الرئيسية / أبحاث ودراسات / أي دور للقانون الدولي في ظل إدارة الرئيس ترامب -1-

أي دور للقانون الدولي في ظل إدارة الرئيس ترامب -1-

تقدير موقف الانسحاب الأمريكي من اتفاقات ومنظمات دولية

د. محمد عباس /

العراق – بغداد

اكاديمي وباحث في الشؤون الدولية والسياسية

 

مقدمة

منذ تولي الرئيس الخامس والأربعون للولايات المتحدة الأمريكية “دونالد ترامب ” في 20 يناير 2017 أعلنت الولاياتُ المتحدة الأمريكية انسحابها أو التهديد بالانسحاب من عدة اتفاقات ومنظمات دولية في إطار سياسة الرئيس ترامب “أمريكا أولا”، حيث ظهر نمط مستحدث في السياسة الخارجية الأمريكية ألا وهو الانسحاب عن الالتزامات متعددة الأطراف.

إن مبدأ الانسحاب في السياسة الخارجية يلقي بظلاله بدون شك على التزام الولايات المتحدة بالنظام الدولي المعقد، الذي ساعدت الولايات المتحدة على إنشائه ورعايته بعد الحرب العالمية الثانية حتى تتمكن الدول من التعاون في القضايا التي تتجاوز حدود أي دولة.

ونتيجة لهذه المواقف التي لا يمكن أن يطلق عليها سياسة تعكس ايديولوجية متماســكة، حتى إن تحولت إلى اتجــاه سياســي واقعي، الا إنهــا يمكــن أن تهدد قواعد النظام العالمــي الليبرالــي، بالصيغة التــي يتشــكل عليهــا اليوم. الســؤالُ المطروح في هذه الورقة يرتبط بإبعاد هــذه المتغيرات وأمدها؛ وهو ســؤال يشــغل المجتمع الدولي فــي انتظار ما ستتمخض عنه المتغيرات العالمية خلال السنوات القادمة.

فيما يلي بعض الاتفاقات التي تخلّى أو هدد الرئيس ترامب بالانسحاب منها:

أولاً: الانسحاب

1- الميثاق العالمي حول الهجرة[1]: أعلنت بعثة الولايات المتحدة الأمريكية لدى الأمم المتحدة أن الولايات المتحدة أنهت مشاركتها في الميثاق العالمي حول الهجرة، حيث أعلنت البعثة الأمريكية أن الإعلان يحتوي على العديد من الأحكام التي لا تتسق مع سياسات الهجرة واللجوء الأمريكية ومبادئ الهجرة لإدارة الرئيس ترامب.

2- اليونسكو: قالت واشنطن في أكتوبر / تشرين الأول 2017 إنها انسحبت من هيئة اليونسكو للتربية والثقافة ومقرها باريس، واتهمتها بالتحيز ضد إسرائيل.

3- اتفاق المناخ في باريس: أعلن ترامب في يونيو / حزيران 2017 أن الولايات المتحدة سوف تنسحب من اتفاقية باريس التي تضم 196 دولة بشأن تغير المناخ حيث ادّعى الرئيس الامريكي أن الاتفاقية تمنح الدول الأخرى ميزة غير عادلة على الصناعة الأمريكية وتدمر الوظائف الأمريكية.

4- اتفاق الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية عبر المحيط الهادئ أو الشراكة عبر المحيط الهادئ المعروف اختصاراً بــ (TPP) هو اتفاق للتجارة الحرة متعدد الأطراف يرمي إلى زيادة تحرر اقتصادات منطقة آسيا والمحيط الهادئ، حيث تم التوقيع على الاتفاق الأصلي بين دول شيلي، بروناي،سنغافورة ونيوزيلندا في 3 حزيران 2005، ودخل حيز النفاذ في 28 آيار 2006.

في تشرين الثاني 2016، أعلن دونالد ترامب الرئيس الأمريكي خلال اليوم الأول من تسلمه لمنصبه أن بلاده تعتزم الانسحاب من معاهدة الشراكة الاقتصادية العابرة للمحيط الهادئ، حيث وصفت هذه الاتفاقية بأنها أكبر اتفاقية تجارية في العالم عندما وقعت في فبراير 2016 مع 11 دولة في آسيا والمحيط الهادئ (باستثناء الصين)[2]، كما تعهد ترامب بالتفاوض على اتفاقيات ثنائية ستكون أكثر ملاءمة لبلاده.

