الرئيسية / الملفات / ملف العدد 45 - الهوية ومفهوم الأقليات / التعدديّة وآفاق حلّ أزمة الهوية

التعدديّة وآفاق حلّ أزمة الهوية

عبد العزيز حمدوش /

الهوية لغزٌ نظريّ ومصطلحٌ مرنٌ، لم يعد مرتبطاً بدلالاتِ انطولوجيّة (تجريديّاً) بل أضحت مفهوماً ابستمولوجيّاً (معرفيّاً) وأنثروبولوجيّاً (إنسانيّاً)، وتطور الإطار الدلاليّ ليشمل أبعاداً سوسيولوجيّة (اجتماعيّة) أوسع. فالهوية تكتسب عبر التنشئة الاجتماعيّة وتنتج ويُعادُ إنتاجُها في سياقِ التفاعلِ السوسيولوجيّ، وتحددُ مكانةَ الإنسانِ اجتماعيّاً وتعطيه هويته في وفق اعتباراتِ (العرق، القبيلة، الطائفة، الدين، الطبقة، المهنة، إلخ).

ما نعيشه فعليّاً هو تناقضُ المعايير، فمن جهة مفاهيم تسرّبت عبر العولمة ومواقع التواصل الاجتماعيّ، وكذلك قيمٌ ماضويّة مستغرقة في القِدمِ أُلبست رداءَ الأصالة والقداسة، تجسيداً لهَوسٍ مرضيّ ونزعةٍ نكوصيّة، ولنقف معها على مفترقٍ حاسمٍ لخياراتنا، ويطرح السؤال عن الهوية من نحن؟ ومن نكون؟ وما أهميّة الهوية وبالتالي فإنّ مسألة الهوية تقتضي معالجة المفاهيم الزائفة.

في تعريفِ مفهومِ الهوية

يخضعُ مفهومُ الهويةِ بطبيعته الثقافيّةِ والسياسيّةِ لتغيّرات وفقَ اعتباراتِ الزمانِ والمكانِ، متأثراً بالعلاقةِ القائمةِ بين السلطةِ القائمةِ والمجتمعِ، وتكمنُ أهميةُ مفهومِ “الهوية” بكونها تشكّلُ نقطة تلاقٍ بين عدةِ مساراتٍ (نفسيّ واجتماعيّ وتاريخيّ وثقافيّ وأنثروبولوجيّ)، وترتبط بمفاهيمَ سوسيولوجيّةٍ كالوظيفةِ والمكانةِ الاجتماعيّةِ والجماعيّةِ، وقابلياتِ الاندماجِ الاجتماعيّ، ومنظومةِ القيمِ وأساليب التريبة والتنشئة الاجتماعيّة… إلخ كما ترتبط بمفاهيم سيكولوجيّة كالذاتِ والإحساسِ بالذاتِ والإدراكِ والعواطفِ والاتجاهاتِ… إلخ.  ويزيدُ الوضعُ الإبستيمولوجيّ من تعقيدِ المفهوم ويضفي مزيداً من الضبابيّة، ما جعل البعض يحجم عن تداوله.

وبإجمالِ ذلك يمكنُ القول إنّ الهوية هي وحدة العناصر الماديّة النفسيّة المتكاملة التي تجعلُ المرءَ متمايزاً عمن سواه ويُشعِرهُ بوحدته الذاتيّة، وتنطوي في أساسِها على معاني رمزيّةٍ وروحيّةٍ وحضاريّةٍ جماعيّةٍ.

عرّف الجرجانيّ الهويةَ بأنها: “الحقيقة المُطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المُطلق” (1). وقال ابن منظور صاحب “لسان العرب”: “والهوية قد تعني ذاتَ الشيءِ أو جوهره”. والملاحظ من تعريف اللّغويين فالهوية جوهرُ الشيء وكينونته، وهو تعريفٌ محايدٌ يشبه التعريفاتِ الحديثة كتعريفِ قاموس أكسفورد لها بوصفها “حالة الكينونةِ المتطابقة بإحكامٍ، والمتماثلة إلى حدِّ التطابق التام أو التشابهِ المُطلق”.

الهويةُ قناعاتٌ تتمثل بطريقة محددة في إطارٍ سرديّ، وفي فضاءِ التفاعلِ مع الآخر على أنّه الند،ّ مستخدماً جسرَ الحوارِ وآلياتِ اللغة، فالمسألةً تبدأ بالوجود ووعي الذاتِ والانطلاقُ لفكِّ شيفرة العالم من حولنا ومعرفة دورنا فيه، ومقتنيات المرء الجوهريّة هي فرادته وخصوصيته المغايرة للمحيطِ، ولو تطابقَ الناس كليّاً يفقد التواصلُ معناه ولا يبقى للهوية معنىً.

المنطلقُ الأساس هو الوجود الإنسانيّ (الفطريّ) فيما يتدرج الإنسان باكتساب الصفات المتداولةٍ من المحيط، وتكمنُ فرادتُه في انتقائيّةِ الاختيار فتجعلُ منه تركيبةً معقّدةُ متفرداً موضوعيّاً، ومتماثلاً مع ذاتِه وفقَ معاييرَ نفسيّةٍ واجتماعيّةٍ وحقوقيّةٍ وتاريخيّةٍ. ولذلك كانتِ الحاجةُ ماسّةً لتطويرِ اللغة لإغناءِ هذا التواصل، وإلا لبقيَ بصورتِه البدائيّةِ وانحسرتِ السرديّةُ إلى أبسطِ شكل، واقترب المجتمعُ الإنسانيُّ في بدائيته من مملكةِ الحيوانِ، ويتشكّلُ المركز من بعدٍ تاريخيّ وتحيط به هالة من الخيال، والإشكالُ يكمنُ في الانغلاقِ والتوهمِ بالتفوق الاستثنائيّ، فتعملُ اللغةُ على نحوٍ مغايرٍ فتصفُ الآخر عدواً وتنزعُ الهويةُ نحو الانكفاءِ والانعزالِ وكثيرٍ من التحفظِ.

أما منظمة اليونسكو فقد تبنّت تعريفاً للهوية الثقافيّة مفاده: أنّ الهوية الثقافية تعني أولاً وقبل كلِّ شيءٍ أنّنا أفرادٌ ننتمي إلي جماعةٍ لغويّةٍ محليّةٍ أو إقليميّةٍ أو وطنيّةٍ، بما لها من قيمٍ أخلاقيّةٍ وجماليّةٍ تميّزها، ويتضمن ذلك أيضاً الأسلوبَ الذي نستوعب به تاريخَ الجماعةِ وتقاليدها وعاداتها وأسلوب حياتها، وإحساسنا بالخضوع له والمشاركة فيه، أو تشكيل قدر مشترك منه، وتعني الطريقة التي تظهر فيها أنفسنا في ذاتٍ كليّة، وتعدُّ بالنسبة لكلِّ فردٍ منا نوعاً من المعادلة الأساسيّة التي تقررُ بطريقة إيجابيّةٍ أو سلبيّةٍ الطريقةَ التي ننتسبُ بها إلى جماعتنا والعالمِ بصفةٍ عامةٍ.

النسقُ المجتمعيّ وتشكّلُ الهوية

جملة من العواملِ والمكوناتِ تشكّلُ الهوية ضمن شبكةِ علاقاتٍ متداخلة بين الأفراد، تحددُها جملةُ عواملٍ مشتركةٍ منها: المجالُ الجغرافيّ والوطنُ التاريخيّ المشترك، والأساطيرُ والذاكرةُ التاريخيّةُ المشتركةُ، والثقافةُ الشعبيّة المشتركة، ومنظومةُ الحقوقِ والواجباتِ المشتركةِ، والاقتصادُ المشترك.

يُنظر إلى الثقافة على أنّها رصيدٌ تراكميّ منفتحٌ على الإضافاتِ عبر الزمن، فهي الميراثُ المعنويّ العابرُ للأجيال، وينقسم الرصيدُ إلى نوعين الأول معرفيّ وتقنيّ (المعارف والممارسات والمهارات والقواعد) وعلاقته وثيقة بالحركةِ المعرفيّة والعلميّة، والآخر ميثولوجيّ وطقسيّ (المعتقداتُ والمعاييرُ والممنوعات والقيم) ويتعلقُ بالذاكرةِ والقيم العامة المتعارف عليها والتي عبرت مساحاتِ الزمنِ ومنها الأساطير التي تؤكّد على القيم الأخلاقيّة، والتاريخ القديم.

