الرئيسية / كتاب الموقع / هل سيصبح التراث الثقافي في الشرق الأوسط تركيباً للحضارة الجديدة.. ؟

هل سيصبح التراث الثقافي في الشرق الأوسط تركيباً للحضارة الجديدة.. ؟

عبد الله أوج آلان
إن التحدث عن الدور التاريخي للشرق الأوسط كأرضية لظروف جغرافية خلقت الحضارة في المرحلة المقبلة لن يكون واقعياً. بل على العكس فمن المتوقع أن تصل إلى وضع غير ملائم بسبب زيادة التصحر وإرتفاع الحرارة وشحة المياه، وقد لعبت ثروة النفط دوراً سلبياً في الآونة الأخيرة بسبب الحروب والإنقسامات التي نجمت عنها، هذه الثروة التي لا تمتلك أية قيمة سوى إشباع الرغبات الإستهلاكية لحفنة من الأغنياء البعيدين عن الخلاقية والإبداع، ناهيك عن أن نفاذ عروق النفط في وقت لاحق أمر لا مفر منه. أما الأنهار التي خلقت الحضارة كالفرات ودجلة والنيل، فإنها على الأغلب ستؤدي إلى إضطرابات، ويمكن أن تتطور الزراعة المستندة إلى الري على أساس التقنية الجديدة. و لكن لا يمكن للموارد الطبيعية المشابهة أن تلعب دور العنصر الأساسي من أجل المهمة التاريخية للمنطقة. من هذا المنطلق فإن أغلب مناطق العالم محظوظة أكثر من الشرق الأوسط. وبإختصار فإن تركيبة المرحلة التاريخية المقبلة للإنسانية، لن تحمل فيها الظروف الجغرافية تأثيرات مصيرية. فالحضارة الرأسمالية الأوروبية هي الحضارة الأخيرة التي لعبت فيها الجغرافيا دوراً مصيرياً. لقد تحولت عوامل التحديد إلى عوامل أخرى بعد هذه المرحلة.
كما لا يمكن للتقنية العلمية أن تحدد تركيب الحضارة الأساسي لوحدها، فإن قوة الوصول الى التقنية والعلم قد تخطت أن تكون إمتيازاً . ولن تشكل سوى الأرضية المادية المؤهلة للولادات الجديدة، حيث إنها في وضع يمكنها من لعب هذا الدور، وبإمكان كل مجتمع الوصول إليها ولا يمكن إبعاد منطقة أو مجتمع عنها؛ إذ أن تقنية الإتصال والمعلوماتية بحد ذاتها لا تسمح بذلك. وكل ما تستطيع عمله هو نقل الخلق والإبداع الجديد إلى أبعاد العولمة بشكل سريع ومتوازن.
لا مفر من مواصلة الديالكتيك لحكمه طالما تتواصل الحياة
ستواصل هذه الحضارة إنتشارها عرضاً وعمقاً في العالم في القرن الواحد والعشرين، ولا مفر من معايشة الإنسانية هذه الحضارة بشمولية، ويمكن أن يتوخى منها ان تظهر تقدماً من الأشكال الإدارية والحياتية إلى أشكال أغنى وأكثر نضجاً، لكنها لا تشكل تركبية لوحدها، بل هي الشكل والإطار الذي يخلق التركيب، ولا شك أنه يوجد تكامل ديالكتيكي بين الشكل والجوهر، ورؤيتهما كأمر واحد يعني الجنوح إلى الميتافيزيقيا، لذلك يجب البحث عن تراكيب دائمة للإنسانية في ظواهر أخرى. لقد تم التأكيد على المرحلة التي نعيشها بأنها مرحلة البحث الشامل والجذري، فالحزم ومنذ الآن في النتيجة في هذه المرحلة لن يكون أبعد من موقف كهنوتي، وإن القيام بذلك يعني الوقوع في الدوغمائية واليوتوبيا التي لا أساس لها، لكن لا يمكن أن تبقى استقصاءاتنا بدون نتيجة، ولا مفر من مواصلة الديالكتيك لحكمه طالما تتواصل الحياة. إن الشيء المهم هو التوقع حول ماهية التراكمات التي سيستند عليها الميلاد الجديد.
مراكز الأكثر أهمية في العالم، رسمت مسارها للقرن الواحد والعشرين على الأقل، حيث لا يمكن أن تبتعد عن ذلك إلا إذا تشكلت ظروف غير طبيعية، ومن المحتمل أن تعيش من خلال توسيع الأنظمة الديمقراطية وتعميقها في الإتجاه المنتظر والمتوقع وبإنحرافات طفيفة.
يحتل الشرق الأوسط وضعاً مميزاً في ظل هذا العالم ووفق منظور العصر، وإذا كنا قد أكدنا أن ذلك لا يمكن أن يتحقق إرتباطاً بالجغرافيا. فإذاً ما هي العوامل الأساسية التي تحدد هذا التمييز..؟، من الصواب البحث عن الجواب في التراث الثقافي، حيث إن التأثير المحتمل للجغرافيا لن يكون ذو معنى، إلا إذا وجد إنعكاسه في الثقافة، حينها تصبح أهمية ظروف المحيط الخارجي في الدرجة الثانية بعد تشكل الثقافة، ويدخل عاملها المصيري إلى الديناميكيات الجوهرية، وهناك إجماع على أن تاريخ الحضارة هو تاريخ التراكمات والتطورات الثقافية، فتعريف الثقافة وموقعها الخاص في التطور الحضاري ينطوي على أهمية، ويتم تسليط الضوء على مكانة الشرق الأوسط في تاريخ الحضارة يوماً بعد يوم من خلال الأبحاث التي تجري بهذا الصدد، حيث منح العصر النيوليثي دور الولادة لهذه الجغرافية لما يقارب العشرة آلاف سنة، والأمر الذي لا يقبل النقاش هو أن جميع الحضارات مدينة للعصر النيوليثي، وتستند الحضارتان السومرية والمصرية واللتان تعتبران أولى الحضارات على الإختراعات النيوليثية في المنطقة التي نسميها بالهلال الخصيب.
