النظام العالمي الجديد (فائق الليبراليّة)، ومدى براغماتيّة هذا النظام ووحشيّته
حسين صادق / جمهورية مصر العربية
“إنّ قضية التوازن بين الانتماء إلى الطبيعة، والاستثناء فيها، هي اعتماد متبادل على السياسة والحس الأخلاقي”, بهذه الكلمات المعبّرة كتب تيودور أدورنو الوصف الأعمق والأكثر جلاءً لواقع الحياة التي نعيشها اليوم في ظل هيمنة العقلية والنظام الحداثي المتوحش.
يمكننا القول في بداية بحثنا هذا: إنه وعلى العكس من قناعات منظّري النظام العالمي الجديد الفائق الليبرالية والتي ترسخت أركانه ومفاهيمه ومرتكزاته في المؤتمر الاقتصادي العالمي الأول “دافوس”، حيث بدأت الأزمات البنيوية بالظهور إلى مفاصل هذا النظام منذ لحظة تأسيسه، وقد قادت السلطات الممثلة له صراعات داخلية تظهر للعلن ومستمرة لإدارة تلك الأزمات، التي تتحدد في الطبيعة الجوهرية للعلاقة غير المتوازنة بين الموارد الاقتصادية التي تهبها الطبيعة بالحاجات البشرية المتزايدة، والمتّصفة بعجز الموارد عن تلبية الحاجات, الأمر الذي يفرض على النظام البحث المستمر عن مصادر تلك الموارد, وفشل الأنظمة السلطوية الحاكمة في خلق عملية توازن بين المقتضيات المطالبة بالتصنيع والإنتاج والتسليع والاستهلاك, وبين الاعتبارات المتعلقة بالبيئة وحقوق الإنسان والقدرة على تغطية وإيقاف الانتهاكات المستمرة للقوانين الدولية.
مدى براغماتيّة هذا النظام العالمي الجديد (الرأسمالي الحداثي):
لقد قدم المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما في كتابه “نهاية التاريخ والإنسان الأخير ” تصوراً تحوّل فيما بعد إلى واقع حول حتمية استمرار النظام الرأسمالي بعد الانتصار المفترض في معركته مع النظام الاشتراكي, والذي جاء نتيجة لطرح الأفكار المتجددة, حيث تمكنت الرأسمالية الحداثية بالفعل من معالجة المشكلات والأزمات التي واجهتها في المرحلة الأولى من تأسيسها ولكن بطريقتها وأسلوبها.
وهي تشكل مرحلة نهاية التطور الإيديولوجي للإنسان, وبالتالي عولمة الديمقراطية الليبرالية كصيغة نهائية للحكومة البشرية بغضّ النظر عن كيفية تجلي هذه المبادئ في مجتمعات مختلفة.
إنّ الإفرازات الكبيرة لمرحلة الرأسمالية المالية التي تُعدّ من أهم مراحل التطور الرأسمالي البرجوازي وأكثرها عمقاً، تعود لسببين اثنين وهما:
أولاً: الطبيعة المعقدة والمتشابكة للعلاقات المالية فيما بين الشركات والقطاعات الإنتاجية والدول، والتي أدت إلى تغيير ملامح النظام الرأسمالي بشكل كبير في بعض جوانبه بصورة جذرية، وأوهمت حتى جزءاً من الراديكاليين بأنه نظام يملك القدرة اللامتناهية في توليد الإنتاج وتطوير الأرباح، وبالتالي التحقيق الفعلي لنمو الناتج المحلي الإجمالي عالمياً بمعدلات مرتفعة، وهي وهمية في حقيقتها, وخاصةً بعد وأد أفكار المدرسة الكينزية وتطبيق أفكار المدرسة الليبرالية الجديدة.
