الرئيسية / مقالات / المرأةُ في الشرقِ الأوسط .. الأكثرُ إبادة

المرأةُ في الشرقِ الأوسط .. الأكثرُ إبادة

/سوزان علي

تعرّضت منطقةُ الشرق الأوسط للكثير من الممارسات التي كانت نتيجة سياسات الأنظمة الحاكمة على المنطقة والتي سعت لفرض هيمنتها على المجتمع وتحقيق مصالحها. ونظراً لغنى الشرق الأوسط بالخيرات وعلى وجه الخصوص منطقة ميزوبوتاميا؛ أصبحت محطّ أنظار من الأطراف كافة الإقليمية والدولية وانتهاج سياسات عدة عليها منها الحرب الخاصة والغزو الفكري لامتلاك زمام أمورها وتسهيل فرض السيطرة عليها، ومن جهة أخرى الحروب والهجمات العسكرية من خلال الاحتلال المباشر وارتكاب المجازر والإبادة بحق الشعوب بشكل عام والمرأة بشكل خاص؛ ولأن المرأة أساس الحياة وعماد المجتمع الشرق أوسطي كانت الإبادة موجهة إليها بشكل خاص.

شغلتِ المرأةُ الشرق أوسطية مكانة هامة في المجتمع على مرّ العصور، بل أدارت المجتمع على مدى قرون من الزمن، ووصلت إلى درجة القداسة لدورها الهام آنذاك، فهي من اكتشفتِ الزراعة وصادقت الأرض والطبيعة وعملت في التداوي بالأعشاب، إضافة إلى إدارة المشاريع الاقتصادية والتوزيع العادل للمحاصيل على أفراد الكلانات التي كانت تديرها والسعي الدائم لبثّ الروح الجماعية بين الأفراد؛ ناهيك عن قيامها بالحماية من خلال حماية صغارها في المغاور من مخاطر الطبيعة مثل الرعد والبرق وكثافة الأمءطار أو الحرّ الشديد أو البرد، وكذلك حماية أفراد الكلان من الهجمات المباغتة عليها من الوحوش المفترسة والحيوانات الضارية، فكانت الأم والإدارية والمربية والحامية، وامتدت إدارتها للمجتمع ردهاً من الزمن إلى أن ظهرت السلطة مع المجتمع الهرمي والذي ابتدأ من سومر، ومن خلاله أصبحت المرأة أول مستعمرة في التاريخ كما أشاد بذلك قائد الشعب الكردي عبد الله أوجلان.

شكلت سومرُ الخططَ والمؤامراتِ الأولى للهجوم على المرأة من خلال الرُهبان الذين حولوا الزيغورات (الزقورات) إلى دولة وقسموا المجتمع إلى طبقات بين سيد وعبد، غني وفقير، وعابد ومعبود، ومنح للمرأة الطابق السفلي من الزيغورات مع طبقة الفقراء والعمال والفلاحين لتنزلَ دركاتٍ إلى الأسفل بعد أن كانت في مرتبة الألوهية، تقدس؛ كونها الأمّ التي تنجب الأطفال وتقوم بحمايتهم وتدير أمور المجتمع وتكون على دراية بأمور الطبيعة ومعرفة الفصول وفصل الأعشاب عن بعضها وغيرها من الأمور التي تعتبر هامة في حياة الأفراد.

ومن سومر انطلقت الهجماتُ الأولى عليها، إلا أن هذه الهجماتِ والممارسات لم تقف عنده، بل وجاءت الأنظمة الأخرى الممتدة لسومر في الفكر والذهنية وأكملت دربه في ممارسة السياسة عينها على المرأة وجعلها الهدف والعدو الأول لهم، ومن بينهم النظام الرأسمالي الذي مارسَ معها سياسة مغايرة للأديان والنظام الإقطاعي، ففي الوقت الذي مارست فيها الأديان سياسة الانغلاق على المرأة ومنحها الدرجة الثانية بعد الرجل وتقييد حريتها في الملبس والعمل والزواج، سعى النظام الرأسمالي إلى الانحطاط من مكانتها تحت مسمى “الحرية”، وجعلها أداة رخيصة وسلعة تباع وتشترى بملء إرادتها ورضاها، وبالتالي ابتعادها عن قداستها وجوهرها.

