الرئيسية / مقالات / العيش المشترك في سورية والعراق القامشلي أنموذجاً

العيش المشترك في سورية والعراق القامشلي أنموذجاً

جاسم الهويدي /

إن دراسة تكوين المجتمعات حالة مميزة وهو غاية في الأهمية وتحليل مختلف الظواهر الاجتماعية لا لفهم تركيباتها الديموغرافية فحسب بل لاستيعاب ما يدور حولها من مفاهيم وعلاقات تنظم دورها وطبيعتها المجتمعية سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات.

تتميز التركيبة الاجتماعية المتعايشة في سورية والعراق وطبيعة تجانسها المكون خلال سنين طويلة ضمن ظروف متعددة وبيئة محيطة بتنوعها الثقافي الرائع وتاريخها العريق.

إن الشراكة القائمة في مجتمع سورية بين أبنائها وطوائفها وعشائرها عبر سنين طويلة قلما تكون متوفرة في بلدٍ عربي آخر عربي.

لأبناء المجتمع السوري دور فاعل وواعٍ في تحقيق التعايش المشترك والأخوة الصادقة والاحترام المتبادل عبر السنين بين أفرادها وجماعاتها لدرجة يمكن وصفها بأنها المثل الأعلى بين المجتمعات الغربية والعربية والشرقية لما تشكله من لوحة فسيفساء مجتمعية رائعة.

مجتمع يزهو بعاداته وتقاليده التاريخية وألفته الاجتماعية واحترام أبنائه بعضهم لبعض وتوادهم وتآخيهم.

إنهم يعملون كخلايا النحل في حياتهم اليومية والخاصة وعلاقاتهم المشتركة العامة كل عرف واجبه واستدل الى حقوقه ووقف عندها مخلصاً لبناء الوطن الواحد في عيش مشترك مبني على المفاهيم الأخلاقية المتوارثة من الرزانة والسلوك المتميز والاحترام العالي.

ومن مكونات المجتمع السوري هناك احصائيات شبه دقيقة تمثل نسب عدد أبناء المجتمع السوري فالعرب يشكلون 79 % والكرد 17 % أما السريان فهم بنسبة 1% جانب وجود الكلدان والآشوريين والتركمان والايزيديين والأرمن والشاشان والداغستانيين والشراكسة.

يتوزع العرب في المحافظات الكبرى في دمشق وحلب وحمص واللاذقية وديرالزور وادلب وحوران والسويداء والقنيطرة والرقة وطرطوس وفي الحسكة منهم أبناء عوائل ومنهم أبناء عشائر كبيرة مثل العقيدات التي هي أكبر عشيرة في سورية والبقارة وعنزة وطي والجبور وقيس والفضل والفواعرة وشمر والسواعد والدليم وما تحالف معها.

أما الكرد فمعظمهم يعيش في الشمال السوري وفي محافظة الحسكة والرقة وحلب ودمشق وينحدرون من أمم سابقة منها الحوريين والميتانيين والميديين التي شكلت حضارة رائعة عبر التاريخ ضمن امارات معروفة.

اما المكون السرياني فهم يشكلون ثلث مسيحيي سورية وتعدادهم حوالي 250 الف نسمة يتوزعون في دمشق وحلب والحسكة وحوران والسويداء وحمص واللاذقية وطرطوس وقلة في باقي المحافظات السورية.

أما التركمان فعددهم لا يزيد على 150 الف نسمة ينتشرون في دمشق والقنيطرة وحلب والرقة وطرطوس وريف حمص وحماة وشرائح منهم يتكلمون اللغة العربية وهم ينقسمون الى قسمين :

1- من العائلات التركية التي تمتد جذورها الى السلالات التركية التي وجدت في سوريا منذ قدوم السلاجقة ومن ثم المماليك والعصملي وقسم جاء وظيفياً ايام العثمانيين واستقروا في سورية يعيشون في قرى وهم خليط أما الشركس فهم مكون صغير يعود بالأصل الى منطقة القوقاز ثم جاؤوا الى سورية في بداية القرن التاسع عشر بعد حملة التجنيد الاجباري للدولة العثمانية وموطنهم خناصر وأماكن أخرى.

أما الأرمن فقد استوطنوا سورية بعد الفرمان التركي الغاشم الذي أطاح بأمة عظيمة في الثقافة والريادة والصناعة والمخترعات.

