الثقافة والفن كأدوات للتحرر الديمقراطي كيف يمكن للفنون والثقافة أن تعزّز الوعي المجتمعي الحرّ بعيداً عن سيطرة الدولة والسلطة
أحمد دالي
مقدمة:
تلعب الثقافة والفنون ـ كوسيلتين مركزيتين في مقاومة الاستبداد السياسي ـ دوراً كبيراً في بناء الوعي النقدي المستقل، في ظل تنامي أنماط الهيمنة السياسية والسلطة الدولتية, حيث تُعتبر الفنون اليوم ضمن الأطروحات الثقافية المهمة المستلهمة للقواعد التراثية والأصيلة للشعوب, ولم يعد الفن مجرد ترف جمالي، بل غدا ساحة للصراع الرمزي، ومساحة لإنتاج المعنى خارج حدود السلطة الرسمية.
في هذا البحث سنحاول تحليل الدور الحيوي الذي تلعبه الفنون والثقافة في الدفع نحو تحرر ديمقراطي، وخلق فضاء عام مستقل يتيح للشعوب ممارسة حقوقهم في التعبير والمساءلة والمشاركة.
تُعتبر الفنون إحدى الظواهر الاجتماعية, وعلى تماس مباشر بطبيعة كل مجتمع, بل تكاد تكون المرآة العاكسة له, حتى أطلق بعضهم على هذه الحالة “نظرية الانعكاس في الفن”, إلى درجة قول بعضهم إن المجتمعات المتخلخلة تنتج فناً متخلخلاً, وهذا الربط الوثيق بين الفن والإنسان ومنه إلى المجتمعات دائماً يقودنا للسؤال عن النشأة الأولى له ـ أي للفن.
وبصرف النظر مبدئياً عن الرؤى والمناهج النقدية والفكرية في تناول كل مصطلح على حدة من حيث التصنيف بحسب الأجناس والبيئات المكانية والزمانية وظروفهما الموضوعية بحسب الشعوب التي تتراقص في أفلاكها تلك الفنون, أو تنشط في ميادينها تلك الآداب, أو تنمو في ربوعها تلك الثقافات, أو ربما من حيث الوظيفة الاجتماعية التي من المفترض أن تضطلع بها- فإنه من الجدير بمكان الإشارة إلى أنه ثمة توافق على أن جميع المجتمعات الإنسانية لا تخلو من فنون خاصة بها وثقافة تحمل هويّتها وآدابها التي تتغنى بها, وأن كل ما ذُكِر يصب بشكل أو بآخر في خانة بناء الشخصية الإنسانية التي تتباين من مكان لآخر تبعاً للفروقات بين بيئاتها الثقافية, وربما جيناتها الوراثية ودوافعها الفطرية أيضاً.
إشكالية البحث
تتجسد الفكرة الأساسية في هذا البحث حول: إلى أي مدى يمكن للفن والثقافة أن يساهما في خلق وعي مجتمعي ديمقراطي حرّ، بعيداً عن وصاية الدولتية وأدواتها الأيديولوجية وأساليبها التي تحاول من خلالها إخضاع الثقافات وإفشال التجارب التحررية والإصلاحات المجتمعية, التي تتطلبها الشعوب التي تعاني من الممارسات الإقصائية والتهميشية والإلغاء وصولاً إلى العنف.
أهمية البحث
تكمن أهمية هذا البحث في سعيه لتسليط الضوء على الإمكانات الرمزية والعملية التي تتيحها الفنون والثقافة في مقاومة السلطوية، وفي دعم مبادئ الحرية والمواطنة والمشاركة، خاصة في السياقات التي تشهد تحولات سياسية أو صراعات على الهوية والسلطة, والتي تشهدها بؤر الصراع حول العالم.
أهداف البحث
يهدف هذا البحث إلى:
1- معرفة الأدوات والأساليب التي تنتج بها الثقافة والفنون وعياً ديمقراطياً.
2- تحليل أشكال المقاومة الثقافية التي تُمارس خارج المنظومة الدولتية السلطوية.
3- معرفة آليات تعزيز دور الفنون والثقافة في مواجهة العنف والتطرف وخطابات الكراهية.
مصطلحات البحث
الثقافة: مجموع القيم، والمعارف، والممارسات، والتقاليد، والرموز التي تشكل الوعي الجمعي للمجتمع، وتشمل الإنتاج الفكري والفني والمادي والمعنوي.
ويعبّر رالف بيلز عن الثقافة بأنها” أساليب السلوك النمطية التي يتعلمها المرء من خلال عضويته في جماعة اجتماعية”.
الفن: وسيلة تعبير جمالية تستخدم أشكالاً متعددة (مثل الرسم، الموسيقا، المسرح، السينما، الأدب) لنقل المشاعر والأفكار، وغالباً ما تعكس واقع المجتمع وتنتقده أو تُعيد تشكيله.
التحرر الديمقراطي: عملية اجتماعية وسياسية تهدف إلى التخلص من أشكال القمع والاستبداد، وتمكين الأفراد من المشاركة الفاعلة في الحياة العامة عبر قيم الحرية، والعدالة، والمساواة.
الفضاء العام: الحيّز الاجتماعي المفتوح الذي يُسمح فيه بتبادل الآراء والأفكار بحرية، ويشكل مساحة حوارية بين المواطنين والمجتمع المدني بعيداً عن رقابة الدولة.
المثقف العضوي: مصطلح من فكر غرامشي، يشير إلى المثقف الذي ينخرط في قضايا مجتمعه وينتج معرفة نقدية من داخل طبقته أو بيئته الاجتماعية, وليس من مواقع نخبوية منعزلة.
الهيمنة الثقافية: مصطلح يُستخدم لوصف السيطرة غير القسرية التي تمارسها النخب أو الدولة عبر وسائل الثقافة والتعليم والإعلام، لتشكيل وعي الأفراد بطريقة تخدم مصالحها.
المحور الأول: الثقافة والفن كأدوات تعبير وتحرّر
أولاً: المثقف العضوي وأهمية الهيمنة الثقافية في الصراع الطبقي, والفن بوصفه لغة بديلة تعبر عن المكبوت:
إن مقولة “الحياة الخاطئة لا تُعاش بصواب” تأخذنا إلى مقولة القراءة الخاطئة للتاريخ المخفي، وخلق الأزمات من قبل الهيمنة (أمراض الجنسوية والهرمية والسلطوية والصراعات الطبقية) التي لا تعتمد على فلسفة السلطة.
