فلسفة القانون ومبادى الأخلاق القوانين الطبيعية المجتمعية والوضعية في الشرق
مقدمة
القوانين هي العمود الفقري للحياة لأنها تنظم الحياة بتنظيم مصالح الناس ورعايتها, فالناس فيهم القوي والضعيف وفيهم العاقل والجاهل وفيهم الشرير والخيّر, وبدون القوانين يصطدم الناس ببعضهم أثناء سيرهم في طرق الحياة المختلفة, لذا نخلص إلى حقيقة أن القوانين هي الناظم الحضاري لحياة المجتمع بأي مكان أو زمان, وهي المحدد لمستوى التحضر بين مجتمع وآخر فالالتزام بالقوانين في مجتمع ما يرفع من شأنه وينظم العلاقات فيما بين أفراد هذا المجتمع, والمجتمعات المتقدمة تنتج قوانينها بما يتناسب مع طبيعتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية, وبعضها الآخر يستعين بذلك, وقد حصلت في كثير من المجتمعات الناهضة أن استعانت بدساتير أو قوانين وضعية مطبّقة لدى مجتمعات أخرى لقصورها عن إنتاج قانون بذاتها.
نشأة القوانين
لقد أنتج الإنسان القوانين قبل التحضّر وقبل التنظيم تحقيقاً لمبدأ الردع أولاً, حيث إن القوانين أول ما تهدف إلى الحدّ من قسوة القوي وسلب حق العنف منه لصالح الضعيف, لكي يستطيع الجميع العيش تحت وصايته ـ أي القانون ـ وحمايته, وذلك تقديراً من الإنسان لحق الحياة وتقديس هذا الحق أولا, والعمل على حمايته بكل الطرق وأولها القانون, حيث أن طبيعة هذا الإنسان متشابكة ومتداخلة ومعقدة أحياناً وهو محكوم بقوانين طبيعته نفسها, مثل الغريزة والحب والكره والتضحية والانتقام والعنف واللطف, وكثير من هذه المفردات التي تحكم سلوكنا وطبيعتنا كبشر, أما الأخلاق فهي قيم معنوية أنتجها الإنسان وتعارف على مبادئها من خلال التجارب, وتطورت إدراكاته العقلية والحسية مع الزمن وحاجاته الضرورية في مسيرة الحياة الموغلة في الزمن, فالصدق مثلاً قيمة أخلاقية ويتمثل أكثر ما يتمثل في الخصائص على الوعود وتنفيذها, وهذا يقدم منفعة كثيرة له وللمجتمع, حيث تسود الثقة بين أفراده فتزدهر التجارة مثلاً ويغتني الناس من أعمالهم وينعكس عليهم بالخير, وإذا فقدت المجتمعات الثقة؛ ساد فيها الاحتيال وكسدت الأعمال واستشر الفقر والعوز بينهم.
المبادئ الأخلاقية والقيم
إن جميع المبادئ الأخلاقية تقاس بهذا المقياس، فهي إما جالبة للخير أو مانعة للشر مثل الكرم والشجاعة وإغاثة الملهوف والتعاون والصدق والكذب، ولكن باعتبار أن الأخلاق معنوية فإن عقوبتها أيضاً معنوية ويمكن أن تؤثر ولكنها لا تردع.
