الرئيسية / مواضيع أخرى / المؤسسات الدينية وتحديات التطرف والإرهاب

المؤسسات الدينية وتحديات التطرف والإرهاب

رضوان السيد

 ترجمة: ياسر شوحان

واجهت المؤسسات الدينية الإسلامية تحدّيات كبيرة في سياق التطرف الديني، الذي تطوّر إلى تطرف عنيف وإرهاب في جميع أنحاء المنطقة، فقد فُوجئت المؤسسات الدينية وصُدمت بالظهور القوي للتطرف العنيف في أوائل العقد الأول من القرن العشرين. إذ لم يكن من المتوقع ظهورها بهذه القوة كما لم يكونوا مستعدين لمعالجة هذه القضية وذلك لأنهم يفتقرون إلى الرؤية وكذلك الهياكل والقدرات والأدوات اللازمة للقيام بذلك. ولفهم أسباب ضعف المؤسسات الدينية في هذا الصدد لا بد من تتبع وإلقاء نظرة على دور المؤسسات الدينية عبر التاريخ وكيف تطورت في سياقاتها السياسية والاجتماعية، وأعتقد أن هناك عاملَين رئيسَين هما السبب في عجز المؤسسات الدينية عن تلبية احتياجات العالم المعاصر ومعالجته. يتمثل أحد هذه العوامل في العلاقة بين المؤسسات الدينية والأمم النامية ومساراتها المختلفة في المنطقة. بعبارات بسيطة تتراوح هذه العلاقات بين الدولة القومية والمؤسسات الدينية من اتباع إرشادات الدول القومية بشكل أعمى أو حتى استغلال هذه المؤسسات لدعم عقائد الدولة في بعض البلدان إلى استبعاد أو تهميش المؤسسات الدينية في بلدان أخرى. لكن في النهاية، أدت كلتا العلاقات “التبعية” أو ” التبني الجانبي”، إلى زيادة اعتماد هذه المؤسسات على الدولة وإلى اعتماد نهج الدولة القائم على الأمن للتعامل مع ظاهرة التطرف العنيف. العامل الثاني يتعلق بمحاولات هذه المؤسسات لتعزيز الإصلاح الفكري والديني، ممّا أدّى إلى شنّ هجمات على هذه المؤسسات من جانبين: من الجماعات الإسلامية “المتنافسة”، ومن الجماعات القومية واليسارية. في حين أنّ بعض الجماعات الإسلامية تتهم المؤسسات الدينية بانتهاك التراث الديني، فإن القوميين واليساريين ألقوا باللوم عليهم في الوقوع في الماضي. بينما كانت المؤسسات الدينية مشغولة بحماية التقاليد الإسلامية والتراث ضد هذه الهجمات، كانت الجماعات الأصولية تسعى إلى استغلال ضعف هذه المؤسسات من خلال تشجيع التفسيرات الشديدة لمفاهيم مثل “الجهاد” و “التكفير”[1] بهدف تطوير أيديولوجيات جذرية باعتبارها الأساس للسعي للهيمنة على المجال الإسلامي.

على هذه الخلفية، اقتصر ردّ الفعل الأساسي للعديد من المؤسسات الدينية الإسلامية في البداية على إصدار فتاوى تُدين العنف باسم الدين. جادلوا كذلك وذكروا باستمرار أنّ الجماعات المُتطرفة مثل تنظيم القاعدة أو داعش تشبه “الخوارج”[2] الذين قاتلوا ضد السلطة الدينية، فقد بينوا تفسيرات دينية خارج السياق الحالي. هذا في رأيي، كان التقليل الكبير وسوء الفهم لخطر وتأثير ظهور هذه الجماعات المتطرفة، التي تضرب بجذورها في التاريخ. لقد استغرق الأمر بعض الوقت حتى يتم الاعتراف بأهمية التصدّي للتطرف العنيف ومنعه تحت قيادة المؤسسات الدينية.

