تداعيات الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران: أزمة النظام الثيوقراطي، وتضارب الرؤى السياسية، وإعادة تشكيل المنظومات الأمنية الإقليمية
حميد المنصوري
مقدمة:
دخل الصراع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، خلال عام 2026 مرحلةً تختلف نوعياً عن أنماط المواجهة التي حكمت العلاقات بين الأطراف منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979. فقد انتقلت المواجهة من العقوبات، والاحتواء، والتعاون (في أعقاب إسقاط نظام البعث العراقي)، مع وجود عمليات سرية وحروب بالوكالة، إلى حرب مباشرة واسعة النطاق، جعلت الأراضي الإيرانية والمنشآت النووية والعسكرية والبنية التحتية وممرات الطاقة جزءاً من مسرح الصراع. ومع دخول الحرب لاحقاً في مسار هدنة ومفاوضات، ثم انتهاء مهلة الستين يوماً في 17 أغسطس 2026 دون تسوية نهائية، اتضح أن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بالبرنامج النووي الإيراني، (بل) بمستقبل الدولة الإيرانية، ودور النظام السياسي، وشبكة النفوذ الإقليمي، وأمن الخليج، وحرية الملاحة، وموقع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.[1]
وتكتسب هذه الحرب أهميتها من أنها جاءت بعد أكثر من عقد على الاتفاق النووي لعام 2015، الذي مثل (في) ذلك الوقت محاولة دولية لإدارة الخلاف حول البرنامج النووي الإيراني عبر القيود النووية والرقابة الدولية مقابل تخفيف العقوبات وإعادة دمج إيران تدريجياً في الاقتصاد العالمي. وقد تبع ذلك انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018، ثم عودة العقوبات، وتصاعد البرنامج النووي الإيراني، وصولاً إلى مرحلة أصبح فيها الخيار العسكري أكثر حضوراً في الحسابات الأمريكية والإسرائيلية. [2]
كما أن الحرب لا يمكن فهمها بمعزل عن التحولات التي أصابت البيئة الاستراتيجية الإيرانية خلال السنوات السابقة. فقد تعرضت شبكة النفوذ الإيرانية في العراق وسوريا ولبنان واليمن وقطاع غزة لضغوط متزايدة، وتراجعت قدرة بعض حلفاء طهران على العمل كعمق استراتيجي لها، بينما أصبحت إيران نفسها أكثر تعرضاً للضغوط العسكرية المباشرة. وتشير دراسات استراتيجية إلى أن النفوذ الإيراني الإقليمي كان قائماً على الجمع بين القوة الصاروخية والشبكات المسلحة والعلاقات السياسية والقدرة على استثمار الجغرافيا الإقليمية. [3]
وفي الوقت نفسه، كشفت الحرب أن الجغرافيا البحرية أصبحت عاملاً مركزياً في الصراع. فمضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي يفصل بين إيران وشبه الجزيرة العربية، بل أحد أهم الاختناقات النفطية في العالم؛ وقد بلغ متوسط تدفق النفط عبره نحو 20 مليون برميل يومياً في 2024، أي ما يعادل نحو خمس الاستهلاك العالمي من السوائل النفطية، كما تمر عبره نسبة مهمة من تجارة الغاز الطبيعي المسال. [4]
ومن هنا، فإن تداعيات الحرب تتجاوز إيران وإسرائيل والولايات المتحدة لتصل إلى دول الخليج والبحر الأحمر وباب المندب وأسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، بل تمتد جغرافياً إلى القوقاز وآسيا الوسطى وبحر قزوين.
وتنطلق هذه الدراسة من منظور الواقعية السياسية في العلاقات الدولية، التي تنظر إلى القوة والردع والأمن وموازين القوى والمصالح الوطنية باعتبارها محددات رئيسية لسلوك الدول. وتحاول الإجابة عن سؤال مركزي: (هل) تمثل الحرب بدايةً لإعادة صياغة النظام الإقليمي بأكمله؟ كما تبحث الدراسة في سؤال أكثر عمقاً: هل يمكن أن تتحول نتائج الحرب إلى إعادة تعريف لإيران نفسها، من دولة ثيوقراطية تصدر ثورة مذهبية، وتسعى إلى توسيع نفوذها الأيديولوجي خارج حدودها، إلى دولة أكثر تركيزاً على مصالحها الوطنية وهويات شعوبها وسيادتها وحدودها؟ أم أن تداعيات الحرب والضغوط الداخلية قد تدفع إيران إلى إعادة صياغة بنيتها السياسية على أساس هوياتها القومية والإثنية، من خلال نظام أكثر لامركزية أو فدرالية أو حتى كونفدرالية، وصولاً، في حالة تعاظمت الانقسامات وضعفت السلطة المركزية، إلى سيناريو تفكك الدولة إلى كيانات مستقلة؟
المحور الأول: إيران عشية الحرب.. تآكل النفوذ واختلال معادلة الردع
أولاً: الاتفاق النووي وإيران في ذروة الانفتاح الدولي
مثّل الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015 إحدى أهم محطات الدبلوماسية الدولية في الشرق الأوسط خلال القرن الحادي والعشرين. فقد أُبرمت خطة العمل الشاملة المشتركة في فيينا في 14 يوليو/تموز 2015 بين إيران ومجموعة E3/EU+3، التي ضمت الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي. وفي 20 يوليو/تموز من العام نفسه، أقر مجلس الأمن الدولي القرار 2231 الذي أيد الاتفاق ووضع إطاراً لتنفيذه. [5]
لم يكن الاتفاق مجرد وثيقة تقنية حول تخصيب اليورانيوم، بل كان محاولة لإعادة تنظيم العلاقة بين إيران والمجتمع الدولي على أساس معادلة: قيود نووية ورقابة دولية (والحد من الطموحات الجيوسياسية المذهبية)، مقابل تخفيف العقوبات وفتح المجال أمام العلاقات الاقتصادية والتجارية. وقد نص الاتفاق على قيود مهمة على التخصيب، ومخزون اليورانيوم، وأجهزة الطرد المركزي، ومفاعل آراك، إلى جانب ترتيبات واسعة للتحقق والمراقبة من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية. [6]
ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن نجاح الاتفاق يعود لتخلي واشنطن عن إسقاط نظام الأسد الحليف لملالي إيران في فترة الثورة السورية ضد النظام.
وأظهرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في يناير/كانون الثاني 2016 أن إيران نفذت الإجراءات النووية المطلوبة لبدء «يوم التنفيذ»، بما في ذلك خفض مخزون اليورانيوم المخصب إلى حدود 300 كيلوغرام من UF6 المخصب حتى 3.67%، واتخاذ إجراءات بشأن أجهزة الطرد المركزي ومفاعل آراك. وهكذا مثّل اتفاق 2015 محاولة لتحويل الملف الإيراني من أزمة أمنية قابلة للانفجار إلى ملف يخضع لنظام دولي للرقابة والتفاوض. وقد وصف مجلس الأمن الاتفاق بأنه يمثل تحولاً أساسياً في تعامله مع القضية النووية الإيرانية، مؤكداً دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية في التحقق من الالتزامات الإيرانية. [7] [8]
لكن أهمية الاتفاق لا تقتصر على الجانب النووي؛ فقد جاء في وقت كانت فيه إيران تتمتع بشبكة نفوذ إقليمية واسعة. فقد كان لها حضور قوي في العراق وسوريا ولبنان واليمن وقطاع غزة، بينما شكلت الجماعات المتحالفة معها أدوات نفوذ وردع خارج حدودها. وتوضح دراسات RAND أن دعم إيران لحلفائها في العراق وسوريا ولبنان واليمن وقطاع غزة ساهم في بناء خطوط اتصال ونفوذ تمتد من الأراضي الإيرانية إلى المشرق العربي (وإسرائيل). [9]
ومن ثم، كانت إيران عام 2015 تفاوض من موقع مختلف عن موقعها الحالي؛ فقد امتلكت في الوقت ذاته البرنامج النووي، والقدرة الصاروخية، والشبكات المسلحة، والموقع الجغرافي، والقدرة على التأثير في أسواق الطاقة والممرات البحرية. [10]
ثانياً: من الانسحاب الأمريكي إلى تآكل النفوذ الإقليمي (2018-2026)
شكل قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي في 8 مايو/أيار 2018 نقطة تحول حاسمة. فقد أعادت واشنطن فرض العقوبات الاقتصادية، وانتهجت سياسة «الضغط الأقصى»، بينما بدأت إيران تدريجياً في تقليص التزامها بعدد من القيود النووية التي فرضها الاتفاق. [11]
ومع الوقت، لم تعد العلاقة بين الطرفين قائمة على معادلة 2015. فقد أصبح الملف النووي أكثر تعقيداً، بينما استمرت إيران في تطوير قدراتها الصاروخية وشبكة علاقاتها مع القوى المسلحة الحليفة لها. وجاء اغتيال قاسم سليماني في يناير/كانون الثاني 2020 ليؤكد انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر خطورة، ثم جاءت حرب غزة في أكتوبر 2023 لتفتح سلسلة من المواجهات بين إسرائيل وحلفاء إيران، وصولاً إلى إضعاف حزب الله (وتغير) الوضع في سوريا خلال 2024. [12] [13]
وبذلك، بدأت شبكة النفوذ الإيرانية التي كانت تمثل مصدراً رئيسياً للقوة تتحول جزئياً إلى مصدر للكلفة. فإدارة شبكة واسعة من الحلفاء تحتاج إلى موارد مالية وعسكرية وسياسية، في وقت كانت فيه إيران نفسها تعاني من العقوبات والضغوط الاقتصادية. [14]
ومع الحرب المباشرة بين إيران وإسرائيل في 2025 ثم الحرب الأمريكية–الإسرائيلية في 2026، أصبح الاختبار أكبر: هل تستطيع إيران استخدام شبكة نفوذها لردع خصومها، أم أن الخصوم تمكنوا من تجاوز هذه الشبكة والوصول مباشرة إلى مركز القوة الإيرانية؟ [15]
المحور الثاني: الحرب الأمريكية–الإسرائيلية.. اختبار القوة وحدود تغيير النظام
أولاً: لماذا انهار المسار التفاوضي؟
جاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط 2026 في سياق فشل متزايد في التوصل إلى صيغة تفاوضية تعالج الخلافات حول البرنامج النووي الإيراني. ولم يعد الخلاف مقتصراً على كمية اليورانيوم المخصب، بل امتد إلى طبيعة البرنامج النووي، والقدرات الصاروخية، والقدرات العسكرية، وشبكة النفوذ الإيرانية. [16]
ومن منظور الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن البرنامج النووي لا يمكن فصله عن الصواريخ وشبكة الحلفاء. فالقدرة النووية المحتملة تصبح أكثر خطورة إذا كانت الدولة تمتلك وسائل إيصال بعيدة المدى وشبكة من القوى المسلحة الإقليمية. أما طهران، فتنظر إلى قدراتها النووية والصاروخية وشبكة نفوذها باعتبارها أدوات ردع ضرورية في مواجهة تفوق خصومها العسكري والتكنولوجي. ولذلك كان الخلاف في جوهره خلافاً حول تعريف الأمن والسيادة والنفوذ العابر للدول، وليس مجرد خلاف تقني حول التخصيب. [17] [18]
وهنا تظهر المعضلة الواقعية: ما تعتبره إيران ضمانة لأمنها وتمدداً لنفوذها وتحركاتها الجيوبوليتيكية، تعتبره واشنطن وإسرائيل تهديداً لأمنهما. وما تراه واشنطن ضرورة للردع، تراه طهران محاولة لتجريدها من أوراق القوة.
ثانياً: استهداف القيادة والبنية العسكرية الإيرانية
تمكنت واشنطن وتل أبيب من ضرب مركز القيادة الإيرانية بشكل مذهل ودقيق جداً، حيث في 28 فبراير/شباط 2026، قُتل المرشد الأعلى علي خامنئي في الضربات الأمريكية–الإسرائيلية، بالتزامن مع مقتل عدد كبير من كبار القادة العسكريين والأمنيين والسياسيين. وتشير التقارير إلى أن نحو 40 من كبار القادة العسكريين قُتلوا في الضربة الأولى، ثم استمرت عمليات استهداف قيادات أخرى خلال مارس/آذار، بما فيها قيادات في الحرس الثوري والباسيج والأمن القومي والاستخبارات. وهكذا لم تستهدف الحرب قدرات إيران فقط، بل أصابت بنية القيادة التي أدارت الدولة ومشروعها العسكري والإقليمي لعقود. [19]
ثالثاً: الخسائر البشرية وتكلفة الحرب
في تحديث إنساني للأمم المتحدة في أبريل/نيسان 2026، نقل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بيانات وزارة الصحة الإيرانية التي تضمنت مئات القتلى من الأطفال والنساء والعاملين الصحيين، وآلاف المصابين، في مرحلة مبكرة من الحرب. [20]
وتؤكد التقارير الإنسانية أن الضربات لم تقتصر على المنشآت العسكرية، وإنما امتدت آثارها إلى المناطق المدنية والبنية الصحية والخدمات الأساسية. [21]
وعلى الجانب الأمريكي، أعلنت وزارة الدفاع لاحقاً أن الحرب كلفت الولايات المتحدة نحو 37.5 مليار دولار حتى يوليو/تموز 2026. [22]
وفي 22 يوليو/تموز 2026، وصفت رويترز الحرب بأنها تستنزف الولايات المتحدة بشرياً ومالياً، مشيرة إلى أن التكلفة المالية لا تشمل فقط العمليات الجارية، وإنما تفرض أيضاً ضغوطاً على المخزونات العسكرية وتستدعي تمويلاً إضافياً. [23]
وهكذا، حتى إذا كانت الخسائر الإيرانية أكبر بكثير من الخسائر الأمريكية من حيث السكان والبنية التحتية، فإن الحرب أنتجت تكلفة استراتيجية للطرفين، وإن اختلف حجمها وطبيعتها.
رابعاً: تدمير البنية التحتية والاقتصاد الإيراني
وثقت الأمم المتحدة في المراحل الأولى من الحرب أضراراً واسعة في الوحدات المدنية والمنشآت الصحية والتعليمية والبنية الأساسية الإيرانية. كما سجلت أضراراً في مرافق الطاقة والمياه والنقل. [24]
وتكمن أهمية هذه الأضرار في أنها لا تتوقف عند تكلفة إعادة بناء المباني، بل تمتد إلى الإنتاج، والخدمات، وسلاسل الإمداد، والوظائف، والاستثمار، والثقة الاقتصادية. [25]
وتشير التطورات اللاحقة إلى أن الضغوط على الاقتصاد الإيراني أصبحت أكثر حدة. فقد أفادت رويترز في أغسطس/آب 2026 بأن الحرب أدت إلى تفاقم التضخم وتراجع قيمة العملة وارتفاع أسعار السلع الأساسية واضطراب سلاسل الإمداد، مع تزايد مخاوف القيادة الإيرانية من انعكاس الضغوط الاقتصادية على الاستقرار الداخلي. [26]
أما الولايات المتحدة، فقد واجهت بدورها تكلفة مالية كبيرة؛ إذ قدر وزير الدفاع بيت هيغسيث كلفة الحرب بـ37.5 مليار دولار حتى يوليو/تموز، بينما طلبت الإدارة تمويلاً إضافياً لمعالجة استنزاف الذخائر والعمليات العسكرية. [27]
جدير بالذكر بأن هذه الحرب سُميت بالعمليات العسكرية (لتجنب) التزام إدارة ترامب قانونياً بالتشريعات الأمريكية المتعلقة بمدة الحرب.
