المواطنة وصراع الهوية

صلاح الدين مسلم

 

“الأمّة هي جماعة سياسيّة متخيّلة، حيث يشمل التخيّل أنّها محدّدة وسيّدة أصلًا، وهي متخيّلة لأنّ أفراد أيّة أمّة، بما فيها أصغر الأمم، لن يمكنهم قطّ أن يعرفوا معظم نظرائهم، أو أنهم يلتقوهم، أو حتّى أن يسمعوا بهم، مع أنّ صورة تشاركهم تعيش حيّة في ذهن كلّ واحد منهم[1]

لقد طرح الغربُ نفسه عبر التاريخ كمفهوم عالمي، أي كنموذج معياري وتعبير نهائي عن التطور البشري، ومن هنا خرج مفهومُ العالمية، أي أن كل ما يشبه الحضارة الغربيّة هو عالميّ، ومن هنا كانت فوقية الحضارة الغربية، وبالتالي شرعنت السلطة، وظهرت هرميّة الثقافات والأعراق والأجناس، فالغربُ يحوّل الاستعمارَ إلى رسالة حضارية، ومقاومة الاستعمار إلى إرهاب وتخريب، والعكس صحيح بالنسبة للمُستعمَر.

يبدأ الغربُ الآن بإعادة بناء الهوية، من خلال عملية التجريد من الوعي الذاتي بعد إفراغها من التراث وقطعها من كل الجذور بشكل يجعلها تتقبّل وضعها الجديد كطرف خاضع للسيطرة وتُقِرُّ بِه وترضى. لكنّ العولمةَ لاقت ردّة فعل كبير في المجتمع الشرقي، فصار هناك خوفٌ من هذا المدّ العولمي، وبالتالي صار هناك انطواء على الهوية مقابل الترابط الاقتصاديّ، والشركات عابرة القارات، وهذا المدّ الاتصالاتي الذي لا يهدأ.

“فالذاكرة هي بالطبع الأرضية الأمثل لإعادة بناء الهوية. وهكذا يصبح المؤرخ، مؤرخ السلطة الجديدة المسيطرة، هو «المدير المحلَّف» المسؤول عن الذاكرة، فيعطي الروح والمضمون إلى مؤسسة الحضارة ويحوّل سفينة تجارة الرقيق إلى أداة اكتشاف وتجارة. هو أيضاً من يعيد إعطاء هوية جديدة للأماكن عبر تحويل سوق العبيد إلى «مكان تجاري»، وحصون اعتقال العبيد ونقلهم إلى «قلاع للدفاع والحماية»، ومقابر الرقيق، خاصة المقابر الجماعية منها، إلى أراضٍ مجهولة الهوية سرعان ما تخفيها المباني الإدارية أو التجارية[2].”

وقد ارتبط مفهومُ الديمقراطية الغربية الحديثة بشكل مباشر بمفهوم المواطنية، كحلٍّ بديل عن تكاثر الدول وصراع الهويّة الذي خلقته الدولة القوميّة، فالمواطنيّة، أو المواطنة هي حل لإخراج أزمة الدولة الثومية من المستنقع، فالمواطنيون يرَون أنّه لا يمكن أن يقوم النظام الديمقراطي إلا إذا كان الفرد في مجتمعه متمسكاً بحقوقه ويقوم بواجباته ويشارك بشكل واع في صياغة السياسات العامة ومحاسبة ممثليه في الندوة النيابية والسلطة التنفيذية، وتعتمد المواطنية على مجموعة من المبادئ أهمّها المساواة في الحقوق والواجبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمشاركة الفعالة والمساءلة واحترام دولة القانونـ إذ يندرج ضمن مفهوم المواطنية مبدأ الانتماء إلى الوطن[3].

