الرئيسية / مواضيع أخرى / المرأةُ في الديانات  مكانتها… حقوقها

المرأةُ في الديانات  مكانتها… حقوقها

سليمان جعفر/

منذ أن وُجِدت الخليقة هناك صراعٌ بين المرأة والرجل حول تسيّد كل منهما والحط من شأن الآخر من الناحية النظرية, أما من الناحية العملية فهما يكملان بعضهما, ولا يمكنهما العيش بمعزل عن بعضهما. وتجلى ذلك أكثر وضوحاً بعد تقسيم العمل بينهما, فتفرغت المرأة للأعمال المنزلية, واتجه الرجل إلى الغابات والبراري ليصطاد ما يسدّ البطون الجائعة.

وبعد أن تطور الفكر البشري خرج الإنسان من مسكنه الذي أقامه بين ثنايا وشقوق الصخور وفي الأدغال ليستقرّ في الكهوف والأكواخ التي كان يصنعها من أغصان وسيقان الأشجار, ثم اهتدى الى إقامة بيوتٍ من الحجارة والطين لتقيه الحرّ والقر وتخفيه عن متناول الوحوش الضارية, بعد أن استقرّ في المكان الذي اختاره مستقراً له ولعائلته.

وما لبث أن تكاثر البشرُ وضاقت بهم البيوتُ التي أقاموها فتفرقوا, لتُولي كل مجموعة شطرَ وجهها في اتجاه مختلف عن الأخرى, ومع استمرار البشر في تكاثرهم أكثر, بدأت تظهر بينهم المشاكل والمشاحنات, وعندما أعيت الحيلةُ للبعض في إقناع الخصم, لجؤوا إلى استعمال زنودهم وعضلاتهم, وصار الضربُ وسيلةً للفوز بما عجز عنه اللسان, وبدأت العصي والحجارة تفعل فعلها, ورويداً رويداً  طوروا أسلحتهم من المقاليع وما يقع بأيديهم من حجارة وعصي, إلى أسلحة أكثر تطوراً حسب ذلك الزمان.

وباختراع البارود دخلت البشرية في مرحلة “التوحش”, فازداد عددُ القتلى وازدادت آلام البشر, وزاد الطلبُ على اقتناء الأسلحة للدفاع عن النفس, فوجدها أصحابُ الرساميل فرصة لتضخيم أرصدتهم في البنوك, وأقاموا مصانعَ لصناعة أدوات الموت التي مازالت تتوسع لتزيد من أرقام القتلى والجرحى ليزدادَ البؤس على كامل الكرة الأرضية. ولكي يُشَرعِنَ الحكامُ قتلَ خصومهم واحتلال أراضيهم , كانوا يُجلِسون رجالَ الدين على يمينهم, ليفتوا ويشرعنوا ما يقرره الحاكم من مظالم.

ومنذ أولى المعارك في التاريخ كانت المرأة ولاتزال تعاني من آثار ونتائج الحروب أكثر من الرجل. ومع ذلك لا زال الرجل ينظر إليها نظرة لا تليق بجهودها وكدحها, بل ينظر إليها مجرد أداة لذة ومفرخة للأطفال لا أكثر, وعند نزول الأديان وما طرحته من وعود بالعدل والمساواة, استبشرتِ المرأةُ خيراً بأنها ستنال حقوقها كونها مخلوق لا يختلف عن الرجل, ولكن بقيت المرأة تتحسّر ولم تصل إلى كامل حقوقها في الكثير من تلك الأديان نتيجة تسلّط الرجل على كل مقدرات الحياة, مع العلم بأن كافة الأديان حاولت كل منها النظرَ إلى المرأة نظرات تتفاوت أحياناً, وتتقارب أحياناً أخرى, وعندما تتحاجج الأديان بهذا الموضوع فكلّ دين يطعن بالدين الآخر ليثبتَ أنه هو ودون غيره أعطى المرأة حقها.

