الرئيسية / الملفات / الدساتير / ان لم يتم فهم المصطلحات والنظريات لا يمكن فهم القضية الكردية بشكل كافي وصحيح

ان لم يتم فهم المصطلحات والنظريات لا يمكن فهم القضية الكردية بشكل كافي وصحيح

دوران كالكان

صلاح الدين أردم/

 

ما هي أهمية الاطار الاصطلاحي والنظري؟ لماذا أولى المفكر عبدالله أوج آلان عناية خاصة بها وخصص لها مكاناً في بداية مرافعاته؟ في كتابتنا هذه سنتناول بشكل أساسي الإطارالإصطلاحي والنظري في كتاب”المسألة الكردية وحل الأمة الديمقراطية – دفاعاً عن الكرد المحصورين بين فكي الإبادة الثقافية”.

في هذا الخصوص ماذا يقصد بالمصطلحات والنظريات إذا قمنا بتقيمها يمكننا القول مايلي: إن فهم المسألة الكردية بشكل صحيح وكافٍ ووافٍ، يهدف إلى إيجاد حل ممكن التطبيق للمسألة الكردية. بالأصل تهدف المصطلحات إلى تشكيل بنية فكرية وذهنية تمهد لطرق وسبل الحل السليم للمسائل العالقة. تبرز أهمية المصطلحات من أجل استيعاب صحيح ويساهم في فهم كافٍ لهذا الفكر كمقترحٍ للحل، لأن المفكر عبدالله أوج آلان أكثر ما تستوقفه هي المفاهيم المتداولة.

يمكن القول أن المسألة الكردية هي المسألة الأكثر تعقيداً وثقلاً وشاملاً لعصرنا. هناك إبادة ثقافية, لذلك فإن حل هذه المسألة سيفتح الأبواب أمام حل جميع المسائل الاجتماعية، كذلك سوف تتأثر هي الأخرى بسبل حلهم, مما مفاده ان تسليط الضوء على حل المسألة الكردية هي بنفس الوقت سيساهم في إضاءة كافة المسائل الاجتماعية وسبل حلها.

إذا انتبهنا، يتم ربطها بحل الأمة الديمقراطية والاشتراكية وحرية المرأة, باعتبارأن النظرية تتشكل من هذه العناصر الأساسية. كذلك يتم ربطها بالإدارة الديمقراطية. وهذا يعني إضاءة طرق وسبل تطوير ونجاح كل تيارات الحرية.

لاشك فإن براديغما المفكر عبدالله أوج آلان والأطر النظرية لنظامه الفكري ليست فقط خمسة أطر, والمصطلحات التي نستخدمها ليست فقط اثنتي عشرة مصطلحاً. إلا أنه ومن أجل الفهم الكامل والكافي والصحيح للمسألة الكردية وحل الأمة الديمقراطية تم اختيار هذه العناصر لدورهم الهام والحاسم في الفهم النظري للمسألة والتطبيق العملي. ان لم يتم فهم هذه النظريات والمفاهيم بشكل صحيح وكافٍ, لايمكن الفهم الصحيح والكافي للمسألة الكردية. وبالتالي لا يمكن فهم اطروحة عبدالله أوج آلان “الأمة الديمقراطية” لحل المسألة الكردية وكافة المشاكل الاجتماعية التي تعاني منها الدول المهيمنة, وبدون فهم حل الأمة الديمقراطية لايمكن إيجاد الحل الأمثل لهذه المسائل.

ولدى دراسة تجربة حركة التحرر الوطنية التي قادها حزب العمال الكردستاني قد يظهر لدينا أنه وقبل ظهور حزب العمال الكردستاني (PKK) كانت هناك الكثير من الحركات التي حاولت وعملت من أجل حل هذه المسألة. ثم ظهر عبدالله أوج آلان وكافح وحقق تطورات في أجزاء كردستان الأربعة، لكن لم يتم تحقيق الحل المطلوب. ولدى مراجعة الذات وإعادة النظر فإن PKK رأى نواقص الحركات التي كانت تود حل هذه المسألة، وأراد تحقيق الحل الذي لم يتمكنوا من تحقيقه. وخاض نضالاً واسع النطاق وذو معنى سامٍ من تاريخ الإنسانية، لكنه أيضاً لم يحقق الحل للمسألة الكردي, نعم قام بإظهار المسألة وأوضح سبل وطرق الحل للمسألة وحقق تطورات مهمة، لكن لم يتمكن من تحقيق الحل. وواجه مؤامرة دولية في خضم نضاله هذا. ورأى بأنه من الصعب حماية المكاسب التي حققها بهذا النمط. وظهر بوضوح إنه إن لم يقم بتطوير الحل بمستوى أعلى ومستمر، لايمكن حماية المكاسب التي بين يديه. مثلما حدث مع كثير من حركات التحرر وتيارات الحرية التي حققت تطورات في التاريخ، لكن لم يتمكنوا من حماية هذه المكتسبات، فخسروا جزءً تلو الآخر أو تم اطضهادهم وتم إنهاؤها. كان من الممكن أن يلاقي مكتسبات حركة الحرية الكردستانية والتطورات التي أنجزتها وأظهرتها  PKK نفس مصيرهم, لأجل ذلك فإن الشرط والشكل الوحيد للحل هو حل الأمة الديمقراطية, لأننا نرى بوضوح أن جميع الحلول التي تم تطويرها تحت اسم الدولة القومية والتي عنوانها الوصول إلى السلطة وبناء الدولة، لم توصل إلى النتيجة ولم تحقق النجاح.