إذ تفترض المواطنية الصالحة امتلاك كل فرد الحقوق الاساسية وتتطلب من المواطنين أن يحترموا حقوق الآخرين، وارتباط المواطنة بالعضوية الى الوطن أي أنّ المواطن هو العضو الفاعل في بناء مجتمع يحترم حقوق جميع المواطنين كما يفرض علينا جميعاً مسؤوليات، والمواطن الفاعل يتقيد بأسلوب التصرف الذي يتوجب أن يقود المجتمع إلى احترام حقوق الإنسان احتراماً أشمل وأوسع لكرامة الإنسان ويشمل المساواة ويحقق العدالة دون أي شكل من أشكال التمييز، التربية المستمرة لتشكيل المواطن الواعي والفاعل والمسؤول.

وبالتالي يجب على المواطن أن يتقوقع ضمن حدود الدولة القومية التي رسمتها الحروبُ والدماء، وأن يصبح أنانيًّا إلى أقصى الدرجة لحدود وطنه، وألّا يفكّر إلا ضمن نطاق أسرة الوطن، وأن تكون الدولة هي الراعية والعين الساهرة لتربية مواطن صالح يتقيّد بالقوانين، ولا يخرج خارج إطار القانون.

ولكن أين حلولُ أزمات الهوية في العالم وفي الشرق الأوسط، يمكننا حلّ هذه المعادلة في دولة فيها لغة أو لغتان أو ثلاثة، وفيها طائفة أو طائفتان أو ملّتان أو ثلاثة، ولكن أن نطبق على دول الشرق الأوسط وخاصة تركيا وسوريا والعراق وسوريا التي تحتوي على مئات الهويّات فهذا من المحال، فهل نجح النظامُ التعليمي التركي على سبيل المثال في خلق هذا الإنسان النمطي؟ لا أظن ذلك.

فمعظم العالم يلتزم بالقوانين ولا يؤمن بها، فعلى سبيل المثال معظم السكان الأصليين لأوروبا يرفض المهاجرين الذين يقاسمونهم قوت يومهم، ويغيّرون من الطابع العام لبيئتهم، فمثلاً لم يتعود الألماني أن يرى هذا الكم الهائل من المحجّبات كلما ذهب إلى عمله، ولكنّه ملتزم بالقوانين التي لا تمنع من الإقامة والجنسية، فالاقتصاد يلعب دوره في جذب الشرقيين إلى الغرب ليسدّوا حاجة السوق إلى الأيدي العاملة، وبالتالي أين المواطنية في ذاك الشرق الذي يقرأ تاريخًا مغايرًا لما قرأه في الشرق عن الغرب؟ وأين الهوية؟ “فلم يعد وضع المهاجر وضع مجموعة من الأشخاص الذين اقتلعوا من الوسط الذي يحتضنهم، لقد اكتسب قيمة نموذجيّة، فهو الضحية الأولى لمفهوم الهويّة القبائليّ. إذا كان هناك انتماء واحد بهم، وإذا كان لا بدّ من الاختيار، سيجد المهاجر أنّه منقسم وممزّق ومحكوم عليه بأن يخون إمّا وطنه الأصليّ وإمّا الوطن المضيف، وهي خيانة سيحياها حتمًا بمرارة وغضب[4]“.

إنّ العالم الغربي يعاني راهناً من أعراض “أزمة هويتية” عميقة يبدو أنه غيرُ مدركٍ لواقعها وأبعادها. وتبرز هذه الأعراض بشكل خاص في التوتر الواضح بين تضخّم موقفه (أو خطابه) المرتبط بالحضارة الكونية، والطابع المحوري الذي تتخذه أزمة الهوية فيه، وكذلك في علاقته ببقية العالم. هذه العلاقة تُختزلُ بالتسليع وإرساء الأمن وتعميم الطابع الإنساني، وفي اضطرابه وضيقه الشديد أمام التنوّع الثقافي والأثني والديني[5].”

إنّ الجوهرَ في نسق الحقيقة هو البحثُ عمّا هو خيّر، وليس البحث عمّا هو صواب، لكن العلمَ أو النظام العالمي العلميّ الجديد يبحث عمّا هو صواب ولا يهمّه إن كان خيّرًا أو لا، من هنا بدأت الأزمة العالميّة الحداثويّة العلمويّة، وبدأت الحروبُ الأقلويّة، وتفاقمت في القرنين الماضيين ومازالت في حرب ضروس، وكأنّها الطاعون الجديد.