ثانياً: انتقال مراكز الثقل والقرار السياسي والرأسمالي، ولو بصورة جزئية، من أوروبا ممثلاً بالرأسمالية الأوروبية إلى الولايات المتحدة الأمريكية, ممثلاً بالرأسمالية الأمريكية المنتصرة نتيجة ظروف الحربين العالميتين الأولى والثانية، وخاصةً الثانية منهما، دون أن تؤدي عملية الانتقال إلى تأجيج صراعات عسكرية داخلية بين الأقطاب الرأسمالية، على العكس تماماً من المراحل السابقة، على أن ذلك لا يعني مطلقاً انتهاء الصراعات الداخلية للنظام الرأسمالي، وإنما بدأت الصراعات تأخذ منحى جديداً في شكلها ومضمونها.
النظام العالمي المالي فائق الليبراليّة:
النظام العالمي الماليّ فائق الليبراليّة: هو الذي تُعتبر الحداثة الرأسماليّة المركزية مركزها ومحيطها، وتعتمد على التقسيمات المجحفة في حق حقوق الإنسان والتوزيع العادل للثروات والعمل.
إنّ طرح البديل لهذه الليبراليّة السلطويّة الطبقيّة بشكل واضح من مهام المجتمع المتحرر, وقد تم طرحه لأول مرة خلال مؤتمر “دافوس” الاقتصادي وعلى لسان مؤسسه “كلاوس شواب” حيث دعا إلى قيام نظام اقتصادي جديد أي نظام عالمي مالي فائق الليبرالية بعد ما فشل النظام المالي القائم في سدّ الفجوة الكبيرة وسد الضوابط وظهور الأزمات في معالجة قضايا مثل كورونا وغيره.
إن الوظيفة السياسية الخاصة للمنظمات الزائفة التي تخلقها الليبرالية وشركاؤها هي التغطية على أكاذيب الدول الرأسمالية مثل الولايات المتحدة وحلفائها – لتبرير التدخل سواء في البلقان أو ليبيا أو سوريا – من خلال الادعاءات الاحتيالية بـ “الاعتبارات الإنسانية والبيئية وحقوق الإنسان”, فقادة الغرب الرأسمالي الذي تمثل الليبرالية أسلوب ونمط نموّهم وتصاعدهم, يستنكرون “معاداة الإمبريالية غير المحسوبة” لوقوفها في وجه أي عملية أو أخرى تعدّ لها قوى الهيمنة العالمية من الغرب.
لم تغب الاعتبارات السياسية الاستراتيجية بالإضافة إلى الأهمية الاقتصادية للتكتلات الاقتصادية والسياسية الناشئة التي تم تأسيسها من قبل روسيا والصين ، فقد حرصت على إظهار وحدة صفها بشأن القضايا الدولية الكبرى, وإثبات وزنها المتزايد في العالم, خاصة ما يجري في منطقة الشرق الأوسط.
يمكننا الاستشهاد بدور وفعالية ونشاطات الشركات المتعددة الجنسيات أو العابرة للقارات, والتي تستخدم للتغطية على أعمالها الاستغلالية الاشتراك في منتديات وهيئات تنظيمية عالمية ومنظمات العلاقات العامة والإعلام, من أجل إقناع زعماء الدول والحكومات وأيضاً الجماهير والشعوب, بسياقات التحرك التي تتأثر فيها حياة الإنسان, وهذا كله أثّر بشكل كبير في ارتفاع أعداد أنظمة الحكم الديكتاتورية المغلّفة بالرأسمالية البرجوازية الحداثية, أسوة بأنظمة تلك الشركات.
لم تعد قوى الهيمنة العالمية المتمثلة بالولايات المتحدة الأمريكية مركز المراكز، ولم تعد الموازنَ للتوظيفات الإنتاجية التي تموّلها، وبدت عليها علامات تدفعها إلى مقدمة المسرح المتناقض المتصاعد بين المركز والأطراف المسمى شمال جنوب، ويلاقي المركز انطواءً على نفسه، تاركاً الأطراف لمصيرها، فالشمال قادر على الاستغناء عن الجنوب, والدول النامية باتت من الماضي، فاليوم نرى وجود منظمات مثل منظمة التجارة الدولية، وصندوق النقد الدولي، وتدخلات حلف شمال الأطلسي، وفوق ذلك تنكر بذاتها جوهر البرجوازية لصالح خطاب جديد حداثي.