يعني لو أن شخصاً كذاباً آثار مشاكل كبيرة في مجتمعه مثل الافتراء على أبرياء أو شهد شهادة زور أو شوّه سمعة إنسان صالح بالكذب, وتم اكتشاف كذبه وافترائه, فإن عقوبته هي تجنب الناس له واعتباره غير مقبول اجتماعياً, بينما لو نظرت في تلك الأعمال التي قام بها من إيذاء, فستجد أنها يمكن أن تكون كبيرة ولا تتناسب مع هذه العقوبة, وكذلك أفعال الخير فإن جزاءها يكون رفع هذا الإنسان إلى مرتبة الشرف والسمو في المجتمع, ويمكن أن توصل صاحبها إلى ثقة المجتمع ويصبح من أصحاب الثقة والمشورة والسيادة, فتجد أن الأول يعني الطالح لو عاملته بالقانون يسجن على الافتراء ويغرّم, وكذلك بشهادة الزور يعاقب بالحبس لمدة يمكن أن تصل إلى سنوات في حالة شهادة الزور في موضوع جنائي الوصف, ولكنه أخلاقياً لا يعاقب سوى بما ذكرنا سابقاً من النبذ الاجتماعي مع إعطائه الفرصة لإصلاح نفسه وبعض المواعظ, والإنسان الصالح كذلك لا يكافأ على خيره وصلاحه معنوياً كما ذكرنا بالمثال السابق, ولكنه أمام القانون ليس لفعله أي تقدير لأن القوانين لا تكافئ المحسن, من حيث هي طبيعتها التنظيم والحد من الشر وسلب قوة القوي ودعم الضعيف لكي يتوازن المجتمع.
قِدَم الأخلاق والقيم
الأخلاق سلوك بشري تطور مع الزمن حسب الحاجة, وقد عرف الإنسان اللذة وأدرك ضعفه تجاهها وأنه يمكن أن يتجاوز القوانين والأخلاق للحصول على مزيد منها, لذلك قام بالبحث عن مبادئ أخلاقية عامة تحد من طمعه باللذة, فأوجد قيَماً نبيلة مثل الشرف والعفّة مقابل اللذة غير المشروعة, وأوجد القناعة لمقاومة الطمع والالتزام بالصدق لمقاومة الكذب, وهذا ينطبق على كل القيم من حيث أنها أدوات عقلية وسلوكية الغاية منها سلامة الإنسان وسعادته في المجتمع, والحدّ من غرائزه وتوجيهها إلى مستوى وجودي راقٍ, ثم إن سلامة المجتمع لا تنحصر في الأفراد فقط بل تتجاوز ذلك إلى بيئته التي يعيش فيها مثل النباتات والمخلوقات الأخرى التي تعيش في بيئته مشتركة, وقد عرف الإنسان تقنين الصيد في البر والبحر وعدم إحراق النباتات والأشجار, ولاحظ أنه كلما ارتقى بسلوكه الأخلاقي تحسنت بيئته أفراداً.
القانون الطبيعي
عرف الإنسان القانون الطبيعي قبل عصر المعرفة العلمية وآمن به رغم أنه لم يجد تفسيراً له, ولكنه تعامل معه كواقع وقدّسه أحياناً, حيث أن الإنسان لاحظ احتراق النباتات اليابسة نتيجة اقتراب النار منها, فعرف أن الأخشاب قابلة للاحتراق دائماً, ولاحظ أن الماء يغلي عند درجة معينة دائماً وأن السقوط من مرتفع يؤدي إلى الموت, وأن الرجال ينجذبون للنساء والنساء ينجذبن للرجال, وأن الغرق في الماء العميق المانع للتنفس يؤدي إلى الاختناق, والموت دائماً وكل فعل ينتج عنه تكرار, يُعتبر قانوناً طبيعياً.
فالبذور إذا أصابها الماء نبتت وعادت للحياة بعد يباس, والذكر إذا اتصل بالأنثى أنتجت نسلاً جديداً, وكل ذلك يجري أمام عيونه وهو يتفكر في هذه الظواهر ويفهمها, ولكنه لم يكن يعرف شيئاً عن الفيزياء, فكان ينسب هذه الظواهر إلى قوى غيبية إلى عهد قريب, ومن خلالها توصل الإنسان إلى المعتقدات الدينية الأولى(غير السماوية) فمارس الطقوس لإبعاد الشرور وإبعاد الحيوانات المفترسة, وإنزال المطر وطلب الصفح والرضا واستقدام الخير, واخترع القوانين الأولى البسيطة مثل طاعة الكاهن أو الشامان، وتقديم الولاء لهم لمصلحة عموم الجماعة, ولتسهيل القيادة والسيطرة والبعد عن النزعة الفردية, لأنها تمثل الموت غالباً. وقوانين الطبيعة أو القانون الطبيعي عرِّف لاحقاً بعد عصر العلم بأنه مبادئ الفيزياء المعروفة والداخلة في جميع الظواهر التي نوّهنا إلى بعضها.