لقد سكن الأرمن بعد عام 1915م قرى كثيرة في الشمال السوري في الجزيرة العليا ولملموا جراحهم بعد التهجير والابادة الجماعية بعيداً عن الدولة التركية الظالمة واستوطنوا مدينة القامشلي في حي صغير على شاطئ نهر جغجغ.

أما اليهود فقد تناثروا في قرى كثيرة حينما جاؤوا من نصيبين فاستوطنوا العويجة وخزنة وهيمو والهلالية ومن ثم سكنوا في حيهم حارة اليهود بالقامشلي بعد انشائها في نهاية العشرينات من القرن العشرين.

وجميعنا يعرف كيف عاشت هذه المكونات بعضها مع بعض جيراناً في المسكن والمحلات التجارية والحوانيت وفي الوظيفة والسوق والبيع والشراء في جملة من العلاقات الاجتماعية التي تسودها الاخوة ويغذيها الاحترام والتقدير المتبادلين في السراء والضراء في الحزن والفرح في الموت والمصيبة وفي العرس والختان تشارك لامثيل له تفوح منه عطور الحب والتآخي الألم والأمل والمحبة.

إن ثقافة المجتمع السوري وأخلاقيته المجتمعية وتعلمها وثباتها في فكر وقلوب أبناء المجتمع الواحد وترجمتها سلوكاً وتعاملاً والاعتراف بالآخر واحترامه وتقديره بصدق هو السبيل الوحيد للعيش والتعايش المشترك وقد رأينا هذا جميعه في أخلاقيات وسلوك شعوب المجتمع السوري الذي تميز وعلا وثبت في كتابات المستشرقين وكتاب الشرق وسجل في صحفهم وأوراقهم الصفراء والبيضاء.

وفي العراق وتاريخه شاهد على حياة أبنائه الذين تكاتفوا وتعاونوا وتصاهروا عبر التاريخ وشكلوا لحمة مشهودة يداً واحداً على الملمات وظروف الأزمان من شدائد وغزو وحروب.

لكن تركيبة المجتمع العراقي لا تخل من شبه بالمجتمع السوري بحكم جيرته وطوائفه وعشائره العربية المتنقلة بين بواديه وصحاريه كما أن نهري دجلة والفرات يجمعهما ويوحدهما عبر الأزمان التي مرت من أيام شعوب بابل وسومر والكرد والعرب والسريان فعملوا على بناء العراق وتطوره والوصول به إلى أعلى القمم الحضارية فبنوا الحدائق المعلقة السبع التي أدهشت العالم وبنوا الجسور العجيبة على الأنهار وشيّدوا الأبراج الباقية آثارها لليوم ووصلت حضارتهم الى أقاصي الدنى والعالم كل ذلك بجهود أبنائه جميعاً وتعايشهم المشترك وتوحدهم وأثرتهم وإنكارهم للذات والأنا.

إن تعايشهم المشترك جعلهم يبنون جيشاً واحداً وقيادة واحدة عبرت الحدود وغزت العالم فوصلوا البحر المتوسط وضفاف المحيط وعلموا الناس الحضارة والفهم وقدموا رسالة اعمار وبناء وفكر مازال الغرب يدرسها ويخاف منها ألا تتكرر

ان التعايش المشترك بين العرب والكرد والآشوريين والسريان والتركمان وباقي طوائف مجتمع العراق أهدى للعالم أنضر الحضارات في العلم والآداب الاجتماعية والفكر الانساني بل علم الغرب كيف يكون التوحد وبناؤه وعطاؤه وما ينتج منه وعنه

ان الشرائع والدساتير التي وضعت في العراق لبناء مجتمع تسوده المحبة والعلاقات الانسانية الزاكية البعيدة عن الأنا والمصالح الشخصية أوصلت أبناؤه الصعود الى قمم الحضارة والتفوق الفكري العالمي ليأخذ الآخر منه العبرة والحكمة والنهج ويسير على هداه وخطاه.