هذه المنطقة التي لعبت دوراً منجباً في تطور الإنسانية على مدى ما يقارب الـ 15 ألف سنة
نبين بأن منطقة الشرق الأوسط قد دخلت في أزمة عميقة بين القرنين العاشر والخامس عشر بعد الميلاد، وإستمرت الأزمة وتعمقت منذ تلك المرحلة. إن الإنحلال في الشرق الأوسط لن يشبه الإنحلال في أية منطقة أخرى من العالم نظراً لخصوصية المنطقة، هذه المنطقة التي لعبت دوراً منجباً في تطور الإنسانية على مدى ما يقارب الـ 15 ألف سنة، فإنها ومع مرحلة التفسخ تستمد خصائصها المختلفة عن كافة بقاع العالم من هذه النوعية التاريخية الطويلة والمصيرية، بهذا المعنى فإن الشرق الأوسط يمثل شخصية متميزة، وإذا حاولنا تعريف ذلك بشمولية فأنها شخصية جعلت تطورها التاريخي ملكاً لكل البشرية، ولا يمكن قول نفس الشيء عن المناطق الأخرى في العالم.
فمثلاً إن الصين والهند وروسيا وأمريكا اللاتينية وحتى أوروبا وأتباعها، يمكن أن تبدّل أنظمة مختلفة لتحاول تطبيقها على هويتها كما يغير الشخص ملابسه، فذلك يعني أن الأنظمة الحضارية بالنسبة لهم كالملابس يجب تغييرها بين الحين والآخر، ولن يشكل تغييرها أية مشكلة عندما تصبح بالية أو يظهر ما هو أفضل منها، لأنها لم ترسخ تلك الأنظمة الحضارية في أعماقها. أما بالنسبة لشخصية الشرق الأوسط فالحضارة لا تشكل رداءاً وإنما بل هي الحياة ذاتها، وقد تلاحمت مع الحضارة التي عايشتها كتلاحم الظفر باللحم، وجسدتها حتى دخلت ضمن جيناتها الوراثية، لذا لا يمكن أن ترمي ما عاشته جانباً مثل الألبسة، إذ لم تشهد أية منطقة من العالم الوضع المذكور ولم ترسخه في ذاتها كما رسخها الشرق الأوسط. لقد خلقت الثقافة والتاريخ والحضارة والحياة في الشرق الأوسط، مجتمعات وشخصيات مميزة لا تشبه أي مكان آخر، فخلقت ثقافتها الزراعية التي يبلغ عمرها آلاف السنين مورثاتها الإجتماعية الخاصة بها، وعاشت أشكال الفكر الميثولوجي والديني آلاف السنين في الذاكرة الإجتماعية، كما أصبحت الدوغمائية والقدرية جزءاً لا يتجزأ من حياتها، ونام الفكر الأصيل الخلاّق فترة طويلة. وما وصل إليه اللاهوت هو فقط من أجل الإيمان دون شك كمحرمات مقدسة، ويعتبر الخروج عما تقوله الكتب المقدسة أكبر ذنب، حتى تحولت القصص التي كانت تروى كالأقاويل في عصر الميثولوجيات وأصبحت قواعد عقائدية صلبة؛ إلى دين وإله أسر تصورات الذين خلقوا الحضارة وأحلامهم وذكرياتهم.
لم يفهم البشر كيف وقعوا في أول أكبر حالة إغتراب في التاريخ، عندما أصبحوا أسرى لما خلقوه، حيث تكونت ثقافة وصلت إلى درجة جعلت من الخالق مخلوقاً والمخلوق خالقاً، وتم جعل ذلك موضوعاً أساسياً للفكر والإيمان، وحتى أنهم جعلوا العبودية لهذا النظام وعبادته أفضل هوية للإنسان، وإعتبروا الشك بالمعبودات أكبر اثم يمكن أن يقترف، من جهة أخرى تم ولأول مرة تحويل الميثولوجيات الشعبية والعقائد إلى صفة إلهية لصالح الحكام وذلك بالقوة النابعة عن تشكل الدولة، لتصبح سلاحاً في يد الحكام. في الواقع يكون مجتمع الشرق الأوسط بذلك قد ضحى بنفسه بإسم الإنسانية جمعاء عندما جعل نفسه أسيراً، وبعد تحويل ما خلقه إلى أضداد في كلا الساحتين المادية والمعنوية، إذ خلقت هذه الحضارة التي نشأت على الإغتراب المذكور تأثيراً بالغاً في العصور الأولى والوسطى إلى درجة لا يمكن لأي منطقة من العالم أن تنجو منه، هذه هي الظاهرة التي نسميها بــ “الشخصية التاريخية”، ويمكن فهم ما جرى بشكل أفضل من عدة مقارنات، تتحقق شخصية وموت الأم عن طريق ما تلده. وتكبر الشجرة وتموت بعد أن ترمي بذورها في محيطها لتملأه بأشجار مماثلة، فالموت هو ضرورة للتكاثر. وإن شجرة ثقافة الشرق الأوسط ظاهرة من هذا النوع، إنها شجرة متجذرة؛ نشرت بذورها في أطراف العالم الأربعة، هذه الشجرة تشبه شجرة السنديان التي تريد أن تعيش بالتبرعم الزائد فوق جذورها كلما إنقطع جذعها وأغصانها، حيث تعتبر من أولى أشجار الثقافة في الشرق الأوسط.
إحتراق كل قصة حب في الشرق الأوسط وتحولها إلى رماد له علاقة بهذا الواقع
لقد فقدت ثقافة الشرق الأوسط أصالتها بعد دخولها في مرحلة الإنهيار بين أعوام 1000 ـ 1500 م. والصواب أنها تشبه شجرة السنديان التي تم تدريجياً قص أغصانها وساقها حتى الجذور. وبمعنى آخر كأنها تحولت إلى مقبرة قديمة للإنسانية التي خلقتها، مقبرة كبيرة تماماً مثل الأهرامات والزيكورات..! إن ما يحدث منذ ما يقارب الألف سنة لا يعني سوى صمت الأموات، فليس لهذه الثقافة القدرة على خطو خطوة خلاّقة بسبب الترهل الكبير الذي نجم من كثرة الولادة، وعصر الحكم العثماني هو عبارة عن حراسة المقبرة، وكان دوره الرئيسي هو تحقيق موت جديد بشكل دائم والعيش على صداقاتها، أما الدين والآذان والصلوات المليئة بالحزن، فليس لها أي هدف سوى أنها رسائل النداء من أجل الموت، فأصبح التخويف بالموت والإعداد له برسائل الجنة والجحيم، الشكل الحضاري للعصر الأخير، وتم ترك العلم والتقنية منذ زمن بعيد، ويتكرر المجتمع والسياسة كالقوالب الجامدة منذ الأزل، وكان يعتبر مثال الثور الذي يدير دولاب الماء قدراً وتعجز العقول عن التفكير بأي شكل آخر من المسير، إن تربع هذا الكم من الدوغمائية وشبكة القدرية المترسخة على حضارة كبيرة ومبدعة سيؤدي إلى الأزمة والإنهيار. هذه اللوحة تعبر عن واقع تشرح قصة الشرق الأوسط، وإحتراق كل قصة حب في الشرق الأوسط وتحولها إلى رماد له علاقة بهذا الواقع.
