مجلة فكرية سياسية ثقافية تعنى بشؤون الشرق الأوسط

الاقتصاد السياسي للصراعات في الشرق الأوسط الحداثة الرأسمالية وصراعات الهيمنة

 

إسماعيل خالد

مقدمة:

يُعدّ الشرق الأوسط من أكثر مناطق العالم التي تأثرت ولا تزال تتأثّر بالصراعات السياسية والعسكرية الممتدة، حيث تقاطعت فيها عوامل تاريخية وسياسية واقتصادية واجتماعية وجيوسياسية وهوياتية متشابكة.

وقد اتجهت العديد من الأبحاث إلى تفسير صراعات المنطقة من خلال التنافس على السلطة، والانقسامات القومية والطائفية والمذهبية، والأثنية والعرقية، وضعف الدولة، والتدخلات الإقليمية والدولية وتجاذبات السياسة.

وعلى الرغم من أهمية هذه العوامل، فإنها لا تكفي وحدها لفهم البنية العميقة للصراعات، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالسؤال عن المصالح الاقتصادية التي تقف خلف الصراع، والموارد التي يجري التنافس عليها، والجهات التي تستفيد من استمراره.

فالصراع لا يدور فقط حول من يمتلك السلطة السياسية، وإنما أيضاً حول تلك الدول التي تمتلك الموارد، ومن يسيطر على إنتاجها وتوزيعها، ومن يتحكم في الأسواق والمعابر والموانئ وطرق التجارة ومصادر الطاقة، وسلاسل التوريد، ومن يمتلك القدرة على تحويل الموارد الاقتصادية إلى قوة سياسية وعسكرية.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الشرق الأوسط بسبب الموقع الاستراتيجي للمنطقة في الاقتصاد العالمي، وبسبب امتلاكها موارد مهمة، وفي مقدمتها موارد الطاقة النفط والغاز، إضافة إلى الممرات التجارية والموانئ والمياه والأراضي الزراعية وغيرها.

ومن هنا تبرز أهمية الاقتصاد السياسي باعتباره مدخلاً لتحليل العلاقة المتبادلة بين السلطة والثروة والموارد والأسواق والمؤسسات.

 

أهمية البحث:

هي محاولة تقديم قراءة للصراعات في الشرق الأوسط والتي تتجاوز التفسيرات الأحادية التي تركز على البعد السياسي أو العسكري أو الهوياتي، وتتعامل مع الاقتصاد باعتباره عاملاً ثانوياً.

فالاقتصاد ليس مجرد نتيجة للحرب أو ضحية لها، وإنما يمكن أن يكون أحد العوامل المؤثرة في نشوء الصراع واستمراره وفي إعادة تشكيل علاقات القوة بعده.

وتتمثل أهمية البحث في دراسة العلاقة بين السلطة والثروة، إذ إن امتلاك الموارد الاقتصادية يمنح الفاعلين قدرة على بناء النفوذ السياسي والعسكري، بينما تسمح السلطة السياسية بدورها بالتحكم في توزيع الموارد والاستثمارات والعقود والأراضي. ومن ثم تنشأ علاقة متبادلة بين القوة السياسية والاقتصادية، يمكن أن تؤدي في بعض الحالات إلى تكريس التفاوت والتهميش وإضعاف فرص المشاركة السياسية.

وكذلك الأمر في تحليل الموارد الطبيعية بوصفها عناصر استراتيجية تتجاوز قيمتها الاقتصادية المباشرة. فالنفط والغاز، على سبيل المثال، يرتبطان بأمن الطاقة العالمي وبالممرات التجارية والسياسات الدولية، ولذلك أصبحا جزءاً من العلاقات الجيوسياسية للمنطقة.

وتتمثل أهمية هذا البحث في تحليل اقتصاد الحرب. فالحروب لا تؤدي إلى انهيار الاقتصادات فحسب، بل يمكن أن تنتج منظومات اقتصادية جديدة لها قواعدها وشبكاتها ومصالحها. فالسيطرة على المعابر والموارد والأراضي وطرق التجارة قد تصبح مصدراً للتمويل، بينما تتوسع أنشطة التهريب والاقتصاد غير الرسمي والاستيلاء على الممتلكات.

 

أهداف البحث:

يهدف البحث إلى تحليل الاقتصاد السياسي للصراعات في الشرق الأوسط في ظل الرأسمالية المعولمة، من خلال:

1 – تحليل العلاقة بين السلطة والثروة في إنتاج الصراعات وإعادة إنتاجها، ودراسة دور موارد الطاقة الأحفورية “النفط والغاز” والموارد الطبيعية في تشكيل علاقات القوة والهيمنة، ودور اقتصاد الحرب والشبكات الاقتصادية التي تنشأ في ظل النزاعات.

2 – تحليل تأثير الرأسمالية المعولمة في اقتصادات الشرق الأوسط، دراسة العلاقة بين الأسواق العالمية والمصالح الإقليمية والصراعات المحلية.

3 – تحليل دور القوى الإقليمية والدولية في الاقتصاد السياسي للصراع، ودراسة أثر العقوبات الاقتصادية والحصار في الاقتصادات المحلية.

4 – تحليل دور الشركات ورؤوس الأموال العابرة للحدود في المنطقة، ودراسة اقتصاد إعادة الإعمار بوصفه مجالاً لإعادة توزيع الثروة والنفوذ.

 

أسئلة البحث:

تنطلق أسئلة البحث من أن الصراعات في الشرق الأوسط غالباً ما تُفسر من خلال عوامل سياسية وأمنية وهوياتية، في حين يحظى البُعد الاقتصادي، وخاصة العلاقة بين الثروة والسلطة والموارد وبنية الاقتصاد العالمي، باهتمام أقل من أهميته الفعلية.

ومن هنا تتمثل المشكلة الرئيس من خلال السؤال التالي:

إلى أي مدى أسهم تطور النظام الرأسمالي من شكله الكلاسيكي إلى شكله المعولم في إعادة إنتاج أنماط جديدة من الهيمنة الاقتصادية والسياسية، وفي تشكيل طبيعة الصراعات في الشرق الأوسط؟

وهناك فكرة أعمق يمكن أن تميّز البحث: عدم التعامل مع النفط والغاز بوصفهما مجرد موارد طبيعية، بل باعتبارهما جزءاً من بنية الاقتصاد السياسي العالمي وعلاقات القوة والهيمنة. وهذا سيسمح لك بالانتقال من تفسير الصراع باعتباره «صراعاً سياسياً أو طائفياً» إلى تحليله ضمن بنية أوسع تشمل رأس المال والطاقة والأسواق والدولة والقوى الدولية.