يقول المفكر عبدالله أوجلان:” الاستشراقُ هو التعبيرُ العلميُّ عن الهيمنةِ الأيديولوجيةِ التي طَوَّرَتها الحداثةُ الأوروبيةُ من أجلِ الشرقِ والشرقِ الأوسط. ويستمرُّ بوظيفتِه كهيمنةٍ فكريةٍ مُؤَثِّرةٍ جداً, أماعَولَمةُ الحداثة، فمُتَداخِلةٌ مع العَولَمةِ الأيديولوجية, بل وربما الهيمنةُ الأيديولوجيةُ أَولى منها.”
من هنا نرى بأنهم عن طريق الهيمنة الفكرية يحققون الاستعباد الروحي والمعنوي, لذلك يجب أن يتم تحليل كل نهج إيديولوجي يتم ممارسته في الشرق الأوسط، لأنه مهما ادّعت هذه الإيديولوجيات الحرية، فإننا نرى أنها مازالت تحت تأثير الاستشراقية والفكر الحداثوي. يجب أن نعلم بأنه بقدر ما نحرر أنفسنا فكرياً ونتجاوز الاستشراقية ونحقق البديل؛ سنكون قد حققنا نهضة فكرية وروحية.
إن إصرار غرامشي على دور المثقف العضوي في الحیاة السیاسیة والاجتماعية والتاریخیـة، كان لتأسيس دعـائم المجتمـع المـدني، وتنشيط مؤسسـاته بأیة صفة كانت، حتى لا تتكرر حالات القمع والتسلط على رقاب المجتمع, وهـــذا بطبيعة الحـــال یســـتدعي الإصـــلاح الثقـــافي والاجتماعي والسياسي فــي وجــدان وذهنية الشعوب التـي لا تزدهـر إلا بتحرر الشعوب ووعيها، وكان غرامشي بارعاً في تصور هؤلاء عنـدما قـال:
“لمـــاذا تبقــــى الشعوب غیــــر مبالیــــة تجـــاه الأفكــــار التــــي هــــي أداة لتحررهم, وتبقى أسيرة الاستغلال، ولماذا یكافح الناس من أجل عبودیتهم بدلاً من تحـررهم؟”.
غرامشي: المثقف العضوي وأهمية الهيمنة الثقافية في الصراع الطبقي:
طرح المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي مفاهيمه حول المثقف العضوي والهيمنة الثقافية ضمن مشروعه لفهم وتفسير آليات السيطرة الاجتماعية والسياسية، خاصة في سياق الصراع الطبقي. هذه المفاهيم أساسية لفهم كيف تترسخ الأنظمة في المجتمعات، ليس فقط بالقوة، بل بالثقافة والفكر.
غرامشي ميّز بين نوعين من المثقفين:
1- المثقف التقليدي:
هم أولئك الذين يُنظر إليهم كفئة مستقلة، مثل الأكاديميين، رجال الدين، أو الفنانين، الذين يعتقدون أن لهم دوراً “محايداً” أو “فوق الطبقات”.
2- المثقف العضوي:
هو المثقف المرتبط بطبقة اجتماعية معينة، ويعبّر عن مصالحها ويعمل على تنظيم رؤيتها للعالم.
بالنسبة لغرامشي، كل طبقة اجتماعية صاعدة (مثل الطبقة العاملة) تحتاج إلى مثقفيها العضويين من أجل قيادة مشروعها التاريخي.
المثقف العضوي لا يكتفي بالتنظير، بل ينخرط في الواقع السياسي والاجتماعي ويساهم في تغيير البنية الثقافية السائدة.
وفيما يتعلق بالهيمنة الثقافية (Cultural Hegemony) نرى أن غرامشي جادل بأن الطبقة الحاكمة لا تحافظ على سلطتها فقط بالقوة (العنف السياسي أو القمع)، بل بالهيمنة الثقافية، أي بفرض رؤيتها للعالم كأنها “الطبيعية” أو “العقلانية” أو “العالمية “والهيمنة تعني أن الطبقة المهيمنة تنجح في إقناع الطبقات الأخرى (وخاصة الطبقة العاملة) بتبنّي قيمها ومفاهيمها، مما يضمن استقرار النظام القائم دون حاجة دائمة للعنف, وهذا ما يجعل الصراع الطبقي في جزء كبير منه صراعًا فكريًا وأيديولوجياً، وليس مادياً فقط.
شكل العلاقة بين المثقف العضوي والهيمنة الثقافية:
نرى من خلال عرض آراء بعض المفكرين حول الثقافة والهيمنة الثقافية اختلافات ليست بعميقة, فهناك رؤى مشتركة حول دور وتأثير الهيمنة الثقافية التي استغلتها السلطات الدولتية من أجل السيطرة والقمع, حيث يرى غرامشي أن المثقف العضوي ضرورة لكسر الهيمنة الثقافية للطبقة المسيطرة من خلال إنتاج خطاب بديل ومناهض، ويسهم المثقف العضوي في خلق وعي طبقي جديد يفضح آليات السيطرة الفكرية ويطرح تصوراً جديداً للمجتمع.
بذلك يصبح المثقف جزءاً من معركة طويلة الأمد تهدف إلى بناء هيمنة ثقافية مضادة، تمهّد لتغيير سياسي واجتماعي حقيقي.
أما ميشيل فوكوياما الذي طوّر مفهوم الخطاب والمعرفة والسلطة كعناصر متشابكة فهو يرى
العناصر الثلاثة متشابكة، والعلاقات المعقدة بينها من خلال:
1- الخطاب (Discours)
عند فوكو، الخطاب لا يعني فقط الكلام أو اللغة، بل منظومة معرفية تنتج المعنى وتنظم التفكير حول موضوع معين (مثل الجريمة، الجسد، الجنس، الجنون)، والخطاب يحدد ما يمكن قوله وما لا يمكن قوله, وهو يتضمن شبكات من السلطة والمعرفة، ويحدد من يملك “الحق” في الكلام والمعرفة (مثل الطبيب، القاضي، العالم)، و الخطاب ليس محايداً، بل يخدم سلطات معينة، ويُسهم في ترسيخها.
2- المعرفة (Savoir)
فوكو لا يرى المعرفة كشيء موضوعي مستقل عن السياق الاجتماعي، بل كشيء يُنتج داخل شبكات من السلطة.
ما يُعدّ “حقيقة” في زمن ما هو نتيجة للخطابات السائدة وليس تطابقًا موضوعيًا مع الواقع, والمعرفة تُنتج من داخل الخطابات، ومن خلال المؤسسات التي تحدّد وتشرعن ما هو معروف وما هو مجهول.