فالديانة اليهودية تعتبر أن المرأة هي مصدرُ الآلام والشدائد, وأنها نجسة وأن كل من يلمسها أثناء حيضها يصبح نجساً، بل وصل الأمر عند اليهود أنهم كانوا يعتبرونها كالخدم، بحيث يحق لوالدها أن يبيعها قبل أن تبلغ الحُلُم. كانت المرأة تُحرم من الميراث إذا كان لها إخوة ذكور، فلا تعطى من مال أبيها شيئاً إلا إذا أعطاها هو أثناء حياته.

أما اليونانيون فأساطيرهم قد اتخذت امرأة خيالية تسمى (باندورا) التي اعتبروها  منبع جميع آلام الإنسان ومصائبه. وكانوا ينظرون إليها وكأنها قطعة أثاث لا قيمة لها, حتى أنهم في فترة من تاريخهم كانوا يضعون القفل على فم المرأة، حتى لا تتكلم إلا بإذن ولي أمرها، الذي يملك مفتاح القفل، يفتحه ويسده متى شاء.

الهنود أيضاً اعتبروا أن المرأة نجسة, وأنها خُلقت لإغواء الرجل, لا بل ذهب بعض الغُلاة الى أبعد من ذلك حين قالوا بأن الوباء والموت والجحيم والسم والأفاعي خير من المرأة.

وكانت المرأة عند العرب قبل الإسلام محلَّ تشاؤم منذ ولادتها, فكانوا يوئدونها خوفاً من العار كما كانوا يدعون, وكانت كل حقوقها مهضومة.

ولكن بعد ظهور الإسلام, تنفست المرأة الصعداء قليلاً ونالت حقوقاً لم تكن تنالها من قبل, وصار يُنظر إليها كمخلوق لا يقلّ عن الرجل, بعد أن كان البعض يشكّون في ذلك.

في الزردشتية أخذت المرأة مكانة عظيمة ومنزلة رفيعة، إذ تبيح الزرادشتية أن تتولى النساءُ وظائفَ الكهنوت, وتعتقد الزردشتية بوجود ستة ملائكة من ذكور، وستة ملائكة من الإناث.

 

المرأة في الدين الإيزيدي:

المرأة الكردية بشكل عام, والإيزيدية بشكل خاص, لم تعرفِ الحجابَ والتقوقع والتخفي يوماً من الأيام، ولها يعود الفضلُ في اختراع الزراعة وتدجين الحيوانات وتجهيز المساكن, وهي التي أوجدت العديدَ من الحِرف والمهن, وكانت تساند الرجل وتشد من أزره في الحروب, ولعبت دوراً مهماً في ازدهار الحكومات الكردية، لذلك كانت محطّ أنظار المستعمرين, حيث ما إن يطأ مستعمرٌ أرض كردستانَ حتى يحاولَ تحطيمَ عنفوان هذه المرأة الثائرة, وبما أنها قد تشربت أفكار زردشت الذي لم يبخل عليها وأنصفها, فقد كانت على الدوام قدوة لبني جلدتها, تربي الأجيال على الفضيلة وحب الوطن.

ولو عدنا إلى الوراء وتمعنّا في التاريخ الكردي لرأيناه زاخراً بالنضال, حافلاً بالمآثر, تفوح من كل منعطف من منعطفاته بصمات ورائحة المرأة  الإيزيدية بشموخها وشجاعتها, وسنقرأ أسماء العديدات كن قادات جيوش ودول, ومنهن وصلن لمرتبة الأباطرة, حيث تولت (كي بانو هوماي) ابنة الإمبراطور الكياني الكردي (كي بهمن) عرش كردستان بعد موت أبيها, واستمر حكمها لمدة أربعين سنة من 533 ق.م وحتى سنة 494 ق.م, وكانت (كي بانو هوماي)  تتمتع بالقوة والثبات إلى جانب العدالة والرأفة بالمظلومين, و(نفرتيتي) حفيدة ملك الميتانيين التي أبهرت العالم بجمالها وفروسيتها والتي تربعت على عرش مصرَ بعد أن تزوجت من الفرعون المصري اخناتون.