ثانياً: إعادة التفاوض

  • نافتا (NAFTA) أو اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (North American Free Trade Agreement)، معاهدة الغرض منها إنشاء منطقة تجارية حرة ما بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وقعت في كانون الأول 1992 وأصبحت سارية المفعول في كانون الثاني سنة 1994، حيث أمر ترامب بإعادة التفاوض على اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية عام 1994 (NAFTA) والتي وصفها بأنها أسوأ صفقة تجارية تم توقيعها، وبدأت المحادثات في آب 2017، لكن ترامب هدد بالانسحاب من الاتفاقية والتفاوض بشأن صفقات ثنائية إذا لم تحصل بلاده على صفقة أكثر عدالة في النهاية، لأنها تسبب خسارة ملايين الوظائف الأمريكية، خصوصا في قطاع صناعة السيارات.

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في آب 2018 أن “بلاده توصلت لاتفاق مع المكسيك” بعد محادثات مثيرة للجدل حول إعادة صياغة اتفاق “نافتا” للتبادل الحر في أمريكا الشمالية، وذكر ترامب أنه “سيتم إلغاء اتفاقية “نافتا” من أجل تحديث اتفاقية أمريكا الشمالية”، معتبراً أن ” لـ “نافتا” دلالات سيئة”.

كما رحب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالاتفاق التجاري المبدئي مع كندا والمكسيك في تشرين الاول 2018، الذي سيحل محل اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية “نافتا”، ووصفه بأنه “رائع” لجميع الدول.

ويتعين إقرار الاتفاقية التجارية الجديدة (الاتفاقية الاقتصادية الأمريكية المكسيكية الكندية البديلة “لنافتا”) من قبل النواب الأمريكيين والكنديين والمكسيكيين لتصبح نافذة، لأن الكونغرس صادق على هذه الاتفاقية بتاريخ 17 تشرين الثاني 1993.

  • إعادة التفاوض على اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، حيث أشارت كوريا الجنوبية في آذار 2018 إلى أنها اتفقت مع الولايات المتحدة على مراجعة اتفاق تجارة تعرض لانتقادات كبيرة من قبل الرئيس ترامب، بما قد يحسن وضع شركات صناعة السيارات الأمريكية في السوق ويفرض حصة لشركات صناعة الصلب الكورية لكنه يجنبها رسوما جمركية كبيرة.

حيث تجري الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية جولة مفاوضات حول تطوير اتفاقية التجارة الحرة التي وقعها البلدان في 15 آذار 2012 والمعروفة باسم (كوروس)[3].

  • الأمم المتحدة: يطلب الرئيس الأمريكي إصلاح “بيروقراطية” الأمم المتحدة، متهماً الهيئة العالمية بالإدارة السيئة، حيث تعتبر واشنطن أكبر مساهم مالي في الهيئة العالمية، كما أكدت السفيرة الامريكية لدى الامم المتحدة نيكى هالى أن واشنطن ستواصل تقييم دورها في وكالات الامم المتحدة [4].

ثالثاً: الانتقاد

  • الناتو: أثناء الحملة الانتخابية لترامب وصف منظمة حلف شمال الأطلسي بأنه “قد عفا عليها الزمن[5]، حيث تخشى الدول الأوروبية المنضوية في حلف الناتو من قيام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإعادة موضوع مسألة انسحاب واشنطن من حلف شمال الأطلسي “الناتو”، وذلك بسبب النفقات العسكرية للحلفاء التي ما زالت متأخرة عن الأهداف التي حددها الرئيس الأمريكي”.

ومن جانبها صرّحت نائبة وزير الدفاع الأمريكي الأسبق” ميشيل فلورنوي” بأن قرار خروج الولايات المتحدة الامريكية من حلف الناتو “سيكون أحد أكثر الأشياء تدميراً بالنسبة للمصالح الأمريكية[6]، ووفقا للقائد السابق لقوات الناتو في أوروبا، الأميرال المتقاعد جيمس ستافريديس، فإن خروج الولايات المتحدة من الحلف سيكون “خطأ جيوسياسيا مأساويا” [7].

وكان ترامب قد أبدى امتعاضه من هيكلة ميزانية حلف شمال الأطلسي “الناتو”، حيث تدفع الولايات المتحدة نصيب الأسد من النفقات المالية معلناً في هذا الصدد بأنه يتعين على الحلفاء أن يدفعوا للولايات المتحدة المزيد لقاء “الحماية” المقدمة إليهم.

