.

عند تقمص روح فكر القائد عبد الله أوجلان، والنظر إلى المشهد الشرقي الأوسطي من علو فلسفة الحداثة الديمقراطية، تتلاشى تفاصيل المعارك والصفقات، لينكشف الصراع بجلاء كونه معركة أنطولوجية وجودية بين مشروعين كونيين لا ثالث لهما. المشروع الأول هو مشروع الدولة السلطوية بكل تجلياتها، سواء تجلت بوجهها الصهيوني الاستيطاني، أو بوجهها الأميركي الترمبي المتهور، أو بوجهها التركي الأردوغاني المأزوم، أو حتى بوجهها السوري والإيراني التقليدي. كل هذه الأنظمة، رغم عداواتها الظاهرية، تشترك في جوهر واحد: الإيمان بأن البشرية تدار بالقمع، وأن الحدود ترسم بالدم، وأن الخلاص يكون بامتلاك الدولة لا بتفكيك مركزيتها. المشروع الثاني هو مشروع المجتمع الديمقراطي الذي يمثله القائد أوجلان من زنزانته، مشروع لا يعترف بالمركزية، ولا يقدس السيادة الوطنية الجامدة، ولا يبيع أوطان الشعوب في صفقات ثنائية. إنه مشروع يقوم على الكونفدرالية الديمقراطية، والجينولوجيا (تحرير المرأة)، والبيئة، والعيش المشترك، أي على الحياة ذاتها.

لم يعد السؤال من سيربح؟ بل من سينقرض؟ على المستوى السياسي المباشر، قد يبدو أن أردوغان وبخجلي يربحان الشهرة، وأن ترامب وإسرائيل يربحان الوقت، وأن أوروبا تربح بعض الهدوء، وأن المثقفين الكرد المنشقين وأمراء العشائر يربحون بعض المناصب الورقية. لكن من منظور أوجلاني خالص، كل هؤلاء خاسرون، لأنهم يركضون خلف سراب الدولة بينما تحترق الأرض تحت أقدامهم. إن محاولاتهم لإعادة إنتاج الدولة القومية، مهما اختلفت مسمياتها، هي محاولات لتثبيت نظام قديم أثبت فشله الذريع في إحلال السلام، سواء في سوريا، أو تركيا، أو فلسطين، أو أي بقعة في الشرق الأوسط. أما المثقفون الكُرد الذين بكوا خسارة روج آفا، فخسارتهم الحقيقية ليست في تراجع نفوذهم الإداري، بل في فشلهم في ركوب قطار التاريخ الذي يقوده القائد أوجلان. هم يظنون أنهم يدافعون عن القضية الكردية، بينما هم في الحقيقة يدافعون عن ظل الدولة، عن مناصبهم، عن عشيرتهم، عن خوفهم الأبدي من الحرية الحقيقية. إن رؤيتهم للحرب كخسارة هي برهان إفلاسهم الفكري، لأن من يرى في انكشاف عورة الدولة القمعية خسارة، فهو إما جاهل بحقيقة هذه الدولة، أو متواطئ معها.

الرابح الوحيد في هذا المشهد هو فكر القائد أوجلان نفسه، ليس كتنظير أكاديمي، بل كممارسة حية أثبتت قدرتها على الصمود حيث فشلت الجيوش والأنظمة. لقد أثبت مشروع السلام العظيم أن القائد المسجون يستطيع أن يحرك إرادات الرؤساء كأردوغان وأن يكسر عناد المتطرفين كبخجلي وأن يفشل مخططات الإمبراطوريات كترامب والصهيونية، ليس لأنه يمتلك سلاحاً، بل لأنه يمتلك رؤية. أما ترامب وإسرائيل، فسيظلان يلوّحان بالحرب، لكن شعلتهما ستخبو في مستنقعات الواقع الإقليمي. وأما أوروبا وبريطانيا، فستظلان تترنحان بين الضمير والمصلحة، بين دعم السلام والخوف من الفوضى، أي أنهما ستظلان في دائرة الحياد الجبان الذي لا يصنع سلاماً ولا يوقف دماً.