منذ ظهور التطرف العنيف في السبعينيات من القرن العشرين وجّهت السلطات ووسائل الإعلام كما وجّه المفكرون الاتهامات إلى هذه المؤسسات الدينية. وألقى البعض باللوم عليهم لكونهم عاجزين أمام الجاذبية المتزايدة المُفترضة للخطابات الأكثر راديكالية، بينما اتهمهم آخرون بالتواطؤ. وكما ذكرتُ سابقاً، أود أن أزعم أنه كان ضعف من جانب المؤسسات الدينية وليس تواطؤاً، لقد أصبح الشيوخ المتدينين أنفسهم ضحايا وقُتلوا على أيدي المُتطرفين الأكثر عنفاً، إما لأنهم اعتُبروا عملاء للدولة وسلطات الأمن أو لأنهم متهمون باتباع طريق ديني “غير لائق”. علاوة على ذلك لم تُشارك هذه المؤسسات لفترة طويلة في استراتيجيات الدول لمحاربة الجماعات المتطرفة، ومع ذلك، فلم يكن هذا مُتجذراً في تعاطف شيوخ هذه المؤسسات مع أيديولوجيات الجماعات العنيفة، ولكنه نابع من افتقارهم إلى فهم الظاهرة وتهديدها للدين.

كان الانطباع الأوّلي لشيوخ المؤسسات الدينية، وربما بعض السياسيين أيضاً في سبعينيات القرن الماضي هو أنّ هؤلاء المتطرفين لم يكونوا أكثر من معارضة سياسية أو ظاهرة احتجاج بين الشباب الفقراء والمُهمشين الذين يرتدون ملابس دينية. بناءً على هذا المنطق وفي السياق السياسي في ذلك الوقت فقد اعتبروا أنه ينبغي التعامل مع هذه الظواهر من خلال المؤسسات الأمنية. وفي الوقت نفسه، كانت قوات الأمن غير قادرة على التعامل مع هذه الظواهر من تلقاء نفسها، وسعت إلى إضافة البعد الديني إلى أدواتهم الأمنية. وهكذا حاولت قوات الأمن إقناع الشيوخ بأن هؤلاء الشباب لديهم رؤية دينية، أو على الأقل كوادرهم العليا، لقد استغرق الأمر بعض الوقت ـ بالإضافة إلى إعادة قراءة النصوص التي تُحرض على العنف والتي ظهرت في الخمسينيات والستينيات (المودودي[3])ـ قبل أن يبدأ بعض العلماء في ملاحظة أن هذا التطرف العنيف لا يمكن فهمه على أنه مزيج من المشكلات النفسية والسياسية كما افترض الكثيرون سابقاً، لكن تمّ بالفعل اعتماد رؤية معينة للدين وتعزيزها.

في الوقت الحاضر تعمل حكومات العديد من الدول العربية على توطيد الدولة القومية، لقد أدركت المؤسسات الدينية أنه من أجل الوفاء بولايتها وحماية دورها المحوري مع المجتمعات، فإنّ لديها مصلحة حقيقية في استكمال هذه الجهود من خلال تطوير خطاب ديني معاصر، يستلزم تفهماً يوفق بين الدين والقيم المدنية مثل المواطنة، والوحدة الوطنية والتعايش[4].

 

ـ الدول القومية والمؤسسات الدينية الرسمية والجماعات الإسلامية الراديكالية: مسابقة السلطة الدينية