 

 

في يومنا الراهن تحتاج الإنسانية من جديد إلى التعمق الفكري والنظري

 

 

لماذا توقف المفكر عبدالله أوج آلان على “الاطار الاصطلاحي” في بداية كل مجلد من المجلدات الخمسة في مرافعاته المسماة “مانيقستو المجتمع الديمقراطي”؟. علينا إيجاد جواب لهذا السؤال، لأن هذه المصطلحات ليست بجديدة, بالمعنى العلمي لم يخترع أوجلان مصطلحات جديدة، ولكن أعاد قراءة هذه المصطلحات من جديد وفي رأيه أن إعادة النظر في المصطلحات والمفاهيم من جديد فهي ضرورية ومهمة للغاية لإضفاء المعاني الحقيقية لها وتعميق نظام الفكر وكذلك من أجل فهم الحياة بشكل صحيح والتمكن من تحليلها.

عندما نستخدم المصطحات لاشك بأننا نتكلم بلغة أو حتى أننا نتكلم بعدة لغات. هذا لا يعني بأننا نفتقر للغة أو لا نستخدم المصطلحات. من الواضح أننا لا نفهم تماماً معاني الكثير من المصطلحات التي نستخدمها. إننا نستخدم الكثير من المصطلحات حفظاً، خاصة اثناء المرور على بعض المواضيع العلمية ومناقشتها، بالأخص عندما نريد ترجمتها إلى الممارسة العملية, فإنها تبقى ضمن إطارٍ قالبي. حيث نستخدم الكثير من المصطلحات إما بدون أن نفهمها أو نفهمها بشكل غير صحيح وناقص. هذا هو واقع حياتنا المعاشة. في الحقيقة إن المستوى الفكري السطحي والمشتت لدينا يؤثر على هذا الوضع, لذلك من الضروري أن يكون نمط تفكيرنا أكثر منهجية وعميقاً.

واليوم، تحتاج البشرية مرة أخرى إلى التعمق والتركيز لأمتلاك قوة الفكر. لأن النظام المهيمن السلطوي- الدولتي ونظام الحداثة الرأسمالية على مر التاريخ فرضت على الانسانية عدم التفكير. لأنه من أبسط الطرق لبسط سيطرتها وترسيخ الاستغلال والاستعباد. الأمر الثاني هو تركها بدون تنظيم. وهذا يعني انحلال البنية التنظيمية للمجتمع. لو ترك مجتمع ما في وضع فكري سطحي وضيق الأفق، فإن البنية التنظيمية تتعرض للتخريب, وأي مجتمع ضعف رابطها التنظيمي، فيمكن بسهولة استعماره واطضهاده واستغلاله من جميع النواحي. يمكن القول إنه من السهل ممارسة الاستغلال والاضطهاد على هكذا مجتمع سطحي يفتقر للمقاومة وردة الفعل الذي بات كالقطيع يمكن قيادته والهيمنة عليه.

من هذه الناحية فإن النظام المهيمن يقوم باحتكار قوة التفكير كلها, حيث يعمل بكل ما أوتي من قوة لترك الشعوب والنساء والشبيبة والكادحين وجميع الفئات المطضهدة خارج نطاق قوة التفكير، تركها بمستوى فكري سطحي ضيق، وبالتالي غير قادرة على إعطاء معنى للحياة بحيث لايمكن لها البحث عن مستقبلها وبالتالي ايصالهم إلى وضع فاقدي الإرادة وغير قادرين على ادراك الحياة الحرة. وبالنتيجة تم فرض الإبادة المجتمعية بشكل لامثيل لها على مر التاريخ. هناك قصف دعائي, حيث يقوم نظام الحداثة الراسمالية من خلال استخدام أمكانيات التواصل التي أخرجتها الثورة التقنية ووسائل الاعلام بفرض مثل هذه الإبادة المجتمعية على الأشخاص والإنسانية وتريد بذلك تحقيق الانكسار الذهني فيها.