القانون الطبيعي والقانون الوضعي
لقد طور الإنسان مفاهيمه القانونية متماشياً بذلك مع القانون الطبيعي, وأخذ بعين الاعتبار أن لا يخالف القانون الوضعي, حيث أن الطبيعة قالت بغليان الماء عند درجة محدودة, وأن الرجل ينجذب إلى المرأة والسقوط من مكان مرتفع يؤدي إلى الموت, فجاء القانون الوضعي بزواج الرجل من المرأة وليس من رجل آخر لأنه مخالف للقانون الطبيعي, وأن السقوط بفعل فاعل يُعتبر قتلاً إذا أدى إلى الموت, لأن القوانين تدافع عن الحرية ولا يمكن أن تسمح بالقتل, لأن ذلك اعتداء على الحياة واعتداء على الطبيعة والقوانين التي وُجدت لاحترام الحياة والدفاع عنها وعدم الاعتداء عليها.
وهناك أمثلة كثيرة ولكن سأكتفي بما ذكرت في هذا الباب.
القيم الأخلاقية لا تحل محل القانون في العصر الحديث
إن القيم الأخلاقية في أصلها هي قيم نفعية مبنية على الأنانية حتى وإن كانت حميدة في أغلبها, وتعتبر قيَماَ عليا يسعد بها الإنسان مثل الكرم, حيث أن الكرم هو الجود بما تملك للآخرين والعناية بهم من إطعام وإيوائهم وبذل المال لهم, وسبب ذلك أن الصحراء بيئة قاسية جداً ويمكن للإنسان أن يفقد حياته فيها بسهولة, حيث أن الماء قليل والطعام كذلك والحرارة مرتفعة, ولا توجد طرق يهتدي بها الإنسان المسافر ولا مطاعم يلجأ إليها لسد حاجته أو فنادق, فكان البدوي يطعم ضيفه ويبالغ في إكرامه لتسود هذه الفضيلة بين جميع الناس, ليس ليتخلص من ماله والمال أعز ما يملك الإنسان, وقد يضحي بحياته في طلب المال, ولكنه يخشى في أعماق نفسه أن يكون هو المسافر وأن لا يجد من يطعمه أو يسقيه أو يأويه, وبذلك هو يقدم للناس كأنه يعتبر ذلك ما يقدمه لنفسه, وهنا تتحد الفضيلة والأنانية والمنفعة.
وكذلك قيمة الشجاعة بالدفاع عن النفس والمال وإغاثة الملهوف وحماية النساء والأطفال وفضيلة العدل, حيث يسعى المجتمع كله لتحقيقها خوفاً من وقوع الظلم على الأفراد, وبذلك كأنهم يدافعون عن أنفسهم بالعدل ليعيشوا بسلام وسعادة, ولكن مع تطور الحياة وتعقيداتها وتطور عقل الإنسان أدرك أن الأخلاق نظام قاصر وغير ملزم رغم أنه وازع ذاتي ينشأ بالسلوك التربوي, ولكنه يُخترق بسهولة ذاتياً واجتماعياً, خاصة أن النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تغيرت وتعقدت, فكان لابد من تطوير القوانين لكي تقوم بتنظيم تلك المجتمعات وردع المعتدين فيها على الحقوق واتساعه العدل, ولا يفوت أحدكم أن مبدأ العدالة نسبي وليس مطلقاً, وأن القيم الإنسانية بالأعم الأشمل يحددها الإنسان, وهي التي تشمل الأخلاق والقوانين والمصالح والفضائل وهي في خلاف بين مجتمع وآخر.