ان الثقافة هي محصلة التفاعل القائم بين الفرد والمجتمع ككل والبيئة عامة وليس الانغلاق على أبناء الجلدة المنغلقة على ذاتها

ابناء العراق مؤهلين للعيش المشترك نتيجة لثقافتهم وموضوعيتهم في العيش واحترامهم للمبادئ ولأخلاقهم العالية في السلوك

إننا نلاحظ صورتهم الحقيقية في اقامتهم وتواجدهم مع الشعوب الأخرى التي يعيشون بين ابنائها فالعراقي مخلص في عطائه باني للمكان الذي يعيش فيه صادق مع الآخر يظهر ذلك في المعاملة والوظيفة والتجارة وكل مجالات الحياة الاقتصادية

ان الوصول لمجتمع مثالي وعيش مشترك بين أبناء الوطن الواحد يحتاج الى السهر الدائم والنشاط المستمر والتوعية الدائبة لصد الرياح العاتية التي تهب أحياناً وتكاد تعصف بالواقع لكن الوعي الواضح بين أبناء البلد الواحد يصد هذه الريح وأبوابها

إن التعاون بين أبناء مجتمع العراق وأطيافه الكثيرة مجتمعين غير مفرقين واضعين نصب أعينهم بناء البلد وتطويره وتحضيره والوصول به لمصاف المجتمعات المتحضرة هو هدف الجميع

لقد كان العراق عبر التاريخ مثالاً لأخوة الشعوب وتعاونها وتكاتفها عندما أسس صلاح الدين جيشاً قوياً من شعوب المنطقة متماسكاً مدرباً شجاعاً حارب به الغزاة والطامعين ونجح هذا الجيش الاتحادي بتحرير القدس واعادتها للأمة بحيث أصبحت القدس مفتوحة أمام جميع أبناء الطوائف الدينية وملتقى شعوب العالم المحب للسلام.

فالعراق يمتاز باستمراريته بالتنوع العرقي وامتلاكه نوعية من الشعوب المتعاونة المتحابة فيما بينها في المنطقة وتلتحم بغربتها وتزداد أواصر الألفة والمحبة والتعاون في الملمات والمحن وشرائح العراق من عرب وكرد وآشوريين وسريان وتركمان وكلدان وايزيدية تلتحم وتتواءم في كل حدث يهم العراق كما يعم الفرح وينتشر عبق السعادة أيام الانتصارات ولو بلعبة كرة قدم.

ومهما حاولت الجهات المغرضة والقوى المعادية من خلق فتن بين مكوناتها أو زرع الحقد بين شعوبها فإنها لن تفلح وستتصدى قوى المكونات والشعوب المحبة لبعضها البعض لكل المحاولات وقطع الطريق عليها وبتر محاولاتها وإنهائها. وقد أدركت هذه الشعوب منذ القدم بأن الاتحاد قوة وفي التعاون نصر وأن أخوة الشعوب تعني نشر السلام والمحبة والوئام. فكان تعايش الشعوب مع بعضها البعض وقد لا نكون مخطئين إن اعتبرنا مدينة القامشلي عروس الوحدة والألفة والتعاون بين الشعوب التي تعيش على أرضها.

تميزت القامشلي وشكلت أنموذجاً رائعاً في بلاد ما بين النهرين سورية والعراق بالتعاون المشترك والعيش المشترك بين الشعوب حيث أنها جمعت بين معظم مكونات المجتمع السوري بأطيافه المختلفة.

فلو أحصينا مكونات المدينة الحاضرة الزاهية التي تدعى باريز الشرق لوجدنا ست وعشرون حياً تتوزع المدينة بين أحضانها أما مكونات هذه الأحياء فهم الأخوة الذين عاشوا منذ نشوء المدينة عام 1926 جيراناً متحابين اخوة صادقين في علاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية، فحسب احصائية عام 1931م التي قام بها الأسقف حيقاري مكلفاً من بطركية السريان الكاثوليك

فقد بلغ عدد عوائل القامشلي على الشكل التالي :

55 عائلة سريان كاثوليك —

50 عائلة كلدان —

850 عائلة سريان أرثوذكس

50 عائلة أرمن كاثوليك

600 عائلة ارمن أرثوذكس

450 من الطوائف المسيحية الاخرى

80 عائلة من الاسلام أغلبهم أكراد وعرب

20 عائلة اديان أخرى من اليهود وغيرهم

ويوجد في المدينة 15 نجار و6 من الحدادين و20 حلاق و30 قصاب و2 فرنين للخبز و70 بقال و4حذائين و2ساعاتي و4 أطباء منهم الدكتور الكردي أحمد نافذ والدكتور ارداشيس مومجيان والبلغاري بول سلايفايكوف وطبيب اسنان بولس شماس ومحامي من لواء اسكندرون الياس عبدالنور وصيدلي واحد هو صموئيل ازجي كلداني ومقاهي وتياترو وسينما لبوغوص ومصور كارنيك وجامع وكنيس لليهود و3 كنائس للمسيحية وجمعية لمساعدة فقراء المدينة