 

مصطلحات البحث:

الاقتصاد السياسي:

يقصد به الحقل المعرفي الذي يدرس العلاقة المتبادلة بين الاقتصاد والسياسة، وخاصة كيفية تأثير السلطة السياسية في إنتاج وتوزيع الموارد والثروة، وكيف يمكن للقوة الاقتصادية أن تؤثر في القرار السياسي.

وفي هذا البحث يُستخدم المصطلح لتحليل العلاقة بين الثروة والموارد والأسواق والسلطة والصراع.

 

الاقتصاد السياسي التقليدي:

تتأثر دراساته بالعوامل السياسية والاجتماعية، مثل الأيديولوجيات السياسية، والنظم الانتخابية، ودور قوى الهيمنة والضغط.

حيث يركز الاقتصاد السياسي التقليدي على دراسة كيفية تأثير السياسات والمؤسسات في توزيع الموارد والرفاه الاقتصادي، فيما يركز اقتصاد الطاقة على دراسة الدور الحيوي للطاقة في الاقتصاد العالمي وتأثيراتها في الاستقرار السياسي والعلاقات الدولية.

ويُعتبر اقتصاد الطاقة تخصصاً أكثر تحديداً ضمن إطار الاقتصاد السياسي، حيث يُعنى بشكل خاص بالقضايا التي تنشأ من اعتماد الاقتصاد العالمي على موارد الطاقة المحدودة والمتقلبة([1]).

 

الاقتصاد السياسي للصراع:

يقصد به دراسة العلاقة بين المصالح الاقتصادية والقوى السياسية في إنتاج الصراع واستمراره وتحولاته، بما يشمل الموارد التي تمول الصراع، والجهات المستفيدة منه، والشبكات الاقتصادية التي تنشأ حوله، وآثاره في توزيع الثروة والملكية.

 

الرأسمالية المعولمة:

هي نظام اقتصادي واجتماعي تتشابك داخله عمليات الإنتاج والتجارة والاستثمار والتمويل وحركة رأس المال والعمل عبر الحدود الوطنية.

وفي هذا البحث تُفهم الرأسمالية المعولمة بوصفها الإطار العالمي الذي تتفاعل داخله دول الشرق الأوسط وأسواقها ومواردها مع الشركات ورؤوس الأموال والأسواق الدولية.

 

العولمة الاقتصادية:

تشير إلى عملية تزايد الترابط بين الاقتصادات والمجتمعات من خلال التجارة والاستثمار وحركة رأس المال والتكنولوجيا وسلاسل الإنتاج والأسواق العالمية.

والفرق بين المفهومين؛ أن “العولمة الاقتصادية” تصف عملية الترابط، بينما تشير “الرأسمالية المعولمة” إلى النظام ويُستخدم المفهوم لتحليل العلاقة بين موارد الريع وطبيعة الدولة والمؤسسات والمجتمع والطبقات.

 

اقتصاد الحرب:

هو مجموعة الأنشطة والشبكات والعلاقات الاقتصادية التي تنشأ أثناء الصراع أو تتوسع بسببه، مثل التهريب والاحتكار والسيطرة على المعابر والموارد، والاستيلاء على الممتلكات، والاقتصاد غير الرسمي وتمويل الجماعات المسلحة.

وبذلك تصبح الحرب، في بعض الحالات، منتجة لبنية اقتصادية لها مصالحها الخاصة.

 

اقتصاد السلام:

هو مجموع المؤسسات والأنشطة الاقتصادية التي تساعد على تثبيت السلام ومنع عودة الصراع، من خلال التنمية وفرص العمل والعدالة الاقتصادية وإعادة بناء المؤسسات والخدمات.

 

اقتصاد الظل:

هو مجموعة الأنشطة الاقتصادية التي تتم خارج الأطر الرسمية أو خارج الرقابة الحكومية الكاملة، مثل بعض أنشطة التجارة غير المسجلة والتهريب والعمل غير الرسمي.

وقد يتوسع اقتصاد الظل في ظروف الحرب والعقوبات وضعف مؤسسات الدولة.

 

 

الفصل الأول: التحولات الرأسمالية والحداثة وأثرها في بنية الصراع الدولي

 

المحور الأول: الهيمنة الايديولوجية للحداثة الرأسمالية وتشكّل النظام الاقتصادي والسياسي الحديث:

إن ممارسة الهيمنة العالمية للحداثة الرأسمالية مستمرة بالرغم أنها تكـون حساسـة إزاء الحقيقـة القائلـة إنّ الجغرافيا السياسية تبقى اعتباراً حرجاً في الشؤون الدولية.

وقد رُوِيَ عن نابليون أنه قال: “إنه لمعرفة الجغرافيا المتعلقة بشعب ما يجب معرفة سياسته الأجنبية”. إن فهمنا لأهمية الجغرافيـا السياسية يجب، عموماً، أن نتكيف مع الحقائق الجديدة للقوة.

أما التجاربُ الاشتراكيةُ والديمقراطيةُ والقوميةُ التي أحرزَت النجاح، فلَم تُنقِذْ نفسَها من نيرِ الهيمنةِ الأيديولوجيةِ الليبراليةِ للحداثةِ الرأسمالية، وعجزَت عن الخلاصِ من الانصهارِ في بوتقتِها، نظراً لقصورِها في رسمِ الحدودِ الفاصلةِ بينهما بوضوحٍ وشفافية. لكنّ هذا الوضعَ لا يدلُّ قطعياً على زوالِ ثقافةِ المقاومةِ والحياةِ الحريةِ كلياً، بل يُبَرهِنُ على تطوير وتطبيق مثالٍ يُشبِهُ القمعَ المهيمنَ المُعاشَ مِراراً وتكراراً طيلةَ مسارِ تاريخِ المدنية.

وبما أن الرأسمالية عبارة عن مفهوم وعقيدة، فإنه – أي المفهوم – من جهة يفيد في وصف طرق الإنتاج، ومن جهة أخرى هي عقيدة بمستوى الاشتراكية نفسها، نظراً لتركيب الكلمة المتشابهة – الرأسمالية – اشتراكية – حيث كانتا تاريخياً متعارضتين بهذا المعنى، وجرى استخدامها كتعبير صراعي. ووفق رأي “فرانسو بيرو” بهذا الشكل تعرّف الرأسمالية بشكل متناقض للاشتراكية التي تتميز بأولوية السياسة على الاقتصاد.

هناك كميات كبيرة من الوقائع في النهاية تعطي الرأسمالية وقائع متنوعة: تراكم رأس المال، الملكية الخاصة، التنظيم بوساطة السوق، العلاقات التجارية والرواتب. ولا يتفق جميع المفكرين حول أهمية كل من هذه الخصائص حتى لو أن فكرة التطور التدريجي للتراكم غير المحدود موجودة في غالبية مفاصلها.

