المقدّسات في الميثولوجيا والدين والدولة ودورها في تشكل الوعي التاريخي – قراءة تاريخية فلسفية –
جميل رشيد
تمهيد:
مرت الحضارة البشرية بمراحل عديدة من التطور، تكونت عبرها قيم إنسانية مشتركة، وكل مرحلة أضافت عليها قيماً جديدة، تراكمت عبر العصور لتصل إلى يومنا هذا. ولا شك أن ولادة الحضارة وبدء عصر الاكتشافات في عصور ما قبل التاريخ، وخاصة في العصر النيوليتي، كان دافعها الأساسي غريزياً ولحاجة للإنسان أكثر مما هي عملية استكشافية منظمة. فالدفاع ضد ظواهر الطبيعة وحماية نفسه من الوحوش والحيوانات المفترسة، دفعته لابتكار أدوات يتمكن بها من حماية نفسه ضد كل ما يهدد وجوده. رافق هذا التحول الكبير في تاريخ البشرية تطور في الذهنية البشرية التي حققت انفصالاً وتمايزاً عن باقي الكائنات، بقدرتها على التفكير وإيجاد حلول لمشاكل بقائه، إضافة إلى حصوله على المأكل والمشرب من مصادر الطبيعة، وهذا ما دفعه ليعيش ضمن مجموعات مجتمعية بدائية (الكلانات)، تؤمن الحماية لنفسها بشكل جماعي، وتبتكر آلياتها وتضمن تطورها، إلى جانب بحث المجموعة المشترك عن الغذاء، وكانت هذه البذرة الأولى للمجتمعية في تاريخ البشرية.
تطوَّرَ العقل البشري في مراحل التاريخ المختلفة، وتوسَّعت مداركه الحسية والمادية، ودخل في فضاءات من التأمل والتفكر بظواهر الطبيعة، الطبيعة التي اعتبرها العدوَّ الأول له, وتجلّت تلك الذهنية مع الظهور الأول للحضارة ودخول الكلانات في مرحلة الاستقرار الجزئي، ومن ثم بناء المدن واكتشاف الزراعة. التطور في أدوات الحماية والإنتاج، قابله تكوين البذرة الأولى للدين، وبناء المعابد، حيث يذكر التاريخ أن معبد “خراب رشك” في “رُها / أورفا” الذي بُنِيَ في أعوام /12000/ قبل الميلاد تقريباً يُعدّ أول معبد في التاريخ، وتكوّنت حوله ما تسمى بحضارة “ميزوبوتاميا العليا”.
ظهرت الميثولوجيا ضمن تلك المجموعات المشاعية البدائية (الكلانات) كأولى بواكير التفكير والتخيلات لدى الإنسان، حيث حاول من خلالها إيجاد تفسير لمختلف الظواهر الكونية، واعتمدت في أغلبها على الأساطير وإعداد تصورات خيالية للواقع المعاش، ونجد في معظمها صراع مع الوحوش المفترسة وظواهر الطبيعة. تطورت الميثولوجيا مع ظهور أولى الانقسامات الطبقية في المجتمع البشري، حيث ظهر المجتمع العبودي، واتجهت الميثولوجيا لتتخذ عدة أشكال تعبر فيها عن مطالب وأماني طبقة العبيد في التحرر من عبوديتهم، فيما عبرت عنه طبقة الأسياد من خلال البحث عن أسباب الخلود، كما في ملحمة “جلجامش”.
إلا أن التطور الأكثر عمقاً للميثولوجيا كان مع ظهور الأديان والآلهة، وخاصة في العصر السومري، حيث تحولت في معظمها لتتحدث عن الآلهة وصراعاتهم، وتبرز قدرتهم على تغيير مصير البشر، في جوانبها السلبية والإيجابية، من خير وشر, وترسخت الميثولوجيا لاحقاً كجزء أساسي في تكوين الأديان ما قبل التاريخ، ومنها استمدت خطوطها الرئيسية في رسم معالم التعلق بالآلهة وعبادتها.
هناك علاقة وثيقة جداً بين الميثولوجيا والدين، من حيث أنها تهتم بالماورائيات، أي بالعوالم الميتافيزيقية والروحية للإنسان، فكما أن الميثولوجيا كعلم يعني علم الأساطير، فإن الأديان أيضاً لم تخلو من الأساطير، فهي أيضاً تحلق في عوالم الخيال وتبني قصصاً تسرد معاناة الإنسان وصراعه مع مختلف القوى الطبيعية والبشرية. حتى الأديان التوحيدية تأثرت بالميثولوجيا، وقصصها المتعددة التي أضفت عليها القدسية وربطتها بالإله الأوحد، تضمنت في جوانب كثيرة منها الميثولوجيا والأسطورة، مثل قصص الطوفان وأهل الكهف وغيرها.
شكلت الميثولوجيا علماً اعتمد عليه علماء الآثار والتاريخ في فهم مراحل تطور الحضارة البشرية، لأن الكثير من معالمها وآثارها وصلت إلى عصرنا، وتمت ترجمة الكثير من النصوص التي حفرت على الحجارة والرُقيمات، أو جرى التعبير عنها من خلال الرسوم المنقوشة، وحتى تلك التي تناقلتها الأجيال المتعاقبة شفاهياً، خاصة لدى المجتمع الكردي.
تداخل الميثولوجيا مع الدين، جعل من الصعب الفصل بينهما، فإن كانت الأولى في إحدى جوانبها تتضمن الأسطورة، التي شبهها البعض بـ”الخرافة”، فإن العلاقة العضوية بينهما جعلت الأديان تتطور في ذات السياق، وإن طرأت عليه بعض التعديلات والتغييرات في جوانبها المتعلقة بحياة البشر, فالميثولوجيا والدين يهتمان بالغيبيات، ويربطان مصير الإنسان بها, ففيما الميثولوجيا تعبّر عن مرحلة فاصلة للتكوين الذهني للإنسان؛ فإن الدين هو الآخر كرّس مفاهيم الخوف والعقاب وربط مصير البشر بالآلهة والغيبيات أيضاً.
الهدف من البحث:
نهدف من خلال دراستنا هذه، إلى البحث عن جذور الميثولوجيا وتكوينها، ومن ثم تطورها عبر العصور المختلفة في الحضارة الإنسانية، باعتبارها البذرة الأولى التي تمكن الإنسان أن يعبر من خلالها عن مكنوناته وآلامه، وفي أحيان كثيرة يرسم طرق الخلاص والتحرر منها. كذلك سنستعرض مرحلة ظهور الأديان وتأثرها المباشر بالميثولوجيا، والتي يعتبرها البعض المرحلة الأكثر تطوراً من الميثولوجيا، وفيها تم تكبيل إرادة الإنسان الحر وجرى ربطها بالآلهة، وتطور وعي الإنسان ضمن المعايير والنواميس التي وضعتها الأديان حتى مرحلة متقدمة من التاريخ البشري، وهو ما انعكس على انغلاق المجتمعات الدينية على نفسها ورفضها لكل أنواع التطور، تحت مسميات “الحرام والحلال” والتي أضفت عليها القدسية، وبأن كل ما يتعارض معها يجب رفضه، بل محاربته. وسندرس التأثير المتبادل بين الميثولوجيا والأديان، وخاصة على الأديان التوحيدية التي ظهرت مع إبراهيم ووصوله إلى عيسى ومحمد، كما سنركز على ظاهرة بناء المعابد في الحضارات الأولى، ودورها في تشكيل الوعي الميثولوجي والديني. وكيف ساهمت الميثولوجيا والأديان في تنميط الوعي البشري، وشكلا حالة من الاغتراب الروحي والعقلي، وساهمتا في تعميق القضايا التي يعيشها البشرية، وإن كانت لهما بعض جوانب الإنصاف والحق والعدالة، وكيف تحولت الأديان في مرحلة لاحقة من التطور الحضاري للبشرية إلى عامل كبح للبحث عن الحرية، وتحولت إلى أداة للسلطة والهيمنة، ما خلق ردود فعل متباينة ضدها، تمثلت من خلال الثورات التي شهدتها كل من أوروبا ضد الفكر المسيحي الكهنوتي، وكذلك في الشرق الأوسط ضد الفكر الإسلامي المتطرف والمتزمت، وإغلاق كل مساحات التعبير الحر ونشر الفكر التنويري، وقتل كل محاولة للتحرر وتطوير الدين وفق خصائص العصور التي مر بها. كما سنبحث في فرص التحديث والتجديد في الدين، والتي يمكن أن تشكل تطوراً هاماً نحو دمقرطته، وصولاً إلى نموذج “لاهوت التحرير” الذي ظهر في أمريكا اللاتينية، وتجاوز الأحكام والفتاوى الصارمة من قبل فقهاء الدين. كما سنبحث في مسألة “المُقدَّس” في الميثولوجيا والدين، وكيفية تمظهرها ضمن الدولة، والآثار التي ترتبت على التمسك بالمقدسات، وكيف انتقل المقدس إلى هياكل وشخوص الدولة، بكل تفرعاتها وإسقاطاتها.