المحور الثالث: أزمة الدولة–الثورة وتراجع النفوذ العابر للحدود
أولاً: من تصدير الثورة إلى إعادة تعريف المصلحة الوطنية
يحتل مفهوم «تصدير الثورة» مكانة مهمة في فهم السياسة الخارجية الإيرانية منذ 1979. ولم يكن المقصود به مجرد نشر نموذج ديني، وإنما بناء شبكة من العلاقات والحركات والقوى التي تستطيع إيران من خلالها توسيع قدرتها على التأثير خارج حدودها. [28]
وتشير دراسات حول السياسة الأمنية الإيرانية إلى أن الجمهورية الإسلامية طورت خلال العقود الماضية نموذجاً يجمع بين الدولة التقليدية والشبكات غير الحكومية، بما منحها قدرة على ممارسة النفوذ في دول أخرى دون الاعتماد فقط على قواتها المسلحة التقليدية. وقد نجح هذا النموذج في العراق ولبنان وسوريا واليمن وقطاع غزة بدرجات مختلفة، حتى في دول خليجية كالكويت والبحرين، لكنه واجه خلال السنوات الأخيرة (مع إدارة ترامب) تحديات كبيرة. [29] [30]
ومع الحرب الحالية، أصبح السؤال أكثر حدة: هل تستطيع إيران الحفاظ على الإنفاق والاهتمام السياسي والعسكري المطلوبين لشبكة النفوذ الخارجية في الوقت الذي تحتاج فيه إلى إعادة بناء اقتصادها وقدراتها العسكرية؟ [31]
ثانياً: حدود النفوذ الإيراني في آسيا الوسطى والقوقاز
لا تتمتع إيران في آسيا الوسطى بالبيئة الأيديولوجية نفسها التي استفادت منها في بعض ساحات الشرق الأوسط، (وتحديداً) البلدان العربية. فدول المنطقة ذات أنظمة علمانية بدرجات متفاوتة، كما أن غالبية سكان معظمها من المسلمين السنة، باستثناء أذربيجان الشيعية العلمانية في القوقاز، بينما تهيمن حسابات الدولة الوطنية والأمن القومي على علاقاتها الخارجية. وقد دفعت هذه الظروف إيران إلى اتباع سياسة أكثر براغماتية في آسيا الوسطى، تقوم على التجارة والطاقة والنقل والروابط الثقافية، بدلاً من محاولة تصدير النموذج الثوري بصورة مباشرة. [32] [33]
وتُظهر الدراسات الأكاديمية أن إيران ظلت لاعباً دينياً محدوداً نسبياً في آسيا الوسطى والقوقاز، رغم امتلاكها روابط تاريخية وثقافية مهمة مع المنطقة. [34]
- طاجيكستان
تمثل طاجيكستان حالة شديدة الخصوصية. فهناك تقارب لغوي وثقافي مع إيران، لكن التجربة الطاجيكية في الحرب الأهلية بين 1992 و1997 جعلت الاستقرار الداخلي ومنع التطرف أولوية رئيسية. [35]
كما أن العلاقة بين طهران ودوشنبه لم تكن علاقة أيديولوجية مباشرة؛ وبالتالي فإن قرب طاجيكستان الثقافي من إيران لم يتحول إلى نفوذ سياسي إيراني مماثل لما حدث في بعض الدول العربية. [36] [37]
2- أذربيجان
أما أذربيجان، ذات الأغلبية الشيعية والنظام السياسي العلماني، فتقدم مثالاً آخر على حدود العامل المذهبي في السياسة الخارجية. فالعلاقة بين طهران وباكو تتأثر بالحدود والجغرافيا والأمن والهوية القومية وتركز أعداد كبيرة من الأذريين داخل إيران. ومن هنا، فإن الهوية الشيعية المشتركة لم تمنع التنافس بين الدولتين؛ بل أثبتت أن الدولة الوطنية والمصالح الأمنية قد تتغلب على العامل المذهبي في العلاقات الدولية. [38]
ثالثاً: المواطنة والولاءات العابرة للحدود في الخليج
كشفت الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران عن اختبار أكثر عمقاً لمفهومي الولاء والمواطنة في المجتمعات الخليجية، ولا سيما في الدول التي تضم مكونات شيعية تاريخية، مثل الإمارات والكويت والبحرين والسعودية وعُمان. فالمسألة لا تتعلق بالمذهب الشيعي بوصفه هوية دينية واجتماعية، ولا يصح اختزال المواطنين الشيعة في موقف سياسي واحد أو افتراض ارتباطهم بإيران، وإنما تتعلق بمدى قدرة الدولة الوطنية على ترسيخ ولاء سياسي جامع يتقدم على أي ولاءات عابرة للحدود. وقد اكتسب هذا التحدي بعداً أمنياً واضحاً مع إعلان الإمارات تفكيك شبكة إرهابية ممولة ومدارة من «حزب الله» اللبناني وإيران والقبض على عناصرها، وكذلك إعلان الكويت والبحرين القبض على خلية مرتبطة بإيران، في سياق تصاعد التهديدات الإقليمية خلال الحرب. ولا تعني هذه الوقائع أن المذهب الشيعي يمثل بحد ذاته مصدراً للتهديد، بل تكشف عن تحدٍ مختلف يتمثل في منع أي تنظيم أو شبكة مرتبطة بقوة خارجية من تحويل الروابط المذهبية أو الاجتماعية إلى أدوات للتأثير السياسي أو الأمني داخل الدولة الوطنية.
وتزداد أهمية هذا التمييز في الإمارات والكويت والبحرين وغيرها من دول الخليج؛ إذ إن القبض على شبكات وخلايا مرتبطة بإيران يطرح سؤالاً يتجاوز الجانب الأمني إلى طبيعة العلاقة بين المواطنة والولاءات العابرة للحدود. ومن هنا، فإن الحرب قد تدفع دول المنطقة إلى إعادة التأكيد على أن المواطنة ليست مجرد رابطة قانونية، وإنما إطار للولاء السياسي والأمني والمجتمعي؛ بحيث يبقى الانتماء المذهبي شأنًا دينيًا واجتماعيًا مشروعًا، بينما يظل القرار السياسي والأمني والولاء للدولة الوطنية وحدهما خارج أي تأثير أو توجيه من دولة أجنبية. وكلما نجحت الدولة في ترسيخ المساواة وسيادة القانون واحتواء مكوناتها الاجتماعية ضمن مفهوم جامع للمواطنة، تراجعت قدرة المشاريع الإقليمية على استثمار الهويات الفرعية وبناء شبكات نفوذ عابرة للحدود. [39]
رابعاً: هل يؤدي تراجع تصدير الثورة إلى سقوط النظام؟
إن تحول إيران إلى دولة أكثر ارتباطاً بمفهوم السيادة وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى يمكن أن يمثل تحولاً جوهرياً في النظام الإقليمي. [40]
لكن ينبغي التمييز بين تراجع مشروع تصدير الثورة وانهيار النظام الثيوقراطي. فالأول يمكن أن يحدث من خلال إعادة تعريف أولويات الدولة دون سقوط النظام. أما الثاني فيحتاج إلى تحول سياسي داخلي أوسع. [41]
ولهذا فإن القول إن تراجع النفوذ الإيراني سيؤدي حتماً إلى انهيار النظام يظل استنتاجاً غير محسوم؛ فقد يستطيع النظام إعادة إنتاج نفسه من خلال تقليص طموحاته الخارجية وإعطاء الأولوية للبقاء الداخلي. [42]
المحور الرابع: الخليج وهرمز.. تطور المظلة الأمنية الأمريكية
أولاً: مبدأ كارتر وتأسيس معادلة الأمن الخليجي
أعلن الرئيس الأمريكي جيمي كارتر في يناير/كانون الثاني 1980 أن أي محاولة من قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج ستعتبر اعتداءً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة، وأن واشنطن مستعدة لاستخدام القوة للدفاع عنها. وقد جاء الإعلان في أعقاب الثورة الإيرانية وأزمة الرهائن والغزو السوفياتي لأفغانستان. [43] [44]