منذ خمسة عشرة ألف سنة تقوم بدور الأم وتخلق كل شيء للإنسانية، ومن ثم تقع في وضع عبد لا حول له ولا قوة..! وتكون الوطن الذي خلقت فيه أولى الإلهات، وتخلق كل ما يلزم الإنسانية ثم يتم رميك في زاوية كقطعة قماش مستعملة..! تخلق جميع الآلهة والعظماء، ثم تصبح عبداً لا حول ولا قوة لك تجاه هذه الآلهة..! وتخلق جميع المهن التي تشبع العالم، وتبقى جائعاً فيما بعد..! وتبني البيوت في كل مكان، وتبقى بدون مأوى فيما بعد..! تكون شمعة تنير درب الجميع، ولا تنجو من الظلمة فيما بعد..! تكون صوتاً من أجل كل الناس وتؤلف الشعر والموسيقى، ثم تصبح صم بكم..! تخلق العلم والتقنية والإحترام من أجل الجميع وتبقى جاهلاً فيما بعد..! تبنى القصور والخانات للجميع وتحتاج إلى شبر من الأرض فيما بعد..! فحضارة الشرق الأوسط هي إسم لهذا التناقض المأساوي والكبير، ويكمن سر إحتراق الحب وتحويله إلى رماد في هذه التناقضات. تنمو على هذه القيم ومن ثم تتحول إلى قزم..! لا يمكن تطهير ذلك إلا بالإحتراق. تخلق لقاء الإله ـ الآلهة لأول مرة ومن ثم تصبح أحط رجل وإمرأةً بموقع المتسولين، ولا يمكن أن يطهر ذلك إلا الإحتراق.
تبكي شعوب الشرق الأوسط كثيراً، بلا ريب لابد أن تبكي بعد فقدانها جميع القيم التي خلقتها. ففي الألفية الأخيرة بشكل خاص والشرق الأوسط يبكي على صمت الأموات، فإن الآذان والأغاني والآلات الموسيقية مفعمة بالحزن وتنادي بالموت، وكل ذلك ليس صدفة؛ لأنه يعبر عما جرى، ولو تم القيام بعكس ذلك لكانت ستعتبر بدون معنى. وبات مفهوماً بشكل أفضل لماذا لم يؤثر ما جرى في العالم على هذه المنطقة، فالذين تكون أسسهم وقبورهم كبيرة وعميقة لهذه الدرجة، لا يمكنهم أن يفهموا الآخرين. هم دائماً سكارى بدون شراب أو كالموتى عند ولادتهم. ولا يمكن العفو عن هكذا ماض، وسبب ذلك واضح، إذ لا يمكن ترك هذه الحضارة على هذا الشكل في أي مكان. فالذين يتركونها يرتكبون خيانة كبيرة، ولا يمكن العفو عن الذين يرتكبون هذه الخيانة، إن خيانة الحضارة شيء كبير وهناك الكثير ممن خانوها. لذلك فإن حركات الإنتقام كثيرة وكبيرة، لكن ماذا بوسعها أن تنقذ..؟ متَ وأَمت لن يؤدي ذلك سوى إلى توسيع المقابر؟! يتم سفك الدماء في الشرق الأوسط نتيجة الصراعات الدينية والأسرية و قضايا الشرف والممتلكات لأتفه الأسباب. فكل ذلك صحيح؛ بينما تكمن الخسارات والخيانات في أساس سفك الدماء، إذ إن الميراث الإنتقامي ليس سهلاً، لأنه يمتد إلى ماض كهذا، يستمد منه أساسه. فكانت تسود الجرائم الناجمة عن العادات والتقاليد بكثرة. إن أساسها أيضاً هو التاريخ الملعون. لقد تم الإستيلاء على جميع قيم الحضارة وهتكت أعراضها كما هي في الكثير من الأمور، فهذه الحقيقة تجد تعبيرها في الفتاة والمرأة كرمز. أي إذا ما أصاب الرمز شيء ما حينها تعتبر القدسية الكبيرة قد تلطخت، وتكون عقوبتها قاسية جداً، ومن هذا التاريخ تستمد المأساة جذورها.