هنا في الشرق مثلاً تنتشر قيم مثل تغطية المرأة والغيرة الشديدة عليها, وتقييد حريتها خوفاً عليها, بينما في مجتمع آخر تخرج المرأة شبه عارية أمام زوجها وأبيها, ولا يعتبر ذلك أمراً مهيناً لديهم, وأذكر هنا قصة الأعرابي الذي زُفّت إليه عروسه على حصان وقام بقتل ذلك الحصان خشية أن يركبه أحد فيجد حرارة مكانها, وهذا ما يضرب فيه المثل بالغيرة عند أهل الشرق من عرب وفرس وغيرهم, وهذا الأمر يعود إلى هاجس الدفاع عن المرأة التي تعتبر حامية للشرف والعرض وحارسة له, وارتبطت هذه المفاهيم عند الرجل بقضية التصورات الجنسية قصوراً منه, لأن الشرف لا يرتبط بالمرأة فقط, فالشرف والصدق والوفاء والتواضع والعدل والشجاعة والإيثار والتسامح, وكل هذه القيم لا تتعارض مع حق الإنسان المشروع في الجنس الحلال, وضمن الشرائع المتعارف عليها, ولكن المبالغات البشرية المبنية على الأحاسيس والمشاعر ليس لها حدّ باعتبار أن الاحاسيس متغيرة بين سخط ورضا وقبول ورفض, وبين العقول نفسها, ففيها الضعيف والقوي والذكي والغبي, لذلك تجد الأفكار بين الناس وما يتعاطون مختلفاً.
ولهذا السبب أيضاً كان لابد من وضع القوانين الوضعية لكل عصر من العصور بما يتناسب مع حركة إيقاع المجتمعات وضبطها على أفضل وأقوى القوانين التي تحقق الفائدة أكبر عدد من الناس, وتحد من الضرر كذلك على أكثرهم, وسلب قوة القوي بواسطة هذه القوانين والتقليل من سطوته وفائض القوة لديه, وتوجيهها إلى قوة اجتماعية عامة من خلال المساواة وتحقيق العدالة في الحقوق.
وتقوم السلطات والدول على انتقاء خيرة العقول والأشخاص الأسوياء لتنفيذ هذه القوانين, ويعدّ القضاة والمحامون والعاملون في هذا الحقل التشريعي أو التنفيذي هم صفوة المجتمع ونخبته, إذ أنهم وُضعوا في مكان لا يمكنهم فيه التهاون أو التعاون مع الفاسدين أو التواطؤ معهم, بل الوقوف بلا ضغينة بوجوه الفاسدين وإلزامهم بالقانون بلا شعور بالانتقام, ولكن تحت شعور تحقيق العدالة, وهذا مكان من النبل بحيث أعجز عن وصفه بعبارات قليلة, ويكفي أن أشير إلى أن القاضي لا ينام الليالي الطوال خشية الظلم لأحد, وأنه محروم من الحياة الطبيعية والتواصل مع المجتمع بسبب وظيفته, وهذا ما أفهمه عن هذه الوظيفة, أما ما أراه فهو يعكس صورة المجتمع بشكل عام, حيث الحديث عن المجتمعات المتقدمة التي نأخذ منها المثال والعبرة والتي نسعى لتقليدها.
للتشريع الديني سؤال سنحاول الإجابة عليه
إن التشريعات الدينية هي الخلاصات، وهي تمثل الخير المحض، وهي تعبّر عن عقل السماء وليس عقل الإنسان، فلماذا تصطدم فيما بينها وتحصل الحروب والاختلافات، ومحاولات إلغاء المختلف أيا كان.
إن السبب في ذلك من وجهة نظري هو الاختلاف في خيرية الأفعال الأخلاقية وشرَّيتها ونفعها وضررها بموجب أداة القياس التي يستعملها كل مجتمع, وأقصد بأداة القياس أخلاق وأعراف ومعتقدات تلك المجتمعات قبل الأديان, والتي من شبه المستحيل أن تستطيع تغييرها والانقلاب عليها, فالماء يأخذ شكل الإناء وغالباً ما تكون أعرافنا هي الإناء, والأفكار اللاحقة أيا كانت تأخذ شكل هذه الأعراف والتقاليد, وأقوى الأمثلة على هذه الفكرة هي المجتمع العربي الإسلامي حيث إنه يعتقد بخيرية التطبيق المثالي لمبادئ الدين نظرياً, ولكنه عندما يقوم بممارسة حياته اليومية يقلد الآخرين ويضرب بالمثل الدينية عرض الحائط, ويبرر ذلك بقوله كل الناس تفعل ذلك ولست الوحيد.