3- السلطة (Pouvoir)
فوكو يرفض التصور الكلاسيكي للسلطة كشيء هرمي أو مركزي (كما في الدولة أو الشرطة)، ويرى أنها منتشرة، موزعة، وتُمارَس في كل العلاقات الاجتماعية, والسلطة لا تُمارَس فقط بالقمع، بل أيضًا بإنتاج المعرفة وتنظيم الخطابات, والعلاقة بين السلطة والمعرفة ليست علاقة فصل، بل تداخل:
“لا سلطة بلا معرفة، ولا معرفة بلا سلطة التشابك بين الخطاب والمعرفة والسلطة”.
في فكر فوكوياما:
الخطاب ينتج معرفة معيّنة, ولكن هذه المعرفة تشرعن سلطة معينة, والسلطة تُعيد إنتاج الخطاب والمعرفة بما يخدم استمرارها, بالمحصّلة نرى أن الخطاب ليس بريئاً؛ بل وسيلة للضبط والسيطرة، والمعرفة ليست محايدة؛ بل تُنتَج داخل أنظمة سلطة، فالسلطة لا تُفرض فقط بالقوة؛ بل تُمارَس من خلال تشكيل العقول واللغة والحقائق.
أما عالم الاجتماع الفرنسي “بيير بورديو فيرى” ضرورة استقلال الحقل الثقافي ورأس المال الرمزي وذلك من خلال:
1- استقلال الحقل الثقافي (Autonomie du champ culturel)
“الحقل” عند بورديو هو فضاء اجتماعي مستقل نسبيًا، تحكمه قواعده الخاصة، ويضم فاعلين (أفراد أو مؤسسات) يتنافسون فيما بينهم على موارد رمزية.
الحقل الثقافي (الأدب، الفن، الفكر…) يتمتع بدرجة من الاستقلال عن الحقول الأخرى (السياسي، الاقتصادي)، لكنه ليس مستقلاً كلياً, مع تطور المجتمع الحديث، بدأ الحقل الثقافي ينفصل عن وصاية الدين والسلطة السياسية والاقتصادية.
هذا الانفصال يسمح للمثقفين والفنانين بالسعي إلى الاعتراف والتقدير الرمزي بدلاً من مجرد المكاسب المادية, لكن الاستقلال نسبي، لأن الضغوط السياسية والاقتصادية يمكن أن تعود لتخترق هذا الحقل.
2- رأس المال الرمزي (Capital symbolique)
رأس المال الرمزي هو الاعتراف الاجتماعي أو الشرعية أو الهيبة التي يكتسبها الفرد أو المؤسسة داخل الحقل. وقد يكون مستندًا إلى الرأسمال الثقافي (المعرفة، الشهادات، المهارات) أو الرأسمال الاقتصادي، ولكن يُعاد تحويله إلى سلطة ناعمة وهو غير مرئي في كثير من الأحيان، لكنه فعّال في فرض الهيمنة والشرعية.
العلاقة بين المفهومين “استقلال الحقل الثقافي ـ الرأسمال الرمزي“ :
استقلال الحقل الثقافي يسمح بوجود معايير داخلية لتوزيع الرأسمال الرمزي (مثل التقدير النقدي، الجوائز، الاعتراف)، وهي لا ترتبط مباشرة بالسوق أو بالسياسة.
لكن الرأسمال الرمزي يمكن أن يتحول إلى سلطة اجتماعية تتجاوز الحقل الثقافي، مما يظهر أن الاستقلال غير مكتمل دائمًا.
بورديو قدّم رؤية نقدية لاعتقاد بعض المثقفين بأنهم “مستقلون تمامًا” عن السلطة؛ فحتى أكثرهم تحررًا يخضعون لقواعد الحقل وموازين الرأسمال الرمزي.
الثقافة ليست مجرد إبداع، بل ميدان صراع اجتماعي، تُدار فيه علاقات القوة عبر الرموز لا العنف.
ثانياً: الإبداع الرمزي للفنون والثقافة لتجاوز الهيمنة والسلطة الدولتية, واستقلال الحقل الثقافي ورأس المال الرمزي:
لقد انطلق ميشيل فوكو من أرضيّة متحركة لعلائق القوى داخل السلطة، التي تُولَدُ دونما انقطاع، وبهذا المنظور ليست السلطة بالضرورة هي رأس الهرم وحسب، وليست هي نابعة دائماً من الأعلى، فهي ليست فوقية دائماً، بل هي “محيطة” تأتي من كلّ صوب، وذلك لأنها متولّدة، تتفاعل في كلِّ لحظة، فالكائن يقع تحت سلطة مكوَّنَة من شبكة علائقية من مجموعة سلطات متفاعلة فيما بينها بشكل دائم ومستمر. فيما يعرّف ماكس فيبر السلطة من حيث هي سلوك وفرض الإرادات بالقول: “إنها إمكانية فرض إرادة شخص ما على سلوك الأشخاص الآخرين”.
الثقافة التسلطية التي روّجت لها السلطة عبر التاريخ وكرّستها في المجتمع؛ حوّلت معها الخاضعين لها إلى أناس خائري القوى، مشلولي الإرادة أمام جبروت سلطتها المعمّمة على المجتمع ككلّ، بحيث وجدت نفسها كأنّها قدَر مفروض عليه ولا يمكن تغييره أبداً. ضمن هذا السياق الاجتماعي والتاريخي يمكن فهم ولادة الثورات العظيمة في التاريخ كتعبير عن إرادة الأفراد والمجتمعات التي تعرّضت لانتهاكات السلطة وأفعالها القمعية الشنيعة، ولتؤسّس لمرحلة أكثر عدلاً وإنصافاً.
غير أنّ الأدوات التي يتمّ عن طريقها ممارسة السلطة ومصادر حقّ استخدام تلك الممارسة متداخلة ومعقّدة، فالسلطة تحوي في أحشائها ممارسات منها ما هو علني ومنها ما هو مخفي، إلى جانب أنّ ما كان سارياً وصحيحاً في السابق قد يُصبح مهملاً وغير ذي شأنٍ في الوقت الحاضر؛ أي إنّ الممارسة الفعلية والعملية للسلطة تتبدّل بتبدّل الأزمان والعصور.
الإبداع الرمزي:
هو إنتاج دلالات ومعانٍ تتجاوز ما هو مادي أو مباشر، ويشمل الفنون، الأدب، الموسيقا، المسرح، السينما، إلخ. هذا الإبداع يحمل إمكانية نقد الواقع وإعادة تشكيله من خلال رموز وتعبيرات غير مباشرة.