“موروث الأفراد الجينيّ مسجّلٌ في المدونةِ الوراثيّة والتراثُ الثقافيّ مسجل في بادئِ الأمرِ في ذاكرةِ الأفرادِ (الثقافة الشفاهيّة) ثم يدوّن في القوانين والحقوقِ والنصوصِ المقدّسة والأدب والفنون وتبعثُ الثقافة باستمرار بفعل انتقالها بين الأجيال وتشكل ما يعادل جيناتٍ سوسيولوجيّةٍ أي أثرٍ مختلفٍ في الدماغ أو من أحداث تضمنُ البعثَ المستديمَ للتعقيد الاجتماعيّ، والمجتمعاتِ القديمة منظمة ذاتيّاً بدون دولة من خلال تراثها الثقافيّ فقط الذي يمنحُ كلّ فردٍ هويته المميزة، وهي من ثم هوية الأفراد الذين يشكّلونها، وتغذّي الثقافة هذه الهوية استناداً إلى أسلاِفها وأمواتها وتقاليدها. فيصبحُ للمجتمعِ اسمه وشخصيته المميزة وسلفه المؤسس ولغته وأساطيره وطقوسه التي تسجلُ تميّزه لدى كلِّ فردٍ والذي يعيش الانتماء إليها بمثابة علاقة نسب فتدوّن من خلال الفرد مركزيتها الاجتماعيّة”.(2)

رغم أهميّة عمليةِ التنشئةِ الاجتماعيّة التي يتلقّاها الفردُ في مراحل حياته المبكرة لتشكيلِ شخصيته وتحديد هويته، إلا أنَّ الهويةَ الفرديّة والجماعيّة تتكيّف وتتأثرُ بالنظمِ والأوساطِ الاجتماعيّة والأوضاع التي يعيشها الأفراد والجماعات وما يميّز طبيعةَ العلاقات الاجتماعيّة.

ذلك يقودنا إلى إدراكِ حقيقةِ أساسيّة مفادها أنَّ تمسّكَ الأفرادِ واعتزازهم بهويتهم يتفاعلُ مع الأوضاعِ التي يعيشُها المنتسبون إليها وعن مدى وعيهم وتمثّلهم لها، وما يسودها من قيمٍ وعلى قدرتها على تحقيقِ ذواتهم وإشباعِ حاجاتهم وضبط سلوكياتهم وتنظيم شبكة علاقاتهم لأنّها تمثلُ محصلةَ الأفكارِ والمعتقداتِ والقيمِ والاتجاهاتِ التي يكوّنها الفرد عن ذاته وعن الآخرين وعن بيئتهم ومجتمعهم.

الهوية السرديّة

تناول الفيلسوفُ الوجوديّ الفرنسيّ “بول ريكور” قضيةَ الهوية بتوظيفِ الأدبِ، وساق مصطلح “الهوية السرديّة” كعلاقة بين الحياةِ والسردِ. والهوية السرديّة هي صورةُ الذاتِ المتحركةِ التي لا تتحقّقُ إلا بالسردِ الذي لا ُيقصدُ به القصُّ والحكاية، بل تصويرُ الحراكِ الوجوديّ الفاعلِ بوسائلِ السرد، فخواء الحياة الفارغة لا يمكن سرده، ومحورُ السردِ هو قضية الوجوديّة الثرية. وتعتمدُ وسائلُ السردِ على عاملين مشتركين (السردِ والحياة).

ويصرُّ ريكور على مفهوم للوجود يحيلُ فيه الذاتَ إلى الآخر، والحاضر إلى المستقبل، ويخلقُ تطابقاً بين الحياةِ والسردِ. “إنّ المستقبلَ هو الذي يُضفي صفةَ الإمكان على تطلعاتِ الحاضرِ، وتصنع خبراتُ الماضي أساساً لتلك التطلعات، ولممارستها. أما الجانبُ التواصليّ فيضاعفُ من القيمةِ الوجوديّةِ، إذ يتضمنُ الجانبَ الروحيّ، ويحقّقُ الأهدافَ الضروريّة للحياة”.

تتشكّلُ الهويةُ السرديّة في ميدانين يتكاملان هما: اللغةُ والتاريخ، في إطارِ عملياتٍ جدليّة معقّدة. ويرتكزُ مفهومُ الهويةِ إلى أساسِ انطولوجيّ مجرّد، وبذلك يخضعُ لمزيدٍ من التأويلِ والتغييرِ، وهي مفهومٌ يتصلُ مباشرةُ بالثقافة. والحديثُ عن اللغةِ يحيلنا إلى فضاءاتٍ رحبةٍ من المعاني المباشرة والرمزياتِ والدلالاتِ البعيدة، وتراكماتٍ ثقافيّةٍ تشكّلت عبر الزمن وستعبرُ إلى المستقبل. وباعتبار اللغةِ نفسها في حركةٍ وتدفقٍ وهي الوعاء الأشملُ للمعاني، فإنّ مسألةَ الهويةِ تتموضعُ على بنيةٍ تكتونيّةٍ معرضّةٍ للتغيّر بفعلِ الحركةِ وحتى تناقضِ عوامل مختلفة وتأثيرها. بمعنى أنّ الهويةَ تشملُ الحراكَ الفكريَّ وصداعَ العقلَ ويلامس الخيال. وهي صورة وعي الإنسان لنفسه، في إطار الزمان والمكان، وضمن أبعاد سوسيولوجيّة.

القولُ بأنّ الإنسانَ ابنُ بيئته ليس مجرّد فرضيّة، فمهما أُوتي المرءُ من رغبةِ التغييرِ والنزوعِ نحو الاستقلالِ فسيحتفظُ ببصمةِ المحيطِ المجتمعيّ ويتلقّى مؤثراتِ الحاضرِ والماضي. وعبر مشاعيةِ تداولِ اللغةِ تتشكلُ القناةِ الأساسيّة لتلقّي تلك المؤثراتِ، فتتشكلُ نواةُ الهوية الثقافيّة لتكونَ الحياضَ المشتركَ التي تميّز الانتماءَ القوميّ، وبفضلِ اللغة لا يمكنُ تصوّرُ وجودِ شعبٍ بلا هوية. وتؤكّدُ الدراساتُ الاجتماعيّةُ أنّ أفرادَ كلِّ جماعةٍ أو قومٍ يتشاركون قيماً وخصائصَ محددةً يتماهون فيها. والمسألةُ تتجاوزُ جملةَ الرموزِ والصورِ والدلالاِت المشتركةِ، لتتعلقَ بدرجةِ شعورِ الأفرادِ بالهوية، والعوائق التي تحولُ دونَ ذلك، وهذا ما يُسمّى بأزمة الهوية، نكونَ بمواجهةِ أزمةِ وعي، فالوجودُ هو “كونٌ” حقيقيٌّ لا يحتاجُ إثباتاً بلِ القضية أن نعيَ ماهيةَ هذا الوجودِ. وهذا هو مضمون الكوجيتو الديكارتيّ الذي أعطى الوجودَ قيمةً معرفيّةً (أنا أفكر إذاً أنا موجود).

يشتملُ تكوينُ الهويةِ على جملةِ ثنائياتٍ تنزعُ إلى التوازنِ، وإلا كان الاغترابُ والصِدامُ مع الآخر والمحيطُ محتملاً دائماً، وأولى الثنائيات (الفطريّ والمكتسب) فالإنسان يفدُ إلى العالم وقد ورث فطريّاً انتماءً سلاليّاً في العِرقِ واللونِ والقوميّةِ، فيما يكتسبُ لاحقاً جملة من الانتماءات تحدّدها الإرادةُ أو الخيالُ أو الصدفةُ، فيما تتشكلُ باقي الثنائيات من الشكِّ واليقين، الواقع والأمل، الذاكرة والتصوّر، وهذا ذلك يشكّل أرضيّةً كالرمالِ المتحركةِ، ومع أخذ طبيعة اللغة المنفتحة على التطوّرِ بالاعتبار، نجد أنّه لا يستقيمُ توصيفُ الهويةِ بالحياديّةِ.

لا تتغيّرُ الهوياتُ اعتباطيّا،ً بل تخضعُ لقانونِ التوازنِ في مسارِ تغيّرها، فتحتفظ بالثوابتِ المميزة للهوية كاللغةِ والدين، فيما تجري تبدلاتٌ على العناصرِ المتحوّلة القابلة للتغيير كالعاداتِ وأنماطِ التفكير. وأما إذا خضعت كلُّ مكوّناتِها للتغييرِ فستكونُ عرضةً للاندثارِ وتلقى نهايتها، إلا أنّ المكوناتِ الثابتةَ منفتحةٌ على الواقعِ وتتلاءمُ معه، فاللغةُ نفسُها تخضعُ لقانونِ التغييرِ لتزدادَ غنىً بالمصطلحاتِ الجديدة.