منهج البحث:
سنعتمد في دراستنا على منهجية توثيقية تسلسلية حسب المراحل التي ظهرت فيها الميثولوجيا والأديان، من خلال الاستعانة بالمصادر التاريخية، وسنورد آراء بعض الخبراء والمختصين في علوم الميثولوجيا والأديان حول التداخل والترابط بين الميثولوجيا والدين، وكذلك سنحاول قدر الإمكان أن نتخذ مبدأ الحيادية منهما، دون الانحياز لأي من الأطراف، وسنتطرق إلى أنواع الميثولوجيا ومصادرها، وخاصة الميثولوجيا التي ظهرت لدى المجتمع الكردي، وكذلك في الشرق الأوسط، وأيضاً الإغريقية. كما سنشرح دور الميثولوجيا في تكوين الذهنية لدى الإنسان البدائي في عصور ما قبل التاريخ، وتشكل الوعي الذي تطور لاحقاً ليتخذ أشكالاً معرفية متعددة، ذاك المنهج الذي حددت بموجبه الدراسات التاريخية والاستكشافات الأثرية لتتحول إلى مراجع معرفية لفهم التكوين البشري والتطور المعنوي والمادي للإنسان عبر مختلف مراحل الحضارة الإنسانية، وبالتالي خلقت وعياً متطوراً لدى الإنسان، والنهج المعتمد ساعد في التحرر من الأسطرة في الدين والميثولوجيا، وساهمت في تطوير العلوم الفلسفية والتجريبية.
أسئلة البحث:
1 – ما هو التعريف العلمي الدقيق للميثولوجيا؟
2 – متى ظهرت الميثولوجيا، في أي من العصور التاريخية؟
3 – ما هي الحاجة الموضوعية التي دفعت الإنسان لخلق الميثولوجيا؟
4 – كيف خلقت الميثولوجيا الذهنية الأولى لدى الإنسان، وحددت تصوراته ورؤيته للواقع والمستقبل؟
5 – كيف مهّدت الميثولوجيا والذهنية المتشكلة حينها لظهور الأديان، وما أوجه التشابه والتقاطع بينهما؟
6 – السرديات التاريخية على شكل قصص وحكايا في الكتب الدينية المقدسة، هل هي مستوحاة من الأسطورة/ الميثولوجيا، وما هي التعديلات التي أجرتها الأديان عليها في حال كانت امتداداً للميثولوجيا؟
7 – كيف فرض الدين حالة نمطية ثابتة على الذهنية، وأغلق كل مساحات تطور الوعي نحو آفاق رحبة من حرية التفكير؟
8 – ما هي المساهمة التي قدمتها الأديان التوحيدية في تحقيق العدالة الاجتماعية، وهل كرّست الطبقية ضمن المجتمع، أم إنها اتخذت اتجاهات عقائدية روحانية/ ميتافيزيقية أكثر مما هي دنيوية؟
9 – كيف انتقلت الأسطورة إلى الدين على شكل الميتافيزيقيا، ولماذا لم تتمكن الأديان، وخاصة التوحيدية، من حل القضايا البشرية التي راكمتها المجتمعات الطبقية والعصور البدائية؟
10 – هل تمكنت الأديان من تجاوز الإطار الذهني للحداثة الرأسمالية، وبناء منظومة فكرية وإيديولوجية منفتحة على مبادئ الحرية والديمقراطية، أم إنها غدت مسنّناً في آلة الحداثة الرأسمالية تخدمها بكل أريحية؟
11 – هل ثمة فرصة أمام شعوب الشرق الأوسط للتحرر من سيطرة الميتافيزيقيا الدينية، والتفكير بواقعية، والتمهيد لولادة ذهنيات ديمقراطية تواكب عصر التطور والتكنولوجيا الحديثة، على غرار ما شهدته أوروبا في بداية عصر النهضة والتنوير، أي هل سنشهد ولادة فستفاليا جديدة في الشرق الأوسط؟
الميثولوجيا ـ تعريفاً:
تتعدد التعريفات حول الميثولوجيا، إلا أنها تتحد من خلال وضعها إطاراً عاماً تعبر عن مضمون واحد، وهو أنه مفهوم “يُطلق على العلوم التي تُعنى بدراسة الأساطير التي وضعها الإنسان قديماً في محاولة منه لإيجاد تفسير لمختلف الظواهر الكونية، وتنطلق في معظمها من الغريزة التي تقود الإنسان لخالقه وتدفعه لمعرفته من خلال التأمل والتفكير في كيفية نشأة الكون، لذلك فإن الكثير من الأساطير كانت تنسج على أساس وجود آلهة تحمل قوى خارقة وتتحكم بالمظاهر الكونية الطبيعية وتفرض سلطتها على المخلوقات من خلالها”.
وفي تعريف آخر، يقول البعض إن معنى الميثولوجيا “هو الكلمة المنطوقة” وأنها “تختص بالآلهة كحكاية عن أفعالهم ومغامراتهم”.
كذلك نجد أن قاموس أوكسفورد يعرف كلمة الميثولوجيا بأنها “علم الأساطير، وهي تستخدم لتفسير الأحداث الطبيعية وشرح الطبيعة والإنسانية”.
إلا أن التعريف الدارج، هو المصطلح العربي المنقول عن كلمة “ميتولوجيا”، وهي كلمة يونانية تتكون من مقطعين وهما: “ميتوس ولوغوس”، ويقصد اليونانيون بكلمة “ميتوس” كل ما ينافي العقل من المستحيلات، بينما يقصدون بكلمة “لوغوس” العقل، أي أنها “تحمل مزيجاً من المتناقضات العقلية واللا عقلية التي تشكل حلقة وصل بين العقليات المرئية التي تلتمسها الحواس البشرية وتدرك وجودها حسياً وفعلياً، وبين الغيبيات التي تفسر أسباب حدوث تلك الظواهر وكيفية تشكيلها من خلال ربطها بالآلهة وقدراتها غير العادية”.
والماركسية عرفت الأسطورة بأنها “كلمة مرادفة للبدائية والتخلف والسذاجة، ترقى إلى مستوى السحر وسذاجة الأطفال”، وهو حسب رأي العديد من العلماء تعريف قاصر لا يرقى إلى مستوى أهمية تناول الأسطورة والميثولوجيا كعلم وأداة تعبير يمكن من خلالها فهم الحضارة التي تشكلت عبر التاريخ. اعتماد الماركسية على ماديتها التاريخية بشكل مفرط في تفسير التاريخ، جعلها تُسقط من حساباتها كل الجوانب المعنوية للبشرية، وعلى هذه القاعدة بنت مقاربتها المضادة للدين، ولم تستنبط منه الجوانب المعنوية الإيجابية، وهو ما دفع ماركس للقول “الدين أفيون الشعوب”، رغم صحة المقولة في بعض الجوانب، إلا أنها تعد خاطئة لجهة حمل الدين القيم المعنوية للإنسان.
ويخلط البعض بين الأسطورة والخرافة، ويعتبرون أن كل ما جاء في الأساطير والميثولوجيا هو عبارة عن “خرافات” أي أنها مجرد أكاذيب، إلا أنها غير ذلك كما سنرى في سياق البحث. في حين يذكر التاريخ العربي بأن كلمة “خرافة” جاءت “من اسم رجل يدعى خرافة من بني عذرة، أو من جهينة اختطفته الجن، ثم رجع إلى قومه، فكان يحدّثهم بما رأى ويعجب الناس من كلامه فيكذبونه، فجرى القول بأنه حديث خرافة للدلالة على عدم تصديق ما يقال”.
ونجد اختلافاً بين الخرافة والأسطورة، حيث أن الخرافة “عادة يتناقلها الناس بلغتهم الدارجة، بينما الأساطير تُتلى باللغة الفصيحة، أما العامل المشترك بينهما أن كليهما ذو بنية وحبكة معقّدة متداخلة ولا تتقيد بزمان أو مكان حقيقيين”.
وفي حين لا يوجد تعريف علمي للميثولوجيا يفيد بالضرورة أنها “كاذبة”، لكن ترد في السياقات العلمية كلمة “أسطورة” أو “قصة تقليدية” أو “قصة عن الآلهة”. وهكذا درجت عن علماء التاريخ ودارسي الميثولوجيا أن يستخدموا كلمة الأسطورة عند الحديث عن الميثولوجيا، حتى ذكرت الأسطورة في الكتب المقدسة للأديان التوحيدية مثل المسيحية والإسلام، دون الإساءة لها. ويقول “سي. إس. لويز” عن المسيح “إنها أسطورة لكنها وقعت”، كذلك وردت كلمة الأسطورة في عدة مواقع في القرآن الكريم، منها “أساطير الأولين” أي قصص الأقدمين.