  • التجارة مع الاتحاد الأوروبي: اعتبر ترامب أن الاتحاد الأوروبي يتعامل بشكل سيء مع الولايات المتحدة بما يخص الأمور التجارية بين الطرفين، وأضاف، إن الاتحاد الأوروبي كان فظيعاً مع واشنطن في التجارة، وفظيع مع العمالة الامريكية.

عام 2017 عانى الاقتصاد الأمريكي من عجز تجاري قدره 151 مليار دولار، واستهدفت واشنطن ألمانيا وست دول أخرى في آذار 2018 بفرض رسوم جمركية على مصنعي الصلب والألمنيوم.

  • اتفاقية الشراكة التجارية والاستثمارية العابرة للأطلسي (TTIP) اتفاقية تجارية مقترحة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الامريكية تهدف إلى تعزيز التجارة والتنمية الاقتصادية، وتضم ثلاث مجالات رئيسية الوصول للسوق؛ والقوانين المنظمة للأعمال؛ والقواعد العامة والمبادئ وطرق التعاون.

كان من المزمع أن تنتهي المفاوضات بنهاية 2014، لكن حتى نهاية 2016 لم تكن المفاوضات قد انتهت بعد، حيث تم تعليق المحادثات، التي بدأت في 2013، وقد أوضح وزير التجارة الأمريكي ويلبر روس أن الجانب الأمريكي مهتم فقط باتفاق من شأنه تخفيض العجز التجاري في الولايات المتحدة[8]، وتعتبر الحكومة الأمريكية هذه الاتفاقية اتفاقية مصاحبة لاتفاقية الشراكة العابرة للمحيط الهادئ.

4 – منظمة التجارة العالمية: منظمة التجارة العالمية(World Trade Organization) مهمتها الأساسية هي ضمان انسياب التجارة بأكبر قدر من السلاسة واليسر والحرية، وهذه المنظمة العالمية الوحيدة المختصة بالقوانين الدولية المعنية بالتجارة ما بين الدول، حيث تضم 164 دولة عضو إضافةً إلى 20 دولة مراقبة لغاية 1 آب 2016.

في أعمال قمة قادة مجموعة العشرين G20 [9]التي تستضيفها مدينة هامبورغ شمالي ألمانيا الاتحادية، تحت عنوان «نحو بناء عالم متواصل»، لم يستبعد وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوشين إعادة التفاوض حول الاتفاقات متعددة الأطراف[10].

وأعلن الرئيس دونالد ترامب، في مقابلة أجريت في آب 2018 أنه لا يستبعد إمكانية انسحاب بلاده من منظمة التجارة العالمية، إذا لم تطور أداءها، وأشار إلى أن منظمة التجارة العالمية تتعامل على مدى سنوات عديدة بشكل “سيئ للغاية” مع الولايات المتحدة، والمنظمة بحاجة إلى “التغيير”.

 رابعاً: افعال وتصرفات أخرى

  • ألغى الرئيس الأميركي دونالد ترمب في حزيران 2017 الاتفاق الذي عقدته إدارة الرئيس السابق باراك أوباما مع كوبا (اتفاق يقوم على سياسة انفتاح دبلوماسي وتجاري بين البلدين، غير أن الكونغرس أبقى على الحظر المفروض على الجزيرة الشيوعية)، لأنه -كما قال- لا يخدم الشعب الكوبي إنما يقوي النظام وجيشه، وأمر ترمب كذلك بتشديد القيود على سفر الأميركيين إلى كوبا وعلى تعاملات الشركات الأميركية مع الجيش الكوبي، كما تعهد بعدم رفع العقوبات عن نظام هافانا إلى أن يحترم حقوق الإنسان ويفرج عن المعتقلين السياسيين ويجري انتخابات [11].

وأضاف ترامب “إنني ألغي بأثر فوري اتفاق الإدارة السابقة الأحادي الجانب بالكامل مع كوبا”، من جانب آخر نددت الحكومة الكوبية بالقيود الجديدة التي فرضها ترمب لكنها جددت استعدادها لمواصلة “الحوار المبني على الاحترام”.

  • – زيادة القوات العسكرية في أفغانستان
  • شن ضربات ضد الحكومة السورية لاستخدامها الأسلحة الكيميائية،

4 – التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش في سوريا والعراق.