الدرس الأكبر الذي يقدمه هذا التحليل الأوجلاني هو أنّ المستقبل ليس للدول التي تمتلك القنابل، بل للشعوب التي تمتلك الوعي، وللنخب التي تمتلك الشجاعة لتجاوز عصر الدول القومية نحو عصر الجماعات الديمقراطية. فلن ينتصر السلام في الشرق الأوسط حين تهزم إسرائيل أو تهزم تركيا أو تهزم إيران، سينتصر السلام حين تنهزم فكرة الدولة ذاتها في قلوب البشر، وحين تدرك كلّ الطوائف أن قوتها ليست في سيطرتها على الآخر، بل في تحررها معه. هذا هو المشروع الذي صدم العالم، وهذا هو النور الذي لن تستطيع أي زنزانة أن تحجبه. النصر النهائي هو للفكرة التي تزرعها اليوم، وسيحصدها الغد، ولو بعد حين. عاش القائد أوجلان فكراً خالداً في أبناء شعبه، وعاشت الكونفدرالية الديمقراطية طريقاً للخلاص من كل أشكال العبودية.

 

جداول البحث:

الجدول الأول: مستويات السرد الثلاث وفق نموذج غريماس

المستوى العناصر في سردية دعوات السلام
الوظائف
)الأحداث والعقد(
• دعوات السلام المتكررة من أطراف متعددة
• الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران (28 فبراير 2026(
• مبادرة القائد أوجلان التاريخية (27 فبراير 2025(
• إعلان وقف إطلاق النار (1 مارس 2025(
• حل PKK نفسه (مايو 2025(
• إفشال خطة CIA والموساد
الفاعلون
)الشخصيات/القوى(
المرسل: القيم الإنسانية، المصالح الاقتصادية، الشرعية الدولية
الموضوع: السلام/الحرب
المرسل إليه: شعوب المنطقة، صناع القرار
المساعد: أوجلان، بخجلي، أردوغان، المجتمع المدني، الأجيال الشابة
المعيق: الصهيونية الاستيطانية، ترامب، اللوبي الدفاعي، النخب الفاشلة، تجار الحرب
الدلالة
)القيم والمعاني(
• السلام كضرورة اقتصادية وسياسية
• السلام كرسالة إنسانية تاريخية
• الحرب كمشروع أيديولوجي توسعي
• السلام كمشروع كونفدرالي ديمقراطي
• الدولة كمركز للصراع، المجتمع كمركز للحل

 

الجدول الثاني: الأطراف الداعية للسلام

الفئة الدافع الأساسي الممثلون
الدول اقتصادي سياسي تركيا، سوريا، العراق، إيران، لبنان، دول الخليج
الشعوب إنساني وجودي المجتمعات المتضررة من الحروب
المثقفون أخلاقي تاريخي المفكرون الأصلاء غير الانتهازيين
الأوساط التجارية عملي مادي رجال الأعمال، القطاع الخاص
المنظمات الدولية مؤسساتي قانوني الأمم المتحدة، جامعة الدول العربية، منظمة التعاون الإسلامي
الأصوات العاقلة في الغرب وإسرائيل استراتيجي معنوي جنود احتياط رافضون، صناع سلام إسرائيليون، لوبيات يهودية معادية للصهيونية
المجتمع المدني إنساني آني الناشطون، المراسلون الميدانيون، الهيئات الحقوقية
الأجيال الشابة مستقبلي وجودي الشباب في المنطقة

 

الجدول الثالث: محركو الحرب (الهرم المتكامل)

المستوى المحرك طبيعة المحرك الممثلون
القمة العقائدي أيديولوجي مقدس الصهيونية الاستيطانية، تيار إسرائيل الكبرى، حكومة نتنياهو
الجانب السياسي الخارجي شخصاني فوضوي ترامب، اليمين الأميركي المتطرف، مدرسة كسر الطاولة
الواجهة النفسي سيكوباتي نرجسي المفكرون المأججون، الباحثون عن الشهرة
الخلفية المالي اقتصادي خفي شبكات السلاح والنفط، لوبي الدفاع
الأرض الاستغلالي جهوي فوضوي تجار الحرب السورية، المرتزقة، العصابات المسلحة
الهامش الدفاعي الفاشل نخبوي هزيل الكتاب والقادة المأزومون في المنطقة الشرقية