ويعرف المفكر السوري والباحث في الميثولوجيا الدكتور “فراس السواح” الأسطورة بأنها “حكاية مقدسة يلعب أدوارها الآلهة وأنصاف الآلهة. أحداثها ليست مصنوعة أو متخيلة بل وقائع حصلت في الأزمنة الأولى، إنها سجل أفعال الآلهة. هي إذن معتقد راسخ”.
واعتبرت الميثولوجيا في بداية نشوئها شكل التعبير الأولي للإنسان وعما يخالج نفسه وذهنه وما يتعرض له من أحداث وتحديات في حياته اليومية. أي أنها كانت السِّفر التاريخي للحياة في عصور ما قبل التاريخ. وأبدع الإنسان في الوصف والتخيل وإضفاء صفة الألوهية عليها، لأن الميثولوجيا والتي يعبر عنها عن طريق الأسطورة تطورت أكثر في زمن ظهور الآلهة وأنصاف الآلهة. أي أن البشرية كانت تعبر عن حقيقتها عبر الميثولوجيا، لهذا حظيت باهتمام بالغ من قبل العلماء. وكل ما تم نقله من تلك العصور، تم فك طلاسمه ورموزه المخفية عن طريق ما وصل إلينا من الأساطير التي خلفها الأقدمون.
وظهرت تفسيرات مختلفة حيال الميثولوجيا والأسطورة فالعالم النفساني الشهير “كارل يانغ” يعزو وجود الرموز في الأسطورة إلى “اللاوعي الجماعي” ويعدها بأنها “تعبير رمزي عن مشاعر مجتمع ما، وعن رغباته المكبوتة في اللاوعي الجمعي (collective consciousness)”. في حين يرى بعض الباحثين أن الأسطورة هي “محض قصة، أو أنها كل ما ليس واقعياً لا يصدقه العقل المعاصر؛ لأنها تدور حول حياة الأوثان التي تعتبرها آلهة، أو أنصاف آلهة أو كائنات خرافية تقوم بأعمال خرافية عن مصير الإنسان في الغالب”.
إلا أنه يجب أن يجري تقييم الميثولوجيا في سياق العصور التي ظهرت فيها، كي نتمكن من فهمهما بشكل صحيح، باعتبارها مثلت الحقيقة في عصرها، وهي لغة التعبير عن شكل الحياة السائدة ومعقداتها، عبر الإنسان من خلالها عن أهدافه وأحلامه، وكذلك عن معاناته، عن الجنة والنار، العذاب والحرية، القوة والضعف والانهيار، وعن كل أنواع الصراع في الحياة، والذي تمثل بغضب وصراع الآلهة فيما بينها أحياناً كثيرة، وكذلك صراع البشر مع الآلهة وأنصاف الآلهة، فغدت الميثولوجيا التوثيق الأولي للتاريخ والحضارة حتى ما قبل التاريخ والعصر النيوليتي.
وعن تناقل الميثولوجيا والأسطورة عبر العصور، يقول الكاتب والباحث “عبد الرحيم أحميداني” في دراسة له بعنوان “من الميثولوجيا إلى فلسفة الدين”، “تنتقل الأسطورة تواتراً من جيل إلى جيل عبر الرواية الشفهية مما يجعلها بمثابة الذاكرة الجماعية التي تحفظ ثقافة الأسلاف وعاداتهم وطقوسهم، وتنقلها للأجيال المتعاقبة”. وحول طريقة تأثير الأسطورة وقوتها، يعتبر “أحميداني” الإلقاء الشفهي للأسطورة “هو ما يكسبها القوة المسيطرة والمأثرة في النفوس”. ومن حيث بنائها ولغتها يصفها بأنه “يبقى الحكي والسرد والبلاغة من أهم الوسائل التي تطبع الأسطورة، حيث تتلى وتنشد في الاحتفالات الدينية العامة، كاحتفالات أعياد رأس السنة في بابل التي كانت تتلى فيها عذابات الإله “تموز” فيما يسمى بأعياد الربيع”. ويعتبر أن الأسطورة تحولت إلى شكل “النص الأدبي الذي وضع في أبهى حلة فنية، وأقوى صيغة مؤثرة”. ويؤكد أن الميثولوجيا السومرية والبابلية واليونانية ظهرت في أجمل شكل شعري.
أنواع الميثولوجيا:
قسم علماء التاريخ والدارسين للميثولوجيا إلى عدة أنواع، تبعاً لما تناولته من مواضيع، وهي على الشكل التالي:
1 – الميثولوجيا التعليمية: وهي تتضمن الحكايات الميثولوجية الهادفة إلى “زرع فكرة وتعليمها”، وظهر هذا النوع من الميثولوجيا في البدايات الأولى لظهور الحضارة ودخول الإنسان في حالة الاستقرار وبناء المدن والقرى واكتشاف الزراعة، ونجد هذا النوع من الميثولوجيا بكثرة في الميثولوجيا السومرية التي تناولت تعليم الإنسان الزراعة وشق الترع الزراعية في مناطق ميزوبوتاميا الوسطى.
2 – الميثولوجيا الوعظية: لم تولد مسألة الوعظ مع ظهور الأديان، بل ظهرت قبلها في الميثولوجيا. وتؤكد الدراسات التاريخية أن الأديان أخذت مسألة الوعظ من الميثولوجيا، وهي تتناول موضوع الحكمة وبناء القيم والأخلاق الحسنة، كما أنها تحض على بناء وتوثيق الصلة بين الإنسان والإله، ونجدها دائماً تميل إلى الحذر من عصيانه وغضبه، ويؤكد الباحثون أن هذا النوع نجده في الميثولوجيا البابلية والإسكندنافية.
3 – الميثولوجيا العلمية: وهي الأساطير والحكايات التي تتناول مواضيع النشأة الكونية والخلق وأصول الأشياء، “وهي على الرغم من علمية موضوعاتها إلا أنها تختلط بالكثير من الأخيلة والتصورات غير المنطقية التي تفسر الغيبيات، مثل الأسطورة البابلية: إينوما إيليش”.
4 – الميثولوجيا الملحمية: وهي تتضمن الأساطير والحكايات الميثولوجية التي تخلد سيرة أبطال كان لهم دور قوي وبارز في رسم التاريخ وتشكيله، أو أنها تعدد أوصاف الآلهة وغضبها وفرحها. وهذا النوع نجده بكثرة في الميثولوجيا الإغريقية، وكذلك في أسطورة “جلجامش” ملك مدينة “أوروك” السومرية.
هذا التقسيم يسهل دراسة النصوص الميثولوجية التي رسمت على الحجارة، ومن خلالها يمكن فهم طبيعة الحياة ونوع العلاقات المجتمعية في العصر الذي دونت فيه، وهي تعبر عن حقائق ذاك العصر بكل جلاء.
لقد ظهرت الميثولوجيا لدى العديد من الشعوب كأسلوب تعبير في عصور ما قبل التاريخ، ولم يقتصر نشوءها على الإغريق، بل الذهنية البشرية التي تطورت في العديد من المناطق، مكنت كل مجموعة عرقية ولغوية من خلق ميثولوجيا خاصة بها. وتطور الميثولوجيا ارتبط بأحيان كثيرة بتطور المجموعات اللغوية.
الميثولوجيا لدى الشعب الكردي:
رغم أنه لا توجد دراسات تاريخية وأثرية معمقة ودقيقة وموثقة حول الميثولوجيا الكردية، إلا أنه يمكن معرفتها والاستدلال عليها من خلال الحكايات الشعبية الميثولوجية التي انتقلت إلينا شفاهياً عبر العصور والأجيال المتعاقبة. لأن معظم الأدب والفن والفولكلور الكردي نقل من جيل إلى آخر شفاهياً، حيث أن حركة التدوين كانت محدودة جداً. كما أن الحروب التي مرت بها كردستان، جعلتها منطقة غير مستقرة، ولم تصل إلى تشكيل كيان مستقل، وهذا ما حدا إلى عدم تمكن إنشاء مراكز أبحاث تاريخية متخصصة في مختلف الفنون والعلوم، بما فيها علم الميثولوجيا.