الطبيعةُ المرنةُ للهويةِ تخالفُ تماماً ادعاءاتِ تياراتِ التعصّبِ السياسيّةِ والدينيّةِ والقوميّةِ وعملياتِ التحنيطِ التي تجري على الهويةِ وتجعلها دوغمائياتٍ بأطرٍ مقدّسةٍ منغلقة، كما تخالفُ حقيقةَ حريةِ الإرادةِ، لتصبحَ الهويةُ محلَّ التباس في وعينا وعائقاً لحركةِ الفكر وتجمد العقلَ وتمنعه من الخلقِ والإبداع، إذ أنّ الإبداع هو كسرٌ لحدودِ المألوفِ والمتداولِ، فيما الهويةُ المفروضةُ قسراً محجوزةٌ ضمنَ آفاقٍ ضيّقةٍ قوامُها الولاءُ والتبعيّة. وتجعلُ من الآخرِ خارجَ إطارِ الولاءِ الضيّقِ عدواً، والعداوة قد تتحولُ لمسألةٍ فكريّةٍ تنتقلُ من جيل لآخر دونما حدودٍ، لتتدحرجَ كرةُ الخلافاتِ وتصبحَ إرثاً وأحد مقوماتِ الهوية، وبمجرّدِ أن يتبنّى المرءُ هويةً معينةً سيبادلُ العداءَ لآخرين، وهو حال التناقضاتِ الدينيّةِ والقوميّةِ.

ينتقد بول ريكور الهوية الشخصيّة في معناها الجوهرانيّ الثبوتيّ، ويشخّص النقصَ في غيابِ البعدِ الزمنيّ الخاصِّ بالذاتِ، وذلك حينما يتمُّ تعريفُ الشخص من منظور التطابقِ والعدديّة في الإرجاعِ المحددِ للهويةِ، ولا يُؤخذ بعينِ الاعتبارِ البعدُ التاريخيّ للشخصِ الذي نتكلمُ عنه وانتماؤه إلى محيط ثقافيّ وسياقٍ اجتماعيّ وزمانيّة الوجود، ولا يتمُّ تناولُ الهوية من زاوية متعددة ديناميكيّة، وهو ما يؤثر على سردِ الذاتِ للغير وسردِ الغير لذاتنا.

الانتماءُ والهوية

يتداخلُ مفهوما الانتماءِ والهويةِ ويتقاطعان، وكثيراً ما يستخدم أحدهما بديلاً عن الآخر في الأدبيّات الاجتماعيّة المعاصرة. فالانتماءُ مفهومٌ فلسفيّ ديناميّ لا يُدرُكُ إلا ضمنَ مرحلةٍ تاريخيّةٍ محددةٍ وهو نتاجُ معطياتٍ ومتغيّراتٍ اجتماعيّةٍ واقتصاديّةٍ وثقافيّةٍ وسياسيّةٍ بالمجتمعٍ، كما له مفهومٌ نفسيّ ببعدٍ اجتماعيّ، وافتقاده يُشعِرُ المرءَ بالعزلةِ وينتابه القلقُ فيعاينُ مشكلاتٍ نفسيّةٍ واجتماعيّةٍ تؤثّر على المجتمعِ وتماسكِه.

تتعددُ الاستخداماتُ المرادفةُ لكلمةِ الانتماءِ، وقد تُستخدمُ بمعنى الهوية أو الولاءِ أو الانتساب أو التوحّد والاندماج، رغم اختلافها عنها، فالانتماءُ هو ارتباطٌ المرءِ بجماعةٍ والسعيُ لتكونَ الجماعةُ متينةً، فيتماهى في شخصيتها لدرجة التوحّد، مقابلَ مشاعر الأمنِ والرضا والفخر والاعتزاز.

الواقع من غير المتفقِ عليه ما إذا كان الانتماءُ اتجاهاً أو شعوراً أو ميلاً أو دافعاً ضروريّاً أو حاجةً أساسيّةً، إلا أنَّ ثمّة توافقاً حول استحالةً حياةِ الفردِ بدونِ انتماء، الذي يبدأ بإشباعِ الحاجاتِ الطفولةِ الأساسيّةِ، وتتدرجُ بالزيادةِ مع النمو، ولا يتحققُ شعورُ الأمنِ والحب والصداقة إلا من خلال الجماعةِ، بل لا معنى لتلك المشاعر بدون الجماعة، ولا يكتسب السلوك الإنسانيّ معناه إلا في موقفٍ اجتماعيّ.

وبذلك فالانتماءُ مفهومٌ نفسيٌّ اجتماعيّ فلسفيٌّ ونِتاجُ عملية تبادلٍ واقعيّةٍ بين الفرد والمجتمع، وهنا محلُّ التقاطعِ مع مفهوم الهوية، فالانتماءُ يدعمُ الهوية باعتبارها الإدراكَ الداخليّ لذاتيّة الفرد محددةً بعواملَ خارجيّة يدعمُها المجتمعُ. والانتماءُ هو الشعورُ بهذه العوامل وترجمتها أفعالاً وسلوكاً يتسمُّ بالولاءِ للجماعةِ أو المجتمع وتوحّد الأفرادِ نحو الهدف العام، ما يوطّدُ أبعادَ الهوية، فتكونَ سلوكياتِ الأفرادِ مؤشراتِ تعبيرٍ عن الهويةِ.

في كتابه “هويات قاتلة” يميّز الأديب اللبنانيّ بين الهوية والانتماء. فيستخدم الهوية بالمفرد، ويعتبر الانتماء بالجمع أي انتماءات أدقّ، بوجودِ انتماءات عدّة، ولكن ليست لها كلها الأهميّة نفسها. بل لها درجات متفاوتة من الأهمية. والانتماء الذي يعتبره الأهمّ بمرحلة معيّنة قد يصبح أقل أهمية في مرحلة تالية. وهناك أناس يعتبرون أنَّ انتماءهم الاجتماعيّ قبل سنواتٍ أهمّ من انتمائهم الطائفيّ. وثمّة أناس يعتبرون أنَّ انتماءهم إلى وطن معيّن أهمّ من انتمائهم إلى الطائفة. وآخرون يبدّلون قـناعـاتهم إزاء انتماءاتهم المختلفـة. فالعراق تختلف فيه مشاعر الناس في مرحلة معيّنة كالحرب مع إيران.

الهوية الوطنيّة

الهوية الوطنيّة هي عملية استيعابٍ ثقافيّة لأشكالِ التمايزات بين أفراد وجماعات جمعتهم وحدة جغرافيّة متعارف عليها بكيانٍ سياديّ رسميّ، متجاوزةُ التناقض بين مظهر خارجيّ متجانس وآخر داخليّ تتجلى فيه الإقرار بالاختلافات، ولتكونَ بالنتيجةِ الهوية الوطنيّة جملة السمات المشتركة من تفاوت أو استثناء لمكونٍ على آخر، فيكون الوطن دولةَ الطائفة. تلعبُ مؤسساتُ المجتمعِ (التربويّة والدينيّة والسياسيّة والاقتصاديّة) دوراً مهماً في بلورةِ الهويةِ الفرديّةِ والجماعيّة بفضلِ قواعدِ وآلياتِ تنظيمِ سلوكِ الأفرادِ والجماعاتِ وأسلوبِ تحقيقِ مصالحهم، ما يطرحُ السؤالَ عن علاقةِ النظم الاجتماعيّة بالهويّة وعوامل أزمة الهوية.

تمثّلُ الهويةُ الخصوصيّة التي تميّزُ جماعةً بشريّةً عن غيرها (العيش المشترك، العقيدة، اللغة، التاريخ والمصير المشترك…) وبذلك تحملُ الهوية الثقافيّة دلالتها من المحدداتِ الأساسيّة لثقافةِ الأمة، التي اعتبرها مونتيسكيو “روح الأمة” إذ تمثلُ رمزَ وحدتها واستمراريتها. وتتفاعل عناصرُ الهوية ضمن هوية مركزيّةٍ أو مرجعيّة تتحددُ وفق أحد منطلقين: الثقافة التي تمكّن الفرد من التكيّفِ والتوافقِ مع الجماعاتِ الاجتماعيّةِ وتحقيقِ ذاته في إطارِ الجماعةِ والمؤسسات المجتمعيّة. وما يسمى “بالهوية الوطنيّة” كإطار يشملُ كلّ السمات الثقافيّة للأفراد، وأحد الدلالاتِ الأساسيّة المحددة لهويةِ شعب يعيشُ في إقليم جغرافيّ محدد، وليصبحَ مفهومُ المواطنةِ أحد رموز الوحدة والاستقرار المجتمعيّ ويمكنه احتواء كلّ الثقافاتِ الفرعيّةِ.

الهويةُ الوطنيّة هي مجموعُ الصفاتِ أو الخصائصِ الثقافيّة العامة التي تمثلُ الحدَّ الأدنى المشتركَ بين جميعِ الأفراد يُعرفون كمواطنين ويتميّزون بها عن سواهم من أفرادِ المجتمعات الأخرى، وتحدّدُ الهويةُ الوطنيّة ضمن ثلاث مستويات:

الإطار العام: وهي كلّ البُنى وثيقةِ الصلةِ بالهويةِ الثقافيّةِ التي يتشاطرُها المنتمون للثقافةِ ويلتزمون بها كالعقيدةِ الدينيّةِ، اللغة، الانتماء، المصير المشترك… وتمثل عند إميل دوركايم “العقل الجمعيّ” الذي يعكسُ ثقافةَ المجتمعِ وكلّ مؤسساته الدينيّة والتربويّة والثقافيّة القضائيّة والسياسيّة وبخاصة مؤسسات التنشئة الاجتماعيّة التي تحقق أنسنةَ الكائنِ البيولوجيّ وتحوّله إلى فردٍ يحملُ ثقافةِ مجتمعِه ويمثّل قيمه وقواعده.