كان ميل الجماعات المتطرفة إلى الإشارة إلى آيات القرآن أو الحديث النبوي كأساس ديني رئيس هو نقطة الانطلاق للعمل العنيف. وعلى مدار عقود من الزمن بدأت ظاهرة التطرف عندما طوّر المتدينون المثقفون (أولئك الذين لديهم التزاماً دينياً قوياً) حيث لهم رؤيتهم وفهمهم للنص المقدس وفقاً لتفسيرهم الخاص للنصوص المختلفة، على الرغم من افتقارهم إلى التعليم الديني والقدرة على التعامل مع هذه النصوص المُعقدة. بالإضافة إلى ذلك تأثرت هذه التفسيرات بشدة بمواقف هؤلاء الأفراد المُخلصين بشأن القضايا المُلّحة في ذلك الوقت، مثل الاستعمار وتطوّر الدول القومية الحديثة. تدريجياً وخارجياً، بدأ هؤلاء المتدينون في الرد على الأحداث السياسية المختلفة التي حدثت بعد عام 1919، وخلقوا تياراً جديداً من المفكرين الدينيين مع خطاب سياسي يختلف محتواه وأدواته عن محتوى الخطاب الوطني السائد في مصر، على سبيل المثال، كان التركيز الرئيس للعديد من النشطاء هو طرد البريطانيين وإنهاء الاحتلال وإنشاء دولة قومية على أساس دستور وأحزاب سياسية حديثة. في عام 1922، تم إنشاء نظام ملكي دستوري وكانت مصر تسعى جاهدة لاتّباع خُطا الدول الحديثة الأخرى. وفي الوقت نفسه تم تشكيل المجموعات الدينية وخلقها وكان جوهر هذه المجموعات هو الورع المذكور أعلاه. علاوة على ذلك وفقاً لفهمهم لعقائدهم تبنت هذه الجماعات الدينية نظرة سلبية للتطورات الاجتماعية والسياسية وتشكيل دول قومية جديدة (في مصر وسورية وفلسطين). كل هذه الأحداث والديناميكيات مكّنت هذه الجماعات الدينية من تطوير خطاب بديل ذو “نكهة” دينية.

لكن كيف تعاملت السلطات العربية والإسلامية مع المؤسسات الدينية الرسمية بين الخمسينيات والثمانينيات؟ كان هناك ثلاثة أشكال من التعاون: في الجيش وفي البلدان التقدمية مثل سوريا والعراق وليبيا والسودان والجزائر وإندونيسيا وباكستان، كان التركيز على إضعاف هذه المؤسسات، التي كانت تُعتبر تقليدية للغاية وغير قادرة على التعامل بشكل إيجابي مع برامج تحديث هذه الدول، وكان هناك أيضاً نفور من التحالف مع الاتحاد السوفيتي. حافظت الدول العربية الكبرى مثل المملكة العربية السعودية ومصر والمغرب على هذه المؤسسات وعزّزتها، لكنها أجبرتها أيضاً على الامتثال، في البلدان حيث اختارت الدول الأصغر مثل لبنان والأردن وتونس وموريتانيا الحياد أو اللامبالاة.

بالإضافة إلى ذلك تأثر اندلاع العنف باسم الإسلام مباشرة وبقوة بالأحداث المختلفة التي غيّرت بشكل جذري الخطاب الاجتماعي – السياسي، وإلى حد ما فيما بعد الخطابات والأبعاد الجغرافية السياسية في المنطقة. كانت الجماعات الدينية (يشير هذا المصطلح إلى الجماعات التي تعمل خارج المؤسسات الدينية الرسمية) تلعب دوراً إمّا عن طريق البدء في التغيير الجذري أو دعمه. لتوضيح هذه النقطة، ألهمت بعض الأحداث الجماعات الدينية مثل نجاح الثورة الإيرانية وظهور دولة ثيوقراطية. بالإضافة إلى ذلك لم يكن لهذه الأحداث تأثير على المؤسسات الدينية الرسمية أو التحديات الناشئة الجديدة. على العكس من ذلك، فإن ولاء المؤسسات الدينية الرسمية تجاه الدولة بقي على حاله، وبالتالي عانت شعبيتها. أفضل مثال لإظهار عجز المؤسسات الدينية الرسمية عن مواجهة الجماعات الدينية المتطرفة، خلال المراحل الأولى من العنف الديني، كان ركودها الفكري تجاه المفهومَين الرئيسَين الناشئَين، “الإسلام هو الدين والدولة” و “السيادة الإلهية المُطلقة”، التي كانت الأساس الأساسي الذي ضغطت عليه الجماعات الدينية ودعت إلى خطابها الديني باعتباره البديل الوحيد للدولة الضعيفة والكافرة. لقد خلق كلا المفهومين انقساماً عميقاً في الإسلام، وخاصة بين بعض تيارات السنة، والتي استلهمت إلى حد ما من التطورات في إيران لإضفاء الشرعية على العنف وإقامة دولتهم الدينية. ومع ذلك فإنّ هذا التطور وانعكاسات المفهومين لم يتم التعامل معها على الفور من قبل المؤسسات الدينية، كما هو موضّح أعلاه. الجهات الفاعلة الأخرى، مثل الأمريكيين والباكستانيين، دعمت أو استغلت هذه الجماعات في صراعاتها المستمرة مع السوفييت في أفغانستان وضد الأحزاب الشيوعية في السودان وإندونيسيا، وفي الوقت نفسه تلاشت أهمية هذه المؤسسات الرسمية بالنسبة للسلطات حيث اختارت هذه الدول اتباع نهج مضمون بدلاً من نهج فكري للتعامل مع الجماعات المتطرفة.