مواجهة الهيمنة والسلطة الدولتية:
السلطة عادةً تسعى إلى ضبط الحقل الثقافي عبر الرقابة، التمويل المشروط، أو دعم فنانين ينسجمون مع خطابها الرسمي.
وهنا الفن الرمزي (خصوصاً ما يسمى “الفن الملتزم” أو “الفن النقدي”) يمكنه أن يتجاوز الرقابة من خلال التورية والتشفير، فيفضح الاستبداد أو يحرّض على التغيير دون مواجهة مباشرة.
أما عن استقلالية الحقل الثقافي فبحسب بيير بورديو، الحقل الثقافي لا يكون مستقلاً إلا حين يتحرر من الضغوط الاقتصادية والسياسية، ويُستخدَم الإبداع الرمزي كوسيلة لتحقيق هذا الاستقلال، حين ينتج المعنى وفق منطق داخلي للحقل وليس خضوعاً لمصالح خارجية (مثل السلطة).
في فن المسرح التجريبي، السينما البديلة، والشعر الرمزي في فترات القمع تظهر هذه الأشكال التي لا تصرخ مباشرة ضد السلطة، لكنها تُنتج نظاماً رمزياً موازياً يعيد تشكيل الوعي الجمعي.
المصدر الآخر للفن كان موجوداً في ظاهرة عدم فهم الإنسان أو فهمه القاصر لكيفية تأمين بعض ضروريات حياته, أو إزالة العوائق التي تعترض استمراريته في الحياة أثناء المراحل الأولى لتطوره, لذا من أجل حلّ هذه المعضلة ابتُدع فن المسرح أو التمثيل البدائي, وقد كان هذا المسرح عبارة عن عملية تقليد لا أكثر, وكان هدفه القيام ببعض التشبيهات المجازية القريبة من المسرح الحالي ظناً منهم بأن هذه التصرفات الفنية التقليدية سوف تنسحب إلى الواقع وتؤثر عليه لحل المشكلة, مثلاً عندما كان يحصل الجفاف يحاول الإنسان في تلك المرحلة تقليد أصوات هطول المطر وحركات ما قبل وأثناء وما بعد الهطول, لأنه كان مقتنعاً بأنه سوف يستطيع تأمين هطول المطر بهذه الطريقة. وحتى في أيامنا الراهنة مازال هذا التقليد موجوداً بأشكال مختلفة, فمثلاً لدى شعوب منطقة ميزوبوتاميا تقوم النساء بحمل أوعية الماء والهجوم على أي رجل يقع بين أيديهم وتبليله، وهم يعتقدن بأنهم سوف يؤمنون هطول المطر بهذه الطريقة. وكما أن الإنسان حاول وقف الفيضانات والسيول الجارفة من خلال القيام بفعاليات فنية (غنائية، موسيقية، فلكلورية) حول الشيء الذي حوّلوه إلى إله للفيضانات والسيول، وقد كانوا يقدمون احترامهم ومحبتهم للآلهة من خلال فعالياتهم الموسيقية والغنائية والمسرحية الراقصة، طبعاً كان المسرح في تلك الأثناء مختلفاً عما هو عليه الآن، ولكن كلمة المسرح نفسها جاءت من كلمة ( تيونس، زيوس، زونس، زوش) الأغريقية والتي تعني الإله المقدس في لغتهم, وهذا دليل كبير على أصل المسرح أو ما يسمى بـ (تياترو)، فقد تطور أو ظهر أثناء عملية العبادة للآلهة أو في عملية محاولة إرضائهم وكسب صداقتهم.
ثالثاً: الخطاب والمعرفة والسلطة كعناصر متشابكة؛ الشعر السياسي، المسرح التفاعلي، السينما المستقلة:
الخطاب والمعرفة والسلطة هي ثلاثة مفاهيم مترابطة بشكل وثيق، وقد تناولها عدد من المفكرين، أبرزهم ميشيل فوكوياما، في إطار تحليله للعلاقات الاجتماعية والثقافية. إليك كيف تتشابك هذه العناصر:
1- الخطاب:
يشير إلى النظم اللغوية والرمزية التي تنتج المعاني وتشكل الفهم العام للواقع. الخطاب لا يعكس الواقع فقط، بل يُسهم في بنائه وتحديد ما يُعتبر “معرفةً” وما يُستبعد منها.
2- المعرفة:
ليست محايدة أو مجرد تراكم للحقائق، بل تُنتج داخل سياقات خطابية معينة. تُبنى المعرفة وفقًا لما يسمح به الخطاب السائد، ما يعني أن ما نعدّه “حقيقة” هو نتاج خطاب معين، لا حقيقة مطلقة.
3- السلطة:
لا تقتصر على المؤسسات السياسية أو الأمنية، بل تتجلى في العلاقات اليومية والمعايير الثقافية والمعرفية. السلطة تنتج الخطابات والمعارف وتعيد إنتاجها، وتحدد من يحق له الكلام ومن يُقصى.
العلاقة التشابكية:
ـ السلطة تنتج الخطاب والمعرفة: من خلال مؤسسات مثل التعليم، الطب، الإعلام.
ـ المعرفة تُشرعن السلطة: حين تُعرض كـ “علم” أو “حقيقة”.
ـ الخطاب يُمأسس كليهما: يمنح السلطة أدوات الهيمنة الرمزية والمعرفية، ويُقنن ما يُعدّ معرفة.
بالتالي، لا يمكن فهم أي من هذه العناصر بمعزل عن الآخر، إذ إن كل واحد يغذّي ويعيد تشكيل العناصر الأخرى باستمرار.
هل ترغب في توسيع هذا المفهوم ضمن سياق معين، كالإعلام أو التعليم أو الدين؟
في سياق الفنون والثقافة، تتجلى العلاقة بين الخطاب والمعرفة والسلطة بشكل دقيق ومؤثر، حيث تُستخدم هذه العناصر ليس فقط للتعبير الجمالي، بل أيضًا لتوجيه الذوق، وتحديد ما يُعتبر “فنًا راقيًا” أو “ثقافة هامشية”، وما يستحق التقدير أو الإقصاء.
الخطاب الفني والثقافي:
الخطاب هنا يعني اللغة والمفاهيم التي نستخدمها لوصف الفنون وتقييمها مثل “الحداثة”، “الأصالة”، “الفن الملتزم”. هذا الخطاب لا يُنتَج فقط من قبل الفنانين، بل تشارك فيه مؤسسات مثل الأكاديميات، المتاحف، المهرجانات، والنقد الفني.