مثال: يقول الله سبحان وتعالى في محكم التنزيل (تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) صدق الله العظيم.
فهل ترى النداءات العشائرية حين تحصل مشاجرة بين عشيرتين كيف أن الناس تتعاون على الإثم والعدوان وليس على البر والتقوى, ذلك لأن فعل الدفاع المشترك للعشيرة قديم ومتأصّل من وقت أن كان الإنسان يسكن الكهوف ويدافع عن نفسه ضد الوحوش والمفترسات والمجموعات الأخرى المعادية, واستمر هذا السلوك الاجتماعي وهو يحظى بالإجماع, بينما يأتي السلوك الديني من قبل مجموعة صغيرة أخرى تبحث عن الآخر فتندب نفسها لإصلاح ذات البين بين المختلفين, تطبيقاً للآية الكريمة (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) والآيات الأخرى المتعلقة بإصلاح ذات البين الذي هو سلوك عقلي نابع من الضمير, والأمر الثاني المؤثر بشدة في سلوكنا الاجتماعي هو المنفعة, كما تقدم أن السلوك الاجتماعي في المثال الأول أخذ شكل الإناء والمعتقد الديني أخذ شكل الماء, كذلك في موضوع المنفعة حيث أنها مقدمة على التفكير المثالي أياً كان دينياً أو فلسفياً أو أخلاقياً, فالمنفعة هي أداة قياس عامة, فلا يمكن أن تبني فريضة على أذى للنفس أو للآخرين, فإذا خفت من أمر تجنبته حتى إن كان مفروضاً عليك دينياً, وهذا الأمر يقاس في كل مجتمع حسب ثقافته وأعرافه الاجتماعية.
ونتيجة هذا البحث وخلاصة له
يجب على البشرية أن تعتمد منهجاً مدنياً عقلياً يجمع كل البشر ويعتبر ديناً إنسانياً عاماً لا يفرق بين البشر على أساس الطائفة والعرق والقومية والجغرافيا, وهذا الدين الإنساني المقصود يجب أن يبنى على محبة الإنسان للإنسان والدفاع عن حرية معتقده أياً كان, وحقه في العيش الكريم, فكما أن الضمير في الإنسان هو صوت الله الذي نقيس به أعمالنا؛ كذلك يجب أن يكون هناك تشريع إنساني راقٍ مبنيّ على القانون والضمير معاً يكون مظلة ينعم إنسان العصر الحديث بظلها وخيرها, بدل التناحر والحروب والتهجير واحتلال الأوطان, وهناك إمكانية إذا نظرنا إلى هذا البعد نظرة عميقة استراتيجية بعيدة المدى, حيث أن المنفعة يمكن أن تأتي من خلال فعل سريع ومباشر, ولكنها تكون سريعة وغير كافية, وإذا عمل كل منا لوحده ولمصلحته فقط, فغالباً هذا الأمر يحدث تضارباً بين المصالح, وبالتالي التضارب بين الأشخاص. أما العمل ذو البعد الاستراتيجي كما أسلفت فهو يعطي ولو بعد حين وبقليل من الجهد فوائد كبيرة جداً, لأن المجتمع البشري لديه مشتركات كثيرة جداً حتى لو كان هناك خلاف في اللغة والمعتقدات, وأن الاعتقاد بأن هناك شعوباً أفضل من شعوب أخرى كما جرى قديماً في اليونان الذين كانوا يظنون بأنهم من نسل الإله وأنهم أسياد البشر وليسوا مثلهم, ما لبث أن تغير هذا المفهوم بعد حملة الإسكندر المقدوني وخروجه لفتح العالم, حيث رأى شعوباً لا تقل عن الشعب اليوناني, وتلاشت معتقداته وعرف أن الإنسان يتقدم بالمعرفة وليس بالعرق والمعتقد, وأن الإنسان هو الإنسان ولكن الظروف تختلف وتؤثّر على حياته وسلوكه.