 

ـ استجابة المؤسسات الدينية لعصر التطرف الجديد

ومع ذلك فقبل أحداث 11 سبتمبر 2001 وتطور “الإرهاب الإسلامي” إلى ظاهرة عالمية، وكذلك الحرب ضدها، لم تر المؤسسات الدينية القوية نسبياً في مصر والمغرب والمملكة العربية السعودية أي حاجة للانخراط في حرب فكرية ضد التطرّف. بمجرد أن أدركوا الخطر الحقيقي لهذه الظواهر، بعد صعود تنظيم القاعدة وداعش، واعتبروا هذه الجماعات بمثابة صدع في الدين، أدركت هذه البلدان الدور المهم للمؤسسات الدينية في تحويل التطرف العنيف وبدأت في تنظيم المؤتمرات والندوات لإدانة التطرف والإرهاب باسم الدين. كما ناقشوا تصحيح المفاهيم الدينية التي التزم بها المتطرفون والإرهابيون، مثل تفسيراتهم لتطبيق الشريعة والجهاد والتمرد ضد الدولة، والعدوان على المدنيين في أرض الإسلام وفي جميع أنحاء العالم. كما عملوا على إحياء العلاقات مع المؤسسات الدينية المسيحية الدولية الكبرى. وقد عبرت المؤسسة الدينية الأردنية والأزهر في القاهرة على وجه الخصوص هذه الحدود بإعلانات مناهضة للعنف، تدعو إلى الوحدة الوطنية والدولة المدنية والمواطنة والحرية.

 

ـ مواجهة التطرف العنيف: التحديات وسُبُل المضي قُدُماً

كانت كل هذه الجهود المذكورة أعلاه ذات أهمية حاسمة، خاصة في المغرب ومصر والأردن والمملكة العربية السعودية. ولكن ما زال هناك الكثير مما ينبغي عمله. هناك نقص في الاستراتيجيات والأدوات طويلة الأجل الواضحة التي تساعد المؤسسات الدينية على المشاركة بفعالية في برامج وفعّاليات مكافحة ومنع التطرف العنيف دون تهديد مصداقيتها مع دوائرها الانتخابية. لذلك هناك حاجة إلى تمكين المؤسسات الدينية من تطوير الأدوات والأُطُر التي تستخدم لغة الإيمان وتعكس التقاليد الروحية والدينية. لقد أثرت توريق بعض برامج وفعاليات مكافحة ومنع التطرف العنيف على العلاقات بين المؤسسات الدينية ودوائرها الانتخابية وهناك حاجة إلى إعادة بناء الثقة، باتباع مبدأ الشمولية والحوار، مع تجنب مآزق النهج المضمونة.

