الرئيسية / مقالات / المجتمع: إمّا خصمٌ للإبادة أو فريستها

المجتمع: إمّا خصمٌ للإبادة أو فريستها

/سيهانوك ديبو

الإبادةُ في التاريخ بدأت حينما حلّتِ الحضارةُ المدينية محلَّ الحضارة الديمقراطية. وظهرَت من خلال هذا الحلولِ الطارئ مفاهيمَ حياتية وأشكالَ مستجدة تم الأخذُ بها عوضاً عن المعمول به في السابق.

وفي ذلك فإنّ بعضَ المسميّات بقيت كما هي؛ لكن من بعد إفراغها من مضمونها أو مضامينها، فبدأت تنحو محلّات باتت في قطيعة مع التي أنهتها أو أبادتها. يُرَجّح في أن يكون ظهور الدولة وتكريس الطبقات وتقسيم المجتمع إلى تراتبيات عليا ودنيا بأنها هدف الإبادة الأساسي، سيّما إذا ما أدركنا بأنه ترافق مع ظهور الدولة تقديسٌ مطلق لها؛ وباتت الشفوية السياسية والمكتوبة منها تشي بأنّ الدولةَ هي الشمسُ ؛ أمّا الشعبُ أو المجتمع هو النجوم؛ ومجرّد ظهور الشمس تختفي النجوم. وبالأساس لا يمكن الحديثُ عن مجتمع بمعنى مجتمع في وجود الدولة. الدولة التي بات يُنظر إليها بأنها الإله الهابط من السماء كما يقول هيغل حيال ذلك. لا بدّ من حدوث الإبادات المختلفة المترافقة مع ظهور الدولة كظاهرة فرعية علوية لحقت ظاهرة الشعب أو الجماعات والأفراد التي تسبقها بردح من الزمن. ولا غرابةَ بأن يكون كذلك أبرزُ القواسم المشتركة ما بين الخصوم وحتى الأعداء؛ على مختلف أيديولوجياتهم، تبدو في تمسكهم الحثيث ببقاء الدولة، وأن من خلالها -أي الدولة- تتحقق مسائلُ السيادة والاستقلال والتقدم والتوسعة/ الاحتلالات. لذا نجد بأن السلطويين –على مختلف مشاربهم- يحرصون أن يكونَ الجيشُ والمالية والدبلوماسية في معرض مركزية الحكم؛ لأنها بشديد الاختصار أساسية لبقاء الدولة. أي أن آباءَ وأمّهات واقعة الإبادات الجماعية التي تعرضت لها الحضارة الديمقراطية موغلة في التاريخ؛ لكن ظهور المصطلح (الإبادة الجماعية) لم يمرّ عليه سوى سبعون عاماً بالتمام والكمال، ومرّ بمرحلتين؛ الأولى النشوء والفكرة والصياغة من العام 1944 حتى العام 1948 حينما تم الاقرارُ به بشكل رسمي. ولِما رآه رافائيل ليمكين (1900-1959) المحامي البولندي اليهودي من مجازر ألمانية نازية بحق اليهود في بولندا إلى المسعى في وضع وصف للسياسات النازية للقتل المنظم والممنهج الذي لاقاه اليهود في أوربا إبانَ الحرب العالمية الثانية. وأنّ ليمكين قد جمع في  مصطلح “الإبادة الجماعية” (genocide) ما بين كلمة (geno) اليونانية والتي تعني العشيرة أو القبيلة والسلالة أو العرق، مع كلمة (cide) اللاتينية التي تعني القتل أو الإنهاء. وإليه يعود صياغة هذا المصطلح الجديد واستعماله للمرة الأولى في التاريخ. وفي 9 ديسمبر كانون الأول 1948 أقرت الأممُ المتحدة اتفاقيةً تقضي بمنع جرائم الإبادة الجماعية ومعاقبة مرتكبيها واعتبرت هذه الاتفاقية (الجينوسايد) بمثابة جريمة دولية تتعهد الدول الموقعة عليها (بمنعها والمعاقبة عليها). ووفق أدبيات الأمم المتحدة التي تشكلت بدورها بعد الحرب العالمية الثانية منهيّة في ذلك ما عُرِفَتْ سابقاً بعصبة الأمم بأنّ الإبادةَ الجماعية تُعرف على أنها ارتكابُ أي عمل من الأعمال الآتية بقصد الإبادة الكلية أو الجزئية، لجماعة ما؛ على أساس القومية أو العرق أو الجنس أو الدين، مثل: قتل أعضاء الجماعة وإلحاق الأذى الجسدي أو النفسي الخطير بأعضاء الجماعة، وإلحاق الأضرار بالأوضاع المعيشية للجماعة بشكل متعمد بهدف التدمير الفعلي للجماعة كليًا أو جزئيًا، وفرض إجراءات تهدف إلى منع المواليد داخل الجماعة، ونقل الأطفال بالإكراه من جماعة إلى أخرى. (فقرة مقتبسة عن أدبيات الأمم المتحدة ذات الصلة).