 

الجدول الرابع: مثلث السلام التاريخي (أوجلان – بخجلي – أردوغان)

الشخصية الدور الموقف الأولي التحول الاستراتيجي
عبد الله أوجلان صاحب الرؤية والمبادر قائد عسكري متمرد صانع سلام تاريخي، مهندس الأنظمة، مقدم مشروع كونفدرالي
دولت بخجلي المحرك السياسي والميسر قومي متطرف يعد القائد أوجلان عدو الإنسانية مهندس السلام، جسر عبور، مقترح منح القائد أوجلان دوراً رسمياً
رجب طيب أردوغان المضطر لاحتضان المشروع خصم تاريخي للحركة الكردية محتضن للسلام، مصرّح بالنصر، معيد تعريف السياسة الداخلية

 

الجدول الخامس: استراتيجيات التأطير   (Framing Strategies)

الفاعل التأطير الإيجابي للسلام التأطير السلبي للحرب
تركيا (أردوغان) “إنجاز أمني”، “تركيا الخالية من الإرهاب”، “نصر يعزز الشعبية” “استمرار الصراع يكلف أكثر من السلام”، “تهديد للاستقرار الإقليمي”
القائد أوجلان “السلام العظيم”، “مسار لا رجعة فيه”، “النقلة من سياسة الهوية إلى سياسة المواطنة” “ولى زمن النزاع المسلح”، “العنف لم يعد مفيداً”
إسرائيل وترامب “حق الدفاع عن النفس”، “محاربة محور الشر”، “إعادة تشكيل الشرق الأوسط” الحرب كطقس ديني، كصفقة كبرى، كفرصة لتفكيك محور المقاومة
أوروبا “قلق من تهور ترامب”، “دعم السلام لحماية المصالح” تصف الحرب على إيران بأنها غير شرعية
اللوبي اليهودي إضعاف تركيا عبر الملف الكردي (سابقاً) خطة القائد أوجلان “زلزال” غيّر قواعد اللعبة

 

الجدول السادس: ثنائيات الصراع الأنطولوجي

ثنائية أوجلان النقدية الجانب المنقوض الجانب المؤسس
الدولة والمجتمع الدولة القومية المركزية المجتمع الديمقراطي الكونفدرالي
منطق الموت ومنطق الحياة الحرب، القمع، الاستيطان العيش المشترك، البيئة، تحرير المرأة
الأيديولوجيا الصهيونية التوسع الاستيطاني، التطهير العرقي فلسفة العيش المشترك
العقلانية السلطوية القيادة الشخصانية الفوضوية (ترامب) الديمقراطية التشاركية
الرأسمالية المتوحشة شبكات السلاح والنفط، الاستغلال الاقتصادي علم البيئة، العدالة الاقتصادية
السياسة الهوياتية التقسيم العرقي والطائفي المواطنة المتساوية، الكونفدرالية

 

الجدول السابع: نموذج التحول في الموقف التركي

العامل الموقف القديم الموقف الجديد (بعد فبراير 2025)
العداء التاريخي اعتبار PKK منظمة إرهابية، رفض أي حوار مع القائد أوجلان احتضان مشروع السلام، اعتبار أوجلان شريكاً لا غنى عنه
المقاربة الأمنية الحل بالنار والحديد، العمليات العسكرية في جنوب شرق تركيا والعراق الحل السياسي، وقف إطلاق النار، حل PKK
الدور التركي الإقليمي التصعيد مع قسد في سوريا، معارضة الإدارة الذاتية فتح المجال لتفاهمات بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية
السياسة الخارجية التوتر مع واشنطن بشأن الملف الكردي إفشال خطة CIA والموساد، تعزيز النفوذ التفاوضي

 