البدائل: مجموعةُ نظمٍ أو سِماتٍ ثقافيّة لا تأخذُ صفةَ إلزاميّة ويتوفر فيها هامشُ الخياراتِ، ولا تميّز كلّ أفراد المجتمع وهي تؤمن التكامل الوظيفيّ العام والتنوع بالمجتمع ونجده في الفعالياتِ الاقتصاديّة الصناعيّة والزراعيّة وأنماط السكن…

الخصوصيات: وبمقتضاها يتمُّ الانتقال إلى داخلِ المجتمعِ، بتجاوزِ الإطار العام، والوقوف على الخصوصيات الثقافيّة ذات العلاقة بالفئات الاجتماعيّة التي تتحدد حسب الفئات العمريّة والجنس والمهن والمنطقة الجغرافيّة… وإن كان الأفراد يتقفون بالعموميات الثقافيّة و بعض البدائل فإنهم قد يختلفون بالخصوصيات التي تظهر بوضوح لدى المجتمعاتِ الكبيرةِ المتمدنةِ حيث تتعقد الحياة وتتعدد الأدوار وتتنوعُ العلاقاتِ، فتمثل ما عبّر عنه دوركايم بالمجتمعاتِ العضويّةِ التي تتميزُ بتقسيمِ العملِ والتمايز، لتتحققَ عمليةُ التكاملِ ضمن النسقِ الاجتماعيّ الكليّ.

وفي سعيها نحو تحديدِ الهويةِ الوطنيّة تجد الدولةُ الوطنيّة نفسَها بمواجهةِ جملة عوائق، وأنّها تتموضعُ في نقطة تقاطع مصالح دولٍ كبرى وكلٌّ منها يمارسُ الضغط ويؤكّد حضوره عبر الانفتاح على أحد المكونات الوطنيّة، فتنعكسُ التناقضاتُ الدوليّة مباشرة على قضيةِ الهويةِ، ويُعطّل مسارُ الحوارِ الوطنيّ والعمل على التوافقاتِ الوطنيّة، ما يؤجج الصراعَ داخل الوطن. وتتدحرجُ الأحداثُ نحو التدهور. وبذلك تتشابكُ عواملُ التدخّلِ الخارجيّ مع عواملِ التناقضِ الداخليّة بفعلِ الانكفاء إلى الخصوصيات المميزة لكلِّ مكوّن بسببِ فقدان الثقة.

مسؤوليّة مؤسسات الثقافةِ ورجال الفكر الكبرى إيلاءُ اهتمامٍ متزايد لبنيتها الداخليّة بجعلِ إدارةِ التعددِ والتنوعِ المجتمعيّ أولويةً، فالتحدّي الذي يواجه الدولُ وخاصةً ذات التعدد المجتمعيّ هو خلقُ هويةٍ مشتركةٍ يشعرُ الجميع من خلالها بالانتماء للوطنِ.

التعددُ الاجتماعيّ ظاهرة ملازمة للمجتمع البشريّ منذ عرف هذا المجتمع ظواهر التبادل السلعيّ والملكيّة الخاصة والدولةِ، بل وقبل ذلك وبعده فإنّ الاختلافاتِ الثقافيّة والعرقيّة والدينيّة بما تفرضُه من تمايزاتٍ بالرؤى والمواقفِ السياسيّةِ هي تمايزاتٌ ملازمةٌ لطبيعةِ المجتمعِ البشريّ ذاته.

والتعددُ تأكيدٌ وإقرارٌ بعالمٍ متنوعٍ ومختلف، وقد أضحى أحدَّ ثوابتِ الحياةِ المعاصرةِ، وكيفيةِ إدارته والتعامل معها سيقودُ بشكلٍ أو بآخر، إلى بلورة الملكيّة الذاتيّة والاحترامِ والتسامحِ والحوار والمرونة في حوارنا وتعايشنا مع الآخر.

تعبّرُ الاختلافاتُ أو التعدداتُ عن ذواتها في الهوياتِ الثقافيّةِ والبرامج الاقتصاديّة والاعتقاداتِ الدينيّة والتجمعاتِ الاثنيّةِ والأنظمة السياسيّة وغيرها، فلم يعد كافياً تشخيص التعدد وإنّما كيفية تجسيده عمليّاً باعتباره حقيقة واقعيّة حاضراً، كما كانت في الماضي وستكون في المستقبل.

الحداثةُ وإشكاليّة الهوية

يبدو أنّ رهانَ الحداثة الخفيّ هو إلى أيّ حدٍّ يمكن للفيلسوفِ أن يفكرَ في الذاتِ بلا هوية؟ وعلى ذلك قد آن أيضاً أن نسألَ إلى مدى استطاعت الفلسفة المعاصرة في سعيها الدائبِ للتحرر من براديغم الوعي أن تتحرر من صناعةِ الهوية الحديثة؟ ومن ثم تقترحُ علينا ذاتاً بلا رواسبَ هوويّة لا شفاءَ منه.(3)

فرضتِ الدولةُ الحديثة نموذجاً للهويةِ وجعلته أحدَ الشروطِ الحقوقيّةِ للانتماءِ، وتجاهلت كونه شكلاً وجوديّاً يستقي شرعيّته من الفطرة أولاً ومن حقوقه المكتسبةِ قانوناً ثانياً، وبالمجمل نجدُ أطراً متدرجة لصناعة الهويةِ اعتباراً من المؤسسةِ المجتمعيّةِ والدينيّةِ والتعليميّةِ والإعلاميّةِ وحتى السلطةِ السياسيّة القائمة، فكلُّ مؤسسة لها حقلها السلطويّ والفرد هو المتلقّي، كلما زادت قسوةُ ودقةُ التلقينِ والأوامر تضاءلتِ الحريّةِ وغاب شيء من خصائص الفردانيّة وصولاً إلى حالات القمع والتغييب الكامل، وليصبح الأفراد مجرد أعداد.

لعلّ السؤالَ الذي يُطرحُ أنّه لولا الحداثة هل كانت إشكاليّة الهوية ستظهر؟ أليست جملة المفاهيم من قبيل الوطن والعلم والسيادة والنظام السياسيّ هي من مفرزات الحداثة، وحالات تمايز في ظل الحداثة؟

لا يمكن لبناء الهوية الشخصيّة أن يتجنب مصادفة أزمات لا تنتج بداية عن نقص في الموارد الاقتصاديّة، بل عن بنية الذاتيّة الإنسانيّة نفسها، ما إن تتحرر من الأطر الجماعاتيّة هذا هو الأمر من السوسيولوجيّة في أزمة الهويات… تتعثر الهويات الشخصيّة في التغلب أزماتها وإدارة مساراتها والتعبير عن معناها بعد قرنين من الثورة الصناعيّة والثورة الفرنسيّة لاتزالُ المجتمعاتُ الحديثةُ تتعرضُ لأزماتٍ هوياتيّةٍ وليس لأزماتٍ اقتصاديّةٍ واجتماعيّةٍ فحسب، وهي تتظاهرُ في مجالاتِ الحياةِ الاجتماعيّةِ وكل دوائر الوجودِ الشخصيّ.(4)

البونُ واسعٌ بين الهوية بمقومها الفطريّ وما نحن عليه بشكل طبيعيّ والذاتِ وما نجهدً لنكونَ، والقضيةُ هي الانطلاقُ من هويةٍ حازتِ الإقرارَ بها لتصوغَ الذاتَ التي تريدُ كأفرادٍ أُتيحت لهم فضاءاتُ الحريةِ ولم يُمارس عليهم القمعُ والمنعُ، فالهويةُ تتشكل على مستويين الوجودُ والفعل.

إنّ علاقتنا بالحداثة مازالت رهينة قدرتنا على النجاح في تأمين الانتقال الصعب من ثقافة الأصالة إلى ثقافة الحرية. إن السؤال عندئذٍ هو: متى نكفُّ عن تأويل أنفسنا كنصٍ قديمٍ بلا مؤلفٍ؟ كيف نخرج من العصر التأويليّ للعقل؟(5)

مجتمعاتُ المنطقةِ وفِصامٌ عميقٌ بالذات

تعيشُ مجتمعاتُ الشرقِ الأوسط أزمةَ هوية، واضطراباً بالتوازن بين قيم الأصالةِ والحداثة، الحاضر والماضي. فقد تمّ استحضار عوامل تاريخيّة فجّة بالقوةِ راحت تمارسُ صلاحياتها بقسوةٍ وعنفٍ وتطالبُ بطي صفحاتِ قرونٍ طويلة، وتمَّ تبنّي الدينِ كمضمون ثقافيّ قيميّ أخلاقيّ، بل كظاهر شكلانيّ طقسيّ لا يتجاوز الشعار، بالتوازي مع الإصرار على استعادةِ ظروف انطلاقه، وأُفرغت الشعائر من كلّ معنى، ووُضع الحاضرُ في قفصِ الاتهام بعدما أُوسع لطماً وتمّت المطالبة بإقامة الحدودِ على الحاضر لمجرّد أنّه حاضر، دون اعتبار لحجم المتغيّر الزمنيّ، فشكّل ذلك اختراقاً في عُمقِ الحالةِ الفكريّةِ واستقطب أشياعاً رفعوا سيوفاً حاقدةً، فيما كان التكبيرُ والتهليلُ مجرّدَ طقوسٍ لإتمامِ المشهدِ لإضفاء الشرعيّة عليه، وأدّى انفجارُ الوضعِ على هذا النحو إلى فُصامٍ عميقٍ في الذاتِ، فالأصوليّة الدينيّة محاولة بائسة لإحلالِ ثقافةٍ قديمةٍ تاريخيّةِ محلَّ ثقافةٍ حديثة حيّة. وفقدتِ الهوية مقومها التاريخيّ الذي يتجاوز معنى الأصالةِ.