وفي مارس/آذار 1980 أنشأت إدارة كارتر قوة الانتشار السريع المشتركة، التي أصبحت الأساس المؤسسي لتطوير وجود عسكري أمريكي أكثر ديمومة في المنطقة. [45]
ثانياً: من قوة الانتشار السريع إلى القيادة المركزية الأمريكية CENTCOM
في 1 يناير/كانون الثاني 1983 تأسست القيادة المركزية الأمريكية CENTCOM، بعد تحويل قوة الانتشار السريع إلى قيادة موحدة دائمة في عهد الرئيس رونالد ريغان. [46]
ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت CENTCOM أحد أهم أدوات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وتطورت مهمتها من الاستعداد للطوارئ في الحرب الباردة إلى إدارة عمليات عسكرية واسعة وشراكات أمنية مع دول المنطقة. وتوضح القيادة المركزية نفسها أن من أولوياتها الحالية الردع والصراع مع إيران ووكلائها وتعزيز الأمن الإقليمي مع الحلفاء والشركاء. [47] [48]
ثالثاً: هرمز اختناق اقتصادي
يمثل مضيق هرمز أحد أهم الاختناقات البحرية في العالم. وفي 2024 مر عبره نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط، أي ما يقارب 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية. وتوضح بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن البدائل الموجودة لدى السعودية والإمارات تستطيع تخفيف جزء من آثار إغلاق المضيق، لكنها لا تستطيع تعويض كل التدفقات. [49] [50]
وفي 2026 ظهرت أهمية ذلك بصورة أكثر وضوحاً، إذ أدى اضطراب الملاحة في المضيق إلى تقلبات حادة في أسعار النفط وإعادة توجيه بعض التدفقات. [51]
رابعاً: مسندم والجغرافيا الاستراتيجية
تزداد أهمية سلطنة عُمان بسبب موقع محافظة مسندم عند مدخل المضيق. لكن الأهمية الجغرافية لا تعني إمكانية تحويل المنطقة إلى قاعدة أمريكية بصورة تلقائية؛ فالوجود العسكري الأمريكي يحتاج إلى اتفاقات مع الدولة المضيفة. ومن منظور الواقعية، فإن النفوذ لا يتطلب دائماً السيطرة على الأرض. فقد تحقق الولايات المتحدة أهدافها من خلال القواعد والشراكات والانتشار البحري والجوي والاستخبارات والدفاع الصاروخي، (وهناك) الجزر الإماراتية المحتلة والتي لها أهمية في أمن مضيق هرمز. [52] [53]
المحور الخامس: تداعيات الحرب.. إعادة تشكيل الأمن الإقليمي
أولاً: أمن الخليج بين الردع والتهدئة
كشفت الحرب أن دول مجلس التعاون الخليجي لم تعد قادرة على التعامل مع المواجهة الإيرانية–الأمريكية باعتبارها صراعاً بعيداً عنها. فالموانئ والمنشآت النفطية والمجال الجوي والمياه الإقليمية أصبحت جميعها معرضة للتداعيات. وفي الوقت ذاته، لا ترغب دول الخليج في الدخول في حرب استنزاف مفتوحة مع إيران، ولذلك أصبحت المعادلة الأمنية قائمة على الجمع بين الردع والتهدئة والوساطة. [54] [55]
- الطاقة:
أدى اضطراب هرمز إلى ارتفاع تقلبات أسعار النفط. وأظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة أن تدفقات النفط عبر المضيق في الربع الأول من 2026 انخفضت إلى نحو 14.6 مليون برميل يومياً مقارنة بأكثر من 20 مليوناً في الأرباع السابقة. [56]
وفي الربع الثاني من 2026، وصلت أسعار خام برنت في إحدى مراحل الاضطراب إلى 118 دولاراً للبرميل، نتيجة انخفاض تدفقات النفط عبر المضيق وإغلاق بعض المنتجين في المنطقة جزءاً من إنتاجهم. [57]
ولابد من الإشارة في هذا السياق إلى أن التوقف عن الإنتاج في حقول النفط والغاز له تكلفة مادية وزمنية عند العودة إلى الكمية التي كانت تُصدر.
- الممرات البديلة:
تمتلك السعودية والإمارات قدرات مهمة لتجاوز هرمز. فالسعودية تستخدم خط الشرق–الغرب، بينما تستطيع الإمارات نقل النفط عبر خط أبوظبي–الفجيرة. لكن هذه البدائل لا تلغي أهمية هرمز؛ فهي تستطيع تقليل الصدمة ولا تستطيع استبدال المضيق بالكامل. [58] [59]
وهنا تظهر أهمية الممرات البديلة في الإمارات والسعودية باعتبارها أدوات للمرونة الاستراتيجية وليس بديلاً كاملاً عن هرمز.
- باب المندب والبحر الأحمر:
لا يمكن فصل هرمز عن باب المندب. فأي اضطراب في أحد المضيقين يرفع الضغوط على الآخر ويزيد تكاليف النقل والتأمين والطاقة. كما أن استمرار نشاط الحوثيين في البحر الأحمر يضيف بعداً جديداً للحرب، ويجعل أمن الطاقة مرتبطاً بشبكة من الاختناقات البحرية تمتد من الخليج العربي إلى البحر الأحمر. [60] [61]
ثانياً: الاقتصاد الإيراني ومستقبل النظام
أدت الحرب إلى تفاقم مشكلات الاقتصاد الإيراني. فقد واجهت إيران قبل الحرب بالفعل عقوبات وتضخماً وضعفاً في العملة، ثم جاءت الضربات واضطرابات التجارة والطاقة لتضيف ضغوطاً جديدة. وفي أغسطس/آب 2026، أفادت رويترز بأن القيادة الإيرانية أصبحت قلقة من إمكانية أن تؤدي الضغوط الاقتصادية المتزايدة إلى تجدد الاحتجاجات وإضعاف شرعية النظام. [62] [63]
لكن من الخطأ افتراض أن الضغط الاقتصادي يؤدي آلياً إلى سقوط النظام. فقد تمتلك الأنظمة السلطوية أدوات قسرية ومؤسسات أمنية قادرة على احتواء الاحتجاجات.
ثالثاً: عُمان بين الوساطة والضغوط الأمريكية
اتبعت سلطنة عُمان منذ اندلاع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران سياسة تقوم على رفض الخيار العسكري والدفع باتجاه التفاوض، مع الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع كل من واشنطن وطهران. فقد أعلنت مسقط في 28 فبراير/شباط 2026 أسفها للعمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، ودعت إلى وقف الأعمال العسكرية والعودة إلى الحلول الدبلوماسية، مع تأكيدها في الوقت نفسه على حق الدول في الدفاع عن أمنها وفق القانون الدولي. ولم تتوقف السياسة العُمانية عند الموقف السياسي، بل تحولت مسقط إلى قناة اتصال مهمة بين واشنطن وطهران، واستضافت في يونيو/حزيران مسؤولين إيرانيين، وأكدت دعمها لمذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية، كما بحثت مع طهران ترتيبات تتعلق بحرية الملاحة في مضيق هرمز واحترام سيادة الدول والقانون الدولي. وبذلك سعت عُمان إلى الحفاظ على موقعها التقليدي كوسيط قادر على التواصل مع الأطراف المتخاصمة، بدل الانخراط في الاصطفاف العسكري الذي فرضته الحرب.