بالرغم من غزو الطرائق الرأسمالية الغربية العالم بالتدريج، فإنه يخلق الوسط الأكثر ملاءمة لممارسة الهيمنة الحداثية غير المباشرة والتي تبدو كأنها ذات طابع يوجد إجماع عليه. وعلى غرار ما هو عليه الحال في النظام الأميركي الداخلي، فإن هذه الهيمنة تتضمن بنية معقدة من المؤسسات والإجراءات المترابطة داخلياً فيما بينها، والمعدة لتوليد الإجماع وعدم التماثل الغـامض فـي القوة والنفوذ. وهكذا، تدعم السادة العالية الأميركية بوساطة منظومـة دقيقـة مـن التحالفـات والائتلافات تمتد في كل أنحاء العالم.

وعلى الرغم من كل التحفظات؛ فإن الاحتمال الأرجح هو أن مصير الحداثة الرأسمالية التي هي آخر نظام للمدنية المركزية سيحدد وفق سير الصراعات الدائرة في الشرق الأوسط. فبالرغم من الحاكمية الساحقة للحداثة الرأسمالية في حاضرنا، إلا أن الرأسمالية من حيث وصولها قد عدت على مر التاريخ البشري شذوذاً اجتماعياً أرعناً وتضاداً مع مسار التدفق العام للإنسانية وانشقاقاً عن الديالكتيك الكوني للطبيعة([2]).

 

أولاً: مفهوم الحداثة وعلاقتها بالرأسمالية، والعلاقة بين القوة الاقتصادية والقوة السياسية:

أكد العديد من الكتاب على أهمية البعد الاقتصادي في تحقيق الاكتفاء والاستقلالية الاقتصادية، بحيث يرى “باري بوزان” مدى قدرة الدول الوصول إلى الأسواق الخارجية والمصادر المالية، وما تفرزه هذه التفاعلات من اشتداد حادة التنافس بين الدول ضمن المستوى الإقليمي للحصول على صفقات تجارية مع قوى اقتصادية كبرى. وحسب “بوزان”؛ فإنه يمكن إدراك الأمن الاقتصادي من خلال المؤشرات التالية:

1 – اشتداد حالة عدم التوازن الاقتصادي بين الدول والضغوط التي يخلقها الاختلاف في الثروة والتطلعات بين الدول، خاصة بين دول الشمال الغني ودول الجنوب الفقير والقوى الاقتصادية العالمية.

2 – هشاشة الاقتصاديات الوطنية، التي أصبحت مهددة في ظل عولمة الاقتصاد الدولي وهيمنة الشركات الرأسمالية الكبرى، ومدى قدرة الدول للحفاظ على إمكانات مستقلة من الإنتاج العسكري في إطار سوق عالمية.

 

 

أزمة التعايش وفق النظم السياسية الرأسمالية المحتكرة:

التعايش هو المفهوم الأوسع الذي يسعى لتحقيق التلاحم ما بين الأفراد والجماعات وتأسيس علاقاتهم على أسس سلمية، بعيدة عن بؤرة الصراعات والاشتباكات التي تؤدي إلى تصادم فكري وثقافي وأخلاقي.

يقول “ميشيل فوكو”، “لا شيء أصعب من نظام سياسي لا يكترث بالحقيقة، ولكن لا شيء أخطر من نظام سياسي يحتكر الحقيقة”.

حينها تصبح المسألة أكثر تعقيداً على التعايش إن تم الاحتكار والانحطاط الفكري والإيديولوجي للحداثة الرأسمالية التي أثرت وبشكل كبير على فعل التذكر. وبناء ذاكرة من جهة واحدة تجعل باقي الجهات تتهمها بالانحياز من قبل مكونات أو محاولة الغاء ذاكرة الآخرين أو منعهم من التذكر، إذ إن بناء ذاكرة واللجوء إلى الماضي والاحتكام إليه من أجل حسم النزاعات لا يمكن أن يبني أرضية لذاكرة مشتركة، لأن لكل حدث خاصيته غير القابلة للتكرار. والتذكر ما هو إلا نقل للماضي من طابعه الحدثي المتفرد والذي يمر سريعاً إلى طابعه المتمثل ذهنياً، أي الماضي كذاكرة أو صورة تومض.

باعتبار الفكر والإيديولوجيا مفهوماً وقيمة وثقافة وسلوكاً، ومشروعاً يجسد قيماً إنسانية، فإن مختلف المجتمعات تسعى إلى ترسيخه وحمايته، من حيث كون هذا المشروع شرطاً من شروط التوازن الاجتماعي والتنوع الثقافي والعيش المشترك في عالم اليوم، عالم تغيرت فيه الهياكل الديموغرافية نتيجة التداخلات السياسية العميقة([3]).

3 – التخوف من حدوث الأزمات الاقتصادية العالمية، يؤدي إلى انتهاج سلوكيات حمائية وعدم استقرار بنيوي على مستوى معظم الأنظمة.

4 – التنافس الدولي الحاد على مصادر الطاقة والوصول إلى الأسواق الاستهلاكية وسلاسل التوريد، من خلال استغلال التبعية الاقتصادية لأغراض سياسية، أو حتى  استحداث الآليات للشراكة الاقتصادية، نظراً  لحساسية العلاقات الطاقوية الدولية التي تمثل الطاقة أهم عناصرها([4]).

 

ثانياً: الرأسمالية كإطار لإعادة تنظيم العلاقات الدولية:

لقد دأبت الحداثة الرأسماليّة ذات القطب الواحد إلى قمع كل الأيديولوجيّات التي تقف عائقاً أمام الأيديولوجيّة الليبراليّة المميّعة التي ستقلب الكون برمّته إلى طبقات ودول أطراف تحوم حول الدولة المركز، فجاءت بمنجزها (الدولة القوميّة) التي لم تنجح كثيراً. وبعد فشل هذا النظام عادت إلى زرع الفوضى الخلّاقة (اللاأخلاقيّة) بعد ارتباك وفشل السياسة الأميركيّة، فظهرت المصطلحات الخطيرة كإعادة صياغة شرق أوسط جديد ونظام عالم جديد، أي في المحصّلة هدْم كلّ شيء وإعادة بنائه من جديد. ولكن السؤال الهام هو: كيف سيتمّ هذا الهدم؟! إذ لا حلّ سوى قتل الروح الشرق أوسطيّة ولا يتمّ ذلك إلا بالتدخّل العسكريّ المباشر([5]).

فلا حلّ إلا باللجوء إلا خلق تنظيم يحمل في طيّاته روح الإجرام وجمع كلّ نفايات العالم فيه من خلال تجنيد كلّ صنوف الغوغائيين الهمجيِّين الذين لا يحملون في طيّاتهم سوى القتل والدمار والسواد، فكانت التنظيمات الراديكالية اليمينية المتطرفة وبها سيتمّ تفتيت المنطقة وتهديم الشرق الأوسط وإعادة بنائه من خلال “المخلّص الملاك الغربيّ”. بعد ذلك تتم إعادة ترتيب الخرائط وفق قراءات قوى الهيمنة الاقليمية والدولية وإعادة تعويم وتدوير الحركات الجهادية المتطرفة.