ما يثيرُ الاستغرابَ أنَّ الذين يتحركون في فلكِ الهوية ويقدّمون أنفسهم مدافعين عن الذاتِ الحضاريّة أنتجوا خطاباً مبستراً، ويكتفون بكيل المديح الافتخاريّ عن وضيعتنا التاريخيّة ويُسقطون في زهو وغرورِ الخطاب الأبولوجيّ النرجسيّ (الدفاعيّ)، في حين أنّ الذين يُجاهرون بالانتماءِ إلى الإنسانيّة ويحسمون أمرَهم مع الموروثِ والتقاليدِ يشكّلون مادةً علميّةً دسمةً عن زمانيّة الوجودِ الذي يحوينا والإطارِ الاجتماعيّ الذي يتبعنا. فهل يدلُّ ذلك على أنّ ثبت الهويةِ يمرُّ عبر الإفلاتِ من رقابة الذاتيّة والاعتصام بالموضوعيّة؟ وكيف نتجاوزُ هذه الفصاميّة في البحث الأكاديميّ بين ذاتيّة بلا هوية وخطاب هوويّ بلا موضوعيّة؟ ربما يكون الاستنجادُ بالمثقفِ النوعيّ هو الخيارُ الذي يفيدُ في تقويةِ الاقتدارِ على مواجهةِ الخطرِ بالالتزامِ بالطابعِ المركّبِ للهويةِ والتأصّلِ والأنسنة الثقافيّة وتعليمِ الحشود التي تنتمي إليها من جهةِ الاجتماعِ والقانون والثقافة والاقتصاد القيم الكونيّة والإنسانيّة التقدميّة.(6)

الاستعلاء القوميّ والامتلاء الدينيّ

تفرضُ الأنظمةُ الشموليّةُ نفسها وعاءً كليّاً ولغةً مهيمنة على كلِّ تفاصيلِ الحياةِ، وتمارسُ الإلغاءَ والقمعَ والإقصاءَ وتفرضُ لونَها الأحاديّ، فتفرّغ الاستقلالَ عن الاحتلالِ الأجنبيّ من محتواه التحرريّ. وفي التجربة العربيّة نجد أنّ الثوراتِ ضد الاحتلالِ العثمانيّ ومن بعده الغربيّ، كانت في أحدِ أهم أهدافها تحصيلاً للهوية الوطنيّة، ولكن التحررَ جاء بسلطةِ اللونِ الواحدِ، فتحققت هويةٌ وطنيّةٌ في ظاهرها، فيما افتقر المضمونُ للحريةِ وهي أهمُّ مقوماتِ الهويةِ، فكان التحررُ أشبهَ باستبدالِ السجّان، وبقاء القضبان، ولو أُفسح مجالُ الحرية للشعوبِ، لتمكّنَت من تطويرِ هويتها الثقافيّة والإحساسِ بالانتماءِ الجمعيّ الإيجابيّ، للجغرافيا واللغةِ والمستقبلِ وصاغت على نحوٍ أمثل هويتها الوطنيّةِ الجامعةِ التي تمثلُ التاريخَ والحاضرَ وتعدُّدية الوجودِ، دون هيمنةٍ واستعلاءٍ.

لعبَ العاملُ الجغرافيّ دوراً مهماً في علاقاتِ التواصلِ بين شعوبِ منطقةِ الشرقِ الأوسط، إذ لا فواصلَ طبيعيّةً من بحارٍ وجبال إلا حدودٌ سياسيّة رُسمت وفق اتفاقات سياسيّة وتحديداً سايكس بيكو، وبذلك فإن العلاقاتِ بين الشعوب لم تنقطع، ومع أخذ التنوع القوميّ في المنطقة الذي لا يمكن اختزاله، فقد كان قيام الدول القوميّة تحدياً بنيويّاً في أساسه، إذ اقتضى اتباع سياسة التهميش والإلغاء بحق المكونات الأقل عدداً، وإذا ما أخذنا التنوع الدينيّ والمذهبيّ فإنّ التحدي يصبح أخطرَ، قابل للانفجار في أيّ لحظة مفصليّة، وهذا عدا تقاطع مصالح الدول الكبرى في المنطقة.

فشلتِ الأنظمةُ القوميّة لأسبابٍ بنيويّة أن تستحصلَ أسبابَ المناعة الكافية، فاتكأت على المؤسسات الأمنيّة ولم تبادر إلى تأسيس بنى مؤسساتيّة ديمقراطيّة حقيقيّة، رغم مناداتها بها، وكانت دعوات شكلانيّة لم تتجاوز الشعار. وتمّت أدلجة الحالة القوميّة لتشكّل الهوية الجامعة المفروضة على مواطني كلّ دولةٍ واختزل التنوع الإثنيّ بثلاث عناوين (العرب، الفرس، الأتراك) فيما طبقت الهوية الدينيّة المذهبيّة بنفس الأسلوب.

لم يستطع نموذجُ الدولةِ القوميّة أن يعالجَ مشكلاتِ الهوية ويحتوي مساحةَ التنوع التعدد، أيّاً كان حجمها، وبينما يقرُّ يورغن هابرماس بالإنجازاتِ الاجتماعيّة للدولة القوميّة، فهو على دراية بأنَّ الفكرةِ تنطوي على خطورةِ أيضاً، إنّ فكرة الأمة العرقيّة إقصائيّة في الأصل، فالمنتمون مميزون دوماً باللغة أو الأصلِ عن غير المنتمين. وبمجردِ أن تترسخَ الفكرةُ في المزاج العام، تفتح المحال تفضي إلى خلق أقليات داخليّة واضطهادها

والشعور الثاني الذي لا يقلُّ خطورةً عن الاستعلاء القوميّ هو “الامتلاء” الدينيّ لدرجةِ التخمةِ بالنسبة للتوجّهات الدينيّة المذهبيّة، لدرجة لا سعةَ متاحةٌ بعدَها، ويصبحُ معها كلُّ آخر كافراً أو مرتداً أو منافقاً مستوجبَ القصاصِ منه بدعوى الانتصارِ للدينِ وتنقيته والسيرِ على هدي السلفِ الصالح. والأخطر مطلقاً أن يحوزَ البعضُ ثنائيّة المرض (الاستعلاء والامتلاء). وقد أثبتتِ الأحداثُ وخطاب المعارضة الفئويّ المذهبيّ أنّ المشكلة متجذرةٌ في عمقِ الثقافة ولا تتصل فقط بسلطة النظامِ القائم.

تاريخيّاً عندما هاجر النبي “ص” إلى المدينة، وضعَ نموذجَ عقدٍ اجتماعيّ، كان عبارة عن تعاقدٍ يضمنُ الإبقاءَ على الخصوصيّة المميزة لكلِّ مكوّنٍ ولم يُسقِطها لصالحِ حالةِ التغييرِ الدينيّ والثقافيّ الحاصلة، وجعلَ المشتركَ القيميّ بين أبناءِ المدينةِ مواداً محصّنةً لقيمِ العيشِ المشتركِ والدفاعِ المشتركِ.

ومن الطبيعيّ أنّ الإقرارَ باللغةِ هو حصيلةُ إقرارٍ بوجودِ الآخرين، وتؤكّد التجربة التاريخيّة على أنّ الكثيرَ من جذورِ لغات الأقوام الأخرى لغويّاً وفلسفيّاً، مشتركة، ومتفاعلة إيجابيّاً وليست إلغائيّة، وبالتالي لا مبررَ للهواجسِ المبالغ فيها والاتهام الذي يتجاوزُ حدَّ التجنّي، وترتكب المجازر والقتل الجماعيّ مثل الأنفال وحلبجة ثم تُضاف للتاريخ كمآثرَ خالدة وأن يُبرَّرَ الاحتلالُ التركيّ لعفرين بحجّةِ الوطنيّة لمنعِ الانفصالِ، فلا يبقى حديثٌ عن الهوية الوطنيّة مع الإلغاء الوجوديّ.