إن الحكايات التي كان يقصها الأجداد والجدات في ليال السمر الطويلة خلال الشتاء، والتي تعبر معظمها عن الصراع بين “الخير والشر”، وكذلك قدرة أبطالها على مصارعة “الغول/ الشبح” وانتصارهم عليه، ما هي إلا جزء من الميثولوجيا الكردية التي وصلت إلينا. ففي الميثولوجيا الكردية يمتلك الغول قدرات خارقة للطبيعة، بإمكانه التحليق والطيران، والتحول من هيئة إنسان إلى هيئة حيوان وحتى أفعى، والدخول تحت سابع طبقات الأرض والعيش فيها سنوات طويلة. وكذاك كانت تتناول الحياة ما بعد الموت، وأيضاً إحياء الموتى والحلم بالفردوس (الجنة). وخيال الكردي كان واسعاً، حيث يصف الغول بأنه لا حدود لنهمه، وحجمه فوق التصور، يمد يديه شرقاً وغرباً، يراقب أنفاس البشر ويلتهمهم في اللحظة التي يراها فيها. إلا أن فطنة وذكاء البطل، وهو الإنسان، تتغلب على غدر الغول وقوته، وفي النهاية يستطيع البطل قتله وتحرير البشر من غدره وبطشه. إن حجم الوصف الذي نجده في تلك الحكايات الأسطورية، ومنح البطل قدرات خارقة، تجعلنا نتيقن من سعة خيال الكردي. كما أنها في ذات الوقت تعبر عن فكرة البحث عن الحرية لدى الكردي وانتصاره في صراعه مع جميع القوى. فالمؤكد أن الحضارة التي تطورت على سفوح سلاسل جبال “زاغروس” وطبيعتها الجميلة والوعرة، والتي شكلت منطقة استقرار بشرية أولى للإنسان في منطقة ميزوبوتاميا العليا، انعكست على تطور قدراته العقلية والذهنية في الابتكار والخلق، من خلال صناعة أدوات يحمي بها نفسه من ظواهر الطبيعة تمثل في حفر الكهوف في قلب تلك الجبال الوعرة، ليحمي نفسه من الرعد والبرق والأمطار والثلوج، وكذلك ليقاوم بها هجمات الوحوش المفترسة، وهذا ما دفعه ليعيش ضمن مجموعات بشرية على شكل “كلانات”.
هذا التطور الحضاري بين المجتمع الكردي في زاغروس، نُقل إلى ميزوبوتاميا الوسطى والسفلى، وعكست تلك الثقافة المتطورة وفق شروط عصرها من خلال الميثولوجيا التي وثقت تلك المرحلة من التطور التاريخي والحضاري، ومن ثم تطورت في ميزوبوتاميا الوسطى لدى السومريين لتصل إلى بناء المدن مثل “أوروك” واكتشاف الزراعة والاستفادة من مياه نهري دجلة والفرات. والمجتمع السومري الذي شهد ظهور أول مجتمع طبقي (المجتمع العبودي)، وكذلك ظهر الكهنة ومعهم أول فكرة للدين، ذاك الدين الذي نقله “الهوريون” من ميزوبوتاميا العليا، وخصوصاً من الثقافة التي تكونت حول معبد “خراب رشك” في “رُها/ أورفا”، فإنها ساهمت في تطور الفكر الميثولوجي، وملحمة “جلجامش” تعبير واضح عن تأثيرات ثقافة ميزوبوتاميا العليا على الحضارة السومرية في المرحلة الأولى المتمثلة في مدينة “أوروك”، وفي مرحلتها الثانية في مدينة “أور”، وما تلاها من حضارات في منطقة الشرق الأوسط مثل “الأكاديين” ومن بعدهم “البابليين” والتي شهدت في مرحلتها الأخيرة ظهور “زارادشت” ومن ثم الأديان التوحيدية على يد “إبراهيم” بين أعوام (1800 – 1700) قبل الميلاد.
الميثولوجيا تركت أثرها عميقاً في الذهنية الكردية على شكل قصص وحكايات قديمة، وانتشرت بشكل واسع في جغرافية كردستان، وأضحت جزءاً من الذاكرة الجمعية للكرد، وهي ارتبطت بفكرة الحرية لديهم، كما ذكرنا آنفاً، تلك الفكرة التي نُسِجت في خيال الكردي منذ العصور البدائية، وتم التعبير عنها من خلال الأساطير والميثولوجيا والتي تطورت عبر العصور. فنجد أن ملحمة البطل التاريخي الكردي “رستم زال/ Rustem ê Zal” جرى تدوينها ونقلها بشكل أسطوري، ورغم واقعية الحدث، إلا أنه تم التعبير عنه من خلال الأسطورة والميثولوجيا.
للميثولوجيا تأثير كبير في الثقافة الكردية، وكذلك في بناء العلاقات المجتمعية وتكوين الذاكرة الجمعية لديهم، ولكنها لم تتطور عبر الزمن إلى نوع أدبي وظلت في الإطار الشفاهي، وهذا ما عرض قسماً كبيراً منها للضياع والنسيان، ولكنها حافظت على قوتها السردية لنمط الحياة الكردية عبر عصور التاريخ، فشكلت بشكل أو بآخر الذاكرة التاريخية والوعي لدى الكرد، حتى أن ملاحم سِيَر أبطال الملاحم جرى تدوينها بشكل غنائي، ولم تخلُ هي أيضاً من الأسطورة والاستفاضة في الوصف الخيالي، وتمجيد الأبطال وذكر أخلاقهم الحميدة. فكانت الميثولوجيا بشكلها الغيبي والواقعي جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الكردية، ولا تزال مستمرة إلى يومنا هذا. كما أنها حملت القيم الأخلاقية والمجتمعية للكرد، ومن خلال دراستها والتعمق في مدلولاتها الواقعية، يمكن رصد وفهم مسيرة تطور الشعب الكردي عبر العصور المختلفة، من النواحي الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافية والسياسية.
علاقة الميثولوجيا بالأدب:
يعد العديد من الباحثين وعلماء التاريخ أن الميثولوجيا تمثل جنساً أدبياً يختص بشكل أساسي بالملاحم والقصص التي دونت أقسام منها بشكل شعري، بل أن عدداً منهم يعتبرها نوعاً من “الشعر المختص بالأسطورة”. فملحمتي “الإلياذة” و”الأوديسا” للشاعر الإغريقي “هوميروس” هما ملحمتان أسطوريتان، إلا أنهما كتبتا بأسلوب شعري. وفي الأدب الكردي نجد أن ملحمة “مم وزين” الكردية المشهورة كتبت بشكل شعري أيضاً، ولو أنها جاءت في وقت متأخر، إلا أنها في ذات الوقت لا تخلو من الأسطورة من حيث الوصف، ويتداخل فيها الدين والصوفية بالخيال الميثولوجي، رغم أنها قصة مستمدة من الواقع، إلا أن الكاتب “أحمد خاني” المشبع بالروح الصوفية والدينية، مزج بين خياله الشعري الأسطوري والدين، من خلال اتخاذ أسلوب السرد المباشر الغني بالأوصاف الشعرية والأسطورية، ولهذا يمكن وصفها أسطورة شعرية أدبية.
تطورت الميثولوجيا عبر العصور، ورغم أنها “عمدت إلى تفسير الظواهر الكونية والسلوكيات الحيوية على الأرض من منطلق الرؤية البشرية المحضة التي قد تكون بعيدة كل البعد عن الواقعية العلمية، وتتصل إلى حد كبير بالخيال والتصوير التخيلي، فقد انكب الأدباء عليها ينهلون منها ويضمنونها رواياتهم ويستلهمون صورهم وخيالاتهم في أشعارهم الغنائية ويوظفون أبطالها فيها كـ”أوديب، إلكترا، بروميثيوس والعنقاء”، وغيرها التي عرفت في البداية كأبطال ميثولوجيين وأصبحت فيما بعد رموزاً أدبية عميقة”.
ويعزو العديد من الأدباء إلى أن السرديات التي عادة ما يلجأ إليها الأدباء في قصصهم ورواياتهم، إنما مستمدة من الميثولوجيا والأسطورة، حيث تجد الروائي يحلق في عالم الخيال والوصف، ولكن ليس بالشكل الذي تناولته الأساطير القديمة، وكذلك يعد الخيال صفة ملازمة للشعر، وخلوه من الخيال يجعله كلاماً نثرياً لا علاقة له بالشعر.
الميثولوجيا والدين:
حاول علماء الميثولوجيا والتاريخ والفلاسفة الفصل بين الدين والميثولوجيا من حيث المفهوم وكذلك الأهداف، وقد توصل الكاتب “ديتيان” إلى وجود فارق جذري بينهما، وقال بأن “الأديان تتناول الحياة الإنسانية من مختلف جوانبها الاجتماعية والاقتصادية والخلقية وغيرها، وتعمد إلى إحداث تطهير للناس من الذنوب والمآثم بغية الوصول إلى مجتمع أفضل وفرد يستحق الحياة في ذلك المجتمع المثالي”. في حين وصف الميثولوجيا بأنها على العكس من الأديان “تتسم بالمنطق والجدية على الدوام”.
يتفق العديد من دارسي الميثولوجيا وتاريخ الأديان، بأن الأخيرة بنت تصوراتها الميتافيزيقية على أساس الأساطير المستمدة من الميثولوجيا، بدليل أن العديد من القصص الواردة في الميثولوجيا السومرية والبابلية والآشورية جرى ذكرها في الأديان التوحيدية، كما في قصص طوفان نوح وأهل الكهف، وقد ذكرت تكراراً في كل من التوراة والإنجيل والقرآن.