ما انفكّ النضال ضدّ أيّ تهديد يهدّد الهويّة هو الهاجسُ الأوّل والأخير للإنسان الشرقيّ، فالغربيّ قد أصبح مدجّنًا بمفهوم المواطنيّة، والفردانيّة في الدولة العصريّة، وهو الحلّ السحرّيّ الذي سنعالجه فيما يأتي، لكنّ ما هي الهويّة؟ وما هو الانتماء؟

“يوجد في كل العصور أناس يعتبرون أنّ هناك انتماءً واحدًا مسيطرًا، يفوق كل الانتماءات الأخرى وفي كلّ الظروف، إلى درجة أنّه يحقّ لنا أن ندعو “هوية”. هذا الانتماء هو الوطن بالنسبة لبعضهم والدين بالنسبة لبعضهم الآخر. ولكن يكفي أن نجول بنظرنا على مختلف الصراعات التي تدور حول العالم لنتنبه إلى أن أي انتماء لا يسود بشكل مطلق. فحيث يشعر الناس أنّهم مهدّدون في عقيدتهم يبدو أن الانتماء الديني هو الذي يختزل هويتهم كلها. ولكن لو كانت لغتهم الأم ومجموعتهم الأثنية هي المهددة لقاتلوا بعنف ضدّ أخوتهم في الدين[6].”

لقد تمخّض عن هذه الحرب الطاحنة في سوريا صراع للأقليات أفرزت تغييرًا في الديمغرافية السورية، فانزاحت أقلّياتٌ وأكثريات، فهربت معظم الأقلّيات من سوريا إلى الغرب، وظهرت أزمة الهويّة من خلال الاغتراب الكبير الذي حصل، “ولم يعد وضعُ المهاجر وضعَ مجموعة من الأشخاص الذين اقتلعوا من الوسط الذي يحتضنهم، لقد اكتسب قيمة نموذجيّة، فهو الضحية الأولى لمفهوم الهويّة القبائليّ.

إذا كان هناك انتماء واحد بهم، وإذا كان لا بدّ من الاختيار، فسيجد المهاجر أنّه منقسم وممزّق ومحكوم عليه بأن يخون إمّا وطنه الأصليّ وإمّا الوطن المضيف، وهي خيانة سيحياها حتمًا بمرارة وغضب[7].” وهنا يظهر التشظّي الآخر في الشخصيّة، عبر أزمة الهويّة السوريّة وهويّة الدولة التي هاجر إليها، وهي إحدى مفرزات التدخّل الغربيّ في الشرق.

وبالمقابل ظهر في الداخل السوريّ تشظٍّ آخر؛ وهو الخوف من الهويّة، وتقلّب الهويّة، فإذا سئل سوريّ عن هويته وهو يعيش تحت كنف داعش عن هويته، بالطبع سيقول: “إنّني أنتمي إلى الدولة الإسلاميّة، وهويّتي هي الإسلام”، ونفس الشخص عندما يسأل وهو في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري أنّه عربيّ سوريّ، وفي الشمال السوريّ سيؤكّد على سوريّته، وقد يقول: إنّي شامي (نسبة إلى بلاد الشام) أو أنتمي إلى الوطن العربي، أو سوريا الكبرى حسب خارطة الحزب القومي السوري التي تضمّ قبرص أيضًا، لكنّه سيقول: إنّي أنتمي إلى هذا الكون عندما يكون مقعدًا لا يستطيع الحراك، كعالم الفيزياء ستيفن هوكينغ [8]الذي يقول: “نحن جميعًا مختلفون، ولا يوجد شيء اسمه إنسان قياسيّ أو نموذجي، بل إنّنا نشترك في نفس الروح البشريّة[9].”