5- تصعيد الخطاب حول شن حرب أخرى في شبه الجزيرة الكورية بما في ذلك التدريبات العسكرية، ونشر أنظمة الدفاع الصاروخية، واستخدام العقوبات للضغط على كوريا الشمالية في المحادثات.

6- البيان الأمريكي حول إعلان القدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس.

7- توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 25/3/2019 على الإعلان الرئاسي الخاص باعتراف واشنطن “بسيادة” إسرائيل على الجولان السوري المحتل، وذلك عقب مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

[1] – الميثاق العالمي للهجرة الآمنة والنظامية والمنتظمة (GCM) المعروف أيضا باسم ميثاق مراكش اتفاقية تم التفاوض بشأنها بين الحكومات برعاية الأمم المتحدة، وبموجب نصوصها تغطي جميع أبعاد الهجرة الدولية بطريقة كلية وشاملة، حيث عقد مؤتمر الأمم المتحدة لاعتماد الميثاق في مدينة مراكش بالمغرب، في الفترة من 10 إلى 11 ديسمبر 2018، إلا أن هذا الميثاق لا يعتبر كمعاهدة دولية، ولن يكون ملزما رسميا بموجب القانون الدولي، إلا أنها كما هو الحال مع اتفاقيات الأمم المتحدة المماثلة تعتبر التزام سياسي ، بعد انضمامها انسحبت كل من تشيلي والولايات المتحدة وأستراليا من توقيع الميثاق فيما أعلنت دول أخرى رفضها المشاركة في مؤتمر مراكش وتأييد الاتفاقية، وهي المجر، النمسا، جمهورية التشيك، سلوفاكيا، سويسرا، كرواتيا، لاتفيا، إيطاليا، بلغاريا وبلجيك .

[2] – دخلت هذه الاتفاقية حيز التنفيذ في 30 كانون الاول 2018 والتي تضم 11 دولة، بعد أن تمت المصادقة عليها من قبل الأغلبية المطلوبة من الدول، ووفقا لنص الاتفاق، فإنه يدخل حيز التنفيذ بعد 60 يوماً من مصادقة 6 على الأقل من البلدان الأحد عشر الموقّعة،  وبعد أن صادقت أستراليا على الاتفاقية، حيث أصبحت الدولة السادسة التي تصادق عليها، حيث سبق أن صادقت كندا واليابان والمكسيك ونيوزيلندا وسنغافورة على الاتفاقية،

[3] – U.S. – Korea Free Trade Agreement,

https://ustr.gov/trade-agreements/free-trade-agreements/korus-fta

[4] – Press Release: Ambassador Haley on the United States’ Withdrawal from UNESCO, October 12, 2017.

https://usun.state.gov/remarks/8009

[5] – Ashley Parker, Donald Trump Says NATO is ‘Obsolete,’ UN is ‘Political Game’, the new York times, 2 april 2016 .

[6] – Diana Stancy Correll , Trump repeatedly said in private he wanted US to leave NATO: Report ,Washington examiner, January 15, 2019 .

[7] – Doug Mill & Matthew Rosenberg  ,Trump repeatedly discussed withdrawing US from Nato in protest over funding, aides say,independent ,uk ,15 January 2019 .

[8] – Keith Bradsher , U.S.-China Trade Truce Gives Both Sides Political Breathing Room , The New York Times, Dec. 2, 2018.

[9] – تشكل مجموعة العشرين G20 دول ما يقرب من ثلثي سكان العالم، وأكثر من أربعة أخماس الناتج المحلي الإجمالي في العالم، وثلاثة أرباع التجارة العالمية، وتضم المجموعة كلاً من: ألمانيا، فرنسا، اليابان، الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، إيطاليا، بريطانيا، روسيا، الأرجنتين، أستراليا، جنوب إفريقيا، البرازيل، الصين، كوريا الجنوبية، الهند، إندونيسيا، المكسيك، تركيا، والاتحاد الأوروبي والسعودية.

[10] – Alan Rappeport, G-20 Finance Ministers, Failing to Halt Trump’s Trade War, Warn of Its Global Risks, The New York Times, July 23, 2018 .

[11] – ADAM FISHER ,Trump ‘canceling’ Obama’s Cuba policy but leaves much in place, abc news ,jun 17, 2017.

يتبع

عن الشرق الأوسط الديمقراطي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الحوكمة… المفهوم والأهداف

ﭼﻠﻨﮒ عمر – باحث اقتصادي  يقول كارل جيرشمان: ” إن الديمقراطية نتيجة ...