ويذكر عالم الآثار العراقي الدكتور “خزعل الماجدي” بأن العديد من أسماء الأنبياء التي وردت في الكتب المقدسة للأديان التوحيدية، لم تكن سوى أسماء ملوك في الحضارات السومرية، الأكادية، البابلية والآشورية، ولكن جرى تحوير الأسماء ونقلها إلى اللغات السامية بمسميات مختلفة. غير أن الثابت في تحول قسم كبير من الميثولوجيا إلى أديان في المعابد التي ظهرت في مختلف الحضارات وخاصة الشرقية، هو اعتماد الدين أسلوب الخيال لما وراء الطبيعة وفوق التصورات الإنسانية، وما مفهوم “الجنة والنار” إلا جزء من التصورات الميثولوجية التي ظهرت في فترة الانقسام الطبقي المجتمعي، وتجلت في المجتمع العبودي من خلال طبقتين: عبيد وأسياد.
الفلسفة التي طورها الدين كانت مختلفة عن الميثولوجيا في عدة جوانب، ففي حين أن الأخيرة تبحث في أصول نشأة الكون وتنقب عن تفسيرات للغيبيات، فإن الدين أيضاً تناول الغيبيات وعالج غموضها وقدم تفسيرات لها بردّها للقوى الإلهية على غرار الميثولوجيا، بل عمقت أكثر هذا الجانب وربطت قدر الإنسان بها وقيدته. وقد استلهمت الأديان هذا الجانب من الميثولوجيا وكان تأثيرها بالغاً فيها، حتى نكاد لا نفرق بين القصص والحكايات التي وردت في النصوص الدينية وبين تلك الواردة في الأساطير الميثولوجية، مثل قصة الطوفان.
وقد أثارت الصلة والعلاقة بين الميثولوجيا والدين جدلاً واسعاً بين علماء الميثولوجيا والاجتماع والفلاسفة والمهتمين بهذا العلم، وعمل الكثيرون على تحديد طبيعة تلك الصلة وماهيتها، كما سعوا للتفريق بين الدين والميثولوجيا. إلا أن العديد منهم يعد أن الهالة القدسية التي يستشعرها الإنسان حول الميثولوجيا والدين، بأن الدين “يناقش أمور الغيبيات ويفسرها ويتحقق من وجود إله يحكم الكون بقدراته التي تفوق قدرات البشر وسائر المخلوقات”، فيما تعد الميثولوجيا فهم الإنسان الأولي للدين، وهي تعد الذهنية التي مهدت لولادة الدين لاحقاً، ولو بشكل مبسط، حيث أنها تربط كل ما يدور في الكون بالقوى الخارقة والمعجزات، ومن خلالها تفسر الأحداث التي تدور في الحياة والكون، فيما يعد الدين بالنسبة للميثولوجيا فكراً سامياً ناضجاً ومتطوراً إلى حد كبير، لجهة تناوله الأمور الحياتية وتركيزه على الجانب الأخلاقي وحتى تنظيم المجتمع والأمور الحياتية.
ويعتبر الفيلسوف الكردي “عبد الله أوجلان” في مرافعته الخامسة بأن “الدين أسس لمنظومات أخلاقية وقيمية كبيرة، ساهمت في بناء الحضارة البشرية، قبل أن تتحول إلى دين سلطوي”. وهو ما يجب دراسته بشكل أكثر عمقاً واتساعاً وتناول جوانبه المادية والمعنوية، دون الخوض في الجوانب الغيبية/ الميتافيزيقية. فالقيم الإنسانية المتمثلة بالعدل والمساواة والحرية التي خلقتها الأديان، وخاصة السماوية منها لا تزال آثارها باقية إلى يومنا هذا، والمحافظة عليها يعد جزءاً من الحفاظ على الحضارة البشرية.
ففي حين كانت الميثولوجيا بسيطة في أفكارها وأساليبها وفي طريقة عرضها وتناولها للأحداث الكونية والدنيوية، نظراً لأنها كانت بدائية النشوء، إلا أن الأديان والمعتقدات التي ظهرت لاحقاً، أضفت قدسية فائقة على معتقداتها، وظهرت على شكل ثوابت وممارسات تجلت بداية في المعتقد، ومن ثم في الطقوس والشعائر، وجرى مزجها بالأسطورة، التي غدت السمة الأساسية لمعظم الأديان. واتصفت تلك الأديان بالكثير من التعقيد والتركيب وازدحامها بالأفكار الغيبية، وتجلت هذه الظاهرة أكثر في الأديان واسعة الانتشار في العالم وكذلك التوحيدية مثل البوذية، الموسوية، المسيحية والإسلام.
ومما يؤكد اتصال الميثولوجيا بالدين اتصالاً وثيقاً، أن “حكايات الميثولوجيا تعد رسائل غير مقيدة ببيئة زمنية أو مكانية محددة، إنّما تكون عامة وشاملة لكافة العصور وتخلد آلية العقل الإنساني وطبيعته التي تصر على مجابهة المجهول واكتشافه وخلق تفسير له”. ونجد أن الدين نقل هذه الخاصية والميزة إلى نفسه، بل نسخها كما هي وأضاف إليها مسحة إلهية وقدسية تفوق تصور الإنسان، لجهة ربطه بإله سماوي لا يمكن الوصول إليه.
القدسية في الدين وارتباطها بالميثولوجيا:
ظهر مفهوم القدسية في العصور الأولى من الحضارة البشرية، والفكرة الأساسية تعود إلى حاجة الإنسان للمقدّس له لضمان حياته, كما أن السبب الأول الذي دفع لتقديس الآلهة والأرباب والكهنة هو الخوف، ولتفادي غضب الآلهة وشرورها. ويذكر الكاتب الأمريكي “ول ديورانت” في سلسلته “قصة الحضارة” قسم الحضارة الإغريقية: أن مفهوم القدسية والإله ظهر عند الإغريق من الخوف.
وظهرت القدسية بأشكال ونماذج مختلفة، وفي بداياتها كان الإنسان يقدس أشياء دنيوية. وهو من الناحية الفلسفية والنفسية يعد حاجة روحية قبل أن يكون مفهوماً غيبياً متعلقاً بالآلهة والأرباب والملوك والأباطرة، حيث أن القدسية لأي شيء تنبع من أهميته وندرته، مثلاً الإنسان حتى الآن يقدس الخبز ويحافظ عليه، لأنه كان نادراً في أزمان مختلفة وجاء بعد الجوع والمجاعة، ومن منطلق الحفاظ عليه تم تقديسه، فخلق قيمة أخلاقية أضفى عليها هالة من القدسية في سبيل الحفاظ عليه وعدم تعرضه للمجاعة، ولا تزال هذه العقيدة موجودة في يومنا هذا. وكذلك جاءت فكرة تقديس الحيوانات مثل الأبقار، نظراً لأنه يستفيد من حليبها وجلدها. والعرب في فترة ما قبل الإسلام وما بعده قدسوا شجر النخيل، لأنها تنتج لهم التمر الذي يسد جوعهم.
من جانب آخر ظهرت القدسية نتيجة الخوف كما أسلفنا، فالخوف من العقاب الذي بشرت به الأديان، وكذلك الثواب بالفوز بالجنة، دفع الإنسان الفاقد للقوى والأدوات المادية ليتعلق بما يمكن أن يسترجع ما فقده ولا يملكه، وفق تصوره البسيط والساذج، ويقدس كل من يعيد له مكانته في المجتمع. وساهمت الأديان وقبلها الميثولوجيا في تكوين فكرة القدسية كسبيل للخلاص الروحي والعيش والانسجام معها، والتضحية بكل شيء من أجله. ومن هنا نشأت فكرة القدسية في الأديان، وعمقتها من خلال القصص والحكايات الميثولوجية، ورسختها من خلال الطقوس والشعائر الخاصة بكل دين، حتى وصل الإنسان إلى حالة اغتراب وانفصال عن الواقع المُعاش، ليعيش فقط من أجل الجنة الخالدة، على أنها أسمى القيم. وتعمق الاغتراب من خلال الادعاء بأن العيش في الدنيا لا يساوي شيئاً مقابل حياة الآخرة/ الجنة. تلك القيم المقدسة استغلتها الطبقات المهيمنة والسلطوية الاستغلالية لتفرض حاكميتها على المجتمعات، من خلال الترويج أن المقدس لا يجوز المساس به مطلقاً، وأي طعن فيه يعد “كفراً” وخروجاً عن الناموس العام، وأعدت له عقوبات قاسية وصلت إلى حد التصفية.