لذلك فإن من أهم أولويات النضال ضد نظام الحداثة الراسمالية، هو تطوير قوة التفكير والتعمق في فهم الحياة بشكل صحيح وتطوير الإرادة وحماسة عيش الحياة الحرة وصرف الجهود في هذا الاتجاه، حيث كل ذلك يعتبر نضالاً. إذا لم نستطع تحقيق هذا النضال ضد نظام الحداثة الراسمالية، فلايمكن تحقيق هزيمتها أو اجتياز ليبراليتها ذوالألف وجه، كذلك لايمكن التشهير بها وبالتالي لايمكن ممارسة نضال سياسي-عسكري ضدها. يمكن استنتاج هذا من خلال تطور الكثير من الحركات التاريخية المعاصرة, حيث يمكن استنتاج الدروس منها وجعلها كتجربة من أجل نضالنا الراهن.

من هذه الناحية ولأجل الوصول إلى مستوى فكري منظم وعميق وكافٍ، وذلك من أجل الوصول إلى إرادة وادراك قوي للحياة الحرة، فيجب التركيز على تحقيق التعمق الفكري والنظري. لذا يجب أن تكون لغتنا مفهومة جداً وبقدر الإمكان الإبتعاد عن الحفظ وفهم كل ما نقوله، والوصول إلى مستوى يمكن أن يعبر عما نريد التعبير عنه بالمصطلحات الصحيحة والكافية لإعطاء المعنى الواضح. من وجهة نظرنا فإن المفكر عبدالله أوج آلان هو الذي وضع مثل هذا الموضوع في جدول الأعمال، وهذا يدل على مدى أهميته ضمن هذا الإطار.

 

نظام الدولة السلطوية يقوم بتشويه متعمد للمفاهيم التي تعمق الفكر

 

هناك تشويه متعمد للمفاهيم العلمية التي تطور وتعمق الفكر. وهذا ما يتبعه  النظام السلطوي والدولتي. خاصة نظام الدولة-الامة (الدولة القومية) حيث تقوم بذلك بشكل مبرمج وبوعي وعن عمد. تاريخياً هذا موجود لدى جميع نظم الدولة والسلطة , ونظام الحداثة الراسمالية أوصَلَ هذا الأمر إلى ذروتها. وبالتالي هناك كثير من المفاهيم تم تفريغ محتواها وتحريفها، بعض منها تم قلبها رأساً على عقب وأفرغت من معانيها الحقيقية, بحيث وصلت إلى نقطة لا يمكن للمجتمع أن يعبر عن نفسه بشكل صحيح وكافٍ. من هذه الناحية علينا أن نعلم بأن هناك مفاهيم علمية جد مشوهة. مثلاً مفهوم “الديمقراطية” ونفس الشي بالنسبة لعلاقة “الدولة –الأمة- الوطن”. كذلك علاقة “الدولة والاشتراكية”. في الحقيقة هناك كثير من الأطر الإصطلاحية يقوم النظام الدولتي وخاصة نظام الحداثة الرأسمالية وعلى المستوى الأيديولوجي يقوم بتشويهها بشكل متعمد. وبالتالي يجب تصحيح تلك المفاهيم وإضفاء معانيها الحقيقية عليها لتساهم في تطوير مستوانا الفكري أكثر والوصول إلى مستوى تفكير منتظم، كي نفهم بعضنا البعض أكثر، ولأجل تطوير الحياة الحرة وعيشها بشكل اكثر وعياً.