لم تبدأ المؤسسات الدينية عملية الإصلاح الهيكلي بعد، على الرغم من أنها تمس الحاجة إليها وأمر أساسي له آثار مستقبلية ويمنع تشكيل أجيال جديدة من المتطرفين والإرهابيين. في هذا الصدد، لفتت الانتباه إلى هذه القضايا في بعض الأبحاث باستخدام مصطلحين في هذا السياق:

1 ـ الكفاءة: يتضمن ذلك اكتساب معرفة وأدوات جديدة لإعادة قراءة النصوص الدينية، واستكشاف ظواهر جديدة في المجتمعات ومحركات التطرف، ودراسة الجو العالمي المحيط بالإسلام، ودراسة حالة المجتمعات الإسلامية الجديدة في أوربا والعالم، وتحديد الدوافع وراء رهاب الإسلام المتزايد. علاوة على ذلك، هناك حاجة لتطوير أدوات وقنوات إعلامية جديدة تعمل على نشر رسائل الاعتدال وتأخذ في الاعتبار خطاب الشباب المتطور.

2 ـ إعادة التأهيل: يصف المصطلح عملية تهدف إلى تقييم وإصلاح البرامج الدينية والمناهج والمفاهيم التعليمية في المدارس والجامعات. في الإسلام وفي السياسة وعلم الاجتماع، هناك جدل حول إصلاح الخطاب الديني والمجتمعي. كانت العديد من المحاولات لإحداث تغيير أو تكييف مفاهيم جديدة مدمرة إلى حد ما (على سبيل المثال، كيف تمت إعادة تفسير “الجهاد” من قبل بعض الجماعات، أو كيف يتم تطبيق الشريعة أو كيفية إخضاع الدولة للدين من قبل مجموعات أخرى، ومع ذلك، من ناحية أخرى، كيف يتم طلب الإصلاح الديني في كثير من الأحيان على أساس تطبيق نهج أوربي لا يلائم أو يعكس السياق والظروف في البلدان العربية أو الانتقادات السطحية من النوع الذي “الإسلام هو المشكلة”). لا يمكن تفصيل وجهات النظر حول هذه القضايا بين تيارات الإسلاميين المتطرفين والعلمانيين المتطرفين. من خلال إتاحة المجال لمزيد من الأصوات المتطرفة للتغلب على نقاش أكثر دقة، أصبح الدين عنصراً من عناصر الانقسام وليس عنصر التوحيد. ما نحتاج إليه إذن، هو مراجعة محتوى الخطاب الديني القائم على أرضية متوسطة معتدلة، تلبي احتياجات العالم المعاصر وتسمح بالإصلاح بما يتجاوز الانقسام بين المفاهيم الأكثر راديكالية أو العلمانية المذكورة أعلاه. بالإضافة إلى ذلك نحتاج إلى إعادة تقييم المناهج الدينية وتجديدها في المدارس والجامعات لمواجهة التحديات الجديدة التي تفرضها الحداثة والعولمة ومواكبة تطورها السريع.

أدرك أنه تم إنشاء العديد من اللجان والفرق العاملة لخدمة هذا الغرض، ومع ذلك، فالكفاءة هو شرط أساسي لإعادة التأهيل. هذا ليس بسبب حقيقة أن المتطرفين والإرهابيين هم خريجو المدارس والجامعات الإسلامية، في معظم الحالات ليسوا كذلك. ظهرت أيديولوجيات متطرفة وعنيفة خارج المدارس والجامعات الدينية. ينبغي تزويد الأساتذة والمدرسين والأئمة الذين يخاطبون الطلاب والأفراد بالمعارف والتدريب، وينبغي دعمهم لاعتماد خطاب حديث جذّاب في القطاعين العام والخاص على حد سواء وهو موقف لا يزال غير موجود حتى الآن.

وقد بدأت المؤسسات الدينية جهوداً وأنشطة مختلفة للوقاية خلال السنوات الأخيرة، وتبذل محاولات لبناء قدرات المؤسسات الدينية وموظفيها في هذا الصدد. يهدف معهد الملك عبد الله الثاني لتدريب وتأهيل الوُعّاظ والأئمة في الأردن إلى إيصال رسالة حديثة من السلام والتسامح في الإسلام. التجربة نفسها واضحة في وزارة الأوقاف المصرية، حيث يهدف مركز تدريب الأئمة إلى صقل مهاراتهم وبناء قدراتهم على نشر تعاليم الإسلام المعتدلة الصحيحة وكذلك مكافحة الإرهاب والتطرف. فبالإجمال تعطلت العقيدة الأيديولوجية الدينية التقليدية، ومن الضروري العمل على تعزيز الفقه الديني المتوافق مع أنماط الحياة الحديثة، ومن ثم تطوير الفقه القانوني العالمي المناسب لهذا العصر وكذلك العالم الأوسع، كما تحاول الديانات الأخرى القيام بذلك، المسيحية الكاثوليكية والبروتستانتية.