تطورت القدسية لدى الشعوب والمجتمعات مع الزمن، وأخذت حيزاً كبيراً في الشعائر الدينية لدى معظم الأديان، حتى الأديان التوحيدية. فإن كانت المقدسات في البداية اتخذت أشكالاً بسيطة لا تحتاج لعناء كبير في التعلق بها، مثل تقديس الآلهة التي كانوا يصنعونها من التمر، ولكن سرعان ما يلجأ إلى تناوله عندما يشعر بالجوع، وبذلك تنتهي هالة القدسية نوعاً ما، ويضطر إلى صنع إله آخر يقدسه. إلا أن القدسية أصبحت أكثر تعقيداً وتشابكاً مع الأديان التوحيدية، التي رفعت من درجة القدسية وربطتها بالإله في السماوات والذي لا يراه الإنسان على شكل عقيدة لا يمكنه الفكاك منها. هذه الحالة من التبجيل والتقديس ظهرت مع “تطور الذهنية الاستغلالية وأدواتها لدى الإنسان الماكر”، وفق توصيف المفكر والفيلسوف “عبد الله أوجلان”.
مفهوم القدسية شهد تطوراً لافتاً في التاريخ، وصل إلى تقديس القيم المادية. فالمقدسات التي ظهرت في المعابد الدينية وحولها، استغلها الإنسان ليفرض منظومات قيمية تمثلت بـ”المحرمات”، وعدم المس بها بأي شكل من الأشكال. فكما أن القدسية الدينية حددت سلوك وتصرفات الإنسان ووضعته ضمن قوالب ثابتة لا تتغير مع الزمن ولا تتأثر بالتحولات التاريخية والحضارية، فإنها في ذات الوقت فرضت دوغمائية مفرطة، أغلقت كل مسامات التفكير الحر لدى الإنسان وأصبحت النمطية هي السائدة، وهو ما يفسر تخلف المجتمعات المتمسكة بالمقدسات الغيبية وعدم قدرتها على تجاوزها في بناء ذهنية وثقافة تنويرية، بل ربطت مصيرها بتلك المقدسات وجعلتها فوق كل الاعتبارات.
رافق نشر فكرة القدسية والترويج لها في الأديان ما قبل التوحيدية وما بعدها، عدة طقوس وشعائر مارسها كهنة الأديان السومريون، وكذلك القيّمين على الشؤون الدينية، في سبيل ترسيخ القدسية في الذهنية واللا وعي، وغدت جزءاً من الحالة الروحية لدى الفرد في المجتمع. فتراه يقدم القرابين ويقيم حلقات الرقص والموسيقى الخاصة حول تلك المقدسات، ويطلب منها الغفران على الذنوب التي ارتكبها، ويكثر من الأدعية والصلوات لها، لعل وعسى ينال منها المغفرة. وترى الفرد يُكثر من الابتهالات التي توثق ارتباطه الروحي مع المقدس، فيما غابت القدسية عن القيم المجتمعية التي راكمها الإنسان ما قبل التاريخ وما بعده، وتعمقت فيه ظاهرة “الفردانية” وغابت فيها المجتمعية والإحساس بالوحدة والانسجام والعمل ضمن الجماعة بالشكل المادي والمعنوي، وهو ما يطلق عليه حالة الاغتراب عن الواقع وتغييب المجتمع، أي أن يعيش الإنسان خارج الحياة ومعتركها. بهذا الشكل التراجيدي تم أسر الإنسان وذهنيته ضمن مفاهيم القدسية.
والمقدس دائماً يخاطب العواطف ويغيّب العقل، وفي هذا الصدد يقول أحد الباحثين في تاريخية الأديان “إن الخبرة الدينية ليست من حيث الأساس خبرة عقلية بقدر ما هي خبرة عاطفية انفعالية؛ ولذلك فإنها لا تتطلب البرهان ولا تتطلَع إليه، وإنما تتطلب معادلاً موضوعياً يعكسها إلى الخارج من خلال ميثولوجيا تجعل التجربة الدينية مشتركةً مع الآخرين. وهنا تعمد الأسطورة إلى استنفاد القوى السحرية للغة من أجل التعبير عن خبرةٍ كُلانيةٍ بالقدسي لا تنفع في توصيلها مفردات اللغة المستمدة من التجربة اليومية. وهذا ما يفسر لنا لماذا لم يعمد كُهّان الديانات القديمة وأصحاب الرسالات الدينية إلى مخاطبة الناس بصيغة البرهان وإنما بصيغة البيان. إن الاستماع إلى بضع آياتٍ من كتابٍ مقدَّسٍ تُغني المؤمن عن قراءة مئات الصفحات التي تُخاطِب عقله بالمنطق والبرهان، ومن هنا تأتي تلك المناعة التي أظهرها الدين حتى الآن أمام النقد رغم لا معقولية تعبيراتِه الرمزية”. غياب العقل في المسائل الدينية والعقائد، تسبب في تخلف الوعي وسيطرة الميتافيزيقيا وتنميطه للفكر الإنساني. وظهرت هذه الحالة منذ بداية تشكل الحضارة وجرى الحفاظ عليها وإضفاء معاني أخرى عليها حتى وصلت إلى يومنا هذا عبر الكتب المقدسة والطقوس والشعائر الدينية.
والقدسية الدينية التي بدأت عند الإله الأوحد ومن ثم الأنبياء والرسل والأتباع، دفعت لطرح السؤال الجوهري؛ من أين يبدأ تاريخ الألوهة والإنسان، هل بدأ من فعل الخلق؟ العديد من الدراسات التاريخية تؤكد أنه مع “فعل الخلق يبدأ تاريخ الألوهة والإنسان، وقبلها كانت الألوهة في حالةٍ أشبهَ بالعدم لأنها لم تكن تفعل شيئاً”. ولهذا سُئل نبي الإسلام من قِبَل أحد صحابته: “أين كان الله قبل أن يخلق خلقه؟” فأجاب: “كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء، وخلق عرشه على الماء”.
ويقول الصوفي “عبد الكريم الجيلي” في كتابه “الإنسان الكامل” لوليّه “لا تتقيد باسم العبد، فلولا العبد ما كان الرب. أنت أظهرتني كما أنا أظهرتك”. ويظهر من حديثه أن القدسية متبادلة ما بين الإنسان والرب، وهو ما يرفضه شيوخ الدين.
ويقول أحد الباحثين في تاريخ الأديان والميثولوجيا “إن النص الديني المتسلِّح بالأسطورة لا يتوجه بخطابه إلى عقل السامع أو القارئ، بقَدْرِ ما يتوجَّه إلى عواطفه وملكاته النفسية؛ ولذلك فإنه لا يَحفِل بالبرهان ولا يتطلَّع إليه، ولا يقدِّم لك وسائل تسمح لك بإثباته أو دحضه”. ويضيف “لننظر على سبيل المثال إلى ما ورد في مطلع أسطورة التكوين التوراتية: “في البدء خلق الله السماوات والأرض، وكانت الأرض خَرِبَة وخالية وعلى وجه الغَمر (أي المحيط المائي البَدئي) ظُلمة، وروح الله يرفرف فوق المياه. وقال الله ليكن نورٌ فكان نور، ورأى الله النور أنه حسن، وفصَل الله بين النور والظُّلمة، ودعا الله النور نهاراً والظُّلمة دعاها ليلاً. وكان مساء وكان صباح يوماً واحداً”. وإذا ما تم تناول هذه الحقيقة الميثولوجية – الدينية وفق المنطق الفلسفي أو العلمي، لتم رفضها. ويخضع الكاتب هذا النص الديني لمحاكمة فلسفية وعقلية، ويقول “الآن، إذا نحن تلقَّينا هذا النص الأسطوري النموذجي وَفْق المنطق الفلسفي أو المنطق العلمي لرفضناه جملة وتفصيلاً، فكيف يكون هناك نور قبل أن يكون هناك مصدرٌ للنور وقبل خلق الأجرام السماوية؟ وكيف يمكن الفصل بين النور والظلام وولادة اليوم الأول إذا لم يكن هناك شمسٌ تُشرِق وتغيب؟ ولكن الأسطورة تصدُر عن عقل قبل فلسفي، إنها حَدْس بالكُليات يُموضع معرفته الكلية غير المجزَّأة في صور ومشاهد وشخصياتٍ مفعمة برموزٍ ذات دلالاتٍ بعضها يتصل بعالم الشعور وبعضها يتصل باللاشعور؛ ومن هنا فإنها لا تُشكِّل معرفةً بالمعنى الدقيق للكلمة؛ ولذلك فنحن إذا ما تلقَّينا هذه الأسطورة بعد إزاحة عقلنا التحليلي، كما كان القدماء يفعلون، لشعرنا بقُوَّتها وسَطوتها، وبما تُحاوِل أن تُودِعه فينا”.
إن قدسية الكتب السماوية تنبع من أن أتباعها اعتبروه كلام الله الذي لا يمكن تحويره وتغييره بأي شكل من الأشكال أو الطعن بها. وأي مقاربة سلبية منه تستدعي إنزال أشد العقوبات به. ورغم أن جميع الكتب السماوية للأديان الثلاثة (الموسوية، المسيحية والإسلام) كتبت بعد مئات السنين من موت أصحاب تلك الرسالات السماوية، إلا أنه أسبغت عليها القدسية لأنه كلام الله وصل إليهم عبر رسله، والله قيمة قدسية لا يجوز النقاش حوله.