دورُ مؤسّسات المجتمع في مواجهة سياسات الإبادة

 

من العصيّ أن يجتمعَ كلٌّ من الدولة والمجتمع؛ بكامل مدلولاتهما. كما أنه من الصعوبة العثور على مجتمع ينطبق عليه مسمى المجتمعية ووظائفها بوجود الدولة ومؤسساتها قابعة في أعلى الهرم أو تقبع فوق المجتمع وتحركه في الوجهة التي تريده أو تجعله في وضع الستاتيك، دون أن يعني ذلك بأنه من غير الممكن إيجاد صيغة توافقية ما بينهما؛ قد تكون في صيغة المهادنة على أكثر قساوة، من حيث أن علاقة المجتمع بالدولة هي أشبه أن تكون بالعلاقة بين الخصوم. ويرجع ذلك إلى عديدٍ من الأسباب في مقدمتها استفحال عواقب البراغماتية في العلاقات الدولية، وأن مثل هذه العلاقات والتي أخذت مناحٍ متعددة انتقلت بها أنموذج الحداثة الرأسمالية من مرحلة التجارية وما رافقتها من استعمارات وظهور إمبراطوريات حتى بداية القرن العشرين والنحو منحى الدولة القومية في المرحلة الصناعوية التي امتدت بدورها حتى بداية القرن الواحد والعشرين وصولاً إلى يومنا في مرحلة ما يسمى المال الماليّ. وعليه فإن كل المجتمعات تأن تحت وطأة الدولتية؛ في الغرب منها وخاصة في الشرق. وتتعرض إلى أشكال كبيرة من الإبادات؛ على الرغم من مرور سبع عقود فقط على اتفاقية تجريم الإبادة الجماعية ومنعها. ولأن المشكلة في أوجهها؛ وهي متعددة الأمثلة كما في مثال الإبادات العثمانيتين القديمة والجديدة بحق شعوب المنطقة؛ آخرها الإبادة التركياتية بحق الشعب الكردي في عفرين من بعد شن العدوان عليه واحتلالها ومرتزقتها وبدعم من روسيا وتواطؤ إيران وعموم الدول العالمية؛ لكن لا يعني ذلك بأن لا دورَ للمجتمع في مواجهة سياسة الإبادة التي تتهيأ داخلاً أولاً ويبدأ بالتلَمٌّسِ على يد الخارجي.

بالأساس فإن المجتمعَ حتى يكون وينطبق عليه أنه المجتمع لا بد من توافر الإرادة والقدرة الذاتية على توفير ثلاثة شروط أساسية هي مقاييس حيّة على وجود مجتمع وتمايزه عن مجتمع آخر. ولعل المجتمع الآمن أو المجتمع الذي باستطاعته خلق حالة أمن ذاتية أولى هذه الشروط أو المقاييس، وهنا فإن كل فرد من أفراد المجتمع بغضّ النظر عن المؤسسة التي ينتمي إليها لا بد أن ينظر إلى نفسه بأنه في وظيفة أمن أخلاقية دائمة وليست شرطية مؤقتة. فالمدرِّس الذي يوفر الأمن لطلابه في المدرسة حين تعرضهم لمكروه محتمل يمارس دوره في الأمن على المستوى الأخلاقي حتى وصول عنصر الأمن أو الشرطي الذي لديه وظيفة أمن شرطية طبقاً لعضويته. وقس على ذلك في جميع المجالات وفي كافة الأمور الحياتية؛ أينما يكون الفرد المنتمي لديه وظيفة بفحوى تعزيز الأمن وتكريس مسألة الاستقرار. وعلى خلاف ذلك فإن أفراد كما مؤسسات المجتمعات الخاملة تظهر نفسها بحلٍّ عن ذلك؛ ويرجع ذلك إلى عامل عدم تحقيق الانتماء الذي يتعدى ذلك ليتحول الفرد غير المنتمي إلى مدخل قلق وعامل من عوامل عدم الاستقرار وتحوّله إلى مُنَّفِذ للأجندة الخارجية المدمّرة. ودون تعزيز الثقافة الأمنية كواجب أخلاقي يصعب علينا الحديث ليس فقط عن المجتمع إنما لا وجود للحرية في ذلك المجتمع. إنما العبودية بمزيد من القيود لكن؛ في الذهن والسلوك. والحديث عن الحرية بدون ظروف أخلاقية وشرطية للأمن يبقى مجرد حديث إنْ لم يكن ثرثرة بالأساس.