قبر داخل قبر…. وعقدة فوق عقدة
قبر داخل قبر، وعقدة فوق عقدة، هذا هو الشرق الأوسط، لا يتغير رغم تغير العالم، مجبر على أن يبقى كما هو. إنه شجرة سنديان يتضخم جذعها بشكل دائم، حتى وإن قلمت أغصانها يبقى جذعها ولا ينقطع الأمل من إخضرارها مجدداً. الشرق الأوسط هو ديار الأمل، حيث لم يبقَ في حوزته سواه. ففي الوقت الذي يكون التراث ساحقاً وعديم الرحمة يغدو الأمل كشجرة سنديان تنتظر التبرعم والإخضرار، وهكذا ظلت الحياة أملاً كبيراً، فعدم إنسلاخه عن التراث نابع من قوته، لكن عدم تحديد نفسه يزيد من تفسخه. ففي الوقت الذي تحدد جميع مناطق العالم مسار تطورها فإن محافظة الشرق الأوسط على خصائصه وأصالته يعود إلى التأثير العميق لماضيه الحضاري، وهذا الوضع ناتج عن عدم التجسيد الناجح للتطورات المعاصرة، حيث تدخل آثار الحضارة القديمة التي لا تزال موجودة في صراع مع الحضارة الحديثة أو بمعنى آخر تظهر ضرورة التركيبة الجديدة. أما بالنسبة للهند وإفريقيا وأمريكا اللاتينية ناهيك عن تكوينها لتركيبة جديدة فإنها تتطور على أساس البنية الرأسمالية. إن مرحلة التجسيد سارية المفعول أكثر من المقاومة، كما إن الوضع في المناطق الأخرى من العالم أيضاً مشابه لهذا الوضع، ولا توجد أرضية ثقافية قوية تقتضي صراعاً أو تركيباً جديداً، وحتى لو كانت موجودة فإنه يتم تذويبها أو تحويلها من قبل الثقافة المهيمنة الجديدة بسهولة، أما في الشرق الأوسط فلا يتم التحول أو الإنصهار بسهولة، حيث تتخلى الطاقة الكامنة للإبداع بأهمية أكبر عوضاً عن قوة التراث الثقافي والتحول والإنصهار السهل. ورغم بلوغ المشاكل الأثنية والدينية والقومية المتشابهة إلى حل في كافة بقاع العالم بأي بوسائل مختلفة، إلا أن الشرق الأوسط يظهر تمايزه في هذا الأمر أيضاً،فالمقاومة العنيدة للتمييز الثقافي العميق هي الحقيقة التي تكمن وراء عدم حل المشاكل بسبلٍ حضارية حديثة.
يجب ألا نقيم هذا الواقع بشكل سلبي، بل من الأصح أن نقيمه كإمكانية من أجل الخروج من الأزمة الرأسمالية التي أصبحت شاملة ودائمة، التناقض هنا يكمن في عدم تحديث التراث الثقافي في الشرق الأوسط عبر تحليل نفسه؛ إذ تحول بعض العوامل الداخلية والخارجية دون تفعيل القوة الكامنة، لكن الجذور القوية تمنع الإحتواء الخارجي، وتكون النتيجة تعمق المشكلة وتشابكها ودخولها في مأزق.
لقد تعمقت وإستمرت هذه المرحلة بين عامي 1500 ـ 2000 م. وكان التوازن والتفوق حتى عام 1500 لصالح ثقافة الشرق الأوسط التي كان عمرها خمسة عشر ألف سنة، وأدى التفوق المادي والمعنوي في كافة مؤسسات البنية التحتية والفوقية للمجتمع إلى الثقة الزائدة بنفسها، حتى أعتقد أنه مركز العالم، ولم يكن يعتقد بإمكانية تطور عالم حضاري يتفوق عليه، إذ يعتبر نفسه العالم كله والآخرين غرباء وكفار. ولم تكف الخمسمائة سنة الماضية لتحطيم هذه الدوغمائية، إنه يرى تفوق الحضارة الغربية ويشعر بقوتها المادية والمعنوية لكنه لا يعترف بذلك بصدق ولا يحاول تجسيدها، وأصبح الفرز الطبقي الجديد الذي تشكل حول رأس المال مؤثراً هنا؛ حيث تم إدراك هذه التكوينات على أنها مصطنعة، فلا هو قادر على التعمق ومحاسبة أسسه التاريخية أو حتى رفضها، ولا على تحليلها ليجعل منها خامات لتركيب جديد لأنه يشكل إمتداداً بسيطاً للخارج، بل حتى يمنع مثل هذه التكوينات من التحول إلى قوة محلية.
مازالت الحداثة الرأسمالية في الشرق الأوسط بعيدة عن أجراء حوار مع الثقافة المحلية، حيث تبقى كوكالة أجنبية. فالمجتمع يعيش قوالب العصر النيوليثي التي مضت عليها عشرة آلاف عام من ناحية، وليس بعيداً عن قوالب العبودية والإقطاعية بأوجه كثيرة. وعندما جاءت الرأسمالية والإشتراكية المشيدة وتراكمت فوق ذلك، تكونت مراحل أصبح من الصعب الخروج منها. وظهر وضع مضطرب ومتداخل، فلم تعد تيارات أو مؤسسات مؤثرة، وبات كل شيء على وشك السقوط, وهذه المرحلة هي من أكثر المراحل التي يتم الهرب منها، وبات من غير الممكن التمييز بين المواقف المترددة والخيانية وبين المواقف الأصيلة.
عندما نقبل أوروبا كأطروحة لا يمكن أن تكون ثقافة أمريكا أو روسيا أو الصين أو منطقة أخرى الأطروحة المضادة
يجب إعطاء أهمية لأزمة وإنهيار الشرق الأوسط، وأكبر خطأ إقترفته الحضارة الغربية هو عدم تقييمها لقوة هذه المنطقة والتي كانت أساساً لها بطريقة صحيحة وواقعية، فهي غالباً تمد بجذورها إلى الحضارة الإغريقية الرومانية فقط، إلا أن الحضارة الإغريقية الرومانية تشكل مرحلة من مراحل الشرق الأوسط، إنها لا تعط العصر النيوليثي الذي غذاها حقه و تتصرف بأنانية. هذا الخطأ يضع حاجزاً أمام قيام روابط ديالكتيكية ذات معنى مع الواقع الراهن، لأنه لم يمنح إمكانية القيام بحوار صحيح مع الماضي. ويبدو قيام رابط ديالكتيكي من أجل تحديد تركيب المستقبل ضرورياً بمقدار معرفة الماضي بشكل صحيح، فعندما نقبل أوروبا كأطروحة لا يمكن أن تكون ثقافة أمريكا أو روسيا أو الصين أو منطقة أخرى الأطروحة المضادة، فالأطروحة المضادة تنبع من نفس ساحة الأطروحة كما هو الأمر في الطبيعة، ويمكن أن تكون جميع مناطق العالم عدا الشرق الأوسط إمتداداً لأطروحة أوروبا، ولكن لا يمكنها أن تكون أطروحتها المضادة؛ فإما أنها لا تمتلك الفروقات والتشابه في القوة الكامنة الضرورية من أجل ذلك، أو أنها بعيدة عن أن تكون أطروحة مضادة، وبالنتيجة تكون إمتداداً أو إضافة. فمن أجل أن تكون أطروحة وأطروحة مضادة لبعضها البعض، يتطلب الأمر وحدة المصدر البدائي وهذا يتوفر في الشرق الأوسط.