في غياب الهويةِ الوطنيّةِ والمشتركات القيميّة، أُلزم المواطنُ العادي بالتكيّفِ مع تفاصيلِ البيئةِ حوله في أدقِّ تفاصيلِ الحياة اليوميّة وأن يتشرّبَ الثقافةِ المفروضة ويتماهى فيها، ودونَ ذلك المساءلةُ الأمنيّةُ. وكان هذا القبولُ أحد سماتِ المنطقة وبفضلها استمرَّ الاحتلالُ العثمانيّ أربعة قرون ودانت شعوبُ المنطقةِ لهويةٍ مفروضةٍ أُعطيت بُعداً دينيّاً، ومن ثم انقسمت المنطقة لتظهرَ الهوياتُ القوميّةُ وفق مخطط غربيّ، وتعيشه شعوبُ المنطقة أمراً واقعاً. ولذلك فالأسباب الذاتيّة والموضوعيّة لثورةِ بناءِ الهوية الوطنيّة كانت محتملةً على الدوامِ بانتظار الظروفِ المواتية، وهذا ما كانت تحتسب له الأنظمة القائمة، فاتبعت سياساتِ منعِ تشكّل أطرٍ سياسيّة حزبيّة أو دينيّة مذهبيّة.

على أنّ خصوصياتِ الهويةِ القوميّةِ للمكوّناتِ الأقل عدداً صمدت لدرجةٍ معينةٍ، ولم تصل حدَّ الذوبانِ الكاملِ، إذ جاءت سياسةُ الإقصاءِ بنتائجَ عكسيّةٍ، وتعثر الإدماجُ الكاملُ، فيما شكّل المنعُ محتوىً لهويةِ الجماعةِ، ولكن مع تفاوتِ درجة الوعي إزاءها.

صور إلغاء الهوية الفرعيّة

الهويةُ الفرعيّة هي كلُّ ما يشتملُ على خصوصيّةٍ قوميّة أو دينيّةٍ أو فكريّةٍ، واشتقاقات تلك الخصوصيّة بصرفِ النظرِ عن حجمِ الكتلة التي تمثّلها، فوحدها الهويةُ الوطنيّة هي الجامعةُ للكلّ. وفي ظلِّ تعدّدِ أشكالُ الإلغاءِ للهوياتِ الفرعيّةِ التي تمثّل خصوصياتِ المكوناتِ الأقل عدداً على مستوى العالم، واجهت مسألةُ التعددِ الاثنيّ والعرقيّ تحديات كبرى نجمت عنها صراعاتٌ مسلّحةٌ في المجتمعاتِ.

من أكثر الأشكالِ شيوعاً لإدارةِ التعدد الإثنيّ استراتيجيّةِ هيمنة الدولة، فتتخذ الحكومةُ إجراءاتٍ استباقيّةٍ سياسيّة وثقافيّة وأمنيّة يصبح معها قيامُ الجماعاتِ الإثنية بالمطالبةِ بحقوقِها بأيّ صورةٍ ممنوعةً تحتَ طائلةِ المساءلةِ القانونيّة والأمنيّة، وللدولةِ صلاحيّةُ التدخّلِ بالعنفِ والصراعِ العلنيّ العنيف، ما يرسّخ حالةَ الانكفاء لدى المكونات الأقل عدداً ويلغي فرصَ التفكير بمحاولة المطالبة، تشكّل استراتيجية هيمنة الدولة سلاحاً ناجحاً، يجعل التحدّيَ العرقيّ للدولة أو نشوب الصراعات بين الجماعات أمراً غير ممكن القيام به، فقد ركّزت الأنظمة الشيوعيّة على سحق الخلافات العرقيّة أملاً ببناء هوية فوقيّة جديدة، على اعتبار أنّ العرقيّة ظاهرة لا تتناسب مع هوية الناس كمواطنين، وشّن ستالين حرباً على الشيشان والأنجوش عام 1943 وهجّر نحو نصف مليون منهم.

وتبرّرُ استراتيجية هيمنة الدولة على أنّها إجراءٌ وقائيّ دفاعيّ، بديلة للحرب الإثنيّة والخوف من اندلاع الصراع، وهي سياسةٌ تؤمنُ الدفاعَ عن النظم السلطويّة أو الديكتاتوريّة كتركيا، أو نظامَ الحزبِ الواحد كالاتحاد السوفيتي سابقاً، وهي تتعارضُ غالباً مع مصالح الإثنيات أو المجموعات الصغيرة. وهي السبب لبروز الصراعات الدمويّة التي قد تهددُ أسس النظام السياسيّ وهيكليّة الدولة، وكان ذلك سبب تفكك الأنظمة الشيوعيّة السابقة ونشوب صراعات مختلفة في العالم.

وثمّة شكلٌ آخر للإلغاءِ في سياقِ الاستجابةِ لواقعِ التنوعِ بتظاهرِ الدولةِ على أنّها تستقطبُ كلَّ الولاءاتِ، فتتجاوز كلَّ الاعتباراتِ والولاءاتِ الاجتماعيّةِ والثقافيةِ، ولا تسمحُ بأدنى درجةِ تعبيرٍ عن الاختلافِ، ويتمُّ تسويقُ الهيمنةِ المركزيّة بتشجيعِ سياسةِ اللغةِ الواحدةِ، والتعليمِ الواحدِ، والثقافةِ الواحدةِ، وهي لا تمنعُ الاختلافات فحسب، بل تسعى للقضاء عليها من بالسيطرة ولو بالقوةِ العسكريّة. والملاحظ أنَّ العديدَ من الأنظمة العسكريّة بعد الاستقلال عن الاستعمار، طبقت الحلولَ العسكريّة لمواجهة تحديات التنوع.

لا تقتصرُ صورُ إلغاءِ الهويةِ على المكوّناتِ الأقل عدداً، فربما تسيطرُ أقليّة على السلطة وتقوم باضطهادِ الأكثريّة، ومثاله نظامُ الفصلِ العنصريّ وحكم البيض في جنوب إفريقيا، أو زيمبابوي (روديسيا الجنوبيّة)، أو بسيطرةِ أقليّةٍ مذهبيّة دينيّةٍ كما في البحرين.

ورغم أنّ بعضَ الأنظمةِ الليبراليّة تبنّت الديمقراطيّة إلا أنّها تحكم السيطرةَ على الجماعات الإثنيّة الأخرى، وتحتفظ بقواعد الديمقراطيّة الليبراليّة داخل جماعتها فقط.

وقد لا تقتصرُ النظمُ المُهيمنة على مقاومةِ مطالب الجماعات الإثنيّة فحسب، بل تطورُ مطالبَ مضادةً للسيطرة عليها مستخدمةً آلياتٍ عدّة منها:

ــ اتباع سياسة أمنيّة والاعتماد على القوة العسكريّة وخوضِ الحرب، كالحرب التي تقودها حكومة أنقرة ضد الكرد حتى عبر الحدود، وحرب القوات الأنغوليّة ضد مقاتلي الاتحاد الوطني(يونيتا) من أجل استقلال أنغولا التام والحكم الذاتيّ فيها. وفي رواندا أودت حملة الإبادة العنصريّة خلال 100 يوم عام 1994، بحياة 800 ألف شخص من الأقليّة (قبيلة توتسي) على يد متطرفي الأغلبيّة (قبيلة الهوتو).

ــ سياسةَ القهرِ والإخضاعِ عبر إجراءات قسريّة لتأكيدِ حقَّ الجماعة الحاكمة (أقليّة أو أغلبيّة)، بتقريرِ مستقبل البلاد، دون أيّة مبادرات إيجابيّة لقبول الآخر واعتبارها تنازلاتٍ للجماعاتِ الإثنية.

ــ سياسة إقصاء الجماعاتِ وعزلها والحيلولة دون سعي الجماعات الإثنية لتشكيلِ أطرٍ سياسيّةٍ متميزة منفصلة، وتبنّي سياسة تفادي الصدامِ المباشرِ وفرض نظام الأحاديّ.

ــ سياسة التغييب والتضييق وفرض التنازل عن الخصوصيّةِ الثقافيّة والقوميّة وجعلها شروطاً للمعيشة والعملِ.

التجربة اللبنانيّة التعدديّة قامت على توافقٍ وإجماعٍ هشٍّ بصيغةِ تسوية بين الدول التي تدعمُ كلَّ طائفة، ولم تنبثق من أساسٍ وطنيّ حقيقيّ، فبقيت رهينةَ مصالحِ الطوائفِ الخاصةِ، وفشلت بتحقيقِ الاندماجِ الوطنيّ على أساسٍ دستوريّ ولا حققتِ نظامَ الحكمِ الذاتيّ. فكانت نظاماً تكونُ الدولة فيه منشطرةً ومنقسمة على أساس الطوائف والمحاصصة الحزبيّة، فتغلبت بموجبه المصالحُ الطائفيّة على المصالحِ الوطنيّةِ والعامة، ما يسهّل فرصَ التدخلِ الخارجيّ في الشأنِ الوطنيّ ويعمّق الشرخ بين أبناء الوطن الواحد. وهذا ما يجعل التوافق ضعيفاً تنحسر معه سوية العيش المشترك بين الطوائف.