إنّ توالي الأنظمة الاستبدادية على المجتمع الشرق الأوسطي؛ حطّ من مكانة المرأة والحد من منجزاتها واقتصار دورها على إنجاب الأطفال وتربيتهم فقط من خلال غسل الأدمغة وتخديرها وتلوث العقول في تجزئة المجتمع إلى طبقات والفصل بين الأجناس البشرية ولا سيما بين المرأة والرجل وخلق العداوة بينهما بالرغم من إتمام أحدهما للآخر في العائلة والمجتمع على حدّ سواء، ووقع كلاهما ضحية لتلك الممارسات، ففي الوقت الذي غدت المرأة ضحية ينتهك حقوقها، تحول الرجل أيضاً إلى عبد تابع لتلك السياسات دون أن يدري. وغدت ثقافة الإبادة ضد المرأة متفشية في الشرق الأوسط ولا سيما القتل، فالمرأة الرافضة للعادات تقتل، المرأة المناضلة تقتل، المرأة المخطئة تقتل، وإن شاركها الرجل هذه الخطيئة إلا أنها تقتل ويعيش هو، وبدت تلك الممارسات بمثابة قانون سائد ينص على: “المرأة إما تقبل أو تقتل”. وبهذا؛ تفاقمت قضية المرأة وباتت تحتاج إلى حلّ.

إن القتلَ بات مشروعاً بحق المرأة من قبل الأنظمة الحاكمة في الشرق الأوسط؛ ولا سيما النساء اللاتي سعين وراء استرداد حريتهن وأدركن مدى خطورة هذه الممارسات عليها، ومن هذه الأنظمة النظام التركي الذي أجحف بحق المرأة كثيراً من خلال إصدار قوانين تناهض حرية المرأة وتحط من شأنها وتزيد الاستبداد والعنف عليها، ومن هذه القوانين تزويج الفتاة المغتصبة من مغتصبها، وعدّ ذلك أمراً طبيعياً دون النظر إلى الحالة النفسية التي تعيشها الفتاة المغتصبة بعد تعرضها للاغتصاب وكيفية العيش مع جلادها تحت سقف واحد، وكذلك اللجوء إلى اعتقال المناضلات ممن ناهضن ذهنيته الدولتية وتعذيبهن، ولا سيما مناضلات حركة التحرر الكردستانية اللاتي تصدين لممارساته وطالبن بحرية المرأة وخلاص شعوبهن وشعوب المنطقة من براثن ممارساته، فقام النظام التركي بقتل العديد من المناضلات وأسر الكثيرات منهن وزجهن في السجون والمعتقلات التركية، وممارسة أشد أنواع التعذيبين النفسي والجسدي عليهن ومنهن المناضلات الثلاثة ساكينة جانسيز وفيدان دوغان وليلى شايلمز اللواتي استهدفن من قبل حكومة العدالة والتنمية في باريس، كما وقام النظام البعثي في العراق بقتل المناضلة ليلى قاسم وتعذيبها في السجون ومن ثم إعدامها لأنها كانت متمسكة بقوميتها، أما في روجهلات (شرق) كردستان فاُنتهكت حقوق المرأة وفُرضت قوانينُ جائرة عليها من قبل الحكومة الإيرانية دون أن يكون لديها حق القبول أو الرفض بدءاً من فرض النقاب والحجاب عليها، ومروراً بزواجها وهي قاصر؛ ناهيك عن ممارسة أشكال العنف كافة عليها، وفي شنكال تعرض الإيزيديون لأكثر من سبعين فرمان وفي هذه الفرمانات كانت المرأة هي المستهدفة، حيث سُبيت وبيعت في أسواق الرقة من قبل مرتزقة داعش عندما هاجم قضاء شنكال وتزويجهن لأمراء داعش وأعضائها وكذلك إرغامهن على اعتناق الدين الإسلامي، كما وأيدت الحكومة العراقية لزواج القاصرات وشرعته عبر إصدارها قانوناً يشرع ذلك وكذلك الأمر بالنسبة لسائر دول الشرق الأوسط مثل السعودية واليمن وسوريا، كما وطبقت سياسة الإبادة على المرأة من خلال قتلها في مؤسسة العائلة بدواعي الشرف؛ وذلك تبعاً للسياسة عينها في إبادة المرأة والقضاء على جنسها.

ومن الانتهاكات المُرتكبة بحقها أيضاً رضوخها للعادات والتقاليد التي فرضت عليها دون استطاعتها على ردها، فترضى بها دون إرادتها وتسعى إلى التأقلم معها حتى الممات وترثها في الرضوخ بناتها وأحفادها وهكذا دواليك ومن تلك العادات زواج الحيار الذي تعجز المرأة عن رفض قرار كهذا اتخذ بحقها، فالعائلة والمجتمع برمته يعاديها في حال الرفض؛ ذلك أن من يحيرها هو ابن عمها ليس سواه، وهو ما لا يتم النقاش فيه البتة، وترضخ المرأة لمثل هذا الزواج دون حول منها أو قوة، وكذلك زواج البدل، وهي مبادلة المرأة بامرأة أخرى لأخيها وفي هذه الحالة أيضاً تضطر المرأة إلى القبول مرغمة، إلا أن هذه العادات قد قضيت عليها في بعض المجتمعات مثل المجتمع الكردي، إلا أن بعض المجتمعات الأخرى فلا زالت المرأة فيها تعاني من هذه القضية مثل بعض المجتمعات العربية التي لا زالت تحتفظ بالنظام العشائري القبلي، وتعاني فيه المرأة من القمع والإذلال والإرغام على الزواج وإنجاب الكثير من الأطفال لزيادة نسل العائلة فقط وزواج زوجها من أكثر من امرأة.