التقييم المختصر الذي أجريناه يطرح هذا السؤال المؤلم: كيف يمكن أن نوصل الشرق الأوسط إلى حالة أطروحة مضادة..؟ لم تعط محاولات التقليد التي جربت عبر القرن العشرين بكامله نتائج ناجحة. ولم يتخلص المفهوم القومي والإشتراكية المشيدة كأطروحة للحضارة الغربية من موقعها في المنطقة كظواهر مصطنعة، حتى الإسلام الذي إنهار منذ أمد وفقد شروحاته يشُبه هذه الأطروحة بتحميل الحمار كتباً وتجوله في سيارة، فهو يفتقر إلى القوة التي تخلق الأطروحة المضادة، كذلك فمؤسسات الحضارة الديمقراطية بعيدة عن إمتلاك الشروط التي يمكن تكيفها بسهولة بسبب وجود تقاليد المجتمع والدولة، حيث تتطلب مؤسسات الحضارة الديمقراطية حركة نهضة وثورة تنويرية وإصلاحات دينية على الأقل. هذه المراحل التاريخية الرئيسية الثلاث لم تظهر في ثقافة الشرق الأوسط، لذلك فإن القول بأن المؤسسات الديمقراطية ستتطور بسهولة سيقودنا إلى الخطأ. إذ لا تستطيع هذه المؤسسات أن تلعب أي دور يختلف عن المؤسسات التي تم تركيبها من الخارج. كما إن واقع إسرائيل هو إضافي لم يتم إحتوائه بعد، كذلك الأحزاب الليبرالية والشيوعية القائمة ما هي إلا عبارة عن أجزاء مضافة، تعيش الإغتراب في العمق مع الكيان التاريخي والثقافي. أما إحياء الإسلام من جديد فلا يؤدي إلى أي سبيل خلاّق سوى التذكير بالتاريخ، ويعتبر ذلك أفضل من النسيان.
يمكن تشبيه التدخلات المتعددة في الشرق الأوسط بمعالجة مريض في الغيبوبة بالأسبرين. إبتداءاً من التيارات الإسلامية إلى الأحزاب الشيوعية، ومن القومية إلى الليبرالية ومن الإتجاهات المقاومة المختلفة وحتى جميع أشكال الضغط على طراز إسرائيل، تم الإثبات بشكل واف أن كل هذه التيارات لم تستطع لعب دور أكثر من تأجيج أبسط المشاكل، وتبين هذه الحقيقة أن التشخيص والمعالجة بعيدة عن واقع البنية. فقد تم تكوين كيان مصطنع بمصطلحات مصطنعة، ومن ثم يعتقد أنه سيتم القيام بالعمل من خلال التشخيص والمعالجة. إن كل ما يوجد في الشرق الأوسط بإسم الحداثة لا يتعدى كونه نموذجاً إستعراضياً، فحتى المنطقة لا تعرف نفسها وتعيش جهالة سوداء وتغرباً عميقاً عن مسائل التاريخ، وغدا المجتمع كالخرسانة، وأصبحت مؤسسات السياسة والدولة تشكل ورماً سرطانياً، وكأن الروح المظلمة لكبائر المراحل تتجول، إذ يتم معايشة وضع تخريبي أكثر عمقاً وتفسخاً مما أحدثه المغول والآشوريون بأضعاف مضاعفة؛ وهكذا فالشرق الأوسط يشبه لغزاً غامضاً ومعادلة تضم مجاهيل كثيرة لم يتم حلها حتى الآن.
إن إمكانية تحليل الشرق الأوسط مرتبطة بإمكانية إقامة روابطه الصحيحة مع الحضارة الأوروبية، وتعطي هذه المسألة معناها الصحيح عند تناولها بتكامل ديالكتيكي، كما نرى من الضروري لأوروبا أن تبحث عن أسسها الحضارية في حضارة الشرق الأوسط وتحديدها بشكل صحيح، كذلك يجب على الشرق الأوسط الذي أصبح قيمه الحضارية عبارة عن حطام ثقافي، أن يقوم بتعريف الحضارة الأوروبية بشكل صحيح لأجل تكوين أطروحته المضادة حسب هذه المرحلة. كما يجب التأكيد على أن التعريف لا يكفي أن يكون على شكل تجسيد أو تقليد، فما تم القيام به في القرنيين الماضيين لم يكن سوى تقليداً بسيطاً، ومع أنه لا مفر من مرحلة التقليد إلا أنها تشكل منهجاً تعليمياً مختلفاً وبدائياً على طراز القردة، ولا يوجد أي معنى لتكرار هذه المرحلة في يومنا هذا، وهكذا فإن تجاوز مرحلة التقليد بسرعة هو الشرط الأساسي لإحترام الذات وإعادة الإعتبار.
لازالت مرحلة تجسيد أوروبا مستمرة، إذ لا يمكن القول بأن هناك مرحلة تجسيد سليمة، ويبدو أنها بتلك القدرة التي تمكنها من نجاحها وسيتجه إلى التحول إلى أطروحة مضادة وتجسيدها بشكل متواز. فالنظر إلى التجسيد كمرحلة يمكن أن تعاش حتى النهاية، يعني عدم الإعتراف بالميراث والقوة الكبيرة لحضارة الشرق الأوسط. ولم تنجُ أية قوة إيديولوجية وسياسية وأخلاقية وفنية قامت بتجربة ذلك من الفشل، ولا يعود سببه إلى عدم القدرة أو قلة الجهود، بل إنه نابع من عدم معرفة الميراث الحضاري الموجود في أساسه والقوة التي شكلته، وعدم تقييم هذه القوة على أنها تتحلى بسمة قبول التقليد والتجسيد حتى النهاية.