في الوقت الحاضر، هناك دعوات عديدة لتبادل الخبرات الإقليمية والدروس المستفادة والعمل معاً على تطوير استراتيجيات مشتركة لتجديد الخطاب الديني والتعليم الديني وإصدار الفتاوى والإرشاد الديني العام. بدأ التعاون بين المؤسسات الدينية في الدول العربية. ومع ذلك لا تزال هناك حاجة للاستفادة من تجارب مؤسسات مثل الأزهر بالإضافة إلى المؤسسات الإسلامية الأخرى متزامنة مع الحاجة الملحة لبناء استراتيجيات ونهج مشتركة في جميع أنحاء المنطقة.

في لبنان، فُتحت نافذة الفرص لتعزيز ودعم خط الفكر المعتدل التقليدي للإسلام السني في لبنان. باختيار نهج شامل وتصالحي، شجع المفتي بقوة قيم التعايش السلمي والتعددية والاعتدال كزعيم ديني للطائفة السنية في لبنان. تشمل بعض المبادرات الرئيسة التي أطلقت خلال السنوات القليلة الماضية عملية لتعزيز أدوات وقدرات وسائل الإعلام الدينية في الترويج لرسائل الإسلام المعتدلة في محاولة لزيادة جاذبية الخطاب المعتدل للسياقات اليومية لدار الفتوى الدوائر الانتخابية. استفاد لبنان كذلك من تعزيز التبادلات مع نظرائه في دار الفتوى على المستوى الإقليمي والبطولات الإقليمية الشهيرة مثل الأزهر المصري من خلال المؤتمرات والتبادلات المستمرة والتدريب العرضي لشيوخ دار الفتوى.

تجدر الإشارة في هذا السياق إلى عقد مؤتمر حول دور الإعلام الديني في منع التطرف لتعزيز الخطاب[5] الإسلامي المعتدل في جميع أنحاء المنطقة، ومؤتمر حول تعزيز دور المؤسسات الدينية في السلام وعمليات الحوار، وتشمل الأمثلة العملية الأخرى تدريبات للأفراد العاملين في دار الفتوى في الأردن وورش عمل مستمرة في لبنان مع قسم الإعلام في دار الفتوى ومحطة الإذاعة. تم الشروع في عمليات بناء استراتيجية مختلفة في مجال مختلفة في مجالات مواضيعية رئيسة لمنع التطرف، بما في ذلك منهجيات التعليم الديني والاستشارات الدينية. بعد إشراك مجموعة واسعة من الممثلين والخبراء في عمليات بناء الاستراتيجية الحوارية هذه أمراً أساسياً لضمان وجود قاعدة دعم واسعة لمثل هذه المبادرات، والتي تُلبي تنوّع الأصوات داخل وحول المؤسسة الدينية الرائدة وكذلك في الدوائر الانتخابية المعنية. بناءً على هذا الاعتبار والدور الحاسم لتعزيز التواصل والتفاعل مع المجتمعات المحلية، تلقى الأئمة والشيوخ والعاملون في المؤسسات والمنظمات الدينية تدريباً أساسياً على منهجيات تحويل النزاعات وتيسير الحوار والوساطة.