ظهرت بعض الاتجاهات لمحاولة “عقلنة” الدين، وتفكيك معاني الكتب المقدسة والطقوس والشعائر الدينية وفق منطق فلسفي ممزوج بين الميتافيزيقيا والقراءة المادية للكتاب المقدس. وشهدت جميع الأديان ما يمكن اعتباره ثورات فكرية جادة فيما وصفها البعض بأنها محاولات إصلاحية في الدين، وفصل المقدس واللاهوت عن المادي منه. شهدنا انطلاقة مارتن لوثر في الدين المسيحي “من أجل فك الارتباط بين الدين والفلسفة من جهة، ومن أجل مواجهة التيار السكولائي الذي بقي حبيس التحديد الأرسطي لمفهوم الألوهة كمحرك لا يتحرك من جهة أخرى” وقاد “لوثر” ثورة في الدين المسيحي، بأن خلق المذهب البروتستانتي. كذلك ظهرت في الدين الإسلامي محاولة إصلاح عديدة على شكل تقديم تفسير وقراءات واقعية للقرآن الكريم. إلا أن جميع تلك المحاولات الإصلاحية والتغييرية باءت بالفشل أمام تشدد التيارات المحافظة وتغليبها المقدس واللاهوتي على المادي، فالأفكار التي خرج بها “الحلاج” وكذلك “المعتزلة” و”السهروردي” و”ابن عربي”، قوبلت بمعارضة قوية وصلت حد التكفير بهم، وتم قتل جميع تلك المحاولات والتنكيل بأصحابها. كذلك فعلت الكنيسة المسيحية مع العلماء وأصحاب الأفكار التنويرية في بداية عصر النهضة والتنوير في أوروبا، فأعدمت “كوبرنيكوس” لأنه أثبت كروية الأرض وكذلك “غاليليو” و”لافوازيه” وغيرهم من علماء الكيمياء والفلك والرياضيات والطب. الثقافة التي تشكلت في حواضر المدن الإسلامية في فترة العصرين الأموي والعباسي، غلب عليها الإيمان بالغيبيات والمقدسات، رغم ظهور حركة فكرية وفلسفية نشطة، إلا أنها قتلت في مهدها ولم تتمكن من كسر التابوهات الدوغمائية التي فرضتها الدولة الإسلامية وشيوخ التكفير.
تشدد “الغزالي” و”ابن تيمية” وفتاواهم التكفيرية، قضت على كل محاولة للتغيير في الفكر الديني ورسخت ذهنية سلفية تعيش خارج التاريخ والتطور، ووجدت فيها الأنظمة السلطوية المتعاقبة أداة قوية لاستمرار سلطتها وهيمنتها، فكان لكل سلطة دينها وشيوخها يشرعون لها ممارساتها عبر فتاواهم الدينية، ويسبغون عليها هالة من القدسية التي لا يجوز نقدها أو معارضتها، فظهرت الديكتاتورية الدينية بشكل فظ، وطفت الدوغمائية الدينية بكل أشكالها على الوعي الاجتماعي، وأغلقت جميع أبواب إجراء تحولات وإصلاحات والدخول في عصر التنوير وتطوير الفلسفة والعلوم الأخرى، وجرى تكفير كل من يفكر خارج صندوق اللاهوت الديني، وهذا هو السبب الرئيسي في أن المجتمعات الشرقية لم تحقق أي تطور علمي ملموس وخاصة على صعيد الفلسفة والفكر.، وهو ما يفسر تخلف مجتمعات الشرق، حيث غدا الدين يتحكم بكل مفاصل الحياة، في حين حقق الغرب عدة ثورات متلاحقة على صعيد الفكر والفلسفة والعلوم الوضعية، بمجرد أن فصل الدين عن الدولة.
إن إحدى القضايا الشائكة التي تواجهها المجتمعات الشرقية هي قضية المقدسات، والتي لم تقتصر على الدين، بل تعدت لتصل إلى معظم الأمور والأشياء في الحياة. وغدا كل شيء حولنا مقدساً، الدولة القومية باتت مقدسة ولا يجوز المساس بها، رغم إجماع الكل أنها صنيعة الرأسمالية، حسب توصيف بعض الأطراف، إلى أن الكل يستميت في الدفاع عنها، ويتهم كل من يعارضها بالخيانة وما إلى ذلك. كذلك الحزب مقدس، وأي خروج عن مبادئه يعتبر أيضاً خيانة لا مثيل لها، ومن بعده يأتي الرئيس متربعاً على درجة القدسية في الحزب والدولة. وأي نقد يوجه له يعد انتقاصاً وإهانة من قدسية الدولة والحزب، طالما أنه يمثل رمز سيادة الدولة القومية المقدسة، ويمتلك حصانة وقدسية لا يجوز النيل منها، حتى تم تصويره أنه يستمد سلطته من الإله، والدين عبر شيوخه برروا له ذلك تحت زعم أن “طاعة أولي الأمر من طاعة الله”، وكأنه يُعاد إنتاج فلسفة السلطة والحكم القديمة التي سادت في العصور الأولى من التاريخ، على شكل حكم الآلهة وأنصاف الآلهة، حيث كان الملك والإمبراطور حاكماً وفي ذات الوقت إلهاً، ونجد هذه الأمثلة في التاريخ السومري فمدينة “نيبور” السومرية بناها الإله “إنليل”، و”أوروك التي يصفها مطلع ملحمة جلجامش بأنها صنعت على يد الآلهة، ومثلها أيضاً “إيريدو” التي بناها الإله “إنكي”، و”بابل” العظيمة التي بناها الإله “مرودخ”. وغدت تلك المدن ملكاً لآلهتها/ ملوكها. والأديان اللاحقة استنسخت تلك التجربة، فأطلقت تسمية الحاكم على أي منطقة اسم “مَلِكاً عليها” أو ضمن مُلكِه. ومثلما تم تقديس الآلهة والملوك في الحضارات القديمة حتى ما قبل ظهور الأديان التوحيدية وعبر الميثولوجيا، فإنه جرى تقديس الزعماء والرؤساء وشيوخ الدين والسلطويين على تلك الشاكلة عبر ما أطلق عليه اسم “كتاب وشعراء البلاط”، فملوك اليونان القدماء مثل “يوليسيس، أغاممنون ومينيلاوس” ألبستهم “إلياذة” هوميروس حلة ميثولوجية وباتوا مقدسين ويملكون الأرض بما فيها البشر، وكذلك الأمر بالنسبة لـ”جلجامش” السومري والملك “آرثر” وفرسان المائدة المستديرة لدى الأنكلو ساكسون.
تداخل الميثولوجيا والدين حول المرأة:
شكلت الميثولوجيا الذهنية الأولى للإنسان، ومن خلالها تمكن من إعداد تصورات خيالية (أسطورية) لصراعه مع الطبيعة، وتطورت تلك التصورات في مرحلة ظهور الآلهة والأديان لتتناول صراع الآلهة فيما بينها، وكذلك صراع الإنسان معها.
وحول تطور دور الأديان في الحضارات المتعاقبة، يقول “رضا آلتون” في كتابه (تاريخ العالم والشرق الأوسط) إنه “مع تفعيل دور الأديان التوحيدية في كل المناطق؛ بدأت الحضارة عهداً جديداً خاصاً، حيث لعبت الأديان دوراً متطوراً في الميثولوجيا والتجارة والعلوم والفن والفلسفة”.
إن نظام الأمومة الذي ظهر في عصور ما قبل التاريخ، في العصر النيوليتي، ومن خلال الذهنية المتكونة حول المرأة هي من خلقت الميثولوجيا وأنشأت الحضارات البشرية الأولى. تعرضت لأول مرة في التاريخ إلى محاولات القضاء عليها من قبل ذهنية الرجل الماكر المتشكلة حول المعابد وكذلك في الذهنية الميثولوجية، ويقول “آلتون” حول هذا الموضوع “كانت الذهنية الرجولية تحاول سحق نظام الأمومة لكي يفرض الرجل نفسه ذهنيته ويجعل المرأة والمجتمع ملكاً له ويقضي على نظام الأمومة، وذلك لأن المرأة كانت الركن الأساسي لذلك النظام. وحتى يتم تجاوز نظام الأمومة؛ أصبحت المرأة هدفاً أساسياً للميثولوجيا السومرية. في الميثولوجيا السومرية هناك صراعٌ بين علاقة الإله والآلهة، وأصبحت القضية الأساسية في ذلك العصر”.