إذا ما قارنّا بين ثقافة الحداثة الرأسمالية التي سادت العالم خلال القرنين الأخيرين، وبين ثقافة الشرق الأوسط الممتدّة حوالي ثلاثمئة ألف عام على نحو مركزيّ، فيستحيل الإيمان بانتصار هذه الثقافة الوليدة، واستسلام ثقافة الشرق الأوسط لها، وما خيبات الحداثة الرأسماليّة في الشرق الأوسط منذ ولادتها حتّى الآن إلا دلائل على ذلك.

والحرب في الشرق الأوسط قد تفاقمت بعد أن تجرّعت أوروبا مساوئ الحداثة الرأسماليّة إثر انهيار المنظومة الاقتصاديّة الدولتيّة التي أقصت الشعب وأدخلته في متاهات الماضي والحاضر والمستقبل والإيديولوجيات والحداثة الرأسماليّة، و حروب الإسلام السياسيّ الراديكاليّ والمتوحّش المسخ المتجسّد في “داعش” وتوابعه والإسلام المعتدل وصراعه على السلطة والدولة بعيدة عن هذا الموضوع، فالموضوع هو الصراع الذي خلقَه هو التلاقح بين هيمنة الحداثة الرأسماليّة وبين المجتمع الذي لم يتقبّل هذه الحداثة الرأسماليّة لعمق التاريخ الحضاريّ المجتمعيّ في الذهنيّة الشرق الأوسطيّة. وعلى الرغم من الجيش الإعلاميّ والمعلوماتيّ من قبل العلماء المدرّبين في المدرسة التي تروّج لليبراليّة الغريبة كلّ الغرابة عن ثقافة المنطقة، لذلك نرى من يتمرّد على هذه الحداثة الرأسماليّة بعد أن تقوى شوكته قليلاً، فيرى نفسه أعلى من أولئك الغربيّين الغريبين الذين أوصلوه في الأساس إلى سدّة السلطة، فيبدأ مشروع إزاحته، أو ترويضه.

 

المحور الثاني: الرأسمالية الكلاسيكية، والرأسمالية المعولمة وبناء علاقات الهيمنة:

 

أولاً: التراكم الرأسمالي، الرأسمالية المعولمة والصراعات الإقليمية:

إن تطور النظام الرأسمالي الغربي بالشكل الذي أوضحناه أعلاه، جعله في مواجهة واضحة مع المفرزات المنتجة عنها سواءً على الصعيد الداخلي للمنظومة أو على صعيد تعاملها مع دول الأطراف. واستدعى الأمر تغيير إحداثيات استراتيجيته الجديدة لاستمرار الهيمنة الغربية في المستقبل القادم.

إن إدخال الرأسمالية المعولمة في تحليل صراعات الشرق الأوسط يسمح بفهم العلاقة بين المستوى المحلي والمستوى العالمي.

فالدول والأسواق المحلية ترتبط بالاقتصاد العالمي من خلال: الطاقة، التجارة، الاستثمار، التمويل، الشركات، الأسواق ورأس المال.

هذه الروابط تجعل الصراع المحلي قابلًا للتأثر بالتغيرات العالمية في أسعار الطاقة، وتدفقات رأس المال، والسياسات المالية، والعقوبات، والتحولات في الأسواق.

ويشير “هانيه” إلى أن الاقتصادات الخليجية لا يمكن فهمها بمعزل عن الاقتصاد السياسي للشرق الأوسط أو عن حركة رأس المال العالمية، إذ أصبحت فوائضها المالية مرتبطة بتدفقات رأس المال والسلع والعمل داخل المنطقة وخارجها.

إن العلاقة بين الرأسمالية المعولمة والصراع في الشرق الأوسط ليست علاقة سببية بسيطة يمكن اختزالها في القول إن “الرأسمالية تخلق الحروب”، الأدق هو القول إن الصراعات تحدث عند تقاطع البُنى المحلية والإقليمية مع النظام الاقتصادي العالمي.

فالمنافسة على الموارد والطاقة والأسواق والممرات التجارية يمكن أن تتقاطع مع المصالح الجيوسياسية، بينما تؤدي حركة رأس المال والاستثمارات إلى إعادة تشكيل مناطق النفوذ.

وتوضح دراسة “ريموند هينبوش” أن النفط في الشرق الأوسط ارتبط بالعولمة المالية وبالتدخل العسكري وبالنظام الإقليمي، وأن الصراعات على النفط في الدول التي ضعفت فيها مؤسسات الدولة ساهمت في إطالة أمد النزاع.

ومن ثم يمكن صياغة العلاقة على النحو الآتي:

الرأسمالية المعولمة، ثم التنافس على الموارد والأسواق، بعدها تأتي إعادة تشكيل علاقات القوة، وثم الصراع ويليه اقتصاد الحرب، فإعادة توزيع الثروة، وإعادة الإعمار، ومن ثم إعادة إدماج المنطقة في الاقتصاد العالمي.

هذه ليست دائرة حتمية، لكنها تمثل إطاراً تحليلياً يساعد على فهم كيف يمكن للصراع أن يعيد إنتاج نفسه اقتصادياً وسياسياً، وكذلك ربط الصراعات في الشرق الأوسط ببنية الرأسمالية المعولمة. فالمنطقة مرتبطة بالاقتصاد العالمي من خلال الطاقة والتجارة والاستثمار والتمويل ورأس المال. ومن ثم فإن دراسة الصراعات المحلية بمعزل عن حركة رأس المال والأسواق العالمية قد تؤدي إلى قراءة ناقصة. ويبيّن “هانيه”، مثلًا، أن رأس المال الخليجي أصبح مؤثراً في قطاعات الزراعة والعقارات والتمويل والتجارة والاتصالات والبنية التحتية في أجزاء واسعة من الشرق الأوسط.

حينها يمكن النظر إلى التدخلات الإقليمية والدولية من منظور اقتصادي، وليس سياسي فقط. فالتدخلات قد ترتبط بأمن الطاقة، والأسواق، والاستثمارات، والممرات التجارية، ومصالح الشركات، وإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي.

وفي العقوبات الاقتصادية والحصار باعتبارهما أدوات تعيد تشكيل الاقتصاد المحلي، فقد تؤدي العقوبات إلى تقليص التجارة والاستثمار الرسميين، لكنها قد تسهم في الوقت نفسه في توسيع الاقتصاد غير الرسمي والتهريب وشبكات الوسطاء، بما يغير توزيع القوة والثروة داخل المجتمع.