في حين أن هذه الجهود كانت مهمة في إرساء بعض الأسس لتكثيف دور المؤسسات الدينية وإمكاناتها البنّاءة في تعزيز التماسك الاجتماعي وأخذ دور قيادي في منع التطرف، إلا أنّ هناك الكثير مما ينبغي عمله على أساس الملكية والقدرات والمصالح الحقيقية المؤسسات الدينية وموظفيها القياديين. ولكي تنجح هذه الجهود، من الضروري أن تواصل المؤسسات الدينية الرائدة جهودها لإعادة بناء الثقة مع دوائرها الانتخابية، وأن تلعب دوراً في بناء الجسور بين المجتمعات ومؤسسات الدولة وأن تستثمر في قدرات أفرادها والأفراد الناشطين الشباب. من المجتمعات الدينية المحيطة بهم. ستكون الجهود المتضافرة من هذا النوع حاسمة للوفاء بالدور التوجيهي للإسلام.

الخلاصة:

إن عمل الزعماء الدينيين وحدهم لا يكفي لمواجهة التحدّيات التي تواجه ديانتنا ومجتمعاتنا، بغض النظر عن المدى الذي يمكن أن تذهب إليه جهود المؤسسات الدينية، كما ذكر الأستاذ محمد أبو نمر، نحتاج إلى الانضمام إلى جهود المثقفين والإعلاميين ومعاهد البحوث والأكاديميين ومراكز الدراسات الاستراتيجية. ومع ذلك، ركزت هذه الورقة على توضيح الدور الحاسم للمؤسسات الدينية حيث تستمر في تنفيذ أربع مهام: قيادة الإخلاص، والتعليم الديني، والفتوى، والتوجيه الديني العام. إنها كلها مهام ضرورية في عملية تعديل وتوسيع المفاهيم ودحض الانشقاق وموجات التطرف.

[1] الجهاد والتكفير هما مفهومان خضعا للعديد من الدراسات البحثية والفتاوى منذ أن تم اختطافهما من قبل العديد من الجماعات السياسية والدينية على مر العصور لتبرير أشكال مختلفة من العنف. يمكن للجهاد أن يشير إلى الجهود الداخلية والخارجية ليكون مسلماً جيداً أو مؤمناً. وإبلاغ الناس عن الإسلام والجهاد الأعظم هو الكفاح الروحي داخل النفس ضد الخطايا. التكفير هو اتهام شخص ما بالكفر والشرك.

[2] الخوارج جماعة إسلامية سابقة ظهرت في القرن الأول الهجري، وميزت نفسها عن التيار الرئيسي للإسلام بإيديولوجيتها الراديكالية. إحدى الخصائص المميزة للخوارج هي طردهم لأي مسلم يرتكب خطايا كبيرة أو أي مسلم لا يوافقهم. لذلك لا يوجد مجال للخلاف داخل هذه الجماعات المتعصبة، فأيّ شخص لا يوافق على منهجية تفسير الشريعة الإسلامية يتعرض للتهديد تلقائياً.

[3] كان السيد أبو الأعلى المودودي فيلسوفاً وقانونياً وصحفياً وإماماً مسلماً. غطت أعماله العديدة مجموعة من المواضيع مثل التفسير القرآني والحديث والتاريخ. طوّر رؤيته الخاصة لتفسير النصوص المقدسة في إطار سياسي، والذي نسميه الآن الإسلام السياسي. أثرت نظريات المودودي على ظهور بعض الأنظمة الإسلامية (السودان عام 1980)، وكذلك الإيديولوجيات الأصيلة للإخوان المسلمين المصريين.

[4] أمثلة على مشاركة المؤسسات الدينية في إعادة بناء الدولة القومية: (1) تدريب الشيوخ على قيم حقوق الإنسان في الأردن. (2) تدريب الشيوخ على القانون الدولي الإنساني في لبنان.

[5] خرج مؤتمر دور الإعلام الديني في تعزيز الاعتدال بالعديد من التوصيات وذلك في الثاني والعشرين من كانون الثاني عام 2015 (المترجم).

عن الشرق الأوسط الديمقراطي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الأحزابُ الإسلامية المتشددة “اشتباكات مع الحداثة – بيئة مغلقة تعرقل الحلّ في الشرق الأوسط وتأجج الصراع السني/الشيعي”-2-

جوان عجك / المحور الثاني: تمهيد إن كانت الحركاتُ الجهادية والتنظيماتُ الإسلامية ...