المعرفة الثقافية:
المعرفة حول الفن (تاريخه، مدارسه، رموزه) تُبنى داخل خطاب معين، وهي تُعلّم وتُدرّس وتُنشر بوسائل تكرّس رؤية معينة لما هو “ذو قيمة”. مثلًا، يُحتفى بفنانين معينين دون سواهم، ويُعتبر فنهم ممثلًا للهوية أو الحداثة، بينما يُقصى آخرون باعتبارهم “شعبيين” أو “غير ناضجين”.
السلطة في الفنون والثقافة:
السلطة لا تعني فقط الجهات السياسية، بل أيضًا المؤسسات الثقافية التي تُقرر من يُعرض عمله، ومن يحصل على الجوائز، ومن يتم تهميشه. كما يمكن للخطاب الثقافي أن يُستخدَم كأداة للهيمنة الرمزية مثل ترويج نموذج ثقافي واحد باعتباره “الأفضل” أو “الأرقى”.
السلطة تنتج الخطاب الفني (عبر دعم تيارات معينة، تمويل نتاجات، أو فرض رقابة، والخطاب يُعيد تشكيل الذوق والمعرفة (يُحدّد ما يُفهم وما يُقدَّر كفنّ، أما المعرفة فتشرعن السلطة الثقافية (تجعل الذوق السائد يبدو طبيعياً).
إن نشوء المسرح وتأثيره الكبير المشبّه بالسحر في محاولة من الإنسان للتأثير على المجتمع و الطبيعة بقوة إرادته، هو خلال من تحويل الأفكار والخواطر والهواجس إلى أفعال وأشياء عن طريق الحركات والعبارات والاستجداء والصلوات.
وتاريخ المسرح يتضمن بشكل طبيعي نشأة التمثيل، ففي البدايات كان عبارة عن رقص بدائي وإنشاد ديني، فكانت الأغنية الدينية الراقصة التي يتعبّد بها الإنسان البدائي للتواصل مع القوى الخارقة محور الفن المسرحي, إلى جانب الرقص البدائي المصاحب والمترجم للأغنية بالحركات, هذا كله قبل مصاحبة الموسيقا ودقّ الطبول في مرحلة لاحقة.
والمسرحية مرّت وانتقلت من الرقص البدائي إلى حالة تمثيلية، ومن طقس ديني روحاني إلى تمثيل دنيوي، ومن حالة صامتة معبّرة بالرقص والحركات إلى ظاهرة شاملة للكلمة والموسيقا والديكور والملابس والإضاءة، ولهذا لا يمكننا ههنا تقديم تعريف محدد للمسرح لأنه ملتقى لفنون متعددة، وهذا ما يجعل النقاد يصفونه بـ (أبو الفنون).
يُعتبر الرقص من أقدم وسائل التعبير عن الانفعالات لدى البشر، وهو يأتي في المرتبة الأولى عند الشعوب البدائية للتعبير والإفصاح عن حاجاتها الضرورية, مثل الطعام والمسكن والصيد والحرب والدفاع والتوسل إلى الآلهة والتضرع للقوى الخارقة، والحقيقة أن هذه الأفعال لم تكن تشكل بذاتها عملاً مسرحياً، ولكن جعلت الرقص يشكل النواة الأولى للفن المسرحي والبذرة الأولى نحو بقية الفنون، فالاحتفالات والعروض الراقصة التي كانت تُقام في الطرقات كان يلتفّ حولها عامة الناس, والراقصون كانوا يأخذون دور الممثلين, أما عامة الناس فكانوا يأخذون دور الجوقة.
وأيضاً يُعتبر الغناء الملحمي سجلّاً للأيام والأحداث, فهو ديوان بل تاريخ محمول على أجنحة الكلمات، إنه تحويل لفعل تاريخي إلى فعل وعمل أسطوري، وتوثيق تاريخي تراجيدي من أهم مصادر البحث والتحقيق في أحداث حقيقية وقعت في أزمنة مختلفة، فهو سرد لقصص بطولية من خلال الشعر، تحتوي على المآثر التي تستحوذ على النفوس والعقول، مثل الفروسية والعزّة والنخوة والشرف والحب والانتقام ونصرة المظلوم وكرم الأخلاق, وفي السياقات المختلفة للتأثيرات الكبيرة لهذه الفنون على صناعة الخطاب الفني والثقافي وتطعيمه بالحرية وصولاً إلى تحقيق أهداف مجتمعية مناهضة للسلطة الدولتية والهيمنة.
المحور الثاني: تعزيز الوعي المجتمعي الحرّ والهوية من خلال الإنتاج الثقافي والفني الملتزم:
يمكن اعتبار النصف الثاني من القرن العشرين، بداية تآكل الاحتكارات الذهنية ضمن الشرق الأوسط، مثلما كانت عليه في عموم العالَم, فقد بدأَت ثورة عام 1968 الثقافية بفتحِ ثغراتٍ في الاحتكار الاستشراقيّ, حيث كانت تلك الفترةُ سنواتٍ بدأَت الأيديولوجيا الليبراليةُ والعلمويةُ الوضعيةُ تفقدان فيها تفوقَهما. أما الانهيارُ المتسارعُ للاشتراكيةِ المشيدةِ في عامِ 1990، فقد زادَ من زعزَعَةِ الفكرِ الوضعيِّ الليبراليّ. ونخصُّ بالذِّكرِ أنّ العلمويةَ الاجتماعيةَ أُصيبَت بجروحٍ غائرة.
كما أُصيبَ الاحتكارُ الذهنيُّ للحداثةِ الرأسماليةِ لأولِ مرةٍ بتزعزعٍ جديّ، فظهرَت العديدُ من التياراتِ المسماةِ بما وراء الحداثة, وتصاعدَت التياراتُ الفامينيةُ والأيكولوجيةُ والثقافيةُ والمدارسُ الفكريةُ اليساريةُ الجديدة.