براغماتيّة النظام اللبرالي الجديد وتوحشه:
إنّ القضايا الأكثر والأبرز أهمية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة, هو ما ترتب عليهما من توجهات في السياسة والمؤسسات الاقتصادية، فعند خروج الدول الأوروبية من الحرب وفي ظل اقتصاد الحرب, كان من الممكن أن تتوجه الحكومات الأوروبية عند إعادة البناء إلى الاستمرار في الأخذ بسياسات التقييد والرقابة “نموذج كينز لتحقيق التشغيل الكامل”, وتحرير التجارة الدولية وإزالة القيود التجارية، وبذلك تم وضع أساس النظام الاقتصادي العالمي القائم على حرية التجارة وحرية انتقال رؤوس الأموال والاستثمارات، وذلك من خلال البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي (IMF) والاتفاقية العامة للتعرفة الجمركية والتجارة (GATT) التي تحولت إلى منظمة التجارة العالمية (WTO) لاحقاً، وكانت هذه الأفكار والمؤسسات بداية المرحلة الجنينية لمرحلة “العولمة” التي أصبحت عنواناً للعلاقات الدولية الجديدة مع سقوط وانهيار الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية وسيادة السياسة الاقتصادية (الليبرالية الجديدة)، والتي تُعرّف بأنها السياسة الاقتصادية التي جاءت في صورة انقلاب على دولة الرفاه الكينزية, التي سادت في الغرب في فترة ما بين الحربين وبُعيد الحرب العالمية الثانية، وتعرف بـــ “النيو– ليبرالية”، وتؤمن الليبرالية الجديدة بالنظرية الداروينية الاجتماعية في الاقتصاد، وترى أنه لا بديل عن المنافسة المُطلقة دون ضوابط لصالح الشركات العملاقة على نطاق الكوكب دون حدود أو قيود، وشعارها دولة الحد الأدنى للتدخل تمهيداً لما يلي:
1- الحرية الكاملة في تجارة السلع والخدمات وتداول الرأسمال والاستثمار
2- تعديل القطاع العام وخصخصة المنشآت والمؤسسات العامة
3- ظهور اللامساواة داخل المجتمعات (اختفاء الطبقة الوسطى) وتفاقم الفقر والحاجة وزيادة الغنى الفاحش
4-هناك اعتبارات لابد أن تؤخذ بالحسبان فيما يتعلق بقضية الحقوق والقضايا البيئة
ومن ثم دعت إلى تهاوي الحدود والقيود لصالح حيتان الأعمال والاقتصاد، ذلك أن “البقاء للأقوى” وأن “الضحية تستحق مصيرها”، كل ذلك تحت مسمى “عصر ما بعد الحداثة” وهو ما فُسّر بأنه عملية “دمج اقتصادية” حيث تتداخل القوة والثقافة، وساعد في ذلك أمران:
أولهما هو التطور العلمي والتكنولوجي الهائل وما ترتب عليه من ثورة في وسائل الاتصال والإعلام وانتشار المحطات الفضائية، التي تبثّ برامجها لكل أنحاء الكوكب ولكل البشر, لتربط بذلك سكان الأقاليم المتفاوتة بشكل لا مثيل له سابقاً، ناهيك عن ثورة المعلومات الهائلة التي تجسدها شبكة الأنترنت والذكاء الصنعي والهندسة الحيوية، وهذا الأمر الذي فرضته العولمة ليس مطروحاً للقبول أو الرفض، فهو واقع أصبح أحد ظواهر العصر الذي نعيشه وليس أمامنا إلا أن نقبل به, ولكن علينا أن نعرف كيف نتعامل معه لنكون أكثر تأثيراً في عالمنا.