من المعروف أنه لا يوجد لدى السفلة وقليلي الشرف قضية إستنباط الدروس
هناك مسألة يجب ألا ننساها وهي أنه لا يمكن لعب دور يليق بالتاريخ دون أخذ التحول الشامل أساساً في الأعمال الإستراتيجية بعين الإعتبار، كما يجب على الحركات التاريخية التي تتطلع إلى لعب دور في الشرق الأوسط، أن تعمل على تكوين أطروحتها المضادة مجتازة بذلك التقليد والتمثيل. ولن تنجو أية حركة من تخطيها ما لم تنجح في هذا الأمر، وبالإمكان تخطي ذلك من خلال القضاء على قوة المقاومة المتخلفة مع مرور الزمن، أو برفض التقليد من قبل التراث الثقافي، حيث أثبتت العلاقات مع أوروبا ولا سيما في القرنيين الماضيين صحة ذلك. فإن مساعي التحديث السطحي خلال القرنين الماضيين تتعرض إلى هزيمة تامة في يومنا الراهن، وفي النتيجة كان يجب إستخلاص الدروس من ذلك، لكن من المعروف أنه لا يوجد لدى السفلة وقليلي الشرف قضية إستنباط الدروس، أما الباقون فيعتبرون التمسك بالعشائرية التي كانت شكلاً من أشكال المقاومة قبل ألف عام وعياً وشرفاً، ولندع مسألة أنهم لا يخجلون جانباً فهم يشعرون بالفخر بوضع أنفسهم في موقع الأبطال من خلال الدولة القومية التي تعتبر الشكل الحديث للعشائرية بدون خجل.
إلا أن العشائرية، والقومية كشكل حديث لها، تبقى بسيطة أمام قوة وتراث حضارة الشرق الأوسط الكبيرة وهي مرغمة على ذلك ولربما يوجد معنى تاريخي لمقاومة القبائل الصحراوية العمورية والهرية الجبلية ضد الحضارة السومرية، حيث أدت إلى ظهور الملاحم العشائرية. وكذلك هنالك معنى أيضاً لمقاومة القبائل العبرية بإسم الدين التوحيدي الجديد ضد نمرود وفرعون، حيث أستطاعوا وضع الكتب المقدسة، وأظهروا القدرة على مساهمتهم في تكوين الأطروحة المضادة والتركيبة في التاريخ. لكن لا يوجد لمقاومة الحضارة الأوروبية إستناداً على العشائرية والدينية والقومية أية خاصية لتكون أطروحة مضادة و تركيبة. وما يهدفون إليه هو التقليد الناجح كنمط متطور للتقليد والتحول إلى المحلية. ويمكن أن يجعلوا الآخرين يشعرون بها كأطروحة مضادة من خلال إطلاق اللحية ووضع الكوفية كإلتزام بذكريات الماضي، لكن ذلك لا يعبر سوى عن تحويل التقليد إلى تهريج. إن التجسيد الذي يكون ناجحاً في تحوله إلى محلية، لا يملك خاصية تخلق قوة جوهرية وأطروحة مضادة، لكن يمكن أن يدعي بأنه قد تعمق بالإقتباس والقيام بحقن القيم المحلية.
مازالت الملكية المطلقة والأنظمة الجمهورية بعيدة عن هذا النوع من التجسيد في هذا الجانب، ولا يمكن القول أنها أصبحت ملكية مطلقة أو أنظمة جمهورية بالمعنى الأوروبي، حيث لم تتخط الجمهورية الديمقراطية والعلمانية مستوى الكلام والديماغوجية. أما الحضارة الديمقراطية فمازالت بعيدة عن بلوغ معناها الإصطلاحي؛ فبتعميقهم للظواهر العشائرية والعائلية والقومية البدائية والشوفينية أخفوا مصالحهم الشخصية وجعلوا الشعب يتقبل ذلك عن طريق مناهج لا أخلاقية ولا يمكننا القول أن البنية الفوقية الحاكمة للمجتمع تقوم بمحاولات أو أعمال أصيلة فيما عدا ذلك، ويجب علينا التأكيد بأنهم مازالوا متخلفين ومتأخرين عن الأصالة العشائرية التي كانت سارية قبل أربعة آلاف سنة. أما السياسة الرسمية في الشرق الأوسط وبمؤسساتها الفوقية والتحتية فهي تمارس أشد أشكال القمع الرهيب لفرض التقليد والإنحلال على الجماهير بإسم الحداثة والتقدمية، بينما تجمع المزيد من الثروات بوسائل النهب الأكثر بدائية. ولا يمكننا القول أن الحكام لم يتلقوا الدروس من ماضيهم الحضاري، فعند الضرورة يرسلون بلحاهم ويرتدون أزياء تذكر بالماضي، ولإضفاء صبغة التحديث على الأنظمة المستبدة المتبقية من العصور العبودية والأنظمة الملكية من مفهوم السلطنات، لجؤوا إلى صبغها بألوان أوربية. هناك من يسمي ذلك بإصلاحات وهناك من يسميه بالثورة. وفي الحقيقة ليس هناك ثورة أو إصلاح، بل هو ترسيخ للوضع المعاش. إن القيام بإستيراد القطع والمسامير من أوروبا لا يمكن أن نسميه بثورة ثقافية، لنترك الثورة الثقافية جانباً، فإن الشرق الأوسط لم يتعرف حتى على الإصلاحات، والإضافات التي تفرض من الخارج لا تسمى بالإصلاحات، بل يقال عنها إحتلال وتحول إلى مستعمرات. ربما هناك تطور ما لكننا لا يمكن أن نسميه بثورة أو إصلاحات. ولم يتم تجاوز الاستعمار الجديد حتى في الدول التي عاشت تعمقاً كبيراً، لكن هناك إقتناع به كهدف.