وتجذّرت الأزمةُ البنيوية المستفحلة في الرأسماليةِ خلال أعوامِ 1970 بالتزامنِ مع الأزمةِ الذهنية، لتزداد استفحالاً مع مُضِيِّ الوقت, فانهارَ الاحتكارُ الفكريُّ القديمُ إلى غيرِ رجعة, ونالَت الاستشراقيةُ نصيبَها من ذلك باعتبارِها اشتقاقاً من الأيديولوجيا الليبرالية, فاختلَّت حاكميتُها الفكريةُ على الشرق. وقدَّمَ عددٌ كبيرٌ من المفكرين (يتقدمُهم جوردون تشايلد، صموئيل كريمر، وآندريه غوندر فرانك) إسهاماتٍ ثمينةً للثورةِ الفكرية. وكانت التأثيرات المختلفة على الهويات الذهنية والفكرية والثقافية بدرجات كبيرة نتيجة الانفتاح. ويمكن الحديث أكثر عن الهوية الثقافية حيث تعرَّف الهوية الثقافية بأنها نظام من القيم والتصورات التي يتميز بها مجتمع ما تبعاً لخصوصياته التاريخية والحضارية, وكل شعب من الشعوب ينتمي لثقافة متميزة عن غيره.
مفهوم الهوَّية الثقافية مفهوم ثقافي تاريخي يتكون لدى الفرد من خلال الثقافة التي يحيا فيها, فدور الثقافة بكل ما تحمل من معانٍ هو تكريس هوية ثقافية من خلال عملية تمثيل عاطفي واجتماعي, مع عملية اندماج تاريخية وثقافية ونفسية واقتصادية تستغرق زمناً طويلاً, وهي حصيلة مشتركة في عدة أمور أهمها: اللغة والتاريخ والعادات والتقاليد, وهي التي تعبّر عن روح المجتمع وتميّزه عن غيره من المجتمعات.
وكذلك المبادئ الأصيلة السامية والذاتية النابعة من الشعوب, هي التي تمثل الكيان الروحي والمادي لها بتفاعل صورة هذا الكيان من خلال إثبات هوية أو شخصية الفرد أو المجتمع أو الشعوب, بحيث يحسّ ويشعر كل فرد بانتمائه الأصلي لمجتمع ما.
إن عملية البحث عن الهوية في منطقتنا وطرح التساؤلات العديدة عن تلك الهوية, وعن الذات وعن أسباب ذلك البحث جعلهم لم يصلوا بعد إلى تلك الغاية, ولم يجدوا الهوية الحقيقية في بطون كتب التراث, ومازالت عملية البحث قائمة, ذلك أن التوجهات التراثية في أصلها عمل سياسي وأساسها العمل؛ فإن الهوية تنقشع عن مجموع الإبداعات والعمل الإنتاجي الذي يعبّر عن المجتمع, وبالتالي الوصول إلى الصورة المتكاملة للمجتمع الذي يعطي في مضمونه الطابع التراثي لذلك المجتمع.
وصف “إدواردو كاليانو” الحدود التي تفصل بين الثقافات والأجناس الأدبية بأنه من فعل ضباط الجمارك في الأدب، ويرغب في البعد عمّا هو مفروض من قبل أنظمة متحكّمة بالأدب, وله نظرة مغايرة للآخرين عن مناهج ومذاهب الأدب, وحتى إنه يرغب في دمج الماضي الحقيقي في الحاضر، طلباً في البلوغ إلى معرفة شيء ما عن الحياة الحقيقية.
مصدر الفن والأدب ودورهما في الحياة الاجتماعية:
لم تكن الإنسانية في مراحلها الأولى تمتلك قدرات علمية وفكرية ومعرفية كما هو الحال في المرحلة الراهنة، لذا كان كل شيء بطبيعته يسيراً, ومنه ممارسة الطقوس والمعتقدات التي كانت تنمّي العقل البشري بمثاليات قادرة على عقد روابط متينة فيما بينه, إذ يبدو بأن هذه الممارسات كانت ذات نوعية فنية في تنمية الحياة الاجتماعية الطبيعية.
يعبّر الفيلسوف عبدالله أوجلان عن تلك المرحلة بقوله: “لقد كان علم الإنسان الأول على شكل الشعوذة (سحر) والدين، وكانت هذه المظاهر بمثابة الفن. “في تلك المرحلة كانت تقام مهرجانات للسحر (مازالت هذه العادة دارجة عند بعض القبائل الإفريقية) مرافقة بالموسيقا والرقص والغناء والتمثيل المسرحي.
بعد تطور المجتمع إلى مراحل أخرى مختلفة عن المراحل الأولى، افترق السحر والفن عن بعضهما, وفي مسيرة هذا التطور الحاصل، تم استخدام الفن ( الموسيقا، الغناء، الرقص الشعبي) في العبادات الدينية والمناسبات الاجتماعية، ففي المناسبات الدينية كانت الفعاليات الفنية تهدف إلى إحياء الآلهة وكسب رحمتها وشفاعتها.
بينما في المناسبات الاجتماعية كان هدف الفعاليات الفنية هو إحياء ذكرى القادة (شيف) الطليعيين للمجموعات القبلية الأولى, وكان يحصل ذلك بعد مماتهم، وكان هدفها تقليد ذلك الشيف أو القائد لكي يتم ترسيخ تصرفاته وتجربته والدعاية لها ضمن إطار أفراد القبيلة كلها, لأن هؤلاء القادة الطليعيين (أصبحوا قادة من خلال تجاربهم وبطولاتهم وتضحياتهم….)، كانوا يحمون قبائلهم من الكوارث الطبيعية ويوجهونهم من خلال تجربتهم وليس من خلال أية سلطة اجتماعية مفروضة. لذا كان أفراد العشيرة يقلدونهم بهدف تخليد تجاربهم وتضحياتهم، والتقليد عادةٌ محببّة لدى الإنسان، حيث يحاول تقليد ماهو أفضل، من خلال إرادة روحية موجودة في سيكولوجية الإنسان, وكان أفراد القبائل الأولى ينظرون إلى قائدهم بنظرة الإعجاب ويسعون إلى تقليده.
وتُعتبر الفنون إحدى الظواهر الاجتماعية, وعلى تماس مباشر بطبيعة كل مجتمع, بل تكاد تكون المرآة العاكسة له, حتى أطلق بعضهم على هذه الحالة “نظرية الانعكاس في الفن”, إلى درجة قول بعضهم إن المجتمعات المتخلخلة تنتج فناً متخلخلاً, وهذا الربط الوثيق بين الفن والإنسان ومنه إلى المجتمعات دائماً يقودنا للسؤال عن النشأة الأولى له ـ أي للفن.