أما الثاني فهو قيمي، جاء نتيجة الطابع التوسعي الاحتكاري لنمط الإنتاج الرأسمالي الذي فرض اقتصاد السوق على العالم, وتعزز باتفاقية منظمة التجارة العالمية، ونشاط الشركات متعددة الجنسية، وهذا الجانب هو الذي يجعل من العولمة مسألة خلافية لما لها من آثار تحدّ من دور الدولة التقليدي ومن سلطاتها لتضعف تأثير الحدود السياسية والسيادة الوطنية، في مقابل سطوة وهيمنة المركز الرأسمالي.
وبحكم تلك التقسيمات والصراعات ظهر العالم مقسّماً إلى:
1- دول غنية هي “المركز” للنظام الرأسمالي العالمي, ومحيطها الشركات العابرة للقارات والمتعددة الجنسية والرؤوس الضخمة من الأموال والاستثمارات في الدول النامية مثل أفريقيا وجنوب آسيا.
2- دول فقيرة هي “تابعها” أو “محيطها”؛ بلاد المحيط هذه أجورها زهيدة تفرضها نظم قهرية تحبط اتحادات العمال المستقلة والحركات الاجتماعية، ويستغلها “المركز” من أجل العمالة الرخيصة والموارد الطبيعية (نفط ومعادن ومياه…) الرخيصة والتربة الخصبة، لذلك فإن الدول الفقيرة والغنية هي أجزاء للكل نفسه أي (النظام الرأسمالي العالمي ، قوى الهيمنة العالمية كما يمكن تسميتها الآن )، وإن التخلف في المحيط هو النتيجة المباشرة للنمو في المركز وبالعكس، حيث يتكرر تَسلّط “المركز” على “المحيط” على امتداد سلسة من العلاقات غير المتكافئة تتدفق من السلطة وفائض القيمة والهيمنة الأيديولوجية والمنتجات باهظة الثمن, وهذه العلاقات تسلّط الضوء لا على الطابع العالمي للرأسمالية فقط، بل أيضاً على حقيقة أن توسعها ليس نتيجة مجرد نماء وقوة اقتصادية، إنما هي نتيجة علاقات معينة للتنمية الاقتصادية مبنية على الهيمنة واللامساواة. وتفسر علاقة التبعية هذه بمجموعة من العوامل التي تنشطها، لعل أهمها هو الرأسمال الأجنبي، ممثلاً بالشركات متعددة الجنسية، والتي تعتبر بمثابة ذراع لقوة “المركز” داخل “المحيط”، والعامل الآخر هو ما يمكن تسميته بـ “مجموعة النخبة” داخل دول المحيط والتي شَكّلت في المراحل الأخيرة لوجود الاستعمار وفي الحقبة التالية للاستقلال “حكومات وطنية”, ولم يكن لها من مهمة سوى الحفاظ على علاقات التبعية لقوى الحداثة الجديدة.
وتلعب التكتلات الاقتصادية اليوم قوة كبيرة ذات نمو سريع من قارات متعددة في العالم، استطاعت بأدواتها ومرجعياتها الاقتصادية والسياسية والثقافية المختلفة, أن تشكل قوة دولية لا يستهان بها، وتتّجه لأن تكون ذات وزن سياسي في كافة الهيئات الدولية, وتقف بإمكانياتها المتوفرة ضد فكرة القطب الواحد في التحكم في القضايا الدولية.
وفي الواقع لا تستطيع الاستراتيجيات المحددة بمصالح رأسمال المسيطر، أن تقدم شيئاً للشعوب التي لا تعترف أصلاً بهذه المصالح. إن مجمل السياسات التي تتبعها قوى السيطرة الرأسمالية لم تنتج إلا البؤس والفقر والموت لملايين البشر.