 

 

لاشك أن هناك أسباباً أخرى, فمثلاً مع إنحلال الاتحاد السوفيتي، ما هو مصير أفكار الحرية وتياراتها؟, وما هو مستقبلها؟ مثلها الكثير من الأسئلة تطرح نفسها. لو انتبهنا ,فإن تاريخ الحضارة مليء بمثل هذه التيارات التي تشكل قوة نضالية مهمة، لكن لايصبحون قوة دائمة ومستمرة ولا يستطيعون ان يتحولوا إلى قوة إدارية والذين أصبحوا قوة إدارية لم يستمروا طويلاً. وأخيراً فإن الاشتراكية المشيدة التي وعدت الإنسانية بالتحرير والمساواة والحرية وصلت لنفس النهاية. هذه الأوضاع تتطلب تقيماً صحيحاً، مرة أخرى تتطلب النقاش حولها. هل كتبت لتيارات الحرية أن تبقى في وضع المعارضة دائماً؟ وإلا كيف سيتحقق المجتمع الحر والحياة الديمقراطية؟ في الحقيقة لا يمكن أن تتواجد حياة بلا سلطة ودولة؟ إذا تواجدت فكيف ستتحقق؟ هذه تشكل مسألة مهمة ودائمة, سواء من حيث المصطلحات أو من حيث النظريات. يتوجب تعريفها من جديد بحيث تكون مفهومة بشكل جيد وكاف، ولذلك فهي بحاجة إلى تبسيطها وجعلها مفهومة.

وضع مشابه تحتاجها “المسألة الكردية”. فلأجل تحقيق الحل للمسألة الكردية ضمن نظام الدولة السلطوية، هناك نضال عريق خاضها الشعب الكردي عبر التاريخ. هذه المقاومات كانت لديها نواقص وأخطاء بلا شك. قام المفكر عبدالله أوج آلان بتقييم هذا الوضع بشكل جيد, حيث قام بنقد ونقد ذاتي عميق, قيم فيها بشكل شامل النتائج والأسباب التي ظهرت. وانطلاقاً من هذا ومن أجل الدفاع وتحقيق قوي للحل الدولتي أظهر تياراً راديكالياً قوياً لامثيل له في تاريخ. في هذا الاطار خاض نضالاً دام عشرات السنين في خط فدائي شجاع, حيث سجل مقاومات عظيمة، لكن في النهاية مع وجود هكذا نضال لم يتحقق الحل المنتظر. لا يمكن حل المسألة الكردية ضمن النظام وبالأدوات التي يتخذها النظام أساساً لها. في هذه الحالة كما أن تطوير وتحقيق مسألة الحرية ومسألة الاشتراكية مازالت موضوع البحث، فكذلك فإن موضوع كيفية حل المسألة الكردية تطرح نفسها من جديد. النضال الذي خاضه طليعة حركة التحرر الوطنية PKK وعدم تحقيق الحل الذي كان منتظراً، دفعها إلى البحث واجراء النقاشات من جديد، على هذا الأساس يتطلب حل المسألة بشكل صحيح، من خلال تعريفها بابعادها التاريخية والراهنة بشكل عميق، وعلى هذا الأساس إيجاد طرق حل قابلة للتحقيق.

 

 هناك حاجة إلى تقربات جديدة لفهم المسألة الكردية بطريقة متكاملة وصحيحة

 

من خلال النهج الفلسفي والنظري واستراتيجية وتكتيك الأشتراكية المشيدة التي اتبعها PKK في النضال وإيجاد الحلول, لم يتم تحقيق النتيجة المرجوة. لذا وجب وضع تعريف وفهم جديدين. على هذا الأساس ومن أجل إيجاد سبل الحل يتوجب الفهم الصحيح والمتكامل للمسألة الكردية, هذا بحد ذاته يتطلب نهجاً جديداً، بالتالي سوف نتوجه نحو نظام فكري جديد لإيجاد سبل وطرق الحل. لذا فإن الإطار النظري والاصطلاحي ذات أهمية لهذه الدرجة، وكون المفكر عبدالله أوج آلان جعلها الموضوع الأول في مرافعاته الأخيرة، إنما يأتي من خصائصها هذه.

لو لاحظنا نرى بأن كل هذه الخصائص مهمة. استخدام المصطلحات بشكل صحيح ومنع تشويهها وعدم استخدام المصطلحات بشكل حفظي، فمن ناحية يجب تعميق قوة الفكر ومن ناحية أخرى إيصالها إلى نظام متكامل. إننا ككيانات مفكرة كل واحد منا له قوة فهم جبارة. كذلك فإن معرفة المسائل بشكل صحيح وتحليلها اكثر والفهم الصحيح لها، توجهنا نحو إيجاد حلول قابلة للتطبيق. بهذا الشكل فإننا نظهر نهجنا ونظامنا الفكري. ومن أجل الحصول على حقيقة الحياة التي تعتبر طبيعة وبنية المجتمع والفرد, يجب أن يكون توجهنا نحو الحرية والمساواة والحياة المشتركة، وذلك من اجل إيجاد حلول دائمة وقابلة للتطبيق وكذلك إلى إيجاد الحل للمسألة الكردية التي تعتبر من المسائل المعقدة. وعلى هذا الأساس فإن وضع المفكر عبدالله أوج آلان المصطلحات والنظريات في بداية مرافعاته يأتي من أجل الفهم العميق والصحيح والشامل للأفكار التي وضعت في مرافعاته. وذلك من حيث الخط الفلسفي- النظري والإيديولوجي- السياسي ومن حيث الإستراتيجية والتكتيك. كل هذا ساعد في تطوير قوة التفكير والتعمق في عالمنا الذهني وإغنائها. بهذا الشكل حقق أسلوباً وطريقة عمل ناجحة.