وتظهر أهمية أخرى في تحليل مرحلة إعادة الإعمار. فبعد انتهاء الحروب والصراعات بمختلف مسمياتها، تبدأ منافسة جديدة حول من يملك الأرض، ومن يحصل على عقود إعادة الإعمار، ومن يسيطر على البنية التحتية والطاقة والعقارات والأسواق (مثلما يحصل في سوريا الآن)، وبالتالي قد تتحول إعادة الإعمار من عملية اقتصادية لإعادة بناء المجتمع إلى مجال جديد لإعادة توزيع الملكية والثروة والنفوذ.

وفي توظيف نتائجه في فهم حالات محددة، ولا سيما سوريا والعراق واليمن وليبيا، حيث تتداخل الموارد والطاقة والحدود والمعابر والعقارات والنزوح والمساعدات مع الصراعات السياسية والعسكرية.

يمكن القول إن الطاقة ليست مجرد مورد اقتصادي، بل هي عنصر استراتيجي يحدد مسارات النمو الاقتصادي، ويؤثر في تشكيل التحالفات الدولية، ويساهم في استقرار الأنظمة السياسية أو اضطرابها.

ومن ثم، فإن فهم دور الطاقة في الاقتصاد السياسي العالمي يُعد أمراً ضرورياً لفهم الديناميكيات التي تحكم العالم الحديث، ولا سيما أن النفط والغاز ما زالا يؤديان دوراً محورياً في الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية، رغم التحول التدريجي نحو مصادر الطاقة المتجددة.

إن دراسة الاقتصاد السياسي للطاقة تتيح فهماً أعمق للعلاقة بين الموارد الطبيعية والقوة السياسية والاقتصادية، كما تساعد على تفسير جانب مهم من الصراعات الدولية والتحالفات الإقليمية والدولية، وتوفر أساساً لتحليل مستقبل النظام الدولي في ظل التحولات الجارية في أسواق الطاقة والتغيرات المناخية والتطورات التكنولوجية.

 

ثانياً: الرأسمالية، المركز والأطراف في الاقتصاد العالمي:

هناك في كلّ حضارة سائدة الآن وسابقاً ما هو “مقدّس” لديها، والآن بعد سيطرة الدولة الرأسمالية على الكون، وفشل الدولة الاشتراكيّة، باتت الرأسماليّة “فكراً مقدّساً”، ومن يعادي هذا الفكر المقدّس فإنّه يعادي الديمقراطيّة وحقوق الإنسان والتكنولوجيا وهذا التطوّر المادّي الخرافيّ في هذا الكون.

حتّى بات الإعلام يسيطر على العقول، فأيّة نظريّة تعادي الرأسماليّة ليست عملة دارجة، ولا يُسوّق لها، بالتالي: أيّة أفكار تعادي الرأسماليّة هي اشتراكيّة بالضرورة، وكلّ ما هو اشتراكيّ بات سلعة غير طازجة، وغير معدّة للبيع، وبالتالي لا تلاقي الترويج، فأصبح الكاتب والمفكّر سلعةً بيد الإعلام، يبتعد عن الفكرة غير الدارجة لأنّها سلعة ميّتة بالضرورة.

إن الصراع الدولي، الذي تتفرع منه وتندمج فيه كل أشكال العلاقات الدولية، السلبية والايجابية، كان يتمحور حول العلاقات التفاعلية. أي الصراعات بين الغرب والشرق، انطلاقاً مما يسمى اليوم “الشرق الاوسط”. واستناداً إلى هذه العلاقات التفاعلية الصراعية، نشأت مفاهيم جيوبوليتيكية مثل الشرق الأوسط.

إن وحدة السوق التجارية العالمية القائمة على تفعيل حركة الاستثمارات وتوظيف الرأسمال في مختلف الأقاليم المتقاربة، تطورت عبر الهيمنة على اقتصادات العالم المتعددة الأقاليم وفق “منهج العولمة اللانمطي”.

لقد أدت عولمة العلاقات الاقتصادية الرأسمالية في مرحلة ما بعد الحداثة إلى انتقال الهيمنة داخل اقتصادات الدول وداخل الاقتصاد العالمي إجمالاً، إلى الشركات العابرة للقارات ومؤسسات الأعمال الكبرى، التي تملك سلطة قوية قادرة على نقل الاستثمارات الرأسمالية من مكان إلى آخر، مع ما يستتبع ذلك وما يستلزمه من تأثيرات في مجالات الاقتصاد وحركة الموارد والسيطرة عليها، المترافقة مع تغيير أنماط المعيشة في المجتمعات المحلية.

تكمن مفارقة منطقة الشرق الأوسط بأنها من أضعف الحلقات في بنية النظام الدولي المعاصر وأكثرها صلابة وتطرفاً في المحافظة على هذه الإيديولوجية المدمّرة. وهي كونها في وضعية التبعية والخضوع للنسق الرأسمالي الدولي، وفق “إيمانويل والرشتاين”، فإنها من خلال آلية الدولة القومية الاستبدادية دخلت في حرب مفتوحة وشاملة ضد المجتمع بغرض التعويض عن مكانتها المهينة والمذلّة في بنية النظام الدولي.

ثمة تناقض فاضح بين سلوك حكومات الدول المتحضرة في مجتمعاتها وبين علاقاتها الدولية. تسود في المجتمعات الأوروبية، على سبيل المثال، علاقات إنسانية فريدة. فهناك العدالة والقانون وحرية الفرد والجماعات إلى جانب وفرة المعيشة. بينما نجد في علاقات هذه الحكومات الخارجية الكثير من الاستبداد وتجاهل حقوق الإنسان والشعوب وخرق القوانين الدولية التي كان لهذه الدول الدور الأساسي في إصدارها وتأسيس المؤسسات الدولية على ضوئها.

تملك الدول الكبرى اليوم جيوشاً هائلة، ومسلحة بأحدث الأسلحة الفتاكة القادرة ليس على تدمير بعضها بعضاً، ليس هذا فحسب، بل هي قادرة على إبادة البشرية عن بُكرة أبيها. لدينا ثلاث دول مرشحة للقيام بتدمير الحضارة البشرية المعاصرة وهي أمريكا، روسيا والصين. لا يفكر زعماء هذه الدول بمصير البشرية، وإنما يفكرون فقط بصراعاتهم. وقد وصلت التناقضات بين هذه الدول إلى مستوى أن كل دولة من تلك الدول تعتبر بقاءها مرهوناً بالقضاء على الأخرى أو تفتيتها.

هناك ثمّة خلاف جوهري بين الحروب القديمة والحروب التي فجّرها النظام الرأسمالي في تاريخه الحديث. كان الهدف الأساسي للحروب القديمة التوسع والنهب. بينما حدثت الحروب الرأسمالية نتيجة الأزمات التي تعرض لها النظام الرأسمالي من الداخل. الجديد في الأمر أن النظام الرأسمالي تطور في عصرنا بحيث تحول إلى شبكة عنكبوتية تمتد جذروه في كلّ أنحاء العالم.