إن الإبادة الممارسة على المرأة لا تقتصر على الإبادة الجسدية وحسب، وإنما تشمل الممارسات المجحفة بحقها كافة من اغتصابها وتعنيفها في المنزل وضربها وشتمها والنظرة الدونية لها والنظر إليها على أنها ضعيفة وبحاجة إلى من يساندها دائماً، وكذلك منعها من التعليم في الكثير من المجتمعات أو إرغامها على دراسة الفروع التي ترغب في خوضها، ومن أكثر الممارسات التي طبقت على المرأة في المجتمع هي إبعادها عن كل من السياسة والاقتصاد وجعلهما حكراً على الرجل فقط، ناهيك عن تحريفهما وإخراجهما عن مفهومهما الصحيح، فربطوا السياسة بالمراوغة والخداع، في حين ربطوا الاقتصاد بالربح والمنفعة ورأس المال فقط، فلا يحق للمرأة أن تكون سياسية أو أن تتحدث في شؤونها أو تدير البلاد في المحافل والمؤتمرات، كما ولا يجوز لها أن تدير مشروعاً وتعود بالمنفعة على ذاتها ومحيطها، وفي الحقيقة إن السياسة والاقتصاد كانتا من أعمال المرأة في المجتمع الطبيعي، فالمرأة كانت سياسية ناجحة في إدارة أمور المجتمع من خلال التوفيق بين الأفراد وكيفية التعامل مع الآخرين وكيفية تدبير شؤون المجتمع بحنكتها ودرايتها، كما وتدير المشاريع وتدخر فائض الإنتاج للسنوات المقبلة، إضافة إلى ادخار المؤونة والاستفادة من خيرات الطبيعة.

إنّ اتباع سياسة الإبادة بحق المرأة إنما لأن المرأة هي الحياة، بل هي نبضاتها وهي تربي وتعلم الأجيال، فهي مدرسة تخرج الآلاف من الأجيال، وهي العصبُ الحساس في المجتمع، تديره بوعيها وحنكتها ودرايتها وروحها المرحة. ولهذا؛ فالحدّ من إرادة المرأة هو الحدّ من إرادة المجتمع وتقليص دوره وممارسة سياستها عليها بيسر دون أن يستطيع المجتمع النضال والمحافظة على هويته وبالتالي الاستيلاء عليه، وكمثال على قدرة الأنظمة الاستبدادية التحكم بالمجتمع عن طريق المرأة؛ في المنزل مثلاً؛ إذا استطاعت الأم غرسَ القيم في شخصية أطفالها وتمكنت من تربيتهم وإدارة أمورهم، علاوة على كيفية إدارة المنزل وغرس المودة بين أفرادها؛ حينذاك تكون العائلة مترابطة ويصعب تفككها وستتصدى للعقبات وتصمد أمامها مهما كانت شدتها، وينطبق الأمر ذاته على نطاق أوسع خارج إطار العائلة على مستوى المجتمع ككل. فالقوة الكامنة لدى المرأة جعلتها محط أنظار وكونها الأساس في الحياة كانت الهجمات عليها مكثفة أكثر من الرجل؛ لأن القدرة على التحكم بالمرأة يُسهّل التحكم بالمجتمع وبالتالي فرض الهيمنة وتحقيق المصالح وممارسة الطغيان بحق الشعوب وفق تلك السياسة.