وكان موشي ناحوم اليهودي من اعضاء هيئة رئاسة البلدية للمدينة وتتبع المدينة حوالي 4000 قرية.

من هذه المكونات يشكل النسيج الاجتماعي لمدينة القامشلي لوحة فسيفساء رائعة مكونة من (عرب وأكراد وسريان ويهود وكلدان وأرمن وآشوريين وماردينية ومحلمية وشاشان وآخرين).

إنهم يعملون كخلية نحل والكل يخدم بعضه البعض وتظهر أخوة الشعوب المتحابة المتألقة الزاهية في هذه المدينة البكر والتي لا يزيد عمرها عن 95 عاماً على بداية نشوئها وبنائها.

إن تطور الحياة الزراعية في منطقة القامشلي الرائدة والتي نهضت فيما بعد أيما نهوض انعكس على الحياة الفكرية والثقافية والتعليمية والعمرانية بجهود أبنائها وتعاونهم وتضامنهم وتكاتفهم وهذا يظهر أثناء بذر محاصيل القمح والشعير خاصة وعند حصاده في حزيران وتموز فهم يعملون في نشاط عارم وحركة لا مثيل لها بين سهول البلدة وحقولها لجمع المحصول فذاك يحصد وهذا يجمع الاكياس وذاك يعتلها وينقلها بكل سرور وسعادة وابتهاج وحين الانتهاء تبدأ ليالي الأفراح وأصوات المزمار والطبل أثناء عقد الدبكات والرقص في عرس أحدهم سرياني أو كردي أو عربي اذ يجتمع المدعوون الاصدقاء من جميع الطوائف وعوائلهم ويشكلون حلقة رقص ودبكة لامثيل لها بين افراح العالم ومناسباته الاجتماعية. وكذا في صباح اشعال النار تحت قدور (السليقة) سليقة البرغل ومنظر أطفال المحلة وهم يحملون الصحون لتملأ لهم العجوز صحونهم من حصتهم من البرغل لأنهم أولاد الحي. فيلتهموها سعداء مسرورين.

وكذلك في مناسبات الأحزان والأتراح يسجل لأبناء مدينة القامشلي قيم التعاون والتشارك وذرف الدموع على حدث جرى لأحدهم أو كارثة ألمت به فكأنما هم أبناء عائلة واحدة من طائفة أو عشيرة واحدة.

ومما يسجل لتراث القامشلي في زمن مضى وجود فرقة مؤلفة من السادة أنيس حنا مديواية وشوقي بعاج وشباب من الكرد وآخرين من عائلة بيت جبارة كانوا يلبسون اللباس الفني الخاص بالأعياد حاملين الطبلة والمزمار وأكياس الحلوى ليتم توزيعها على المصلين عند باب الكنيسة والمسجد سعداء مسرورين بدبكة ورقصة وعمل يفرح قلوب أبناء مجتمع مدينة القامشلي.

سعيدة هي مدينة القامشلي بأبنائها وتعاونهم وتشاركهم بالفرح والحزن والملمات وتظل عروس بلاد ما بين النهرين في زهوها ونشاطها وسواعد محبيها من أبنائها وعند تغربهم يصيبهم الحنين إليها والشوق العارم لأحياء الوسطى وقدور بك وحي الأربوية والبشيرية والآشورية والغربية وغيرها من الأحياء الشعبية.

المصادر :

——

  • كتاب القامشلي عروس الجزيرة –جاسم الهويدي

2- القامشلي—-انيس مديواية

3- تاريخ سورية القديم — اسكندر داوود

4- مانفيستو الحضارة الديموقراطية – عبدالله اوجلان

عن الشرق الأوسط الديمقراطي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

التطرف

الدكتور زهير كاظم عبود يطلق تعبير (التطرف) على التوجه الفكري السياسي أو ...