أبرز أزمات ما بعد الليبرالية الجديدة ( الحداثة الليبرالية ):
إن فتح اقتصاد ما بعد الحداثة الليبرالية القائم أساساً على علاقات التبعية والتفسخ الاقتصادي أو الاستغلال الممارس ضدّ المحيط من قبل المركز الرأسمالي العالمي، فتح الباب أمام عديد الأزمات التي يمكن أن نحصرها في ثلاث أزمات رئيسية تستحوذ على الاهتمام وهي:
الأزمة الأولى: تتعلق بأثر التطور الاقتصادي– الاجتماعي الحديث على المنظومات الإيكولوجية (البيئية) للعالم.
إن إطلاق عمل الشركات العملاقة بدون أي ضوابط أو حماية أدت إلى ظهور كوارث مثل ذوبان الجليد، تلوث البحار ، اختفاء الغابات، اضطرابات مناخية في الشتاء جفاف في الصيف، فقر الملايين، جوع ، وتهديد بيئي، فقدان البشر لممتلكاتهم وبالتالي حروب وصراعات وأزمات لا تنتهي.
إن محاولة حيتان السلطة ورجالات المال في العالم البحث المستمر عن الأسواق لاستهلاك منتجات شركاتهم, ساهمت كذلك في تغيير التركيبة الاجتماعية للبلدان النامية.
إن الاطروحات التي تنادي بها منظمة المنتدى الاقتصادي العالمي دافوس اليوم هي الحاجة إلى نظام يقلل من الآثار السلبية على البيئة وحقوق العمال, وهي شكل جديد من أشكال الرأسمالية الحداثية.
ولا زالت الليبرالية إلى اليوم تتعامل مع الأنساق المجتمعية والبيئية بعقلية الاستغلال, وكأن تلك الأنساق خزان لا ينضب ولا ينتهي ويجب الاستمرار في الاستغلال.
ويتجلى التهديد في كون المستويات المرتفعة للنشاط الاقتصادي تسبب ارتفاع درجات الحرارة, وتؤدي إلى تغيرات فجائية وسريعة في المناخ، إضافة إلى نفاذ غشاء الأوزون وتدمير الغابات المطيرة والتصحر وتسميم المياه، بحيث تؤدي لعجز الطبيعة عن القيام بما كانت تقوم به منذ الأزل؛ أي عمليات التجديد الحيوي. إن هذه التطورات تفرض، إما إبطاء نمو النشاط الاقتصادي العالمي إلى درجة تتوافق مع متطلبات الحفاظ على البيئة أو على نحو يتيح للطبيعة إصلاح ما أفسدته يد الإنسان، وهذا مستحيل في ظل النظام الاقتصادي العالمي الذي يُشكّل مثل هذا التباطؤ موتاً حقيقياً له، كما أنه غير قابل للتحقق في ظل النمو الديمغرافي الهائل وتنامي عدد سكان الأرض بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ، وإما تعديل التكنولوجيا وأنماط التطور وعقلنة النشاط الاقتصادي ونمط معيشة الإنسان الحديث عموماً، بشكل يجعله “يتصالح” مع البيئة في سبيل خدمة المصالح الحقيقية للأجيال الحالية والقادمة.
الأزمة الثانية: تتعلق بتفاقم مشكلة الفقر على نطاق واسع، حيث تشير الإحصائيات إلى أن أكثر من خُمس سكان العالم يعيشون في ظروف الفقر المطلق، وهو ما يمكن تعريفه بأنه حالة يتعذر فيها على الناس الوفاء بأهم الاحتياجات الأساسية اللازمة للبقاء أحياء وبشكل منتظم. ولا يمكننا أن نعزو هذا الفقر إلى انتشار الرأسمالية وحدها على الرغم من أن الأسواق الرأسمالية تؤثر في استقطاب عمليات توزيع الثروة والدخول، إلا أن غياب عمليات التنمية وانتشار الفساد لهما الدور الأكبر في الفقر المنتشر في الدول المتخلفة، إضافة إلى الحروب الأهلية والنزاعات المحلية وتزايد قضايا الجنسانية الاجتماعية التي لا تعرف حدوداً في السلطوية, والاستغلالية الممارسة بحق المرأة “فالنيو– ليبرالية”, ورغم كل محاولات التزييف التي حاولت أن تضيفها لنظرة الحداثة الرأسمالية تجاه المرأة، إلا أنها أقحمت المرأة في وضع أشد وطأة من سابقه، فالمرأة مقموعة في المنزل، أما التي نزلت إلى سوق العمل فهي الأرخص أجراً، كما أنها الأداة المثلى لتسويق الجسد، فهي أضحت ضمن مستوى السلعة التي لا غنى لرأس المال عنها، وهي باقتضاب أكثر ممثلي العبودية العصرية عطاء.