أولاً: الفضاء العام والحق في التعبير الثقافي
تعريف الفضاء العام
يجب فهم مصطلح الفضاء العام الذي يُعتبر ساحة مشتركة للنقاش والحوار وتبادل الآراء بحرية، سواء كان ذلك في الشارع، أو الإعلام، أو الفضاء الرقمي والمنتديات، وهذا الفضاء يجب أن يكون مستقلاً عن سلطة الدولة والسلطة، ويُدار من قِبل المجتمع الديمقراطي المتمّدن والحرّ.
إن استعادة الفضاء العام كأداة ديمقراطية ونقد الخطاب الرسمي وإنتاج البدائل؛ تتطلب تضافراً بين السياسات العامة، والمجتمع المدني، والفاعلين الثقافيين، ويمكن التفكير في ذلك من خلال المحاور التالية:
1- حرية التعبير وتعدد الأصوات الحرة:
ضمان حرية التعبير والحق في التنظيم والتظاهر السلمي من خلال قوانين تحمي لا تقمع. كما يجب تشجيع الأصوات المختلفة، لا سيما المهمّشة، لتكون جزءًا من النقاش العام.
2- إعلام مستقل ومنصّات بديلة متاحة وبحرية:
حيث تقوم على دعم وسائل إعلام مستقلة قادرة على مساءلة السلطة، وتشجيع مبادرات الإعلام والمواطن والمنصات الرقمية التي تسمح بإنتاج وتداول المعرفة والبدائل من خارج الخطاب الرسمي.
3- الفنون والثقافة كوسائل مقاومة:
ويشمل هذا الفضاء الثقافي (مسرح، سينما، جداريات، موسيقا…) يمكن أن يكون ساحة حيوية لنقد الخطاب الرسمي وإنتاج سرديات بديلة تعبّر عن واقع الناس وآمالهم.
4-التربية النقدية والمواطنة الفاعلة:
غرس قيم التفكير النقدي والمواطنة الفاعلة في التعليم، لتأهيل الأفراد للمشاركة في الفضاء العام بوعي ومسؤولية.
5-الفضاء الرقمي كامتداد للفضاء العام:
الشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل أصبحت اليوم فضاءً عاماً بامتياز ويمكن لها حماية الحريات الرقمية وتنظيمها بشكل عادل يسمح بإنتاج خطاب بديل ومساءلة السياسات الرسمية.
وكذلك يتعلق جوهر موضوع الهوية بإشكالية تحديد الانتماء، سواء للفرد أو الجماعة الصغيرة أو للشعب عامة، وهنا تظهر علاقتها بالدولة وأهميتها الغائبة في استقرار الدولة التي تحتوي على تركيبة هوية الجماعات المختلطة العرقية والدينية والطائفية، التي تؤدي إلى حدوث نزاعات فيما بينهم مما يؤدي إلى الانعكاس السلبي في الاستقرار السياسي والاجتماعي للدولة، وهذا ما يحدث في نزاع الهويات في إطار الدولة الواحدة، وقد تنفجر أزمة الهوية في ظل الخلافات الأثنيّة والدينية المكبوتة لفترات طويلة لتعبّر عن نفسها بالعنف، وغالباً ما يحدث ذلك في ظل الأنظمة الديكتاتورية، وهذا الأمر قد يوصلهم إلى حدّ مطالبة بعض المجموعات الأثنيّة بالانفصال عن الدولة.
وعلى ما يبدو فإن إشكالية الاعتراف بتعددية الهوية لن تتقدم بشكل جدّي وحقيقي في دستور الدولة، إلّا إذا انتشر الوعي المجتمعي إلى واقع التعدد في اللغات والثقافات والأعراق التي تعزّز وجودها.
ثانياً: نقد الخطاب الرسمي وإنتاج روايات بديلة واستعادة الفضاء العام كأداة ديمقراطية:
الفضاء العام والحق في التعبير الثقافي مرتبطان بشكل وثيق، لأن الفضاء العام هو المكان الذي تُمارَس فيه الثقافة علناً، بينما التعبير الثقافي هو أحد أهم أشكال الوجود الإنساني في هذا الفضاء. العلاقة بينهما يمكن تحليلها عبر الجوانب التالية:
الفضاء العام كمساحة للتعبير الثقافي:
الفضاء العام (الميادين، الشوارع، الساحات، الإنترنت…) ليس فقط مكانًا للتنقل أو العبور، بل هو منصة لعرض الهويات الثقافية، والاختلافات، والتنوع, فيه تُمارَس الفنون، وتُقام المهرجانات، وتعبّر المجتمعات عن نفسها من خلال اللغة، اللباس، الموسيقا، والرموز.
التعبير الثقافي كحق أساسي والحق في التعبير الثقافي جزء من حقوق الإنسان، ويعني:
القدرة على ممارسة ثقافة الفرد أو الجماعة بحرّية، والوصول إلى الموارد الثقافية، والمشاركة في الحياة الثقافية العامة.
وهذا الحق يُمارس حين يُسمح للمجتمعات وخاصة المهمشة، بأن تظهر في الفضاء العام بلغتها ورموزها وموسيقاها وتقاليدها.
أما التهديدات التي تواجه هذا الحق فيكمن ذلك فيما يلي:
1- قمع الدولة: منع العروض الثقافية، تجريم بعض أشكال التعبير.
2- السيطرة التجارية: تحويل الفضاء العام إلى ملكية خاصة أو إلى أدوات تسويق استهلاكية.
3- التمييز الثقافي: تهميش ثقافات الأقليات أو تسليعها.
تعزيز الحق في التعبير الثقافي في الفضاء العام:
عن طريق حماية حرية التعبير قانونياً ومجتمعياً عبر إقناع الرأي العام والجمهور، وعبر دعم الفنون المحلية والمبادرات الثقافية المجتمعية، وكذلك إشراك الجماعات الثقافية في صنع القرار بشأن استخدام الفضاء العام، وتحويل الفضاء العام إلى ساحة مفتوحة لكل الفئات المجتمعية، لا النخب المحسوبة على الثقافة فقط.
إن السبيل الوحيد لإحياء الثقافة الاجتماعية الجوهرية على أسس حياة حرّة ديمقراطية يمرّ من البحث في سبل حل ديمقراطية، لأنه وبغير هذا السبيل لن نتمكن من النفاذ من الكوارث والإبادات والمجازر التي كادت تتحول إلى مشاهد اعتيادية على الشاشات التلفزيونية في أغلب بلدان الشرق الأوسط.
إن اعتماد المجتمعات على قواها وثقافتها الذاتية من دون تدخّل قوى الهيمنة سيكون من أهم مبادئ الحل الديمقراطي، كون قوة المجتمعات هي الرئيسية في اتخاذ القرار وتنفيذه إذا ما كان الموضوع يتعلق بتعيين مصيره.