فبالرغم من أن دول العالم حصلت على استقلالها السياسي، لكنها من الناحية الاقتصادية غير مستقلة. فهناك نظام رأسمالي واحد في العالم. هذا النظام له مراكز وله أطراف كما يقول الاقتصادي العالمي الدكتور سمير أمين (1931- 2018).

كانت الأزمات التي تحدث في الأنظمة الرأسمالية في القرن الماضي تبقى محصورة في بلد المركز ولا تمتد إلى المراكز الأخرى إلّا قليلاً. بل كانت دول أطراف الرأسمالية لا تشم حتى ريحها. غير أنّ حدوث أزمة في أي مركز من مراكز الرأسمالية الراهنة، سواء كانت اقتصادية أم سياسية أم عسكرية، ستمتد إلى المراكز الأخرى وستشمل العالم كله. هذه هي الرأسمالية العنكبوتية في قرننا. صحيح أنّ الأنظمة الرأسمالية في القرن الماضي كانت تخرج من جميع أزماتها وحروبها وهي تجدّد نفسها وتدخل في طور جديد من التطور، لكن الأمر مختلف اليوم.

 

المحور الثاني: الصراعات الشرق أوسطية في ظل الرأسمالية المعولمة

 

أولاً: الحروب وإعادة تشكيل الأسواق والاقتصادات المحلية:

تؤدي الحروب إلى تدمير الإنتاج والبنية التحتية، لكنها في الوقت نفسه قد تخلق أنشطة اقتصادية جديدة. فقد تظهر شبكات للتهريب، وتجارة غير رسمية، وسيطرة على المعابر، واستغلال للمساعدات، ومصادرة للممتلكات، والاتجار بالموارد. وهنا تصبح الحرب نفسها سوقاً لبعض الفاعلين.

وتكمن الخطورة في أن المستفيدين من اقتصاد الحرب قد يصبحون من أكثر الأطراف مقاومة لإنهاء الصراع، لأن السلام يعني بالنسبة إليهم فقدان مصادر دخل ونفوذ. ومن هنا فإن بناء السلام لا يتطلب وقف العمليات العسكرية فقط، بل يتطلب أيضًا تفكيك البنية الاقتصادية التي تستفيد من استمرار الحرب.

لقد أصبحت العقوبات الاقتصادية إحدى الأدوات الأساسية في العلاقات الدولية المعاصرة. وقد استهدفت العقوبات الحكومات والمؤسسات والقطاعات الاقتصادية، وأثرت بشكل كبير في المجتمعات والأسواق. وفي ظروف معينة تراجعت التجارة الرسمية وأدت إلى توسع التجارة غير الرسمية، وزادت من أهمية الوسطاء وشبكات التهريب، وأدت إلى إعادة توزيع الثروة باتجاه فئات قادرة على الوصول إلى الأسواق البديلة.

ومن هنا يجب دراسة العقوبات الاقتصادية التي تفرضها دول الهيمنة على الكيانات الأقل تماسكاً والأكثر تبعية ذوي الاقتصادات الهشة والتابعة، باعتبارها أداة سياسية واقتصادية في آن واحد، وليس باعتبارها إجراءً مالياً منفصلاً عن علاقات القوة.

 

ثانياً: الشركات، وشبكات المصالح والتدخلات الدولية:

لا يمكن دراسة الاقتصاد السياسي للصراع دون دراسة الدور الذي تلعبه الشركات ورؤوس الأموال العابرة للحدود. فالشركات العاملة في الطاقة والبنية التحتية والاتصالات والعقارات والخدمات قد تصبح جزءاً من عملية إعادة تشكيل الاقتصاد المحلي. وهذا لا يعني ذلك أن الشركات هي التي تصنع الحروب بصورة مباشرة، وإنما يعني أن الصراعات تحدث داخل بيئة اقتصادية تتقاطع فيها مصالح الدول والشركات ورؤوس الأموال. ويظهر هذا بوضوح في منطقة الخليج، حيث يوضح “هانيه” أن رأس المال الخليجي أصبح فاعلاً في قطاعات متعددة من الاقتصاد الإقليمي، وليس النفط وحده، بما في ذلك الزراعة والعقارات والتمويل والتجارة والاتصالات.

الفصل الثاني: الاقتصاد السياسي للصراعات في الشرق الأوسط وصراعات الهيمنة

 

المحور الأول: الاقتصاد السياسي للصراع في الشرق الأوسط:

لقد ارتبط الاقتصاد السياسي للمنطقة، بصورة أو بأخرى، بالأدبيات المعاصرة التي تقول إن موقع الشرق الأوسط ضمن منظومة الرأسمالية العالمية قائم على بنية الدولة والطبقات وعلاقات العمل وتراكم رأس المال.

غير أن تفسير الصراعات من خلال الموارد وبخاصة الطاقة وحده يظل قاصراً. فالمياه العذبة والأراضي الزراعية والثروات المعدنية والعقارات والمعابر والموانئ والأسواق والمساعدات، أصبحت جميعها عناصر تدخل في تشكيل القوة الاقتصادية والسياسية.

ومع اندلاع النزاعات، يمكن أن تتحول الموارد من أدوات للتنمية إلى أدوات للسيطرة والتمويل، وينشأ ما يُعرف بـ”اقتصاد الحرب”، حيث تتشكل شبكات من التهريب والاحتكار والسيطرة على المعابر والموارد والمساعدات، وقد يصبح استمرار الصراع مصدراً لمصالح اقتصادية لدى قوى مختلفة، وهنا يتحول العمل السياسي المنتظم إلى صيغة من العلاقات الهشّة والتي تُدار بطريقة فصائلية نتيجة القوى المسيطرة وتدار العمليات بكافة أشكالها بالوكالة.

وفي هذا السياق، برزت مصطلحات مثل “الرأسمالية المعولمة” باعتبارها إطاراً أوسع لفهم الاقتصاد السياسي للصراعات في المنطقة.

فاقتصادات الشرق الأوسط لم تعد تعمل ضمن حدود وطنية مغلقة، بل أصبحت مرتبطة بشبكات واسعة من التجارة والطاقة والاستثمار والتمويل ورؤوس الأموال والشركات متعددة الجنسيات والأسواق العالمية، وارتباط الاقتصادات في دول الشرق الأوسط، بما تمتلكه من فوائض مالية ورأس مال، بصورة وثيقة بتدفقات السلع ورأس المال والعمل، وأن هذه الروابط تؤثر في الاقتصاد السياسي للشرق الأوسط بأكمله.