لم تقف المرأة في الشرق الأوسط مكتوفة الأيدي وخائرة القوى أمام هذه الممارسات، بل ناضلت لكسر الذهنية الدولتية الرامية لإبادتها، وأضحت نساءُ حركة التحرر الكردستانية مثالاً للمرأة المناضلة في الشرق الأوسط على مدار أربعين عاماً من النضال في جبال كردستان وتشكيل قوة خاصة بها وقيادة الحملات وتسلحن بالفكر الحرّ بعد أن انتهجن بمبادئ تحرر المرأة والاقتداء بفكر القائد عبد الله أوجلان في ارتباط حرية المجتمع بحرية المرأة، فالمرأة إن لم تتحرر، لن يتحرر المجتمع، وعلى خطاهن سارت النساء في الشمال السوري من خلال الانضمام لوحدات حماية المرأة والتصدي للأنظمة الاستبدادية وسياساتها وكذلك التصدي للمرتزقة وفي مقدمتهم مرتزقة داعش الذي عادى المرأة لدرجة كبيرة وجعلها عورة ومُلكاً له وفرضَ النقاب عليها ومنعها من الخروج من المنزل إلا بوجود محرم معها وممارسة أنواع العذاب عليها كافة، كما وقامت المرأة في شنكال بتدريب ذاتها وتنظيم أعمالها وتوحيد صفها في وحدات حماية شنكال ـ المرأة والانتقام للنساء الإيزيديات المختطفات من قبل داعش، فانضمت إلى حملة تحرير الرقة واستطعن تخليص العديد من النساء من براثن المرتزقة هناك وتحريرهن، واقتدت بهن المرأة في الشرق الأوسط بعد أن أدركت أن طريقَ الخلاص يكمن في النضال والمقاومة وأن تاريخ المرأة الحافل بالمنجزات قد زوّر وحُرّف، فسعين اليوم إلى تصويب التاريخ واسترداد جوهر المرأة الحرّ، ولم تكتف المرأة بسلك الناحية العسكرية لمناهضة الإبادة، وإنما حملت القلم لغرس الفكر الحرّ في نفوس الأجيال وتغيير الذهنية السلطوية الممارسة على المجتمع والمرأة على حد سواء بالفكر الديمقراطي الحر، فانضممن إلى الإعلام الحر وارتأين سلك نهج الحقيقة في محاربة سياسة الإبادة بحق المرأة وإعادة المرأة إلى طبيعتها وجوهرها ورفع الظلم عنها وعن المجتمع أيضاً وترسيخ ثقافة الحياة الندية في المجتمع؛ لتغدو سائدة اليوم تطبق على أرض الواقع وإن كان بشكل تدريجي. فالحماية تتيح للمرأة باتخاذ التدابير الكافية للحد من الإبادات ضدها ووقف العنف الممارس عليها وكيفية استرداد جوهرها الطبيعي، وأن تبني المجتمع السياسي والأخلاقي تكون المرأة فيه حرة وتتمتع العائلة بالاستقلالية تسودها الحياة الندية.

وعلاوة على تسلح المرأة بالحماية، ينبغي على المرأة التسلح بالثقافة والعودة إلى اللغة الأمّ ومعرفة تاريخها الحافل بالمنجزات على مرّ التاريخ والتكاتف والتعاضد معاً ضدّ من يعادي جنسها، وكذلك الشغف بالوطن والتمسك به والعودة إلى التراث الأصيل والاقتداء بالنساء المناضلات عبر التاريخ ممن تصدين لذهنية الأنظمة الاستبدادية وممارساتها ومن ناضلن لنيل حريتهن وتمردن على البالي من العادات ومن قدمن أرواحهن في سبيل مبادئهن وأصبحن نبراساً يضئن الدروب المعتمة لتستطيع النساء الأخريات العبور من خلالها، فالمرأة التي تقلد ثقافة غير ثقافة شعبها تصبح هشة الفكر وسهلة الوقوع فريسة للآخرين ويسهل التحكم بها، وبالتالي التحكم بجيل كامل من خلال نسلها وسلالتها.

كما وباستطاعة المرأة التصدي للإبادة من خلال الوعي الفكري ويتم ذلك من خلال تلقي التدريبات الأيديولوجية والسياسية والتعرف على ثقافة العدو ومخططاته والحيلولة دون الوقوع في فخاخ سياسته ومنها الحرب الخاصة أو الباردة والتي من خلالها يسعون إلى النيل من الشعوب دون اجتياز الحدود والتدخل العسكري، فالاحتلال الفكري أو الغزو الفكري أصعب أنواع الاحتلال، وينبغي على المرأة أخذ الحيطة والحذر من الوقوع في هذا الفخ أو الانجرار وراء سياستها المرنة الجاذبة دون إدراك وفهم ذلك، فالحرب الخاصة تقصد بتر المجتمع من جذوره باستهداف المرأة والشبيبة فيه؛ كونهما الأساس الذي تقع على عاتقهما مسؤولية المجتمع والنهوض به.

إن الإبادة الممارسة على المرأة إحدى أساليب الأنظمة الاستبدادية الحاكمة في الشرق الأوسط لإضعاف منطقة الشرق الأوسط والاستيلاء على خيراتها وتسهيل التحكم بها وذلك عن طريق المرأة؛ لأن المرأة أساس المجتمع وهي الأم والوطن..

 

عن الشرق الأوسط الديمقراطي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الإعلام ما بين التضليل وتوعية الجمهور:

محمد عمر/ التضليل الإعلامي أو الإعلام الأسود ظاهرة منتشرة على المستوى العالمي ...