تابعت المرأة الإيزيدية دورها الفعال بكثير من الجرأة والشجاعة, وكم كان لها من أدوارٍ وبطولات مشهودة على مرّ التاريخ, الذي سجّل أسماء الكثيرات من هؤلاء النسوة اللاتي قدن المجتمع الإيزيدي في أصعب الظروف للوصول إلى برّ الأمان, أمثال البطلة (قرة فاطمة) التي قادت قوة عسكرية إبان الحرب الروسية العثمانية, والأميرة (قدم خان) التي حاربت الفرس زمناً طويلاً,(وگوزي gozê) المرأة الشجاعة وهي والدة البطل الكردي (حمي گوزي) الذي يتغنى ويفتخر الكردُ بشجاعته وجرأته, هؤلاء البطلات كنّ إيزيديات الدين كرديات القومية والشعور والوجدان, وأثبتن جدارتهن في مجال القيادة والزعامة والسياسة والمشورة والوصاية والكرم وبُعد النظر.

الرجل الإيزيدي قد تأثّر بثقافات شعوب الجوار ردحاُ من الزمن, فوضع قيوداً على المرأة وعاملها كما كانت معتقدات تلك الشعوب تعاملها, ونتيجة تسلّط الذهنية الذكورية على كل مفاصل الحياة, فلم يكن للمرأة الإيزيدية من حيلة سوى الرضوخ لمشيئة الرجل, رغم أنهن يعلمن أن ثقافة حجز حرية المرأة ووضع الأصفاد غريبةٌ عن المجتمع الإيزيدي, ولكنها استوعبت تلك الذهنية الغريبة ريثما تعود إلى ثقافتها الكردية الأصيلة التي تختلف عن باقي الثقافات.

وباستشهاد المناضلتين خاني وبريڤان, عادت المرأة الإيزيدية مرة أخرى إلى حقيقتها الثورية, وأصبح اسم بريڤان من الأسماء المفضلة لدى الإيزيديين, وكم من مستشرق ومؤرخ امتدح قوة وشجاعة المرأة الإيزيدية, وأنها في غياب الزوج تقوم بإدارة بيتها على أكمل وجه, أضف إلى أنها لم تعرف الركون إلى التصنّع في أعمالها, وكانت على الدوام شامخة الرأس.

وبدأت المرأة الإيزيدية تستعيد ثقتها بنفسها, وقذفت تلك التقاليد المستوردة, وهي الآن ترصّ كتفها إلى كتف زوجها أو أخيها أو ابنها أو رفيقها,   تقاتل الذين احتلوا أرضها. وفي شنكال استفاقت  من هول الصدمة والكارثة  التي حلت  بالإيزيديين على يد وحوش العصر– داعش- وانتفضت ضدّ الوضع الذي زجت فيه على يد المتخلفين من رجال شنكال, وامتشقت السلاح وانتظمت ضمن صفوف وحدات حماية المرأة الشنكالية تقاتل وبكل فخر لدحر المعتدين.

وأختم بالقول: يكفي المرأة الإيزيدية فخراً بأن هناك آلهات من النساء الإيزيديات كما توجد آلهة للرجال, يدعين XUDAWEND, ولها أيضاً مكانة ضمن المجلس الروحاني الذي يعتبر أعلى جهة دينية, وتدعى  فقرا FEQRA

عن الشرق الأوسط الديمقراطي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الكنيس اليهودي والكنيسة المسيحية في دورا أوروبوس (صالحية الفرات) -2-

    فصل من كتاب  (DURA-EUROPOS AND ITS ART) M.ROSTOVTZEFF ميخائيل روستوفيتزيف ...