وعليه، فإن الصراع المحلي قد يتحول إلى جزء من تنافس إقليمي ودولي على الموارد والأسواق وممرات الطاقة والتجارة، كما يمكن أن تتحول الحرب نفسها إلى مجال لإعادة توزيع الثروة والنفوذ. وفي مرحلة ما بعد الحرب، لا تنتهي هذه العملية بالضرورة، بل يمكن أن تنتقل إلى مجال إعادة الإعمار والاستثمار والعقارات والبنية التحتية والسيطرة على الموارد والأسواق.

ومن هنا ينطلق هذا البحث من محاولة دراسة الصراعات في الشرق الأوسط من خلال العلاقة بين السلطة والثروة والموارد والرأسمالية المعولمة، مع التركيز على الكيفية التي يُنتج بها الصراع اقتصادياً وسياسياً، وكيف يعيد إنتاج نفسه، وكيف تتشكل حوله مصالح محلية وإقليمية ودولية.

لا يمكن فهم الصراعات في الشرق الأوسط من خلال السياسة بمعناها الضيق، لأن السلطة السياسية مرتبطة بصورة وثيقة بالاقتصاد. فالدولة التي تمتلك الموارد تستطيع توظيفها في بناء المؤسسات والأجهزة الأمنية، بينما تستطيع الجماعات السياسية والعسكرية التي تسيطر على الموارد استخدامها لتمويل نشاطها وتعزيز نفوذها. وتظهر هذه العلاقة بصورة واضحة في الدول التي تمتلك موارد طبيعية كبيرة. فالموارد الأحفورية قد توفر للدولة قدرة مالية واسعة، لكنها في الوقت نفسه قد تؤثر في العلاقة بين الدولة والمجتمع، خصوصاً عندما يصبح جزء كبير من دخل الدولة قادماً من الخارج وليس من الضرائب المفروضة على النشاط الاقتصادي الداخلي.

وقد بينت دراسات الاقتصاد السياسي للطاقة أنها يمكن أن تؤثر في طبيعة النظام السياسي والاستقرار الاقتصادي، وإن كانت العلاقة ليست آلية أو متطابقة في جميع الحالات.

ومن هنا فإن الصراع على السلطة يصبح في بعض الحالات صراعاً على إدارة الريع والسيطرة على الموارد.

وهكذا لا تكون الرأسمالية المعولمة مجرد خلفية اقتصادية للصراع، بل تصبح جزءاً من البيئة التي تتشكل فيها علاقات القوة.

ولا تقتصر الموارد على النفط والغاز، فالمياه والأراضي الزراعية والثروات المعدنية والموانئ والمعابر والمناطق التجارية يمكن أن تتحول إلى مصادر قوة.

وفي المجتمعات التي تضعف فيها مؤسسات الدولة، تصبح السيطرة على الموارد إحدى وسائل تمويل السلطة المحلية أو الجماعات المسلحة.

وهنا يمكن أن يتحول المورد من: مورد اقتصادي إلى مصدر دخل ثم إلى قوة سياسية، وبعدها إلى قوة عسكرية وإلى أداة للصراع.

ولهذا فإن الصراع على الموارد قد لا يكون ظاهراً دائماً في الخطاب السياسي، لكنه يظهر في البنية الاقتصادية للصراع.

إن توظيف موارد الطاقة الأحفورية كان مرتبطاً بتطور نظام الدولة الحديث في الشرق الأوسط، وكان له أثر في النتائج السياسية والاقتصادية للدول الغنية بالنفط والدول الفقيرة بها، على حد سواء.

 

تأثير الطاقة في العلاقات الدولية والجغرافيا السياسية:

إن التحكم في موارد الطاقة يتيح للدول قدرة كبيرة على التأثير في العلاقات الدولية. فالدول التي تملك احتياطيات ضخمة من النفط والغاز، مثل دول الخليج وروسيا، تمتلك نفوذاً كبيراً في الساحة الدولية.

يمكن استخدام هذا النفوذ لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية من خلال التحكم في الإمدادات أو التأثير في الأسعار. وعلى سبيل المثال، تلعب روسيا دوراً كبيراً في إمداد أوروبا بالغاز الطبيعي، مما منحها، تاريخياً، قدرة على التأثير في بعض جوانب السياسة الأوروبية.

ويُعتبر أمن الطاقة أحد الركائز الأساسية للأمن القومي، فالدول تعتمد على استمرارية تدفق الطاقة لتأمين احتياجاتها الداخلية وتجنب الاضطرابات الاقتصادية والسياسية. لذلك، تبذل الدول جهوداً كبيرة لتأمين مصادر الطاقة، سواء من خلال تطوير مصادر محلية أو من خلال تأمين واردات مستقرة من الدول المنتجة، وقد يؤدي هذا البحث عن أمن الطاقة إلى بناء تحالفات استراتيجية أو، في بعض الحالات، إلى نزاعات عسكرية([6]).

 

المحور الثاني: الشرق الأوسط بين المركز والأطراف:

كيف يمكن فهم موقع الشرق الأوسط في الاقتصاد العالمي من منظور نظرية النظام العالمي؟

الاقتصاد العالمي لا يقوم على توزيع متساوٍ للموارد والقوة، وإنما يتضمن علاقات غير متكافئة بين مراكز اقتصادية قوية ومناطق تعتمد بدرجات مختلفة على الأسواق ورؤوس الأموال والتكنولوجيا.

وقد ساعد موقع الشرق الأوسط في سوق الطاقة العالمية على منحه أهمية استراتيجية كبيرة، لكنه لم يمنع في الوقت نفسه ظهور تفاوتات اقتصادية واجتماعية واسعة داخل المنطقة.

ومن هنا لا ينبغي النظر إلى الشرق الأوسط باعتباره مجرد “طرف” سلبي في النظام العالمي، لأن دول المنطقة، ولا سيما بعض دول الخليج، أصبحت بدورها مالكة لرؤوس أموال ضخمة ومؤثرة في الأسواق العالمية. وبالتالي فإن العلاقة أكثر تعقيداً من ثنائية المركز والأطراف، لأنها تتضمن أيضاً انتقال رأس المال من المنطقة إلى الأسواق العالمية، وإعادة تدويره داخل المنطقة نفسها.

 

النتائج:

إن الصراعات في الشرق الأوسط لا يمكن تفسيرها من خلال العامل السياسي أو العسكري وحده، وإنما تتطلب تحليل العلاقة بين السياسة والاقتصاد والموارد.

تمثل الموارد الطبيعية، ولا سيما النفط والغاز، عنصراً مهماً في تشكيل القوة الاقتصادية والجيوسياسية، لكنها ليست سبباً آلياً أو وحيداً للصراع.

