الرئيسية / الملفات / الإبادة الجماعية والتغيير الديمغرافي في الشرق الأوسط / جريمة الإبادة الجماعية والتهجير القسري للكرد من عفرين بموجب القانون الدولي

جريمة الإبادة الجماعية والتهجير القسري للكرد من عفرين بموجب القانون الدولي

/المحامي كمال حاج خليل

إنّ الدخولَ التركي لمقاطعة عفرين يُعتبر اعتداءً صارخاً على العهود والمواثيق والقوانين الدولية، بتدخلها في شؤون داخلية لدولة ذات سيادة، ويُعتبر ذلك احتلالاً بموجب القانون الدولي، وليس له أيّ مسوّغ سوى البازار والصفقة التي تمّت بين حكومة العدالة والتنمية من جهة وروسيا من جهة أخرى، وذلك أمامَ التخاذل والصمت الدوليين.

وجديرٌ بالذكر أنّ جريمةَ حزب العدالة والتنمية لم ترتقِ إلى مصاف إشعار السيد غوتيريس حتى بالقلق، رغم قتل ونهب وتشريد الآلاف من المدنيين والتي تعتبر جريمة إبادة جماعية بموجب القانون الدولي، وكما أنها تعتبر جريمة حرب وتهجير قسري بموجب القانون الدولي.

والجريمة ثابتةٌ بمواجهة أردوغان وأركان حكمه بإقرارهم بذلك على كافة وسائل الإعلام المقروءة والمرئية لتبرير جريمتهم بأنها حربٌ ضدّ  الخطر على أمن تركيا القومي، وهذا الخطرُ محضُ افتراء، عدا عن أنه يستند إلى احتمال مستقبلي لا يجوز قانوناً الركون إليه.

وجديرٌ بالذكر أنّ ميثاقَ الأمم المتحدة نصَّ على حقّ الشعوب في تقرير مصيرها في المادة الأولى منه، وتركيا من الأعضاء الموقعة عليه وتُعتبر مُلزمة بتطبيقها قانوناً. وسأحاول تسليط الضوء على ما أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة وما نص عليه القانون الدولي بهذا الصدد:

أقرّتِ الجمعيةُ العامة للأمم المتحدة اتفاقيةَ منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها في 9 كانون الأول/ ديسمبر 1948م، ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في 13 كانون الثاني/ يناير 1951م. كللت هذه الاتفاقية سنوات من الجهد الذي بذله خبراء حقوقيون وفي مقدمهم الحقوقي رفائيل ليمكان. ويبلغ عدد الدول التي صادقت على الاتفاقية أو وقعت عليها 143 دولة حتى الآن وتركيا واحدة منها.

مبادئ مُلزِمة

أعلنت محكمةُ العدل الدولية في رأي استشاري بشأن التحفظات عن الاتفاقية أنها أُقرّت لأغراض إنسانية وحضارية بحتة، ويصعب أن نتخيل اتفاقية ذات طابع مُزدوج بهذا القدر، لأنها تجمع بين حماية وجود جماعات بشرية من جهة، وتأكيد أبسط المبادئ الأخلاقية من الجهة الأخرى.

كما أكدت محكمة العدل الدولية أنّ أصولَ الاتفاقية تبيّنُ عزمَ الأمم المتحدة على إدانة جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، بموجب القانون الدولي، لأنها جريمة تنكر على جماعات بشرية كاملة حقها في الوجود، وهو إنكار يهزّ ضميرَ الإنسانية، ويسفر عن خسائر جسيمة، ويتعارض مع القانون الأخلاقي وروح الأمم المتحدة وأهدافها.

أولاً، ما يترتب عن هذا الطرح أنّ مبادئ الاتفاقية تعترفُ بها البلدانُ المتحضرة بوصفها ملزِمة. وثانياً، الاتفاقية ذات طابع عالمي، سواء في إدانة جريمة الإبادة الجماعية أم التعاون المطلوب “لتحرير البشرية من مثل هذه الآفة البغيضة” (توطئة الاتفاقية).

الإبادة جريمة

لاحظت محكمةُ العدل الدولية أنّ الاتفاقيةَ والقانونَ الإنساني الدولي وثيقتان من القواعد المتميزة تسعيان إلى تحقيق أهداف مختلفة. الاتفاقية تعمل من أجل منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها بموجب القانون الدولي، في حين يحدد القانونُ الإنساني الدولي قواعدَ خوض العمليات القتالية في النزاعات المسلحة، ويسعى إلى حماية الأشخاص بصرف النظر عن انتماءاتهم.

