القضية الكردية في الشرق الأوسط وحل الاندماج الديمقراطي
عبد الله أوجلان
الاندماج مهم، لأنه يعبر عن علاقة التعايش مع دول الأمة القائمة. هناك أربع دول قومية ترتبط
مباشرة بكردستان. سننطلق في الاندماج والتكامل بناءً على العلاقة مع هذه الدول الأربع.
إنّ البرنامج العملي الذي نتحدث عنه هو في الحقيقة المجتمع الديمقراطي، والهدف الاجتماعي هو بناء المجتمع الديمقراطي. “فالبرنامج العملي” يعادل “المجتمع الديمقراطي.” الاندماج يعبر عن وحدة المجتمع الديمقراطي مع دولة الأمة. وهذا هو التعريف الأدق. فالمجتمع لا ينظم نفسه كدولة مستقلة مرتبطة بدولة أخرى، بل يندمج كمجتمع ديمقراطي داخل جمهورية ديمقراطية. فالاندماج يشمل أيضاً المساواة، ويقام عبر التفاوض الديمقراطي. فالتفاوض الديمقراطي ضروري لتحقيق الاندماج، وهو الذي يضمن وحدة المجتمع الديمقراطي مع دولة الأمة.
الدولة القومية تمارس حالياً سياسة الصهر. وقد يرغب البعض في فهم الاندماج على أنه صهر، لكننا على العكس تماماً، سنقاوم الصهر. فالاندماج هو عكس الصهر. ويتطلب التفاوض الديمقراطي، ولا يمكن أن يتم بأي طريقة أخرى. لا يمكن قبول الموقف القائل “الدولة قوية، تفرض كل شيء بالقوّة والضغط.” كل هذه المواقف هي مواقف فاشية ويجب رفضها كلها. ما يجب القيام به هو الاندماج الديمقراطي للمجتمع الديمقراطي مع الدولة القومية عبر التفاوض الديمقراطي.
يعيش الكرد في الشرق الأوسط أحد أثقل وأعقد المشاكل، لكنهم في الوقت نفسه في أفضل موقع ممكن لحل هذه المشكلة. حل القضية الكردية – التركية هو حل لقضية الشرق الأوسط بأكملها. هذه المسألة مهمة للغاية وعاجلة إلى حد أن الحل هنا يمكن أن يقود إلى حل شامل في الشرق الأوسط. لذلك، فإن الحل بين الأتراك والكرد ليس مجرد حل عادي أو محلي، ولا هو حل مشكلة ضيقة النطاق. إنه بلا شك حل لقضية الشرق الأوسط. بل إنه حل له تأثير على المستوى العالمي. فالجميع يراقب هذه القضية بانتباه ويحاولون فهمها، وهذا هو الواقع الصحيح. وعلى المستوى الإقليمي، لبحث حل قضية الكرد، طرحنا عنوان “الاندماج الديمقراطي”
للكرد صراعات مع الدول الأربع المجاورة، وهذه الصراعات لا تزال مستمرة حتى الآن. لم يتم تحقيق وقف إطلاق نار كامل بعد، والأوضاع تسير على حالها. رغم وجود وثيقة تحالف مكونة من ثماني نقاط مع سوريا، واتفاق مركز اتحادي معين مع العراق، ووقف إطلاق نار مع إيران، وحتى بعض المحادثات المشابهة مع تركيا، إلا أن هذه الأمور لم يُعترف بها رسميّاً بعد؛ ولم تصل إلى مرحلة الاتفاق الذي يُسمى التفاوض. فمن الضروري دفع هذه القضايا إلى تلك المرحلة. دعوتنا لـ “السلام والمجتمع الديمقراطي” تشكل إطاراً جيداً في الواقع. وإذا أردنا تطوير هذا الإطار أكثر، فالغرض هو حل الاندماج الديمقراطي مع الدول القومية التي تقسم كردستان فيما بينها. ويمكننا تسمية ذلك بـ “قضية الكرد في الشرق الأوسط وحل الاندماج الديمقراطي”.
كل ما سبق من سرد كان من منظور الدولة القومية. ومنظور الدولة الفيدرالية في العراق اليوم هو نفسه. هذا المنظور لا بد وأن يؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى صراع، لأن الحل القائم على الدولة القومية يؤدي في النهاية إلى الصراع. ولا يحمل في طياته احتمال السلام الدائم، ففي حال فرض حل الدولة القومية، ستظل خمس دول على نفس الأرض في حالة صراع مستمر مع بعضها البعض. العراق يقول “كردستان”، لكنه يضيقها إلى حدود محافظة واحدة فقط. ولا تزال هناك مناطق متنازع عليها لم ُتحل بعد، ولا ُيطبق البند المتعلق بها في الدستور.
ففي سوريا، لا يعترف النظام بحقوق الهوية للكرد، وفي جمهورية تركيا لا يذكر كلمة “كرد” حتى في قوانينها. نعم، تبث “قناة TRT كردي”، وتصدر بعض الكتب بالكردية، لكن لا يوجد لأي منها ضمان قانوني. فيمكنهم إلغاء كل ذلك بمرسوم واحد فقط، لأن كلمة “كرد” غير موجودة في القانون، ولا وجود لأي تعبير قانوني عنها. فالدستور مغلق تماماً في هذا الجانب. لذلك، لحل مسألة الاندماج، لا بد من أن تشهد الدولة نفسها تغيّراً ديمقراطيّاً.