ثالثاً: دور وسائل التواصل الاجتماعي في نشر الخطاب الثقافي المقاوم:
وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورًا حيويًا في نشر الخطاب الثقافي المقاوم، حيث كسرت احتكار الدولة والمؤسسات الكبرى للإعلام، وفتحت المجال لأصوات جديدة ومهمّشة للتعبير عن نفسها.
أدوار هذه الوسائل تتلخص فيما يلي:
1- كسر الرقابة وإتاحة الوصول:
تسمح المنصات مثل فيسبوك، إنستغرام، يوتيوب، وتويتر بنشر المحتوى فوراً دون المرور برقابة رسمية.
تتيح للفنانين والناشطين إيصال رسائلهم إلى جمهور واسع داخل وخارج بلدانهم، خصوصاً في السياقات التي تُقمع فيها الفنون والإعلام التقليدي.
2- بناء شبكات تضامن ثقافي عابر للحدود:
وسائل التواصل تسهّل إنشاء شبكات بين مثقفين، فنانين، وحركات اجتماعية من بلدان مختلفة.
الخطاب الثقافي المقاوم لم يعدْ محليًا فقط، بل يُشارَك ويُتداوَل في سياقات عالمية، مما يزيد من الضغط على الأنظمة ويعزّز الدعم المتبادل.
3- توثيق ومشاركة الممارسات الثقافية البديلة:
يمكن للفيديوهات، الصور، والقصص القصيرة أن توثّق عروض الشارع، الجداريات، الأغاني الاحتجاجية، إلخ.
هذه المواد تحوّل الفضاء الرقمي إلى “أرشيف مقاوم”، يخلق ذاكرة جماعية بديلة عن الرواية الرسمية.
4- إعادة تشكيل الخطاب الثقافي نفسه:
تسمح المنصات بالتفاعل اللحظي، مما يجعل الخطاب الثقافي أكثر تشاركية وديناميكية.
يصبح الجمهور مشاركًا في الإنتاج الثقافي لا مجرد مستهلك.
5- مقاومة الهيمنة الثقافية والإعلامية:
تُستخدم وسائل التواصل لإبراز الثقافات المهمّشة واللغات المحلية، وتفنيد الخطاب النمطي أو الدعائي الذي تفرضه السلطات أو الشركات.
النتائج:
1- ساهمت الفنون المستقلة في فتح نقاشات مجتمعية معمّقة حول الحرية والعدالة.
2-استطاع الفن خلق شبكات تضامن عابرة للحدود.
3-يظل الفضاء الثقافي مهدّداً عندما يخضع للدعم المشروط أو الرقابة الرسمية.
الخاتمة:
الفن والثقافة ليسا ترفاً اجتماعياً، بل يمثّلان ضرورة سياسية في سياق التحول الديمقراطي, فمن خلال مقاومة الأطر الرسمية، وبناء خطاب بديل، يستطيع الفن أن يتحول إلى قوة حقيقية تساهم في إعادة تشكيل الوعي الجمعي وترسيخ قيم الحرية والمساواة.
إن الخوض في بحث من هذا النوع يتطلب منا الوقوف مليّاً عند الطبيعة الروحانية للشعوب, ومدى تأثّرها ببيئتها الجغرافية, بالإضافة إلى تأثير النزعة الصوفية والدينية التي لا يمكن تجاهلها على الإطلاق, وخاصة إذا كنا نتحدث عن تراث الشرق وفنونه بقديمها وحديثها, ذلك أن ديانات الشعوب القديمة كانت تشكل حقلاً غنياً للفنون.
ومنطقة الشرق الأوسط بالتحديد تحتل مكانة مرموقة بفضل دورها الكبير في رقيّ البشرية من الناحيتين الحضارية والروحية, حيث ازدهرت فيها الحضارة في وقت مبكر مقارنةً مع جوارها, ولعلّ شعلة الفنون في الشرق الأوسط قد أوقدت بدايةً في كل من مصر وبلاد الرافدين, إذ كان لهما السبق في إبداع الفنون على مختلف ألوانها من فن العمارة إلى النحت والفن التشكيلي, ثم كان انتشارها في بقية المنطقة.
إن الإبداع الرمزي في الفنون لا يُعدّ مجرد أداة جمالية أو وسيلة ترفيهية، بل يمثل فعلاً ثقافياً مقاومًا، يتجاوز حدود التعبير المباشر ليخترق بنية الهيمنة السلطوية، ويفتح المجال أمام إعادة تشكيل الوعي الجمعي, من خلال ما يوفره من إمكانيات للتشفير، والتورية، والانزياح عن الخطاب الرسمي، فيتيح هذا الإبداع فضاءات بديلة للفكر والنقد، ويمنح الحقل الثقافي إمكانية التحرر النسبي من السيطرة الدولتية والمؤسساتية.
وقد بينّا من خلال البحث أن الاستقلال الرمزي للحقل الثقافي لا يتحقق إلا عندما ينتج المعنى وفق منطق داخلي مستقل، يتحدى منطق السوق والسلطة معًا, غير أن هذا الاستقلال يظل هشًا ومهددًا، خصوصًا في السياقات التي تكثّف فيها السلطة من أدوات الرقابة والاحتواء.
ويبقى الرهان إذًا على دعم أشكال الفن الحر والمستقل، وتعزيز البُنى التحتية التي تتيح التعبير الرمزي دون قيد، بما يمكّن الثقافة من أداء دورها الحيوي في بناء مجتمع نقديّ حرّ، ومتعدّد الرؤى.
المراجع المستخدمة في البحث:
1- نوال يوسف، “الثقافة كأداة مقاومة”، المجلة العربية للثقافة، 2021.
2- علي جمال، “الفن والتحول الديمقراطي في الربيع العربي”، مجلة الديمقراطية، 2020.
3- عبد الله أوجلان، المجلد الخامس القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية، مانيفيستو الحضارة الديمقراطية، 2018
4- عبد الله أوجلان، المجلد الثاني، المدنية الرأسمالية،الطبعة الثالثة ، مانيفيستو الحضارة الديمقراطية، 2018
5- بورديو، بيير. قواعد الفن: تشكل الحقل الأدبي. ترجمة: بشير السباعي، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2005.
6- فوكو، ميشيل المراقبة والمعاقبة. ترجمة: د. الزواوي بغورة، دار التنوير، 2014.
7- محمد عابد الجابري .بنية العقل العربي. مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1986.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.