الأزمة الثالثة: وتتمثل في ظهور العنف والإرهاب والتطرف, وكذلك انتشار أسلحة الدمار الشامل والتسارع الكبير في سباق التسلح, مقترناً بحالات يلوح فيها إمكان استخدام العنف الجمعي، وتمثل مشكلة العنف واحدة من أصعب القضايا التي تواجه العالم، وليست المشكلة مجرد تراكم العتاد العسكري فحسب، بل تفاقم التوترات المحلية في عدد من المناطق, والمقترنة في الغالب بانقسامات عرقية ودينية ومذهبية وبروز ظاهرة الإرهاب العالمي العابر للقارات وتنامي الأصولية الدينية, حيث يبرر “جالتون” أستاذ الاجتماع في أوكسفورد العنف بالقول “أي حاجز يحول دون تحقق الممكن، حيث يكون هذا الحاجز اجتماعياً وليس طبيعياً، فإذا كان الناس يتضورون جوعاً ولا سبيل إلى تجنب هذه الحال موضوعياً يغدو العنف لازماً”. وخاصة عندما تكون تلك الأعمال العنيفة من تداعيات وسياسات ومخرجات الليبرالية الجديدة.
إن أخطر ما يواجه البشرية في مجال العولمة هو النظر إليها على أنها عولمة اقتصادية فقط دون بعدها الإنساني، فلا يُمكن قبول فكرة هيمنة الأسواق على عملية العولمة ليكون الربح ومراكمة رأس المال وحده هو أساسها في غياب الاعتبارات الإنسانية والديمقراطية وحقوق الإنسان، فالعالم بحاجة إلى مشروع عالمي تلتقي عنده شعوب الأرض.
خلاصة:
رأينا فيما أوردناه في هذا البحث المتواضع أنه ثمة سياسات ممنهجة تتطابق مع ما يتم طرحه من قبل منظّري الحداثة الرأسمالية اليوم وأتباع الانفتاح الاقتصادي المقصود به الليبرالية الجديدة, ولو أخذنا بعين الاعتبار المبادئ التي اعتمد عليها منظرو البيئة, يمكننا تبنّي ما تم طرحه من قبلهم.
ونختم بحثنا بما قاله المفكر الكندي آلان دونو في كتابه نظام التفاهة:
“لقد تحول اليوم الصالح العام والاعتبارات الإنسانية من شأن سياسي قيمي إلى إدارات عملية هدفها تحقيق الأرباح, فخلا العمل العام من منظومات أخلاقية والمثل العليا والمواطنة والالتزام، وصار الهمّ العام هو الخصخصة بهاجس تحقيق الربح فقط”.
________________
مصادر البحث:
- فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ والإنسان الأخير ، ترجمة فؤاد شاهين ، جميل قاسم،رضا الشايبي، مركز الانماء القومي ، بيروت .
- سمير أمين، ما بعد الرأسمالية المتهالكة ، ترجمة د.فهمية شرف الدين ، دار الفارابي للنشر ، بيروت ،2003م
- إيمانويل فالرشتاين، نهاية العالم كما نعرفه ،ترجمة: دكتور فايز الصيّاغ ،هيئة البحرين للثقافة والآثار ، المنامة 2017 .
- ريتشارد أتش روبنز، المشاكل العالمية وثقافة الرأسمالية ، ترجمة فؤاد سروجي ، الأهلية للنشر والتوزيع ، عمان الأردن 2008م.
التعليقات مغلقة.