نعم، تجاوزنا حزب العمال الكردستاني ( (PKKالذي يحمل برنامج الدولة القومية. هذه الدولة لا يمكن أن تكون هدفاً اشتراكيّاً، ولا يمكن أن تتحقق عمليّا كدولة قومية واقعية. وإذا تحققت، فستكون مصحوبة بدماء كثيرة، وهذا أمر لا يقبله الاشتراكيون. لذلك، طورنا اقتراح حل “الأمة الديمقراطية”. بمعنى أننا قلنا: “الحل الاشتراكي هو حل الأمة الديمقراطية.” وبتوجه “لا توجد اشتراكية دون ديمقراطية” لذلك طورنا “برنامج المجتمع الديمقراطي”. فهذا مبدأ أساس يجب أن ُيطبق في كل الظروف.
وفقاً لهذا المبدأ، تخلى عن الدولة القومية واستبدلها بالأمة الديمقراطية، وسيتم بناء برنامجنا حول “الأمة الديمقراطية”. فعلاقة هذا البرنامج بالدول المجاورة أمر حيوي، لأنه يتطلب أوّلاً حل هذه العلاقة. ولحل هذه المسألة، يُعتبر مفهوم “الاندماج (التكامل)” صحيحاً، وهو عكس الصهر (الاندماج القسري). حاليّاً، كل هذه الدول الأربع تفرض على الكرد سياسة الصهر القسري. فما هو الصهر؟ هو الذوبان داخل الأمم الحاكمة..
في مواجهة سياسة الذوبان هذه، قال الكرد لأكثر من مئة عام: “مهما كنتم دولة قومية، سأكون مثلها”. أما هذه الدول الأربع فتوحدت على مدار مئة عام في محاولة خنق الكرد. فمن المعروف أن الهدف الأساس من جميع التحالفات، من “حلف بغداد” إلى “حلف سعد أباد”، هو أن تتبنى هذه الدول الأربع سياسة مشتركة لخنق الكرد. ولا يزال هذا الاتفاق مستمراً حتى يومنا هذا. نعم، تفككت سوريا والعراق، وتحولت إيران إلى جمهورية إسلامية ومزّق هذا الحلف، هذا التحالف السري الرباعي، لكن النوايا لا تزال قائمة في الوسط. وإذا سنحت لهم الفرصة، فلن يترددوا في الاتحاد مجدد ، ولن يتوقفوا عن محاولات الصهر، بل حتى عن تنظيم حملات الإبادة والتدمير.
تواجه المنطقة أزمات كبرى وعجزا عميقا في الحلول. ففي المرحلة الراهنة، حصل الكرد على كيان وطني، لكنهم لا يملكون إطاراً قانونيّاً له. فلدى الكرد وعي وطني ديمقراطي، ورغبة وإرادة، لكن لم تُقبل بعد مؤسساته وتنظيمه الرسمي. والسؤال الذي يبحث عن إجابة له الآن هو: “ستقبل الدولة مؤسسات الأمة الديمقراطية أم لا؟” فهذا ما سيحدد مسار مفاوضاتنا مع هذه الدول الأربع. إنّ حل القضية الكردية – التركية أصبح ذا أهمية كبيرة تؤثر على الكل. إنه موضوع حيوي وحاسم أمامنا. فهل ستتخلى هذه الدول عن أسلوب الإذابة والصهر؟
إنّ إيران ليست ضد كلمة “كردستان”، وقد تخلّى العراق منذ زمن بعيد عن سياسة الصهر من خلال الحل الفدرالي، وسوريا قد وعدت بمنح الكرد مكانة دستورية في دستورها. فماذا ستفعل تركيا؟ تركيا تقول: إنها تخلت عن سياسة الصهر، لكن ما هي الخطوة العملية التي ستتخذها؟ لقد بادرتُ شخصيّا إلى هذه الحاجة، وأطلقتُ “نداء السلام والمجتمع الديمقراطي” كمحاولة للحل. وقد كان حزب العمال الكردستاني عقبة، وقد أزلنا هذه العقبة من جانب واحد. وهناك وثيقة نوايا طيبة من أربع نقاط، وقد عقد حزب العمال الكردستاني مؤتمره ووافق عليها. والآن القول بأن “القضية الكردية قد حلت، وما تبقى فقط هو دفن السلاح” ليس موقفا واقعيا، ونحن لا نقبل هذا الموقف أبداً. إنّنا نعتمد على التكامل الديمقراطي. ولن نكون دولة انفصالية، ولن نذوب فيكم أيضاً.
هل هم حقّاً ملتزمون بالتكامل؟ وهل هم حقّاً ضد سياسة الصهر؟ نحن برهنا بتسويتنا لحزب العمال
الكردستاني أنّ موقفنا ضد مفهوم الدولة القومية كان موقفاً ثابتاً. وهم بأنفسهم اعترفوا بأننا “اتخذنا خطوة صادقة”. إذاً، يجب عليهم أن يعبروا بصراحة عن أنهم ألغوا سياسة الصهر على جميع المستويات، وقبلوا التكامل على جميع المستويات.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.