ساهمت الريعية في تشكيل أنماط خاصة من علاقة الدولة بالمجتمع، مع اختلاف واضح بين الدول والحالات، ويمكن للصراع أن ينتج اقتصاداً خاصاً به، يقوم على التهريب والسيطرة على الموارد والمعابر والاقتصاد غير الرسمي.

تستمر بعض المصالح الاقتصادية المرتبطة بالحرب حتى بعد توقف العمليات العسكرية، ما يجعل الانتقال إلى السلام عملية اقتصادية وسياسية في الوقت نفسه.

لقد أصبحت الرأسمالية المعولمة إطاراً لا يمكن تجاهله في تحليل صراعات الشرق الأوسط بسبب ارتباط المنطقة بالطاقة والأسواق والاستثمارات ورؤوس الأموال العالمية.

من جانب آخر، يمكن للعقوبات الاقتصادية أن تعيد تشكيل الاقتصاد المحلي، وأن تؤدي في بعض الظروف إلى توسع الاقتصاد غير الرسمي.

كما إن الانتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد السلام يحتاج إلى معالجة جذور التفاوت والتهميش، وإعادة بناء المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية.

 

الخاتمة:

يتضح من خلال هذا البحث أن الاقتصاد السياسي يمثل مدخلاً أساسياً لفهم الصراعات في الشرق الأوسط، لأنه يكشف العلاقة العميقة بين السلطة والثروة والموارد والأسواق.

فالصراع لا ينشأ في فراغ سياسي أو اقتصادي، وإنما يتشكل داخل بنى اجتماعية ومؤسساتية واقتصادية تحدد كيفية توزيع الموارد والفرص والنفوذ.

كما يتضح أن موارد الطاقة، والموارد الطبيعية أسهمت في تشكيل الاقتصاد السياسي للمنطقة، خصوصاً من خلال أنماط الريعية وعلاقة الدولة بالمجتمع.

غير أن اختزال الصراعات في النفط وحده يؤدي إلى تفسير ناقص، لأن الموارد لا تصبح عاملاً للصراع إلا من خلال تفاعلها مع المؤسسات السياسية والاجتماعية، وعلاقات الطبقات، والتنافس على السلطة، والتدخلات الإقليمية والدولية.

وفي الوقت ذاته، تكشف الرأسمالية المعولمة عن مستوى أوسع للصراع، إذ أصبحت اقتصادات الشرق الأوسط مرتبطة بشبكات عالمية للطاقة والتجارة والاستثمار والتمويل ورأس المال. ولذلك فإن كثيراً من الصراعات المحلية تتقاطع مع مصالح إقليمية ودولية تتجاوز الحدود الوطنية.

ولا تعني هذه المقاربة أن الرأسمالية المعولمة هي السبب الوحيد للصراعات في الشرق الأوسط، بل تعني أنها الإطار العالمي الذي تتفاعل داخله مجموعة من العوامل المحلية والإقليمية والدولية. وهذا التمييز ضروري لتجنب التفسير الاختزالي والأحادي.

كما أن الحروب لا تؤدي فقط إلى تدمير الاقتصاد، وإنما يمكن أن تنتج اقتصاداً جديداً يقوم على التهريب والسيطرة على الموارد والمعابر والعقارات والمساعدات، فتظهر مصالح مرتبطة باستمرار النزاع. ولهذا فإن تحقيق السلام المستدام يتطلب تفكيك اقتصاد الحرب إلى جانب إنهاء الحرب عسكرياً وسياسياً.

أما مرحلة إعادة الإعمار، فتشكل بدورها اختباراً حقيقياً لمستقبل المنطقة. فإذا جرى توظيف الموارد لإعادة إنتاج الاحتكار والتهميش والاستحواذ على الأراضي والثروة، فقد تتحول إلى مرحلة جديدة من الصراع. أما إذا ارتبطت بالعدالة الاقتصادية والتنمية المحلية وإعادة الحقوق والملكية وبناء المؤسسات، فقد تصبح مدخلاً حقيقياً للسلام.

وعليه، فإن التحدي الأساسي أمام الشرق الأوسط لا يتمثل فقط في إنهاء الحروب، وإنما في إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع والاقتصاد والموارد على أسس أكثر عدالة. فالسلام المستدام يحتاج إلى اقتصاد سلام، كما أن الاستقرار السياسي يحتاج إلى توزيع أكثر عدالة للثروة والفرص.

ومن هذا المنظور يمكن صياغة الأطروحة المركزية للبحث على النحو الآتي:

لا تُفهم الصراعات في الشرق الأوسط باعتبارها نتاجاً للصراعات السياسية والهوياتية الداخلية فحسب، وإنما باعتبارها ظواهر تتشكل عند تقاطع الدولة والمجتمع والسوق المحلي مع بنية الرأسمالية المعولمة، حيث تتداخل المنافسة على الموارد والأسواق وممرات الطاقة مع المصالح الجيوسياسية للقوى الإقليمية والدولية، فتتحول بعض الصراعات إلى آليات لإعادة توزيع الثروة والنفوذ وإعادة إدماج المناطق المتضررة في منظومة الاقتصاد العالمي.

 

 

المراجع والمصادر:

 

  • الحافظ، مالك. (2024). الاقتصاد السياسي للصراعات: النفط والطاقة في العلاقات الدولية في الشرق الأوسط.
  • حمزاوي، جويدة. (2011). التصور الأمني الأوروبي نحو بنية أمنية شاملة وهوية استراتيجية في المتوسط. كلية الحقوق والعلوم السياسية، باتنة، الجزائر.
  • فرنس، بيرو. (1953). هذه هي الرأسمالية. دار بيروت للطباعة والنشر.
  • فوكو، ميشيل. (2004). مسارات فلسفية. (محمد سبيال، مُترجم). دار الحوار.
  • مسلم، صلاح الدين. (2022). الرأسمالية الشرقية. شلير للطباعة والنشر.

[1] – مالك الحافظ، الاقتصاد السياسي للصراعات، النفط والطاقة في العلاقات الدولية في الشرق الأوسط، ص 12.

 

[2]– بيرو، فرنس، هذه هي الرأسمالية، بيروت، دار بيروت للطباعة والنشر 1953.

 

 

 

[3] – ميشيل فوكو، مسارات فلسفية، ترجمة محمد سبيال، دار الحوار، دمشق، 2004.

[4]– جويدة حمزاوي، التصور الأمني الأوروبي نحو بنية أمنية شاملة وهوية استراتيجية في المتوسط. كلية الحقوق والعلوم السياسية، باتنة، الجزائر 2011.

[5] – صلاح الدين مسلم، الرأسمالية الشرقية، شلير للطباعة والنشر، 2022.

 

 

[6] – مالك الحافظ، الاقتصاد السياسي للصراعات، النفط والطاقة في العلاقات الدولية في الشرق الأوسط، ص14.

 

كاتب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.