القانون والأخلاق والعنف
إن أي استخدام للقوة من طرف على طرف آخر يسمى عنفاً, وقد تستغربون أن العنف موجود في حياتنا حيث ما تحرّكنا, وحتى في الحب وتربية الأطفال وممارسة السلطة لمهامها ضمن القانون وحماية المجتمع, هناك عنف, فأنت إذا منعت طفلك من أكل المثلجات شتاء أو ضربته لكي يتدارك تقصيره في المدرسة أو أجبرته على لبس الملابس الثقيلة, يعدّ ذلك عنفاً ولكنه ناتج عن حبك له وخوفك عليه, وكذلك العنف ضد النفس لتهذيبها في الصيام ولبس الخشن لدى الصوفية والرهبان, وسلوكهم وترويض نفوسهم ومنعها من الملذات, كله يعتبر عنفاً ولكنه عنف مشروع لأنه جالب للخير ومبعد للشر, وكذلك الدفاع عن النفس والمال والأوطان وخوض الحروب وتعريض الإنسان نفسه للخطر والموت, هو أيضاً عنف ولكنه عنف مشروع ومبرر أمرته كل الشرائع والقوانين واعتبرته من قيم النبل والشرف.
إغاثة الملهوف والتضحية من أجلهم بإخماد حريق أو نصرة ضعيف أو إنقاذ غريق، هو نوع من العنف المشروع.
عنف السلطات والأنظمة
اذا اعتبرنا أن الدولة أرادت إقامة سدّ مثلاً, وأن هناك مجموعة من السكان والقرى ستغرق في المكان المستهدف لبناء السدّ, فإن السلطة ستقوم بإجبار السكان بالتخلي عن بيوتهم وأراضيهم خوفاً على حياتهم, والتخلي عن كل ما لا يمكن نقله يعتبر هذا عنفاً, ولكنه عنف محمود ومشروع وهي ـ الدولة ـ تنقلهم ولا تهجّرهم اعتباطاً, وكذلك الحكم على المجرمين وإصدار القوانين من أبسطها إلى حكم الإعدام, هو عنف ولكنه عنف مشروع لحماية المجتمع من جرائمهم, كذلك الحظر الذي تفرضه السلطات أثناء الجوائح المرضية (كورونا مثلاً) هو من حيث الظاهر عنف, ولكنه عنف مشروع لمصلحة الناس, وهذه الأنواع من العنف المشروع والإيجابي وغيرها تختلف عن العنف غير المشروع وغير المبرر.
مثل العنف الجرمي الذي يكون بالاعتداء على أموال الناس وحياتهم والتعذيب وحجز الحرية لمصلحة شخصية تخص المعنّف أو جهة تستخدمه، هذا يعتبر جرائم يعاقب عليها القانون، ولكنه يعاقب عليها ضمن منظومة قانونية تعطي حق الدفاع عن النفس في عدة مراحل متتالية تمكّن المتهم من استدراك ما فاته من وسائل حتى يصدر بالنتيجة الحكم المبرم النهائي القابل للتنفيذ
أخيراً أقول
إن القانون هو حدّ من حدود الدفاع عن الحياة، وإن الأخلاق هي حدّ من حدود الدفاع عن الحياة.
وإن الحدود الدينية والقوانين جميعها وُجدت لحماية الحياة والدفاع عنها، وأن الأشخاص الذين يعتدون على القانون يعتدون على الحياة, والذين يعتدون على الأخلاق يعتدون على الحياة, والحياة مقدّسة والدفاع عنها حق مقدّس.

التعليقات مغلقة.