غير أن هذه السياسة اصطدمت تدريجياً بالمقاربة الأمريكية، خصوصاً مع انتقال الخلاف من ملف الوساطة السياسية إلى إدارة مضيق هرمز. فقد أعلنت مسقط أنها تتعاون «بشفافية وحياد» مع جميع الأطراف لاستعادة حرية الملاحة في المضيق، وفقاً للقانون الدولي، بينما دخلت في مباحثات مع إيران حول آليات مرور السفن وإدارة الحركة البحرية. ومن وجهة نظر واشنطن، أصبح هذا المسار مثار قلق عندما بدا أنه قد يمنح طهران وعُمان دوراً مشتركاً في تحديد ترتيبات الملاحة في أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، في وقت كانت فيه الإدارة الأمريكية تسعى إلى حرمان إيران من استخدام المضيق كورقة ضغط. ولهذا تصاعدت لهجة الرئيس دونالد ترامب تجاه مسقط، ووصل الأمر في 17 و18 أغسطس/آب إلى تهديدات علنية ضد عُمان بسبب ما اعتبرته واشنطن تفاهمات غير مقبولة مع إيران بشأن هرمز. وتفيد تقارير أمريكية بأن اعتراض واشنطن تركز على ما اعتبرته تساهلاً عُمانياً تجاه إيران وعلى ترتيبات بحرية يمكن أن تضع جزءاً من إدارة المرور في المضيق ضمن تفاهم إيراني–عُماني، وهو ما يتعارض مع الهدف الأمريكي المعلن بإبقاء حرية الملاحة خارج قدرة طهران على التحكم أو الابتزاز. وجاءت الزيارة العُمانية الأخيرة إلى الإمارات، والتي جرت في أبوظبي في 17 أغسطس/آب 2026، لتكتسب أهمية خاصة في هذا السياق. [64][65]
ولعل السؤال الحقيقي ليس: هل يسقط النظام؟ بل: هل يستطيع النظام إعادة إنتاج نفسه في ظل انخفاض موارده وتراجع قدرته على استخدام النفوذ الخارجي ودعم بعض الدول له؟ وهنا ينبغي التمييز بين النظام والدولة. فقد يؤدي سقوط النظام إلى انتقال سياسي، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى فراغ سياسي وأمني إذا لم يكن هناك بديل قادر على الحفاظ على وحدة الدولة. [66]
رابعاً: الهدنة ومذكرة الستين يوماً.. من وقف النار إلى اختبار التسوية
لم تكن الهدنة التي بدأت في يونيو/حزيران 2026 نهاية للصراع، وإنما كانت محاولة لتحويل الحرب من مسار عسكري إلى مسار تفاوضي. وقد تضمنت المذكرة الأمريكية–الإيرانية ترتيبات مرتبطة بوقف القتال والملف النووي وفتح مضيق هرمز وقضايا اقتصادية وأمنية. [67]
وكانت أهمية المذكرة أنها نقلت الصراع من سؤال «من يستطيع تحمل الضربة التالية؟» إلى سؤال «كيف يمكن تحويل نتائج الحرب إلى اتفاق سياسي؟». [68]
لكن هذا الانتقال كان هشاً منذ البداية؛ لأن الطرفين دخلا المفاوضات وهما يحملان قراءات مختلفة للحرب. فواشنطن أرادت تحويل التفوق العسكري إلى تنازلات استراتيجية، بينما أرادت طهران استخدام استمرار قدرتها على تهديد الملاحة والردع الصاروخي للحفاظ على أوراق تفاوضية. [69]
وأصبح مضيق هرمز أحد أصعب ملفات التفاوض. فقد اعتبرت إيران أن فتحه مرتبط بإنهاء الحصار والضغط الأمريكي، بينما أرادت واشنطن ضمان حرية الملاحة قبل تقديم تنازلات أساسية. [70]
وبحلول 17 أغسطس/آب انتهت مهلة الستين يوماً دون التوصل إلى اتفاق دائم. وأكدت تقارير حديثة أن الاتفاق دخل مرحلة الانهيار، بينما استمر تبادل الاتهامات بين واشنطن وطهران بشأن المسؤول عن عدم تنفيذ بنوده.[71]
وفي 17 أغسطس، نقلت رويترز أن إيران هددت بالانتقال إلى وضع عسكري «هجومي بالكامل» إذا فشلت الدبلوماسية، خصوصاً فيما يتعلق بمضيق هرمز. [72]
وهكذا تحولت الهدنة نفسها إلى اختبار للردع وإدارة الصراع والحرب: فإذا قدم أحد الطرفين تنازلات كبيرة دون مقابل، فقد يفسر ذلك باعتباره هزيمة استراتيجية؛ وإذا رفض الطرفان التنازل، يعود الصراع إلى التصعيد.
أما فكرة صندوق إعادة الإعمار والتنمية الذي طُرح بقيمة 300 مليار دولار، في مذكرة التفاهم والهدنة، فيمكن قراءتها باعتبارها محاولة لاستخدام الاقتصاد كأداة لإعادة تشكيل السلوك الإيراني، لا مجرد تقديم مساعدات مالية. [73] [74]
المحور السادس: من الحرب إلى إعادة تشكيل النظام الإقليمي
أولاً: الحرب كـ«لعبة دجاجة».. صراع الإرادات والردع
يمكن تفسير العلاقة بين واشنطن وطهران من خلال نموذج «لعبة الدجاجة» في نظرية الألعاب، حيث يحاول كل طرف إجبار الآخر على التراجع أولاً. في هذه اللعبة، لا يبحث الطرفان بالضرورة عن الحرب، وإنما يستخدمان خطر الحرب لإجبار الخصم على تقديم تنازلات. [75]
وهذا يفسر لماذا يمكن أن تبدو التصريحات الأمريكية والإيرانية متناقضة؛ فالطرفان يتحدثان عن التفاوض، لكنهما في الوقت نفسه يرفعان سقف التهديد العسكري. وقد ظهر ذلك بوضوح في أغسطس/آب 2026 عندما تحدث الرئيس ترامب عن خيارين أمام إيران: الضغط الاقتصادي حتى الانهيار أو توجيه ضربة عسكرية شديدة. [76]
في المقابل، أعلنت إيران أنها مستعدة للعودة إلى التصعيد إذا لم يتم تنفيذ الاتفاق أو تخفيف القيود المفروضة عليها. [77]
ومن منظور الواقعية، لا يستطيع أي طرف تقديم تنازل، لأن التنازل عن الشروط الأساسية قد يؤثر في الردع والمصداقية أمام الخصوم والحلفاء.
وهنا يصبح الوقت نفسه سلاحاً. فواشنطن تراهن على أن استمرار الضغط الاقتصادي سيضعف قدرة إيران على التحمل، بينما تراهن طهران على أن استمرار اضطراب هرمز وأسعار الطاقة سيجعل تكلفة الحرب مرتفعة بالنسبة إلى الولايات المتحدة وحلفائها. وبذلك، فإن المعركة ليست عسكرية فقط؛ إنها معركة على الإرادة السياسية والقدرة على التحمل. [78]
ثانياً: كلاوزفيتز.. من التفوق العسكري إلى النصر السياسي
تساعد أفكار كارل فون كلاوزفيتز على فهم الفرق بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالحرب ليست غاية مستقلة في التدمير والقتل، وإنما وسيلة لتحقيق أهداف سياسية في نهاية الحرب. [79]
وبناءً على ذلك، فإن تدمير منشآت عسكرية أو نووية لا يعني بالضرورة تحقيق النصر الاستراتيجي. فإذا كانت الولايات المتحدة تهدف إلى منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وإضعاف قدرتها الصاروخية، وتقليص قدرتها على تهديد الملاحة، فإن تقييم الحرب يجب أن يقيس مدى تحقق هذه الأهداف بعد انتهاء العمليات، وليس عدد المنشآت التي دمرت فقط. [80]
وقد أظهرت تطورات 2026 أن التفوق العسكري الأمريكي الهائل والضخم لم يتحول بصورة تلقائية إلى تسوية سياسية. فبحلول أغسطس، ظل النظام الإيراني قائماً، واستمر التوتر حول هرمز، ولم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي. [81]
وتشير تحليلات حديثة إلى أن الحرب، رغم حجم العمليات والضربات، لم تنتج حتى الآن نصراً استراتيجياً حاسماً للولايات المتحدة، وأن إيران ما زالت قادرة على إطالة أمد الصراع ورفع تكلفته. [82]
ومن هنا يمكن القول إن النجاح العملياتي لا يساوي النصر السياسي. فالولايات المتحدة تستطيع تدمير منشآت إيران والبنية التحتية والطاقة وجعلها بلاداً مدمرة، لكنها لا تستطيع بالضرورة فرض نظام سياسي جديد من الخارج دون أن تتحمل تكلفة الاحتلال أو الفوضى أو المقاومة. وهذا هو أحد أهم دروس كلاوزفيتز: كلما اتسعت الفجوة بين الوسائل العسكرية والهدف السياسي، ارتفع خطر تحول الحرب إلى استنزاف وفوضى غير مرغوبة من قبل واشنطن. [83]
ثالثاً: اتساع الجغرافيا الاستراتيجية.. من الخليج إلى بحر قزوين
لا ينبغي النظر إلى الحرب باعتبارها صراعاً محصوراً بين الخليج وإيران وإسرائيل والولايات المتحدة. فإيران تقع عند نقطة التقاء أربع مناطق استراتيجية: الخليج العربي، وآسيا الوسطى، والقوقاز، وبحر قزوين (والأناضول وجنوب آسيا). ومن هنا، فإن أي تغير في موقع إيران الإقليمي سيؤثر في روسيا وتركيا وباكستان وأذربيجان ودول آسيا الوسطى والصين.