تنص المادة الأولى على أنّ الفرقاءَ المتعاقدين يؤكدون أن إبادة الجنس، سواء ارتكبت في زمن السلم أم زمن الحرب، جريمة بموجب القانون الدولي. وتحدد المادة بعد هذا التعريف سلسلة من الأفعال التي تمثل انتهاكاً خطيراً للحق في الحياة، وسلامة أفراد الجماعة البدنية أو العقلية.

في المادة الثانية، تحددُ الاتفاقية الأفعالَ التي تشكل أعمال إبادة. وعلى الرغم من اتفاق “الفرقاء المتعاقدين” على التعريف الذي يتحدث عن “قتل أفراد الجماعة”، فإنهم يختلفون على ما إذا كان إلحاق أذى جسدي أو عقلي بأفراد الجماعة يسهم في تدميرها بالكامل أو جزئياً، بحيث يشكل إبادة جماعية. كما يختلف الفرقاء على معنى ونطاق “إلحاق أذى عقلي خطير بأفراد الجماعة”، ورغم الاختلاف لدى مراجعة المحاضر ومقارنتها بالأعمال التي قام بها الجيشُ التركي ومرتزقته نجد أنها تتطابق مع وصف الفرقاء جميعاً للإبادة الجماعية.

جرائمُ الحرب

محكمةُ العدل الدولية تخلص إلى أنّ جريمةَ الإبادة الجماعية هي “تدميرُ جماعة معينة بالكامل أو جزئياً وأنّ ترحيلَ أفراد الجماعة أو تشريدهم حتى إذا جرى بالقوة لا يعادل بالضرورة تدمير الجماعة، ولا يكون مثل هذا التدمير نتيجة تلقائية للتشريد”.

في حزيران/ يونيو 1998م، عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤتمراً في روما لاستكمال معاهدة تنصّ على “نظام المحكمة الجنائية الدولية”. وفي 17 تموز/ يوليو 1998م، أُقر نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية بأغلبية 120 صوتاً مقابل 7 أصوات وامتناع 21 دولة عن التصويت. وبعد مصادقة 60 دولة، دخل نظام روما حيز التنفيذ في الأول من تموز/ يوليو 2002م، وأُنشِئت المحكمةُ الجنائية الدولية رسمياً.

تشمل اختصاصاتُ المحكمة النظرَ في جريمة الإبادة الجماعية والجرائم المرتكبة بحق الإنسانية وجرائم الحرب وجرائم العدوان. وتشير عبارة “جرائم الحرب” إلى انتهاكاتٍ خطيرة للقانون الإنساني الدولي، تُرتكب ضدّ المدنيين أو العدو خلال النزاعات المسلحة الدولية أو المحلية.

أعمالٌ غيرُ إنسانية

من جهة أخرى، يرد تعريف “الجرائم بحق الإنسانية” في المادة السابعة من نظام روما، وهو يشمل جرائم مثل القتل والتصفية والاغتصاب والملاحقة والأعمال غير الإنسانية المشابهة كلها التي تُرتكب في إطار هجوم واسع أو منهجي على أي جماعة سكانية مدنية.

أخيراً، عملَ مجلسُ حقوق الإنسان خلالَ السنوات الماضية، بتوافق الأعضاء، على منع جريمة الإبادة الجماعية، مؤكداً باستمرار الدورَ المهم لمنظومة حقوق الإنسان في إطار الأمم المتحدة، بما في ذلك مجلس حقوق الإنسان ومكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان والهيئات الخاصة ذات العلاقة التي تواجه التحدي المتمثل بجمع المعلومات عما يرُتكب من انتهاكات خطرة ومنهجية على نطاق واسع ضد حقوق الإنسان، وبذلك المساهمة في إيجاد فهمٍ أفضل وتوفير إنذار مبكر عن أوضاع معقدة يمكن أن تؤدي إلى إبادة جماعية.

التهجيرُ القسريّ في القانون الدولي والمسؤولية القانونية

التهجيرُ القسري هو ممارسة تنفذها حكوماتٌ أو قوى شبه عسكرية أو مجموعات متعصبة تجاه مجموعات عرقية أو دينية أو مذهبية بهدف إخلاء أراض معينة وإحلال مجاميع سكانية أخرى بدلاً عنها؛ ويندرج ضمن جرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضدّ الإنسانية وفقَ قاموس القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.