ما يمكن قوله عن قيم حضارة الشرق الأوسط، مستخلص من أعمال التنقيب والبحث عن الآثار، ويمكن إعتبار ذلك نجاحاً للمستشرقين المعتمدين على الحضارة الأوروبية، ولكنهم كانوا ينفذون ويفسرون بشكل خاطئ ومحدود. ومازال العلم والتقنية بعيدين عن تجاوز مثال الكتب المحمولة على ظهر حمار. لقد بات جلياً إنه بتقديم الموارد المادية و هدرها لا يمكن وضع بنيان إقتصادي بالمعنى الرأسمالي، لكن كما أكدنا سابقاً أن مواصلة إستبدادية المؤسسات السياسية والسلطنة عبر الألاعيب وبأساليب حديثة هو الأساس، إذ تم جعل التأثير الخرساني لواقع المثيولوجيا القديمة والدين مسيطراً على العقول إيديولوجياً، ومثلما لم يتعرض هذا التأثير للتحطيم، فإنه أخذ شكلاً أكثر خطورة بمزجه مع الفلسفة والعلم المعاصر. بإختصار، فالتأثر من الحضارة الأوربية الذي ساد منذ القرنين الماضيين لم ينج من أن يكون أفشل مثال ما شهده العالم. ويدل ذلك على عمق الجهل والفساد رغم توفر المصادر المادية والحضارة الغنية. مرة أخرى تتأكد الرؤية التالية: طالما لم يتحقق نمط العلاقات المستندة إلى الأطروحة المضادة والتركيب مع الحضارة الأوروبية. والذي يمكن أن يعطي طريقاً لحضارة الشرق الأوسط كضرورة ديالكتيكية للعصر، فإن الماضي العريق لن يتسامح مع الإقليمية والقومية الفاسدة.
إن كلكامش وسارغون وإبراهيم وموسى وزرادشت وسقراط وعيسى ومحمد وأنصار النهضة هم الأمثلة الأولى التي ترد إلى العقل
يعتبر هذا الوضع أمراً متعلقاً بجوهر الحضارات، ويمكن للذين يستطيعون بناء روابط ديالكتيكية مستندة إلى تكوين الأطروحة المضادة والتركيبة في الشرق الأوسط عن طريق قيم الحضارة الأوروبية، أن يكتسبوا حق تشكيل قوة لحملة الإنطلاقة التاريخية، ليس لأجل المنطقة فحسب، بل لأجل العالم برمته. هكذا كانت الإنطلاقات الكبيرة عبر التاريخ. إن كلكامش وسارغون وإبراهيم وموسى وزرادشت وسقراط وعيسى ومحمد وأنصار النهضة هم الأمثلة الأولى التي ترد إلى العقل. إذ تتضمن ثقافة الشرق الأوسط ثقافة عاشت هذا النوع من الإنطلاقات التاريخية والبدايات الحضارية أكثر من غيرها. فالتصاعد والتعاظم التاريخيان في هذه الثقافة حدثا على شكل حلقات متتالية، لكنها شهدت إنقطاعا منذ أكثر من ألف سنة، وفاصل طويل كهذا أدى إلى حدوث التصدؤ والتفسخ.
السؤال الأساسي الذي يجب طرحه أيضاً هو: هل يمكن لكيان الشرق الأوسط التاريخي والثقافي المبني على الإنطلاقات الكبيرة أن ينتقل إلى المستقبل بإضافة حلقة حديثة وإحياء نفسه..؟ والأهم من ذلك هل يمكن أن يضيف حلقة جديدة للميراث المثيولوجي الذي أصبح الأمل المنقذ للإنسانية..؟ هل يستطيع أن يتوصل إلى قوة تمكنه من تكوين أطروحته المضادة وتركيبها دون الإكتفاء بتجسيد أوروبا..؟ فإما أن يقوم الشرق الأوسط بإضافة حلقة جديدة للإنطلاقات التاريخية كي تشكل قوة لهذه المهمة، أو أنه لن يتخلص من اللعنة من الأعماق ولن يمنح التاريخ خياراً ثالثاً. فالتاريخ يقول ” لن تكون كـ روسيا، الصين، الهند، وأمريكا الجديدة، بإعتبارهم يشكلون محيط المركز، ينتظرون دائماً إنطلاقة تاريخية جديدة، وهكذا رسم التاريخ قدرهم، أما قدرك فهو مسيرة حضارية كبيرة مبنية بإنطلاقة قوية مثل تدفق النهرين العظيمين النيل والفرات، فيا أيها الولد اللعين والعديم الأصل، إن لم تصبح مثلهم لن أغفر لك”. ويقول الشرق الأوسط الذي كان مرتعاً للآلهة:” يا أيها الزوج الخرف والعاجز، لن أكون معك سأحترق وأصبح رماداً لكنني لن أقاسمك خيانة الحياة ” كموطن للآلهة يقول: “أيها الأقزام لن أقبلكم حتى عباداً لي، فأنتم ملعونون ولا تليقون إلا بالإحتراق في نار جهنم”. ويقول الفنانون الكبار:” إننا لن نغني ولن نعزف الموسيقى ولن نكتب الملاحم والشعر لأنكم قضيتم على جمال الروح للأدب والفن وخنتموه”. ويقف جميع الفنانين الكبار أمام التاريخ ويقولون:” لن نغفر لكم”.
تقول حضارة الشرق الأوسط ذلك بصمت وتقدم جواباً للضغوطات الخارجية بهزةٍ من كتفيها، تريد أن تشرح ذلك بعدم التحول وإعتبار البقاء كالحجر شرفاً لها، وتنتقم بتعريض أولادها لجميع أنواع الهزائم وتركهم أمام مواقف سافلة لألف عام. هكذا يكون جوابها، قد توجد لها أجوبة أخرى مذهلة، فهي تخبئها للمستقبل، وتستعد لتقديم أجوبة لا تنتهي من جعبتها، وتقول:” يا أيها الجزء الملعون من التاريخ والحاضر المتقزم ماذا سيكون جوابك حيال هذه المواقف..؟ فان كنت شجاعاً و شريفا” فأنهض وإستجب لها”.
كيف ستدخل في علاقة الأطروحة المضادة والتركيب مع الحضارة الأوروبية..؟
يمكن تطوير تقييمات شاملة حول مقاومة حضارة الشرق الأوسط ووقفتها الصامدة. بإعتقادي سيكون ذلك كافياً من أجل لفت الإنتباه. لنحاول الإقتراب إلى المسألة التي تحمل الأهمية، كيف ستدخل في علاقة الأطروحة المضادة والتركيب مع الحضارة الأوروبية..؟ لقد أجرينا تقييماً حول ولادة وتطور وإنتشار الحضارة الأوروبية في العالم، وبخطوطها العريضة رأينا نتائج مواقفها الإستعمارية والصهر حيال الشرق الأوسط. إذا كانت الحياة في الشرق الأوسط ستستمر بمعنى وكبرياء في الجغرافيا التي خلقت الحضارة ورعتها، فإنها ستكتسب الصلاحية من خلال الإجابة على سؤال “كيف نعيش”، إذ لا يمكن تقديم إجابات صحيحة دون التعقل والتخلص من الأرواح المتصلبة التي أضحت عقدة مستعصية منذ مئات السنين.