إنّ هيمنةَ المركز على كلّ الأطراف في الدولة المركزية تجعلُ من اللغة الرسمية قالبًا للأكثريّة، وبالتالي تلاقي ردّة فعل متطرّفة تجاه صرامة المركزية وتطرّفها، من خلال إعلاء قومية على حساب أخرى، والحديثُ عن الهويات يكون ضمن الإطار الذي تحدّده الدولة المركزية، فهناك هوياتٌ يمكن الحديث عنها، وهويّات مرفوضة لا يجوز التحدّث عنها، ففي ظلّ المركزية تتضرّر القوميات والأقليات وتهدر حقوقها، وتنتهك حقوق الإنسان.

إنّ المركزيّةَ تسعى إلى ابتلاع كلّ المكونات الفسيفسائيّة، وفرض القالبية والنمطيّة على الدولة القومية المركزيّة، وبقدر ما تشدّد على المكونات المختلفة وتكثيفها في قبضتها قسرًا وتسعى إلى اجتذابها بالطرق كلّها، بقدر ما تتكوّن ردود فعل نابذة رافضة منغلقة منطوية، تبحث بكلّ الطرق عن الانعتاق من هذه القبضة القامعة، بكلّ ما تقوى عليها من طرق علمية وفلسفية ودينيّة وميتافيزيقيّة فتنفخ في الجزئيات وتضخّمها، وتكره لغة الأغلبية، وتضخم لغة الأقلية وتمنح القدسية، وكلّ من يخرج عن الملّة يصبح خائنًا، فتقوى الحركاتُ الثوريّة، والطاقة الكامنة.

” كانت العشائرُ والقبائلُ تعيشُ مُعَبَّأةً بالوعيِ العميقِ المُنتبهِ إلى أنّ التخليَ عن الإدارةِ الذاتيةِ يعني الأسرَ وفقدانَ الهوية[10].

 

 

[1] الجماعات المتخيّلة – تأملات في أصل القومية وانتشارها / تأليف: بندكت أندرسن / ترجمة: ثائر ديب / الطبعة الأولى – بيروت / أيلول 2009 / قدمس للنشر والتوزيع / الصفحة 52

[2] https://www.iicss.iq/?id=487&sid=889

[3] [3] نحو المواطنيّة / حركة السلام الدائم – الجمعية اللبنانية من أجل ديموقراطية الانتخابات / 2009 / الصفحة2

[4] الهويات القاتلة / أمين معلوف / ترجمة: نبيل محسن / ورد للطباعة والنشر / الطبعة الأولى / دمشق 1999 / الصفحة 37

[5] https://www.iicss.iq/?id=487&sid=889

[6] الهويات القاتلة / أمين معلوف / ترجمة: نبيل محسن / ورد للطباعة والنشر / الطبعة الأولى / دمشق 1999 / الصفحة 16

[7] الهويات القاتلة / أمين معلوف / ترجمة: نبيل محسن / ورد للطباعة والنشر / الطبعة الأولى / دمشق 1999 / الصفحة 37

[8] ستيفن ويليام هوكينج (بالإنجليزية: Stephen William Hawking) ولد في أكسفورد، إنجلترا (8 يناير 1942 – 14 مارس 2018)[50][51]، هو من أبرز علماء الفيزياء النظرية وعلم الكون على مستوى العالم،[52] درس في جامعة أكسفورد وحصل منها على درجة الشرف الأولى في الفيزياء، أكمل دراسته في جامعة كامبريدج للحصول على الدكتوراه في علم الكون، له أبحاث نظرية في علم الكون وأبحاث في العلاقة بين الثقوب السوداء والديناميكا الحرارية، كما له أبحاث ودراسات في التسلسل الزمني.

[9] من شبكة الانترنت

[10] مانيفستو الحضارة الديمقراطية – المجلد الخامس – القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية / الكاتب: عبد الله أوجلان / ترجمة: زاخو شيار /مطبعة آزادي / الطبعة الثالثة / تموز 2017 / الصفحة 40

عن الشرق الأوسط الديمقراطي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مُقاربةٌ تأويليّة لقراءة مفهوم الهُويّة

سليمان محمود/ سؤالُ (الهويّة) و(مَن نحنُ بالضبط) مُحيّرٌ ويثيرُ الكثيرَ من التساؤلات، ...