 

وأكثر ما يؤدي إلى إبراز المجتمع في مؤسساته الفاعلة وليست الشكلية، المؤسسات الخلّاقة التي تصل في مرحلة معينة كي تستعيض عن الدولة أو تبدو بعض من مؤسسات الدولة الرسمية بصفة تمثيلية لا أكثر ولا أقل. كما أن واقعة التنمية المجتمعية تعزز قوة المجتمع في مواجهة سياسة الإبادة. وبخاصة التنمية الاقتصادية حتى تحقيق الاكتفاء الذاتي، والذي يتحول بحد ذاته إلى مركز ممانعة في وجه الإبادات التي توّجه نحوه. ولعل من المهم ذكره بأن الخواصر الرخوة في أي مجتمع ما تظهر في المجتمعات الريعية أو المجتمعات المستهلكة؛ التي ترى نفسها في ذروة الإبادة والتبعية واصلاً بها الحال إلى تحوّل نفسها إلى مستعمرة لدولة أخرى بثقافة أخرى، لتتحول برمتها إلى مجتمع أدنى بالنسبة للثقافة الاقتصادية المنتجة. فاستهلاك مجتمع لبضاعة مجتمع آخر؛ يسبقه بالضرورة القبول بعلوية القيمة المنتجة الأخرى في مقابل سفلية القيمة المستهلكة. والتنمية لا تكون متعلقة بالجانب الاقتصادي فقط إنما تتعداه إلى جوانب التعليم الديمقراطي والقضاء المهني والإعلام المتماسك، وتحويل المجتمع إلى عدد هائل من الكومينات الفاعلة. تبقى سمة السياسي إلى جانب الأمني والتنموي كسمات ثلاثة لا يمكن الحديث عن وجود مجتمع بدونها. وأن المجتمع السياسي هو أقوى المجتمعات؛ وفي مثال الشرق الأوسط فإنه لا وجود لمجتمعات أو مجتمع سياسي وصل إليه المجتمع بسبب الحالة النمطية التي تظهر عليها شعوب الشرق الأوسط، وهذا ما يسبب إلى عدم قبولها للآخر المختلف والنحو إلى سلوكيات الدولة النمطية سواء كانت القومية أو الدينية أو نصف الديني مع نصف القومي؛ وهي السمة الغالبة لمشهد الشرق الأوسط ويعتبر الأصل أو الأساس النظري الفكري للإبادات التي حدثت منذ فجر ظهور الحضارة المدينية حتى وقت سياسة الإبادة العثمانية للشعوب الأرمنية والكردية والسريانية والعربية والإبادة النازية بحق مجتمع اليهود الأوروبي، والإبادات التي تنتهجها الدولتية القومية المركزية بحق شعوبها؛ كما مثال الإبادة التركية بحق شعب عفرين ومجتمعه. لكن يبقى حل مشاكل الشرق الأوسط وانهاء أزماته في صيغة الأمة الديمقراطية عن طريق الإدارات الذاتية الديمقراطية والمجتمع المؤسساتي الذي ترتفع فيه مفهوم القومية إلى طبيعتها الثقافية ووظيفتها المتكاملة مع المختلفة معها. ويتكرس من خلالها ثقافة العيش المشترك وتقطع كل طريق لظهور الإبادة بكل أنوعها وبشتى تموقعاتها.

عن الشرق الأوسط الديمقراطي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

التاريخ الفلسطيني يحفى بمجازر إسرائيلية ارتكبت بحقه

/مصطفى الدحدوح التاريخ لم يغفل عنه لحظة من اللحظات المؤلمة التي مر ...