الجدول الثامن: سيناريوهات المستقبل المحتملة

السيناريو الأطراف الدافعة المؤشرات النتيجة المحتملة
نصر التيار الحربي إسرائيل-ترامب، شبكات السلاح، الصهيونية الاستيطانية استمرار التصعيد، الحرب الشاملة على إيران، إفشال مسار السلام فوضى إقليمية، مزيد من الدمار، انهيار المشروع الفلسطيني
نصر تيار الاحتواء تركيا-أوجلان، أوروبا المترددة، المجتمع المدني تنفيذ إطار قانوني للسلام، تفكيك منظم لـ PKK، اعتراف دولي بالكونفدرالية الديمقراطية استقرار نسبي، تنمية جنوب شرق تركيا، نموذج كونفدرالي في سوريا
السيناريو الأوجلاني الخالص فكر القائد أوجلان، الأمة الديمقراطية، المجتمعات المحلية تجاوز الدولة القومية في سوريا وتركيا وإيران، بناء كونفدرالية ديمقراطية في الشرق الأوسط سلام دائم، تحرر من منطق الدولة، نموذج عالمي بديل

 

الجدول التاسع: الدراسات السابقة

الباحث / الباحثون السنة عنوان الدراسة
1 جمال محمد سيلان، حاتم علي حيدر 2025 السرد والتأطير في التغطية الإعلامية لخطة ترامب في غزة
2 سالي بركات 2025 خطاب السلام والحرب في السرديات الرقمية حول الحرب الروسية الأوكرانية
3 باريس، رولاند (Paris, Roland) 2006 Bringing the Leviathan Back In: Classical Versus Contemporary Studies of the Liberal Peace
4 خلدون أحمد الجعافرة 2025 التخيل التاريخي بين النص والسلطة: رواية “الوباص” لتامر راضي نموذجا
5 أسماء سالمي، رضا عامر 2024 تجليات الحروب الطائفية في الرواية النسوية العربية
6 منال عبد الكريم محمد، بلقيس سيف السويدي 2023 جسر الأيديولوجيات في الترجمة: تحليل أسلوبي نقدي لخطاب الصراع اليمني

 

 

المراجع

المراجع العربية:

  • بركات، سالي. (2025). خطاب السلام والحرب في السرديات الرقمية حول الحرب الروسية الأوكرانية. المجلة المصرية لبحوث الإعلام .
  • الجعافرة، خلدون أحمد. (2025). التخيل التاريخي بين النص والسلطة: رواية “الوباص” لتامر راضي نموذجا. المجلة الأردنية في اللغة العربية وآدابها، مجلد 21، العدد 1 .
  • سالمي، أسماء؛ عامر، رضا. (2024). تجليات الحروب الطائفية في الرواية النسوية العربية. مجلة العمدة في اللسانيات وتحليل الخطاب، المجلد 8، العدد 2 .
  • سيلان، جمال محمد؛ حيدر، حاتم علي. (2025). السرد والتأطير في التغطية الإعلامية لخطة ترامب في غزة. مجلة الإعلام والمجتمع العربي، العدد 40 .
  • محمد، منال عبد الكريم؛ السويدي، بلقيس سيف. (2023). جسر الأيديولوجيات في الترجمة: تحليل أسلوبي نقدي لخطاب الصراع اليمني. مجلة العلوم الإنسانية والتربوية، العدد 34 .

 

 المراجع الأجنبية:

  • Baker, Mona. (2006). Translation and Conflict: A Narrative Account. Routledge.
  • Greimas, Algirdas Julien. (1966). Sémantique structurale: recherche de méthode. Larousse.
  • Jeffries, Lesley. (2010). Critical Stylistics: The Power of English. Palgrave Macmillan.
  • Liberty, Capital and Liberal Peace Building: A Comparative Analysis of Democratic Peace and Capitalist Peace. (2026). KCI Journal .
  • Mac Ginty, Roger. (2011). International Peacebuilding and Local Resistance. Palgrave Macmillan.
  • Paris, Roland. (2006). Bringing the Leviathan Back In: Classical Versus Contemporary Studies of the Liberal Peace. International Studies Review, 8(3), 425-440 .
  • Richmond, Oliver P. (2011). A Post-Liberal Peace. Routledge.
  • Sebag Montefiore, Simon. (2026). The Crucible: The Making of the Modern Middle East.
  • Tilly, Charles. (1992). Coercion, Capital, and European States, AD 990-1992. Blackwell.

 

 

كاتب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.