يمثل بحر قزوين بعداً مهماً بسبب الطاقة والممرات البرية والبحرية. كما أن ممرات النقل التي تربط الصين بآسيا الوسطى والقوقاز وتركيا وأوروبا يمكن أن تكتسب أهمية إضافية إذا أصبحت إيران أقل قدرة على استخدام الخليج كأداة ضغط. [84]
أما أذربيجان، فتكتسب أهمية بسبب موقعها بين إيران والقوقاز، وعلاقاتها مع تركيا، وموقعها في شبكات الطاقة والنقل الإقليمية. [85]
وفي آسيا الوسطى، يمكن أن تستفيد دول مثل أوزبكستان وتركمانستان وكازاخستان من أي إعادة ترتيب للممرات التجارية التي تربط آسيا بأوروبا. [86]
كما أن الصين تنظر إلى إيران باعتبارها جزءاً من شبكة أوسع للاتصال والطاقة، بينما تسعى روسيا إلى الحفاظ على نفوذها في القوقاز وآسيا الوسطى. [87]
ومن ثم، فإن إضعاف إيران قد لا يعني بالضرورة تراجع أهميتها الجغرافية. وربما العكس: كلما ضعفت إيران عسكرياً، زادت أهمية موقعها بالنسبة إلى القوى التي تتنافس على مستقبل أوراسيا. وهنا يتحول الصراع من «من يسيطر على إيران؟» إلى سؤال أكبر: من سيؤثر في البيئة الجغرافية المحيطة بإيران؟
رابعاً: منظومتان أمنيتان ومظلة أمريكية واحدة
يشهد الشرق الأوسط تشكّل مسارين أمنيين متوازيين، لا يقومان بالضرورة على تحالفين متعارضين، وإنما يعكسان تعدد الشراكات والتهديدات. المنظومة الأولى تتمحور حول إسرائيل وبعض الدول العربية، التي تطورت بصورة واضحة منذ توقيع الاتفاقيات الإبراهيمية عام 2020، لتتجاوز العلاقات السياسية والاقتصادية إلى مجالات الدفاع الجوي، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا العسكرية، وأمن الملاحة، ومواجهة التهديدات الإيرانية. كما أن انتقال إسرائيل من نطاق القيادة الأمريكية الأوروبية EUCOM إلى نطاق القيادة المركزية الأمريكية CENTCOM عزز تصور دمجها بصورة أكبر في البنية الأمنية الأمريكية الخاصة بالشرق الأوسط. أما المنظومة الثانية فتتبلور حول السعودية وتركيا وباكستان، بعد توقيع اتفاق مكة للدفاع المشترك في أغسطس 2026، والذي يقوم على مبدأ الردع الجماعي والتنسيق الدفاعي والأمني، بما يربط الخليج بالأناضول وجنوب آسيا ضمن إطار أمني إقليمي جديد. [88][89]
ورغم اختلاف طبيعة المنظومتين، فإنهما تلتقيان في عدد من المصالح الأمنية، وفي مقدمتها حماية سيادة الدول، ومواجهة التهديدات المسلحة، وأمن الملاحة، ومكافحة الإرهاب، وتعزيز القدرات الدفاعية. كما أن كلاً منهما يرتبط بدرجات متفاوتة بالولايات المتحدة؛ فإسرائيل حليف أمريكي رئيسي، بينما ترتبط السعودية وتركيا وباكستان بعلاقات دفاعية واستراتيجية طويلة مع واشنطن. ولذلك فإن اتفاق مكة لا يبدو بديلاً عن المنظومة الأمنية المرتبطة بإسرائيل، كما أن التعاون العربي–الإسرائيلي لا يلغي قدرة دول المنطقة على بناء ترتيبات أمنية مستقلة. والأقرب أن المسارين يمثلان طبقات أمنية متداخلة داخل بيئة إقليمية واحدة، أكثر من كونهما حلفين متنافسين بالمعنى التقليدي. [90]
وتكشف المنظومة الثانية، تحديداً، عن رغبة إقليمية متزايدة في تنويع أدوات الردع وعدم الاعتماد على مسار أمني واحد. فالسعودية تستفيد من القدرات العسكرية التركية، ومن الثقل العسكري والاستراتيجي الباكستاني، بينما تضيف باكستان بعداً آسيوياً ونووياً إلى الترتيب الجديد. وفي المقابل، توفر المنظومة المرتبطة بإسرائيل قدرات متقدمة في التكنولوجيا والدفاع الجوي والاستخبارات والأمن السيبراني. ومن ثم، فإن قوة الشرق الأوسط المستقبلية قد لا تنشأ من إقامة حلف واحد، وإنما من قدرة دوله على بناء شبكات متعددة قادرة على التعاون في بعض الملفات، مع الاحتفاظ بهامش استقلال استراتيجي في ملفات أخرى.
ومع ذلك، تبقى المظلة الأمريكية القاسم المشترك الأوسع بين المنظومتين. فالولايات المتحدة ما زالت تمتلك شبكة القواعد والقدرات الجوية والبحرية والاستخباراتية واللوجستية التي لا تستطيع أي من المنظومتين الإقليميتين توفيرها منفردة. ولذلك قد يكون التحول الجاري ليس في انتهاء الدور الأمريكي، بل في تغير طبيعته: من قوة تتحمل العبء الأمني الأكبر إلى قوة تقود شبكة من الشركاء الإقليميين، وتوفر لهم التسليح والتكنولوجيا والاستخبارات والدعم اللوجستي والردع الاستراتيجي. وهكذا، قد يتجه الشرق الأوسط إلى منظومتين أمنيتين متداخلتين تحت مظلة أمريكية واحدة؛ منظومة ترتبط بإسرائيل وشبكة الاتفاقيات الإبراهيمية، وأخرى تتشكل حول السعودية وتركيا وباكستان، بينما تظل واشنطن القوة القادرة على منع تحولهما إلى محورين متصارعين وإدارة نقاط التقاطع بينهما.
الخاتمة: مستقبل إيران والنظام الإقليمي.. المعطيات والسيناريوهات
أولاً: المعطيات
تكشف الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران أن الشرق الأوسط دخل مرحلة استراتيجية جديدة، وأن تأثير الحرب تجاوز استهداف المنشآت النووية والعسكرية ليطال مركز النظام الإيراني نفسه وشبكة نفوذه الإقليمية. ويمكن تلخيص أبرز المعطيات التي ستحدد اتجاه المرحلة المقبلة في الآتي:
- ضرب مركز القيادة الإيرانية: في 28 فبراير/شباط 2026، قُتل المرشد الأعلى علي خامنئي في الضربات الأمريكية–الإسرائيلية، بالتزامن مع مقتل عدد كبير من كبار القادة العسكريين والأمنيين والسياسيين. وتشير التقارير إلى أن نحو 40 من كبار القادة العسكريين قُتلوا في الضربة الأولى، ثم استمرت عمليات استهداف قيادات أخرى خلال مارس/آذار، بما فيها قيادات في الحرس الثوري والباسيج والأمن القومي والاستخبارات. وهكذا لم تستهدف الحرب قدرات إيران فقط، بل أصابت بنية القيادة التي أدارت الدولة ومشروعها العسكري والإقليمي لعقود.
- الانتقال من استهداف القدرات إلى استهداف بنية النظام: مقتل المرشد وكبار القادة أحدث أكبر صدمة تصيب بنية الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها. ومع ذلك، تمكن النظام من إعادة ترتيب القيادة واختيار مرشد جديد، وهو ما يؤكد أن ضرب رأس النظام لا يعني بالضرورة سقوطه، لكنه يكشف في المقابل مدى هشاشة منظومة القيادة عندما تتعرض مراكز القرار لضربات متزامنة وقاتلة وسريعة.
- انحسار محور النفوذ الإيراني: جاء ذلك بعد سلسلة من التحولات التي أضعفت العمق الاستراتيجي لطهران؛ فسقوط نظام بشار الأسد في سوريا أفقد إيران إحدى أهم ساحات نفوذها الإقليمي، بينما أدى مقتل حسن نصر الله وإضعاف حزب الله إلى تراجع أحد أهم أذرعها العسكرية في لبنان. كما تعرضت حماس لضغوط عسكرية وسياسية كبيرة في حرب غزة 2023، فيما أصبحت علاقة طهران بالحوثيين أكثر تعقيداً في ظل اختلاف الحسابات الميدانية والسياسية. وبذلك لم تعد إيران تمتلك شبكة النفوذ المتماسكة التي بنتها على مدى عقود بالفاعلية نفسها.
- أزمة نموذج «الدولة–الثورة»: كشفت الحرب أن الجمع بين متطلبات الدولة الوطنية ومشروع الثورة العابرة للحدود أصبح أكثر كلفة على إيران. فكلما ارتفعت تكلفة العقوبات والحرب وإعادة بناء القدرات العسكرية، أصبحت المفاضلة أكثر صعوبة بين تمويل الداخل وتمويل شبكات النفوذ الخارجية.