تطور الفكر الميثولوجي ترسخ عبر الأديان، واتخذ مساراً مغايراً لنظام الأمومة، فسلطة الرجل الأوحد تجسدت في سلطة الدولة، والرجل نقل الأفكار والأساطير الميثولوجية والدينية إلى الدولة وأضفى عليها القدسية كنوع من الحماية لسلطاته وحكمه. فالمقولة التي تدعي بأن “الدولة تأتي بعد الله” مصدرها الدين والميثولوجيا. فكما تم تصوير الله عبر الخوف “إنه شديد البأس”، كذلك تم تبجيل وتقديس وتأليه الدولة. وجرى دمج تلك الحماية والصفة “الإلهية” للدولة مع القانون. ويقول المفكر والفيلسوف عبد الله أوجلان في مرافعته الخامسة بأن “الحقوق حلت محل الأخلاق”، وهو ما أدى إلى انهيار المجتمع الأخلاقي – السياسي، وبالتالي دمار المجتمع.
وعندما يتم سبر الميثولوجيا السومرية والمواضيع التي تناولتها؛ نجد بأنها همشت المرأة ولم تعطها أي اعتبار، وتم تصويرها بأنها مجرد تابعة للرجل، والأساطير السومرية أول من ادعت بأن المرأة مخلوقة من أضلاع الرجل. هذه الأسطورة انتقلت حتى إلى الأديان التوحيدية أيضاً.
وحول تناغم الميثولوجيا مع الدين في موضوع المرأة، يقول “آلتون” إن “الكارثة تزداد تفاقماً كلما تقدم الزمن، وحينما يدقق المرء في الخطيئة الأولى لبني آدم في الجنة وتأثيراتها على الأديان المتعاقبة السماوية بوحدانية الإله، فإنه يجد بأن المرأة هي المذنبة الأولى لكل أخطاء الرجل. يقال إن المرأة ليست فقط وسيلة لإشباع احتياجات الرجل، بل هي مصدر كل الخطايا في المجتمع. الميثولوجيا التي تعبر عن نفسها بهذه الصورة ممهورة بالكتب المقدسة ويتم تقديم الأطروحة التي تقارن المرأة بالشيطان، وأنها منبع الآثام وكل الحركات، وأجزاء جسم المرأة المكشوفة يجب أن تُحجب”.
ويطرح “آلتون” تساؤلاً منطقياً وجوهرياً يفسر فيه ما ورد في الميثولوجيا والأديان حول كينونة المرأة وخلقها، إذ يقول “إذا كان الله خلق آدم من التراب كما تدعي الميثولوجيا، ونفخ فيه ومنحه الروح، كان بإمكانه خلق المرأة من التراب ونفخ الروح فيها أيضاً، ولكنه لم يفعل ذلك، لم يخلق كليهما من التراب ولم يمنحهما الروح، بل خلق آدم من التراب ونفخ فيه الروح، وخلق المرأة من أضلاع آدم الرجل، وهكذا جعل من المرأة مادة بقيمة بسيطة”.
لم تتمكن الذهنية التي خلقتها الأديان من حل قضايا البشر في الحرية والعيش بكرامة، وبقدر ما اهتمت باللاهوت، فإنها لم تهتم بمشاكل وقضايا الإنسان. وتحولت في مرحلة لاحقة بعد ترسيخ بنيتها العقائدية إلى سلطة، على غرار ما تم في العصور الأولى للتاريخ. وفي عصر الحداثة الرأسمالية تحولت إلى أفضل خادم لدى الرأسمالية. فالدول الإسلامية في منطقة الشرق الأوسط لم تخرج من عباءة الرأسمالية، وإن كانت تدعي أنها تعاديها. مثال ذلك إيران بعد انتصار ثورة الخميني، وكذلك سارت على ذات النمط دول الخليج العربية وفي مقدمتها السعودية. وكل من يعتقد أن الدول الإسلامية هي مناهضة للرأسمالية العالمية، فهو واهم. ولا نقيمها من منظور نظرية المؤامرة، بل إن أدائها وسلوكها ينسجم مع ما تسعى إليه الحداثة الرأسمالية من خلال الدول القوموية والصناعوية التي باتت تغزو مختلف الساحات، وتفرض قيمها الاستهلاكية، وحتى لا تقيم أي اعتبار للأديان. وفي ظل هذه المخاطر التي تهدد الشرق الأوسط والعالم، يفقد الفكر الديني مقومات وأسس المقاومة أمام الهجمة الفكرية والتقنية الشرسة للحداثة الرأسمالية، وهو مضطر لأن يجري الإصلاحات في الذهنية التي باتت رجعية وفق معايير الزمن. فالدول الإسلامية فتحت أبوابها مشرعة أمام تغلغل نمط الحياة الرأسمالية بكل مساوئها وتخريباتها، بل أبدت قبولاً للقيم الرأسمالية، وغدت تتباهى بها أمام غيرها. الطفرة الرأسمالية في دول الخليج، لم تأتِ في سياق التطور التاريخي، بل جاءت مستوردة ومزيفة، وهي لا تحمل ذات القيم التطورية الموجودة في بلد المنشأ (الغرب، وخاصة في هولندا وبريطانيا ومن ثم الولايات المتحدة). ولم تنبري الدول الإسلامية إلى بناء منظومة فكرية وثقافة مستنيرة، يمكن لها أن تطور وعياً ديمقراطياً.
الحالة الهجينة المنقسمة بين التمسك بالدين، وبين حمل القيم الرأسمالية، غيبت الوعي الحقيقي عن مجتمعات الشرق الأوسط، ولم تتطور فيها إمكانية الوصول إلى دولة ديمقراطية، والسبب انعدام الحوامل الفكرية لإجراء أي تطور ديمقراطي في هذه البلاد، ومستوى الوعي ظل محصوراً في التفكير الديني والعشائرية ومفاهيم الدولة القوموية والمقدسات، وهذه أسباب الأزمات البنيوية المتلاحقة التي تعيشها ولا تستطيع التحرر منها. كما أنها لا تملك أدوات التحرر من هيمنة الحداثة الرأسمالية، بعدما أصبحت جزءاً لا يتجزأ منها.
التحرر من هيمنة الحداثة الرأسمالية يتطلب بالدرجة الأولى العودة إلى المجتمع الأخلاقي – السياسي، حسب المفكر أوجلان، من خلال الارتقاء بالوعي الديمقراطي وتنظيم المجتمع وفق مبادئ الأخلاق وليس الحقوق، ونبذ المبادئ والقيم التي رسختها الرأسمالية في مجتمعاتنا، تلك القيم المرتبطة بالصناعوية وآثارها التدميرية، ليتمكن المرء أن يفكر بأريحية، ويصل إلى حقائق التاريخ، ويضع تصورات ديمقراطية لحاضره ومستقبله.
الخاتمة:
إن تشكل الوعي لدى الإنسان مر بمراحل عديدة، فإن كانت الميثولوجيا أولى تعبيراته، فالدين شكل المرحلة الثانية من تطور الذهنية، وارتباطها بالآلهة والرسل وسنها تشريعات سماوية ودنيوية، إنما أحكمت سيطرتها على الذهنية، وفرضت نمطية معينة عليها لا تزال تأثيراتها مستمرة إلى يومنا. وكل محاولات تجاوز تلك البنية الذهنية المؤطرة بالأساطير والماورائيات، تبدو من الصعوبة بمكان، حيث أنها ترسخت في اللا وعي الجمعي للإنسان، وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من كيانه الروحي والفكري. إن قدسية النص الديني وعدم السماح بنقده وتحليله، خلق دوغمائية عميقة في المجتمع، وأغلق كل أبواب الانفتاح الذهني والتفكير العقلاني. والثورات الفكرية التي شهدتها الأديان، وخاصة الدين المسيحي والإسلامي، قوبلت بالعنف وتصفية رواد عملية الإصلاح الديني. وما يزيد من حجم الكارثة أن تلك المقولات الدوغمائية وصلت إلى يومنا هذا، ويتم العمل عليها من قبل التيارات الإسلاموية السلفية، والادعاء بفرض منظومة فكرية وذهنية على غرار “السلف الصالح”، متجاهلة كل التطور الحاصل في بنية الحضارة الإنسانية من الناحية الفكرية والفلسفية والاجتماعية، إضافة إلى العلوم التجريبية.
المراجع
___________________
1 – المفكر السوري والباحث في الميثولوجيا الدكتور “فراس السواح” وكتابه “مغامرة العقل الأولى”.
2 – العالم النفساني الشهير “كارل يانغ”.
3 – الكاتب والباحث “عبد الرحيم أحميداني” في دراسة له بعنوان “من الميثولوجيا إلى فلسفة الدين”.
4 – عالم الآثار العراقي الدكتور “خزعل الماجدي” في كتابه “الميثولوجيا السومرية”.
5 – المفكر والفيلسوف الكردي “عبد الله أوجلان” في مرافعته الخامسة المقدمة لمحكمة حقوق الإنسان الأوروبية.
6 – الكاتب الأمريكي “ول ديورانت” في سلسلته “قصة الحضارة” قسم الحضارة الإغريقية.
7 – “رضا آلتون” في كتابه “تاريخ العالم والشرق الأوسط”.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.