وفي إسبانيا نموذج آخر لأزمة الهوية، تصاعدت حتى وصلت عام 2017 درجةَ الاستفتاءِ على الانفصالِ وإقامةِ كيانٍ مستقلٍ، للخروج من الوصاية، ورغبة بالاعتراف بشعب كتالونيا، ككتالونيين وليس إسباناً، ولتأكيد خصوصيّة الثقافة الكتالونيّة واستقلاليتها وتحريرها من هيمنة الثقافةِ الإسبانيّة. بالإضافة إلى الرغبة بإدارة المواردِ الطبيعيّةِ والبشريّةِ في الإقليم بصورةٍ مستقلةٍ لتحسينِ الوضعِ الاقتصاديّ، دون تدخّلِ الحكومةِ الإسبانيّة.

الديمقراطيّةُ برُّ الأمانِ

لا يمكن الحديث عن الهوية في غياب الديمقراطيّة، باعتبارها أرقى أشكال التنظيم التي أبدعها الإنسان تاريخيّاً نظراً لقابليّة احتوائها الاختلافِ وتنظيمِ العيشِ المشترك بين المختلفين باللون والاعتقاد والرأي والعرق والدين…، ورغم تعددِ الديمقراطيّاتِ وتعددِ صيغ تطبيقها وأشكالها فهناك مشتركٌ حيّ عام في النظام الديمقراطيّ يكفلُ مواجهةَ الطائفيّةِ الشاذةِ.

يُطرح السؤال أيّ ديمقراطيّة هي المطلوبة؟ من المؤكد أنّ التقمص الحرفيّ للديمقراطيّة في الفكر الليبراليّ الكلاسيكيّ لن يستجيب لمتطلبات الواقع، ولا يمكن اعتماد الغلبة العدديّة معياراً لها، بل يُنظر إليها على ضوء التحديدات المفاهيميّة التي أعادت النظر في المفهوم مع المعاصرين وهي ديمقراطيّة تتيح الحقَّ ليس لسيادةِ رأي الأغلبيّة والحشد فتتحولُ الديمقراطيّةُ إلى ديكتاتوريّة، بل الديمقراطيّة الحقيقيّة وهي ديمقراطيّة النقاش والتداول، وهي ديمقراطيّة تشاوريّة، ديمقراطيّة لا يسودُ ولا يُسيّد فيها الحشد آراءه، وهي ديمقراطيّة للحكم استناداً إلى الأغلبيّة، مع الأخذ بعين الاعتبار مساهمات الأقليّة.(7)

لا يوضحُ  “يورغن هابرماس” إلى أيّ حدٍّ يوصي بمثال نموذجيّ معياريّ للديمقراطيّة التشاوريّة أو التداوليّة، وإلى أيّ حدٍّ يقدّم لنا نظرية تجريبيّة. فهو يقول بطبيعة الحال إنّ نظريته مثال نموذجيّ معياريّ ووصف للديمقراطيّة. وهذا أمرٌ مفهومٌ ما دام على أيّة حال له محتوىً معياريّ ووصفيّ يكاد يستحيلُ الفصل “الديمقراطيّة” مصطلح بينهما، بينما نرى هابرماس حريصاً على الترويجِ للإثباتات التجريبيّة لنظريته (على سبيل المثال، بين الحقائق والمعايير)، فإنّه يبدو أقلَّ عنايةً بأن يُعَادِل بين نظريته والبيانات التجريبيّة ذات الصِّلة من أن يجعلها متوافقة مع برامجه النظريّة الأخرى السابقة.(8)

لا تعتبرُ الديمقراطيّة الحديثة الأغلبيّة على حقٍّ دائماً، مادام موضوعُ الحقيقة في الديمقراطيّةِ موضوعاً للتنازع، فقد يتعرضُ الحشدُ للتضليلِ، وإذا كانت الأغلبية تتكئ على العدد في إطار أي رؤية، فإنَّ معيارَ العدديّة الصرف يحوّل الديمقراطيّة إلى استبداديّة، ولهذا كانت الحاجة لضمانة قانونيّة وثقافيّة وأخلاقيّة تحصّن الأقليةَ.

تبنّي هذه الديمقراطيّة يجب أن يتم بموازاة تدخل المجتمعِ بأطره وكفاءاته ومجتمعه المدنيّ ونخبه لإعطاء طابع الشراكة للديمقراطيّة، لتحقيق النتائج المرجوة، أي ألا يكون تطبيق النظام الديمقراطيّ مجرد عملية استنساخ أو نقل فجّة، بدون مراعاة خصوصيات مجتمعاتنا، ولا يعني ذلك اجتزاء العملية. فالنموذج التركيّ للديمقراطيّة يقوم على الاجتزاء والانتقائيّة، ما أدّى لتكريسِ الاستبدادِ وتجيير العملية الديمقراطيّة لصالحها، فالانتخاباتُ وصناديقُ الاقتراعِ باتت مخارجَ لأزماتِ النظامِ القائم.

تناول المفاهيم والمسائل ذات الطابع المتبدل وشديدة الحساسيّة كالطائفيّة مثلاً بمسؤوليّة نقديّة وحذرٍ معرفيّ. ولا يمكن حلّ مسألة الطائفيّة بالمداورة والإماهة، بل عبر إقرار صريح بحقّ المشاركة واحترام الحريات والتنوع وليس بالتراضي العام، وإرساء ثقافة الديمقراطيّة سلوكاً مجتمعيّاً عاماً يحمي التنوع، لا يصطدم بالعقم القانونيّ. فيما عمليات الانتقال الفضفاضة لم يتجاوز الشعار وأدّت إلى تجذير الاستبداد وإلى ضياع المصالح وتعميم الفساد وكرّست الانقسام المجتمعيّ.

استراتيجية الديمقراطيّة التوافقيّة وتقاسم السلطة

من التحديات التي تواجه قضايا الهويات للمكونات العرقيّة الأقل عدداً هو الانتقاص من حقها بالمواطنة، والإصرار على المركزيّة، واعتبار أيّ شأن خارج صلاحيات المركز خروجاً عن الحالة الوطنيّة يستلزم الصدام المسلح، وتقوم إحدى المقاربات الكليّة لإدارةِ الصراع العرقيّ، سواء على المستوى المركزيّ للسلطة في الدولة أو على المستويات الأدنى (المحليّ) على الديمقراطيّة التوافقيّة وقبول التعدديّة الإثنيّة مع ضمان الحقوق والحريات والهويات والفرصِ لكلّ الجماعات، وإقامةِ المؤسساتِ السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة للجماعات التي تتمتع بمزايا المساواة بدون الحاجة للاستيعاب القسريّ. والمقصود بتقاسمِ السلطة هنا هو المشاركةِ في صنع القرار، أي صيغة إدارة تقوم على ائتلاف حاكمٍ ذي قاعدة عريضة تحتوي داخلها الجماعات الإثنية، يحظى كلّ طرفٍ فيها بنصيبِ المشاركة بالإدارة بما يخفّفُ مخاوفَ الأقليات الإثنية بالمجتمعاتِ التعدديّة من خطر الاستلحاق والاستبعاد في حالة التطبيقِ الحرفيّ لحكمِ الأغلبية، فباعتبار الدولة الإطارَ السياسيّ الذي يستطيع الإنسان من خلاله تنظيم حياته وشؤونه، لذا يجب أن تكون الحلول على مستوى كامل الكيان السياديّ الممثل بالدولة، وهناك تجاربٌ لدولٍ استوعبت مطالبَ الفئاتِ الإثنيّة عبر الديمقراطيّة والمساواة وأجرت إصلاحات سياسيّة في بينة النظام السياسيّ، ليس للسكانِ الأصلاءِ بل حتى للمهاجرين إليها.

وتستندُ الديمقراطيّةُ التوافقية إلى مجموعة مبادئ منها: العدالة الاجتماعيّة في التوزيع النسبيّ للموارد والاقتصاديّة، واعتماد نظام الانتخابات النسبيّ، وتشكيل حكومة ائتلافيّة تتمتع فيها الجماعات المختلفة بحق المراجعة والاعتراض على القرارات التي تخصّها، والحرية الواسعة لتلك الجماعات في الثقافة والتعليم، واستقلال كلَّ إقليم جغرافيّ بإدارةِ شؤونه الداخليّة.

المهمةُ الرئيسيّةُ للائتلاف هي تأكيدُ المواطنةِ، وتشكيلُ إجماعٍ يضمنُ حمايةَ المصالحِ الدنيا لكلِّ طرفٍ فيه، فيما تضمن النسبيّة تمثيلَ كلّ مجموعةٍ بالحكومةِ والمؤسسات وفقاً لوزنها العدديّ بالمجتمع، ويضمنُ الاستقلالُ الذاتيّ لكلِّ قطاعٍ بإدارة شؤونه الداخليّة والتعاملَ مع القضايا الثقافيّة أو الدينيّة محليّاً أو التنمية المستدامة وفق حاجاته، وفصلها عن مسائل السياسة القوميّة الأكثر إثارةً للصراعاتِ والتناقض.