- هرمز من ورقة ضغط إيرانية إلى قضية أمن عالمي: أثبتت الحرب أن مضيق هرمز ليس مجرد أداة يمكن لطهران استخدامها في مواجهة خصومها، بل نقطة اختناق استراتيجية تؤثر مباشرة في الطاقة والتجارة والأسواق العالمية. وفي المقابل، ازدادت أهمية الممرات البديلة في الإمارات والسعودية بوصفها جزءاً من استراتيجية تقليل مخاطر الاعتماد على هرمز.
- تراجع قدرة الوكلاء على تشكيل البيئة الإقليمية: أظهرت التطورات أن نموذج النفوذ القائم على القوى المسلحة المرتبطة بإيران من الفاعلين من غير الدول، يواجه اختباراً حقيقياً. فإضعاف حزب الله، وتراجع قدرة حماس، وفقدان إيران عمقها السوري، والضغوط المتزايدة في اليمن والعراق، كلها تقلل من قدرة طهران على استخدام الوكلاء كأدوات متقدمة للردع والضغط.
- معادلة خليجية جديدة: لا تريد دول الخليج إيران نووية، لكنها في الوقت ذاته لا تريد انهيار الدولة الإيرانية بما قد ينتج عنه فراغ أمني وفوضى وانتشار للسلاح أو صراعات قومية على حدودها. وفي المقابل، لا تريد عودة إيران إلى نموذج الدولة–الثورة وشبكات النفوذ المسلحة العابرة للحدود. ومن هنا قد تتمثل المصلحة الخليجية في (إيران قوية ومستقرة كدولة، ولكن أقل أيديولوجية وأكثر احتراماً لسيادة جيرانها(.
- إعادة تعريف الدور الأمريكي: أكدت الحرب استمرار الحاجة إلى المظلة الأمريكية، لكنها أظهرت أيضاً أن التفوق العسكري الأمريكي لا يكفي وحده لإنتاج تسوية سياسية. ومن المرجح أن تدفع هذه التجربة واشنطن إلى الاعتماد بصورة أكبر على الشركاء الإقليميين، وتوزيع أعباء الأمن، وتطوير منظومات دفاعية وممرات استراتيجية أكثر تكاملاً.
- المعطى الأكثر حساسية: مستقبل الدولة الإيرانية نفسها. فإذا تمكن النظام من إعادة بناء مؤسساته واستيعاب الصدمة، فقد تتجه إيران إلى إعادة تعريف نفسها كدولة أكثر براغماتية وأقل اندفاعاً في سياستها الخارجية. أما إذا تزامنت الضربات الخارجية مع أزمة اقتصادية عميقة، وانقسام داخل الحرس الثوري ومؤسسات الدولة، واتساع الاحتجاجات وفقدان الشرعية، فقد ينتقل الصراع من تغيير النظام إلى تغيير شكل الدولة.
ومن هنا، لا ينبغي أن ينحصر الاستشراف في سؤال: هل يسقط النظام الإيراني؟ بل يجب أن يمتد إلى سؤال أكثر خطورة: إذا سقط النظام، هل تبقى إيران دولة مركزية موحدة، أم تتجه إلى نظام فدرالي أو كونفدرالي، أم تدخل في مسار تفكك على أساس الهويات القومية والمناطقية؟
وهذه هي النقطة التي تجعل المرحلة المقبلة مختلفة جذرياً؛ فالحرب لم تعد تختبر قدرة النظام الإيراني على البقاء فحسب، وإنما قد تختبر قدرة الدولة الإيرانية نفسها على الحفاظ على شكلها السياسي والجغرافي الذي استمر لأكثر من قرن.
ثانياً: السيناريوهات المستقبلية
ومن هذه المعطيات يمكن بناء خمسة سيناريوهات رئيسية:
- التسوية وإعادة بناء إيران: تتوصل واشنطن وطهران إلى اتفاق شامل يضع قيوداً على البرنامج النووي والقدرات العسكرية، ويضمن أمن الملاحة، ويخفف العقوبات، ويفتح الباب أمام إعادة الإعمار. وفي هذه الحالة قد تتحول إيران تدريجياً من «دولة–ثورة» إلى دولة أكثر تركيزاً على مصالحها الوطنية. (وحقيقةً، يبقى هذا التصور مستبعداً).
- استمرار الحرب والاستنزاف: تفشل المفاوضات وتستمر الضربات المتبادلة، ويتحول الصراع إلى حرب طويلة تستنزف إيران والولايات المتحدة والمنطقة، مع بقاء هرمز ورقة ضغط استراتيجية وارتفاع كلفة الطاقة والتجارة. (فجولة عسكرية جديدة لا يمكن استبعادها إذا فشلت الوساطات)، خصوصاً مع استمرار التهديدات الإيرانية بالتصعيد في هرمز والعدوان على جوارها الجغرافي واستمرار الضغط الأمريكي. لكن الحرب الجديدة، إذا وقعت، قد لا تكون بالضرورة نسخة من الحرب الأولى، بل قد تكون أكثر تركيزاً على المنشآت العسكرية، والممرات البحرية، والبنية التحتية المرتبطة بالطاقة، مع محاولة كل طرف تجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة. وتشير التقارير الحالية إلى أن طهران تلوّح بالفعل بالانتقال إلى موقف أكثر هجومية إذا فشلت الدبلوماسية. (ونهاية هذا التصور ستقود إلى تدمير إيران بسبب التفوق الأمريكي العسكري الهائل).
- سقوط النظام وإعادة تشكيل الدولة: يؤدي اجتماع الهزيمة العسكرية، والانهيار الاقتصادي، وتفكك مراكز القوة، وتراجع الشرعية إلى سقوط النظام الثيوقراطي. وهنا تظهر ثلاثة مسارات محتملة: إيران مركزية جديدة، أو إيران فدرالية، أو إيران كونفدرالية تمنح الأقاليم والقوميات صلاحيات واسعة. وفي السيناريو الأكثر اضطراباً قد تتجه البلاد إلى تفكك فعلي على أساس الهويات القومية والمناطقية. (وهذا السيناريو، رغم خطورته، ليس حتمياً؛ إذ يعتمد على مدى قدرة مؤسسات الدولة والحرس الثوري والقوى السياسية على الحفاظ على وحدة البلاد. الأرجح أن مستقبل إيران لن يخرج من هذه المسارات).
- الفوضى الداخلية في إيران: (الاحتمال الأكثر خطورة يتمثل في أن تؤدي الحرب إلى إيران أضعف من أن تحكم مركزياً، وأقوى من أن تنهار بسهولة؛ وهي الحالة التي قد تفتح الباب أمام صراع داخلي طويل حول مستقبل النظام وشكل الدولة وحدود السلطة بين المركز والأقاليم والهويات القومية).
- إعادة تشكيل النظام الإقليمي: بغض النظر عن مستقبل النظام الإيراني، ستؤدي هذه الحرب في الغالب إلى ولادة شرق أوسط أكثر تعدداً في مراكز القوة، مع تعزيز القدرات الخليجية، وإدماج إسرائيل، وتطوير الممرات البديلة، وتوسع الشراكات الدفاعية والأمنية، وبقاء الولايات المتحدة في موقع المظلة الأمنية الأوسع. وبذلك، فإن السؤال الذي ستجيب عنه السنوات المقبلة ليس فقط: كيف ستكون إيران بعد الحرب؟ بل السؤال الأعمق: (هل ستخرج إيران من الحرب كنظام مختلف، أم كدولة مختلفة في النظام الإداري والسياسي أو ربما مقسمة إلى كيانات؟ وهل تحدث مع هذه الحرب حقاً إعادة تشكيل للشرق الأوسط بأكمله؟ وهل ستهيمن واشنطن على أمن مضيقي هرمز وباب المندب بتحالف تقوده، أليس ذلك سيعزز من هيمنتها على هرم النظام الدولي؟)
—
المراجع:
[1] Reuters. “Iran Threatens New Offensive While US Rules Out Extending Ceasefire Deal.” August 17, 2026.
[2] United Nations Security Council. Resolution 2231 (2015) on the Iran Nuclear Issue.
[3] RAND Corporation. Iran’s Security Policy in the Post-Revolutionary Era.