 

إن إعادة النظر في المصطلحات أثناء تغير البراديغما خلق تغيرات جذرية

 

إن وضع المصطلحات والنظريات في الأقسام الأولى من المرافعات لها بعض الأسباب الأساسية وبحسب النتائج التي توصلنا اليها من ذلك يمكننا قول مايلي.

في هذا الاطار توقف المفكر عبدالله أوج آلان على الكثير من المصطلحات. فضمن تغير البراديغما تم تقيم الإطار النظري من جديد. لاشك أنه من الناحية الفلسفية في نظام التفكير, قام بتغيير براديغمي. كذلك حقق تغيرات مهمة وجذرية في الخط الأيديولوجي-السياسي, لكن من أجل إحداث مثل هكذا تغيير, قام بتعريف المصطلحات من جديد، خاصة في كتابه الأخير “المسألة الكردية والأمة الديمقراطية” من أجل فهم صحيح وشامل للمسألة الكردية. في الواقع من أجل إيجاد طرق وحلول قابلة للتطبيق، لابد من تعريف بعض المصطلحات من جديد واستخدامها كضرورة لتجسيدها على ارض الواقع.

يقول المفكر عبدالله أوج آلان: “إن حدوث التغيير في البراديغما, يدل على أن الإيديولوجيا تعيش حالة أزمة”. وأساساً فإن تغير اسم الحزب PKK هو نفسه تعبير عن الأزمة الإيديولوجية المعاشة. هناك حزب مجهز بإيديولوجية الدولة القومية، على هذا الأساس جميع الشعب منظم في خط فدائي وبطليعة المرأة والشبيبة محتشدة في نضال بطولي. إن النضال الذي طورتها الشعوب في جميع أرجاء العالم (آسيا، افريقيا، أمريكا، اوربا , شرق اوربا) رغم أنهم من حيث المدة والعنف والمضمون أقل بكثير من النضال في كردستان، فقد تمكنوا من الوصول إلى الغايات والأهداف التي أرادوها, لكن في كردستان لم تتحقق هذه النتيجة.

إن النضال الذي خاضه PKK من إجل حل المسألة الكردية بعقلية الدولة (الدولة القومية )وسبلها والتي حققت النتائج في كل أنحاء العالم, لم تنجح للوصول إلى النتيجة المرجوة في كردستان. طبعاً، لما قام المفكر عبدالله أوج آلان بتحليل هذه النتائج، رأى بأنها في الحقيقة لا تشكل الحل. إن النضال الذي تم في سبيل الاستقلال والحرية, بالرغم أنهم استطاعوا الوصول إلى السلطة والدولة، لكنهم لم يصبحوا أحراراً ولا نالوا الإستقلال، ولم يأتوا بديمقراطية، وكدولٍ قومية تمت إضافتهم إلى حلقة النظام المهيمن الرأسمالي العلموي.

بالأساس فإن الحل المطروح من قبل التيار الثوري في القرن العشرين, لم يكون حلاً ملائماً. ففي كردستان لم يحقق النتيجة المرجوة التي تحققت في أماكن أخرى من العالم. لذلك يمكن القول أنه أثناء ظهور PKK عرف نفسه كحركة تحررية وطنية راديكالية, حيث خاض نضالاً على نهج الدولة القومية. على هذا الأساس فإن المفكر عبدالله أوج آلان انتقد النضالات التي كانت موجودة من قبل, فحمل مسؤولية عدم تحقيق استقلال وحرية كردستان على نواقص تلك الحركات المقاومة، وجوانبهم الضعيفة. ومن أجل اجتياز تلك الأخطاء والنواقص قام بتطوير النضال. وبرغم ذلك حيث انه قام باجتياز النواقص التي كانت تعاني منها تلك الحركات, لكن بنفس الوقت لم ينجوPKK من نفس النتيجة التي منيت بها تلك الحركات.