علينا أن نوضح ما نقصده من قيام الشرق الأوسط بلعب دوره كطرف في الأطروحة المضادة والتركيب، فقد وصلت الحضارة الأوروبية مند زمن إلى وضع تشكل فيه أطروحة قوية على كافة المستويات في كل مكان من العالم، وتقف قوية واثقة من أسسها العلمية وأطروحتها التجريبية إبتداءاً من الإقتصاد إلى الإيديولوجيا ومن الفن إلى السياسة ومن التقنية إلى التاريخ، ومازال الإنتشار الكوني والمتمركز بعمق في العالم يتم عن طريق الإستيعاب؛ أما بالنسبة للشرق الأوسط فلم يتم تحقيق إنتشار مشابه لهذا بأي شكل كان. وهنا توجد مقاومة، ولا يريد التاريخ الذي خلق أوروبا أن يستسلم للتقليد والتجسيد من طرف واحد، ويريد الميراث التاريخي الكبير أن يجعل نفسه طرحاً مضاداً وتركيباً ليتحول إلى قوة لبداية جديدة تليق بتاريخه. إن التحول إلى أطروحة مضادة في مواجهة أطروحة أوروبا لا يعني الرفض الفظ، فمثلاً ليس للإنطلاقة الإسلامية أية قيمة كأطروحة مضادة، وحتى لو كانت تطمح بذلك فإنها لا تمتلك القوة اللازمة، ناهيك عن أن تصبح المواقف من قبيل القومية أو الشيوعية القائمة أطروحة مضادة، فأنها لم تلعب دوراً أكثر من القيام بتقليد بسيط؛ إذ لم تبد مساهمة في خلق حركة تنويرية ولو بقدر المستشرقين. أما الذين يتعاونون مع أوربا مباشرة، فلا يتعدون كونهم موظفين بسطاء وعملاء لها، لذا فإن مهمة التحول إلى أطروحة مضادة تنتظر التبني.
ما يجب تعريفه بالأطروحة المضادة هو كيف يمكن أن نحول الوجود الحضاري للشرق الأوسط مع مكونات الحضارة الأوروبية إلى أطروحة مضادة، بحيث تؤدي إلى إنطلاقة جديدة..؟ وما هي الظاهرة المضادة أو الميزة التي يمكن إستخلاصها من إقامة علاقة بين الحضارتين….؟ بإمكاننا تكوين الأطروحة المضادة للأطروحة الديالكتيكية التي تفتش عنها الإنسانية، دون الإنحلال فيها أو رفضها بطريقة فظة، بل بالمساهمة من جانبنا بمقدار ما هو مطلوب. إن الدور هو ليس تكوين التركيب، بل يتضمن معنى الوصول إلى قوة تستطيع إنقاذ العالم من التصحر العام والمحافظة على موقعه الذي يمكن العيش فيه. وهناك خطر من أن يؤدي الإنتشار من طرف واحد، أي العولمة والكونية المستندة إلى الأطروحة المضادة حتى ولو كانت على شكل ديمقراطي، إلى فاشية من نوع “إما الأسود أو الأبيض”. وتنهض جميع مناطق العالم عدا الشرق الأوسط متفقة بما يجب القيام به في عملية التجسيد من أجل الإستسلام لهذه الأطروحة. وستكون نتيجة ذلك فاشية على الطراز الديمقراطي، أو تطوراً مشابهاً لذلك، وهذا أخطر شيء بالنسبة للإنسانية، فإذا حدث ما يقال فإن ذلك سيكون “نهاية التاريخ”، وعدم حدوث ذلك مرتبط بالأطروحة المضادة. إذ أن عدم تحول الإشتراكية المشيدة التي تمت تجربتها بقيادة الروس إلى أطروحة مضادة، أدى إلى إستسلامها بإنهيار سيئ ألحق الضرر بالبشرية. وكان يجب ألا تنتهي كل هذه المقاومات الرائعة والمقدسة والدماء المراقة، والآلام والآمال إلى هذه النتيجة، ويعود سبب ذلك إلى التحدث عن اليوتوبيا الشيوعية زيفاً دون النجاح في التحول إلى أطروحة مضادة. وهكذا نجد بأن كل خطأ يؤدي إلى الخيانة والإستسلام.
أكدنا مراراً أن الواقع التاريخي للشرق الأوسط لا يسمح بعملية تجسيد عادية، لأنه لا يمكن حتى لقيم أطلال حضارة الشرق الأوسط أن تعي نفسها دون أطروحة مضادة، وبذلك فإنه يمكن وضمن ظروف جديدة أن تتحول الروح الإنسانية الموجودة في طابع هذه الحضارة إلى أمل مجدداً، وأن القبول بأقل من ذلك هو بمثابة إنكار للذات، حيث هناك الكثير ممن جرب ذلك، وبات واضحاً بماذا فاد وجودهم. فالشرق الأوسط لا يقبل أيضاً بهذه الكيانات المصطنعة والثانوية، إذ أن معدته الثقافية لا تكتفي ولو أكل كل العالم فهو لا يأكل لأنه يريد أن يصبح قيمة، وهذا ما يقتضيه جوهره وطابعه. إذاً كيف له أن يصبح أطروحة مضادة..؟ نقدم بعض أفكارنا بخطوطها العامة بعمق ودون تحريف وبشكل جوهري كمهمة تقع على عاتقنا.
يعد تجديد الهوية الإيديولوجية مهمة تاريخية أولى، إذ يجب توحيد حركة النهضة والإصلاح والتنوير التي لم تتحقق بعد في ثقافة الشرق الأوسط وتحقيقها كحركة واحدة. وستحدد التحولات التي ستجري في هذه المجالات الثلاثة الهوية الإيديولوجية الجديدة. وهذا يعني التحول الأساسي في المجال الذهني والروحي.

عن الشرق الأوسط الديمقراطي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الخيارات المطروحة بين العيش المشترك والتقسيم

نور الدين عمر رغم أنّ الفيدرالية المشتقّة من اللاتينية هي ككلمة وكمعنى ...