ويُعرّف القانونُ الدولي الإنساني التهجيرَ القسريَ  بأنه “الإخلاء القسري وغير القانوني لمجموعة من الأفراد والسكان من الأرض التي يقيمون عليها” وهو ممارسة مرتبطة بالتطهير وإجراء تقوم به الحكومات أو المجموعات المتعصبة تجاه مجموعة عرقية أو دينية معينة وأحياناً ضد مجموعات عديدة بهدف إخلاء أراض معينة لنخبة بديلة أو فئة معينة، وتعتبر المواد (6)، (7)، (8) من نظام روما الأساسي، التهجير القسري جريمة حرب.

ويفسر حصول  التهجير بأنه نتيجة نزاعات داخلية مسلحة أو صراعات ذات طابع ديني أو عرقي أو مذهبي أو عشائري، ويتم بإرادة أحد أطراف النزاع عندما يمتلك القوة اللازمة لإزاحة الأطراف التي تنتمي لمكونات أخرى، وهذا الطرف يرى أن مصلحته الآنية أو المستقبلية تكمن في تهجير الطرف الآخر، ويحصل التهجير في حالة وجود طرف يهدد مجموعة سكانية مختلفة بالانتماء الديني أو المذهبي أو العرقي بعدم البقاء في مدينة أو منطقة أو بلد ما.

وتعرّفُ اتفاقياتُ جنيف الأربع المؤرخة في 12 آب/ أغسطس 1949م والبروتوكولين الملحقين بها لعام 1977م جرائمَ الحرب بأنها الانتهاكات الجسيمة للقواعد الموضوعة إذا تعلق الأمر بالتهجير القسري، في المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949م حظرت النقل القسري الجماعي أو الفردي للأشخاص أو نفيهم من مناطق سكناهم إلى أراض أخرى، إلا في حال أن يكون هذا في صالحهم بهدف تجنبهم مخاطر النزاعات المسلحة.

كما أن المادة (٧-١- د) من نظام روما الإنساني للمحكمة الجنائية الدولية، تجرمُ عملياتِ الترحيل أو النقل القسري، حيث تنصّ على أنّ “إبعادَ السكان أو النقل القسري للسكان، متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين، يشكلُ جريمةً ضدّ الإنسانية”.

بموجب المواد 6 و7 و8 من نظام روما الأساسي، فإن “الإبعاد أو النقل غير المشروعين” يشكلان جريمة حرب، وتعتبر المادة المتعلقة بحظر نقل السكان من مناطقهم جزءاً من القانون الدولي الإنساني العرفي.

إنّ عمليةَ التهجير القسري وعمليات الإبادة الجماعية تتطابق مع ما نصّت عليه المادة الثانية من اتفاقية الأمم المتحدة “اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية” التي أقرتها الأمم المتحدة في 9 كانون الأول/ديسمبر عام 1948م، وأصبحت ساريةَ المفعول في 12 كانون الثاني/يناير 1951م، والتي تعتبر الأفعال التالية المرتكبة بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو أثنية أو عنصرية أو دينية بمثابة إبادة جماعية:

أ – قتل أعضاء من الجماعة.

ب – إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة.

ج – إخضاع الجماعة،عمداً، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً.

د – فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة.

هـ – نقل أطفال من الجماعة، عنوة، إلى جماعة أخرى.

ومن حيث المآل فإن عملياتِ القتل للمدنيين ونهب ممتلكاتهم والتهجير القسري التي حصلت في عفرين هي نتيجةُ ارتكاب جرائم مُمنهجة وواسعة حصلت باستخدام السلاح والعنف والحصار والتجويع، فهي عمليات قتل ونهب وتشريد قسري مباشر للمدنيين لا تبيحه أي ضرورة عسكرية طالما أدى إلى تشريد أهالي منطقة كاملة مما يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني وترقى إلى جرائمَ حرب.

 

 

 

 

 

عن الشرق الأوسط الديمقراطي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

التاريخ الفلسطيني يحفى بمجازر إسرائيلية ارتكبت بحقه

/مصطفى الدحدوح التاريخ لم يغفل عنه لحظة من اللحظات المؤلمة التي مر ...