إذا دققنا النظر، فإن ما حصل لم يكن بسبب عدم القتال أو عدم تقديم كل ما يتطلبه النضال, ففي الواقع قام حزب العمال الكردستاني بتلافي جميع المواقف التي كانت مخالفة للمعايير العالمية وبتلافي النواقص من كل نواحي النظام الفكري والنتظيم والعمل، رغم ذلك كانت النتيجة عدم تحقيق الحل, هذا ما معناه أن المشكلة لا تكمن هنا، إنما في مكان آخر. منبع المشكلة ليست في تدني مستوى النضال أو عدمه , إنما كانت توجد مشكلة في النظام الفكري وفي الهدف وفي الإسلوب؛ لذا لم يكن ممكناً الوصول إلى الحل المرجو. هذا يعني بانه في تلك المرحلة بالرغم من وجود نهج فلسفي وتعمق فكري وتحاليل نظرية ووجود خط ايديولوجي-سياسي ووضع خطط استراتيجية وتكتيكية وسبل تطبيقها, فد تمكنت من التعريف بما يسمى ” بالمسألة الكردية” , ولكنها لم تحقق الحل. هذا مفاده بأنه كانت توجد أخطاء ونواقص في البنية الفكرية وفي الخط التنظيمي والعملي, فمهما بذلت جهود ومهما كان مستوى النضال، فإن لم تصحح هذه النقاط فلايمكن الوصول إلى النتيجة المرجوة.

إذاً أين تكمن الأخطاء والنواقص؟ أين مكمن الغلط؟ اين وكيف يجب تصحيحها؟ ففي أواسط التسعينيات وأواخرالقرن الفائت, فإن المفكر عبدالله أوج آلان وحزبه صبوا جل إهتمامهم في المسائل التي كانت تزداد ثقلاً يوما بعد آخر. فمن أجل تجاوزها, من جهة كان في بحث فكري ومن جهة أخرى كان يقدم الإمدادات للقوى المناضلة، أرادوا تجاوز النواقص الموجودة, ولكن مع ذلك لم تتغير النتيجة. إن عدم الوصول إلى حل للمشاكل الموجودة، ترك الحركة وجهاً لوجه أمام الهجوم المسمى بـ “المؤامرة الدولية”. لهذا السبب لم يتم رؤية المؤامرة الدولية بهذا المستوى من قبل ولم يتم متابعتها. إن ذلك لم يكن بسبب عدم كفاية المقاومة, ولكن بسبب الأخطاء وأوجه القصور في مضمونها. في هذه الحالة ومن أجل إفشالها وتحقيق الحل للمسألة الكردية لابد من تجاوزهذه النواقص التي كانت تحتويها. لذلك وضع المفكر عبدالله أوج آلان ما سماها “الأزمة الايديولوجية” على جدول الأعمال. في هذا الصدد، ظهر السعي والنقاش والتقييم والنضال الفكري والذي أطلقنا عليه “تغيير البراديغما” ظهرت مرحلة تحول تغيير جذري, وهكذا تم العثور على الحل من خلال تغيير النموذج.

 

يرى المفكر عبدالله أوج آلان أن عدم إيجادالحلول للمشاكل نابع من البراديغما

 

إن النضال الذي خاضهPKK لم يتمكن من حل المسألة الكردية، ومعها جميع المسائل التي أنتجها النظام السلطوي-الدولتي، كذلك وعلى نفس الشاكلة وعلى رأسها مسألة حرية المرأة وغيرها من المسائل كونها لم تحقق الحل, يقف وراءها النهج البراديغمي, والتي رآها المفكر عبدالله أوج آلان وحللها. يرى المفكر عبدالله أوج آلان أن عدم وصول تيارات الحرية إلى الانتصار، مهما نجحوا في المجال السياسي-العسكري, فإن عدم ديمومتهم لفترة طويلة سببها البراديغمي. ومن أجل تحقيق الحل, رأى ضرورة تغيير البراديغما. يمكن اجتياز جميع المؤثرات التي تقف أمام حل المسائل عن طريق التغير البراديغما. وهكذا يمكن لجميع تيارات الحرية الوصول إلى النجاح والديمومة. على هذا الأساس قام بتعريف تغيير البراديغما وبذلك حقق ثورة ذهنية جذرية وحقق تغييراً جذري في العلوم الاجتماعية مفاده أنه ببراديغما سلطوية-دولتية لايمكن تأسيس مجتمع ديمقراطي ولاحياة حرة، ولهذا قيم بأنه يتطلب أداة جديدة ولذلك قام بتعريف الديمقراطية التي هي براديغما ونظرية جديدة تعتمد على الإيكولوجيا وحرية المرأة , حيث قام بتعريف براديغما المجتمع الديمقراطي وطورها.