[4] U.S. Energy Information Administration. “Amid Regional Conflict, the Strait of Hormuz Remains a Critical Oil Chokepoint.”
[5] United Nations Security Council. “Security Council, Adopting Resolution 2231 (2015), Endorses Joint Comprehensive Plan of Action on Iran’s Nuclear Programme.”
[6] Ibid.
[7] International Atomic Energy Agency. Verification and Monitoring in the Islamic Republic of Iran.
[8] United Nations Security Council. Resolution 2231 (2015) on the Iran Nuclear Issue.
[9] RAND Corporation. Iran’s Regional Strategy and Support to Aligned Groups.
[10] RAND Corporation. Iran’s Security Policy in the Post-Revolutionary Era.
[11] U.S. Department of State. “President Donald J. Trump’s Decision to Withdraw from the JCPOA.”
[12] International Atomic Energy Agency. Verification and Monitoring of Iran’s Nuclear Commitments.
[13] Congressional Research Service. Iran: Background and U.S. Policy.
[14] RAND Corporation. Iran’s Regional Strategy and Support to Aligned Groups.
[15] RAND Corporation. Iran’s Security Policy in the Post-Revolutionary Era.
[16] Reuters. Reports on U.S.–Iran Negotiations during 2026.
[17] Congressional Research Service. Iran’s Nuclear Program and Regional Security.
[18] RAND Corporation. Iran’s Security Policy in the Post-Revolutionary Era. And, Iran’s Regional Strategy and Support to Aligned Groups.
[19] Euronews. “All Iranian Officials and Commanders Killed in the Past Nine Months.” March 21, 2026. And, Associated Press. “Iran’s Supreme Leader Killed in Major Attack by US and Israel.” February 28, 2026.
[20] United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA). Islamic Republic of Iran: Humanitarian Update No. 02. April 3, 2026.
[21] Ibid.
[22] Reuters. “War in Iran Has Cost the US $37.5 Billion So Far, Pentagon Says.” July 21, 2026.
[23] Reuters. “Iran War Drains U.S. Blood and Treasure.” July 22, 2026.
[24] OCHA. Islamic Republic of Iran: Humanitarian Update No. 02.
[25] World Bank. Analyses of the Impact of Conflicts on Infrastructure and the Economy.
[26] Reuters. “Battered by War, Iran’s Rulers Wary of More Economic Pain and Unrest if US Tightens Pressure.” August 17, 2026.
[27] Reuters. “War in Iran Has Cost the US $37.5 Billion So Far, Pentagon Says.” July 21, 2026.
[28] Encyclopaedia Britannica. “Iran: Islamic Revolution and Foreign Policy.”
[29] RAND Corporation. Iran’s Security Policy in the Post-Revolutionary Era.
[30] RAND Corporation. Iran’s Regional Strategy and Support to Aligned Groups.
[31] RAND Corporation. Iran’s Security Policy in the Post-Revolutionary Era.
[32] Congressional Research Service. Iran: Relations with Key Central Asian States.
[33] Balci, Bayram. “Iran: A Minor Religious Actor in Central Asia and the Caucasus.” Oxford Academic.
[34] Ibid.
[35] Congressional Research Service. Tajikistan: Background and U.S. Relations.
[36] Al Jazeera Centre for Studies. “Iran’s Growing Role in Central Asia?”
[37] Congressional Research Service. Iran: Relations with Key Central Asian States.
[38] Cambridge University Press. “A Status Quo Power in a Changing Region: Iran’s Regionalism in the South Caucasus.”
[39] Asharq Al-Awsat. “UAE Announces Dismantling of a Terrorist Network Linked to Hezbollah and Iran.” 2026; Asharq Al-Awsat. “Kuwait Dismantles a Cell While Bahrain Refers Suspected Collaborators to Court.” August 17, 2026.
[40] RAND Corporation. Studies on Iranian Regional Policy.
[41] RAND Corporation. Studies on Regime Change in Iran.
[42] Ibid.
[43] U.S. Department of State. The Carter Doctrine.
[44] Ibid.
[45] U.S. Central Command (CENTCOM). CENTCOM History and Origins.
[46] Ibid.
[47] U.S. Central Command (CENTCOM). From Cold War Contingency to Regional Guardian.
[48] U.S. Central Command (CENTCOM). Mission and Command Priorities.
[49] U.S. Energy Information Administration. World Oil Transit Chokepoints.
[50] U.S. Energy Information Administration. Strait of Hormuz: Alternative Routes.
[51] U.S. Energy Information Administration. “Petroleum Markets Responded to Disruptions in the Middle East in the Second Quarter.” July 2026.
[52] U.S. Energy Information Administration. “The Strait of Hormuz Is the World’s Most Important Oil Transit Chokepoint.”
[53] U.S. Central Command (CENTCOM). Mission and Structure.
[54] Reuters. Reports on the Impact of the War on Gulf States and Maritime Security during 2026.
[55] Reuters. Reports on Gulf Security and U.S.–Iran Negotiations during 2026.
[56] U.S. Energy Information Administration. Short-Term Energy Outlook: Energy Security.
[57] U.S. Energy Information Administration. “Petroleum Markets Responded to Disruptions in the Middle East in the Second Quarter.” July 2026.
[58] U.S. Energy Information Administration. World Oil Transit Chokepoints.
[59] U.S. Energy Information Administration. Strait of Hormuz: Alternative Routes.
[60] Reuters. Reports on Red Sea and Bab el-Mandeb Security during the War.
[61] Reuters. “Yemen at Highest Risk of Major Conflict Since 2022 Truce, UN Warns.” August 2026.
[62] Reuters. Analyses of the Iranian Economy during the War.
[63] Reuters. “Battered by War, Iran’s Rulers Wary of More Economic Pain and Unrest.” August 17, 2026.
[64] Associated Press. “Trump Is Threatening to Bomb Oman, but Why?” August 18, 2026.
[65] Reuters. “Trump Says No Talks Planned with Iran, Tehran Says Strait of Hormuz Still Shut.” August 18, 2026.
[66] RAND Corporation. Studies on Regime Change in Iran.
[67] Associated Press. “The 60-Day Deadline for an Iran Peace Deal Is Expiring.”
[68] Ibid.
[69] Reuters. “Iran Threatens New Offensive While US Rules Out Extending Ceasefire Deal.” August 17, 2026.
[70] Al Jazeera. “Strait of Hormuz: What Has Happened Since the US–Iran MoU on June 17?”
[71] Associated Press. “The 60-Day Deadline for an Iran Peace Deal Is Expiring.”
[72] Reuters. “Iran Threatens New Offensive While US Rules Out Extending Ceasefire Deal.” August 17, 2026.
[73] Reports on the June 2026 Agreement and Reconstruction and Development Proposals Related to the Settlement.
[74] Ibid.
[75] Jervis, Robert. Studies on Game Theory and Deterrence in International Relations.
[76] Reuters. “Trump Says Iran Options Are Let Tehran Fail Economically or ‘Hit Them Really Hard.’” August 2026.
[77] Reuters. “Iran Says It Will Escalate If US Does Not Honour Deal Within Weeks.” August 17, 2026.
[78] Reuters. “Iran Threatens New Offensive While US Rules Out Extending Ceasefire Deal.” August 17, 2026.
[79] Clausewitz, Carl von. On War.
[80] Ibid.
[81] Financial Times. “The Realignment of the Middle East.” August 2026.
[82] Financial Times. “Will Failure in Iran Reshape How the US Fights?” August 2026.
[83] Clausewitz, Carl von. On War.
[84] Studies on the Middle Corridor and Eurasian Corridors in Central Asia and the Caucasus.
[85] Cambridge University Press. “Iran’s Regionalism in the South Caucasus.”
[86] Oxford Academic. Studies on Iran and Central Asia.
[87] Studies on Eurasian Geopolitics and Russian–Chinese–Iranian Relations.
[88] International Institute for Strategic Studies (IISS). “Pakistan, Saudi Arabia and Türkiye: A New Defence Pact.” August 2026.
[89] Reuters. “Turkey, Saudi Arabia, Pakistan Will Form Political, Military Mechanisms to Coordinate under Defence Pact.” August 13, 2026.
[90] Atlantic Council. “Why Saudi Arabia, Pakistan, and Turkey Just Signed a Defense Pact.” August 2026.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.