أثناء تحقيق هذه الأمور قام بتعريف المصطلحات من جديد، حيث أن التغيير الذهني الذي عاشه عبدالله أوج آلان له دور مهم في ذلك. لذا نحتاج إلى التذكير دائماً بأن هدفنا هنا ليس لمعرفة كيف كانت البراديغما القديمة؟ أو كيف تم تغيير البراديغما؟ وماهو إطار البراديغما الجديدة؟ وماهو محتواها؟ ليست غايتنا توضيح ذلك. إنما هدفنا هو لفت الإنتباه كيف أن تقييم الإطار الإصطلاحي والنظري يلعب دوراً مهماً في تغيير البراديغما.

لو أردنا توضيح أهمية الإطار الإصطلاحي والنظري. فإن المفكر عبدالله أوج آلان يوضح ذلك بما يلي: “أن التقييم الجديد للإطار الإصطلاحي مهم للغاية من أجل تحقيق التغيير البراديغمائي” , ويقول: ” إن مصطلح الحل الديمقراطي هو مفتاح التغير البراديغمائي”. الأساس هنا ليس الحل، إنما هي الديمقراطية. الحل هو مفهوم معروف لايتغير كثيراً، ولكن من أجل التحرر من التناقضات يتوجب تحويلها إلى شيء جديد، والأهم في ذلك هو تحقيقها بأساليب ديمقراطية, هنا مفتاح المصطلح هو ’الديمقراطية‘. لذلك قام بتعريف الديمقراطية من جديد. في زمننا المعاصر قامت القوى المهيمنة بنهجهم الإيديولوجي بتشويه مفهوم الديمقراطية. قاموا بتعريف الديمقراطية وكأنها شكل من أشكال الدولة والسلطة, إلى درجة بات تعرف بأنها أسلوب إدارة نظام الدولة وبما أن الدولة تقود إلى السلطة لا محال, فإن السلطويين والدولة سيطروا على الديمقراطية. لكن بحسب التعريف الحقيقي والمسار التاريخي لها فإن الديمقراطية هي إدارة الشعب نفسه بنفسه. عرّف عبدالله أوج آلان الديمقراطية على أنها ” شكل إدارة المجتمعات التي لم تتعرف على الدولة والسلطة، نفسها بنفسها ” هكذا قام بتعريفها من جديد. الصحيح والواقعي هو على الشكل التالي؛ عندما يقوم النظام السلطوي-الدولتي بفرض سيطرته على المجتمع، فإن المصطلح الذي يتلاعب به هو “إدارة المجتمع لنفسه”, من هنا يأتي التلاعب بالديمقراطية. قام عبدالله أوج آلان اولاً بتوضيح وتصحيح تاريخ ظهورها والتشويه الذي تعرضت لها, حيث حررالديمقراطية من احتكار وهيمنة الدولة والسلطة. وعرّف الديمقراطية كإدارة المجتمع بمعناها الصحيح والواقعي. وأفاد بأنها “ليست إدراة الدولة وإنما إدارة المجتمع”. إن هذا التعريف للديمقراطية جعل من التغيير البراديغمائي خطوة مهمة. كما أوضحنا هذا يعني إن نظام الدولة والسلطة ومن أجل استمرار هيمنتهم بسهولة ولفترة طويلة, يقومون بممارسة إجراءاتهم على الإطار الإصطلاحي والنظري والذهنية وقوة التفكير، لذا يتوجب أن يتم النضال في هذا المجال وإجراء التصحيح هنا.

 

لن تتحقق الإشتراكية بوسائل الدولة والسلطة

 

كذلك يمكن قول نفس الشيء من أجل حقيقة الاشتراكية. حيث قام المنظِّر عبدالله أوج آلان بتحقيق تصحيح في هذا المجال أيضاً. فمثلما قام بإنقاذ الديمقراطية من احتكار الدولة والسلطة، كذلك أنقذ الاشتراكية منهما. لايمكن أن يكون هناك اشتراكية الدولة. يرى أوج آلان بأن الاشتراكية لا يمكن أن تتحقق بوسائل الدولة والسلطة. وأخيراً إن عدم حماية الاشتراكية المشيّدة وجميع تيارات الحرية على مر التاريخ مكاسبهم, هو عدم قيامهم باستخدام وتطوير وسائل مناسبة لاهدافهم ومبادئهم وتخدمهما, وهذا ما أدى إلى انحلالها وعدم نجاح هذه التيارات، حيث قام القائد بإثبات صحة ذلك, بهذا الشكل طور الحل. تم إنقاذ الاشتراكية من احتكار الدولة والسلطة. وضع الاشتراكية مع الديمقراطية، تحقيق مبادئ الاشتراكية عن طريق الديمقرطية، هذا التقيم أوصله إلى فكر جديد “الاشتراكية الديمقراطية” قيمها إيديولوجياً. بهذا وصل إلى ذهنية جديدة وضع نهجاً لبراديغما جديدة وخلق تسلسلاً جديداً للقيم, وهذه تعتبر بحد ذاتها براديغما.

بأي شيء نهتم ونعطيه قيمة، أي كيف نقوم بوضع القيم والمبادئ في تسلسل؟ هذه تعني براديغما. قام أوج آلان باجتياز الخط والذهنية التي تنظر لكل شي بحسب عين الدولة والسلطة وأظهر اخطائها بشكل واضح. وأكد بأنه لايمكن وضع حل معها. بالعكس, فقد أظهر بوضوح بأن الحل ممكن عن طريق الديمقراطية التي تطور وجود المجتمع الحر. فمن طرف قام بتعريف نهج فكري جديد, ومن طرف آخر وضع طريق واسلوب تطبيق هذا النهج. قام بتعريف براديغما المجتمع الديمقراطي الذي يعتمد على الإيكولوجيا وحرية المرأة. أراد إيجاد الحل للمسائل الملحة وعلى رأسها المسألة الكردية التي تعتبر من أكثر المسائل المعقدة, وكذلك مسألة حرية المرأة التي تعتبرمسألة تاريخية وجذرية، وغيرها من المسائل الإجتماعية التي أفرزها نظام الدولة والسلطة ونظام الحداثة الراسمالية, حيث وضع نمط الحل الذي يحل كل هذه المسائل, سواءً كمناهج فكرية وذهنية وخط ايديولوجي أو من حيث أنماط سياسية قابلة للتطبيق.

إن مصطلحات مثل “الكونفدرالية الديمقراطية” و”الإدارة الذاتية الديمقراطية”، صارت إطروحات مفهومة ومتجسدة من أجل الحل الديمقراطي. بهذا الشكل فتح المجال أمام نجاح تيارات الحرية وإمكانية الحفاظ على مكتسباتهم. كذلك فإنها أدت إلى كسر هيمنة وسيطرة تحكم الدولة والسلطة التي تدعي إن ’الحرية والديمقراطية والاشتراكية اليسارية‘, حكر لها. وكانت تلك قفزة فكرية نوعية, وبذلك تم تشكيل علم اجتماعي جديد. فبدلاً من العلوم الاجتماعية التي تعتمد على تحكم الدولة المطلق والتي تعتمد على قوة الدولة من المصطلحات او التي تقف ضدها من موقف االمادية الفظة والتي تقسم المجتمع إلى طبقات بشكل صارم وضيق؛ قام بتعريف المجتمع على أساس المجتمع السياسي والأخلاقي. إن النوع الإنساني هو كيان اجتماعي، بمعنى أنه يعيش بشكل جماعي, وإن المجتمع لا يتحقق بالتجمع مع بعضهم، إن وجودهم إلى جانب البعض لها أسس أخلاقية وسياسية. بالتالي اعتمد في تحليلاته للمجتمع على السياسة والأخلاق. لايمكن تحليل المجتمع بشكل صحيح وشامل بالمصطلحات الميتافيزيقيا أو على أساس المادية الفظة والمادية الموضوعانية، وبالتالي لايمكن تحقيق نتائج صحيحة.

يتواجد المجتمع بشكل سياسي وأخلاقي، فبمقدار فهم وتحليل المجتمع على أساس سياسي وأخلاقي, فسيتم التوجه نحو الحل الصحيح. هذا التعريف أدى إلى تحليل اجتماعي جديد للمجتمع. بالتالي إن التغيير البراديغمائي أدى إلى إنشاء علم اجتماع جديد. هذا التغيير أعاد قراءة جديدة لبعض المصطلحات الإنتقائية وأعاد لها معانيها الحقيقية, وهذا ما أحدث تغييراً ذهنياً في البنى الفكرية والإصطلاحية،  وسّمى المفكر عبدالله أوج آلان نظريته هذه بـ ” الحداثة الديمقراطية”.

 

 

 

 

عن الشرق الأوسط الديمقراطي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

شريعة حمو رابي

 جاسم العبيد أقام انسان بلاد ما بين النهرين المدن المتحضرة والدول القوية ...