نشأتِ الديمقراطيّة التوافقيّة بعد الحربِ العالميّةِ الثانية، استجابةً لحاجاتِ المجتمعاتِ الأوروبيّة غير المتجانسة قوميّاً أو دينيّاً، مثال بلجيكا وهولندا وسويسرا، أو النمسا في خمسينات القرن العشرين، وحققتِ الاستقرارَ السياسيّ، ثم قدّمتِ التوافقيّة فيما بعد أمثلة ملموسة لقدرتها وصلاحيّتها لتكونَ نظاماً مستقراً وفعّالاً للحكمِ في المجتمعات التعدديّة المنقسمة (دينيّاً، إيديولوجيّاً، لغويّاً، إقليميّاً، ثقافيّاً، عرقيّاً أو إثنيّاً)، فكانت معظم الدول المستقلة حديثاً بأمس الحاجة لهذا النمط من الديمقراطيّة، كونها ورثت انقسامات  مجتمعيّة هائلة بسبب الاستعمار، وبفعل عوامل تاريخيّة قديمة.

ليس بالوسع قيام دولةٍ مستقلةٍ حلاً للتنوعِ فالنتيجة ستكون دولاً لا تملكُ إمكانيةَ الحياةِ، وبخاصة في حالاتِ التنوعِ الكبيرةِ كما في العراق سوريا حيث التشابه بخارطة التنوعِ الدينيّ والعرقيّ. وفي لبنان تعدّدٌ مكثّفٌ للطوائفِ الإسلاميّةِ والمسيحيّةِ في مساحةٍ ضيقةٍ. ويتألف شعبُ ماليزيا من ثلاثة أعراق (الملايو، الصينيون، الهنود) يعتنقون أدياناً مختلفة (الإسلام، البوذية والكونفوشية والهندوسيّة والمسيحيّة). وتضمّ إندونيسيا 300 لغة وتتعدد فيها الأديان (الإسلام، المسيحية، الهندوسية، البوذيّة، وديانات بدائيّة)، وتعدُّ نيجيريا أكثر دولة إفريقيّة احتواءً للمجموعات العرقيّة والدينيّة وتضم أكثر من مئتي جماعة عرقيّة (الهاوسا أو الفولانيين، اليوروبايين، الإيغويين..)

من المهم لتطبيقِ النموذج التوافقيّ ألا تكون الجماعات المتناحرة لديها خطة دمج الآخرين أو استيعابهم بفرض بناءِ أمة، حيث أنّ صراع القومياتِ في مثل هذه الظروف يمثل مبادرة صفريّة، لا مجال فيها للتوافق، والبداية من الالتزام بالاستقرار السياسيّ والاقتصادي للبلاد دون سيطرة أو هيمنة الدولة، وعلى الجماعات أن تعي جيداً مزايا الحكم الذاتيّ والقدرة على التوازن.

وفي هذا السياق فثمة حلّ أخلاقيّ الظاهر، سياسيّ العمق، على عدد من المستويات:

ــ المصالحة الوطنيّة: بتغليبِ المصلحةِ العامة للوطنِ على حسابِ المصالحِ الطائفيّةِ الضيّقةِ، واستغلالِ كلّ المناسباتِ الثقافيّةِ والمشتركةِ لتعزيزِ عُرى التوافقِ وردمِ الهوةِ بين المتخالفين في الوطنِ نفسه، وإبداعِ آلياتِ التقاربِ والحدُّ من الشحنِ الطائفيّ.

ــ المقاربة الأخلاقيّة: علاجاً للطائفيّة، وتستدعي الفلسفةُ الأخلاقيّة والعمليّة، عدم التحيّز البراغماتيّ أو الدينيّ، وأن يكون التأسيسُ الأخلاقيّ محكوماً بالغائيّة، يهدف إلى احتواءِ الطائفيّة وتعزيزِ مبادئِ العيشِ المشترك بين المتخالفين ونبذ العنف، والنظر إلى الدين من زاوية أخلاقيّة، وإعادة الاعتبار للدين دعوةً للحياةِ وحمايتها، وإسقاط دعواتِ القتلِ باسم الجهاد التي تشرعنُ الصراع وتمنحه بُعداً قدسيّاً وتنمّي استعدادَ الفرد للموتِ المجاني.

ــ الدولة المدنيّة: دولة مواطنين ينظمها القانون، وليس الدولة الطائفيّة القائمة على العصبيّة والغلبة التي وصفها ابن خلدون، تقرُّ بالأقليّات في أطر قانونيّة واضحة، فيتساوى المواطنون أمام القانون وبالكرامة، وتُصان حقوق الجميع، وتستبدل الطائفيّة بالمجتمع المدنيّ ليكون مجال التعبير عن مختلف الآراء بناءً على العقلِ وحرية التعبير.

ــ الفكرُ المركّبُ: نموذجٌ تربويٌّ وضعَ أسسه الفيلسوف الفرنسيّ إدغار موران في كتابيه “الفكر والمستقبل-مدخل إلى الفكر المركب” و”تربية المستقبل”، وهي تصوّرات تربويّة تقومُ على الوجودِ العلائقيّ أي العيش مع الآخر المختلفِ، ليكون التمركز حول الذات، منطلقاً وليس غاية نهائيّة، خلافاً للتربية النمطيّة التي تنظر للآخر عدواً أو تهديداً محتملاً فتنمّي الشعورَ بالكراهيةِ تجاهه، ليترجمَ لاحقاً ممارساتِ عنفٍ، وليواجه المرءُ أحد خيارين إما القبول أو الصدام.

التنافرُ في البلدان ذاتِ التركيبةِ التعدديّةِ والتنوع الطائفيّ والمذهبيّ والدينيّ والإثنيّ والقوميّ والعرقيّ، يعني فقدان أطيافِ المجتمعِ القدرةَ على التعايشِ المشتركِ والاحترام المتبادل، وتجعلُ الصراعَ محتملاً دائماً، فيما التآلفُ يعني القبولَ المتبادلَ ونسجَ علاقاتٍ عابرةٍ لأطيافِ المجتمع قوامُها المساواةُ الاجتماعيّة والقانونيّة والمواطنة، وترسيخ مفاهيم العيش المشترك والأمن المجتمعيّ وديمومة الاستقرار.

حلّ قضية الطائفيّة في إطار الدولة المدنيّة

لا يمكنُ حلّ مشكلة الطائفة إلا ضمن كيانِ الدولةِ الذي تنتفي الفوارقُ فيه، لأيّ سببٍ كان بما فيه الأغلبيّة العدديّة، ذلك لأنّ الكيانَ الوطنيّ كمثلِ سفينة يمكنُ تحديدُ نسبة الملكيّة فيما مسؤوليّة السلامةِ كليّة، وبذلك لا شيء يجب أن ينتقصَ من قيمِ المواطنة.

وما يجعل الدولة المدنيّة حلاً للطائفيّة هو توفر جملة من المعايير منها:

1ــ إنهاءُ الثقافةِ السياسيّةِ السائدةِ، فالدولةُ المدنيّة تشترطُ الحرية والمواطن الفاعل والمسؤولية، فيما تقوم الطائفيّة على الحتميّة والذوبان بالحشد والتاريخ والمواطن المنفعل والوصاية، ما ينعكس سلباً على الممارسة السياسيّة، وتنتفي العدالة والقيم الأخلاقيّة في معاملة الخصوم السياسيّين وتقوم على الثأر والأحقاد.

2ــ ترسيخُ العلاقاتِ التعاقديّةُ، فدولةُ الطائفيّةِ تقومُ على التبعيّةِ بالتلقينِ وإملاء الأوامر والفروضِ، وتُبررُها الأوامرُ بأمنِ الطائفة وسلامتها، في تناقضٍ مع أسسِ الدولةِ المدنيّة ويستبدُّ الاعتقادُ لديها أّنّها بقاءها هو رهنُ ضعفِ المكونات الأخرى، والتي تنغلق على ذاتها، وتختزنُ مشاعرَ معقّدة من الخوف والكراهية. وتقومُ دولة الطائفة على التقليد والولاء الأعمى للطوطم المتعارف عليه الذي يصبحُ موئلَ الرجاء. ومردُّ خشيتها من الديمقراطيّة، الحرصُ على الاستثناءات التي تتمتع بها.

3ــ تبنّي مبدأ الاعتراف، مقابل وعودِ التنظير ومأزق التفعيل: هناك نظرياتٌ مفاهيميّة وتصورات أعادتِ النظرَ في منظورِ الحداثةِ، ومن بينها مسألةُ التعدديّة الثقافيّة والإثنيات أو ما يُسمّى الطائفيّة، والتي عالجها الفيلسوفُ الكنديّ تشارلز تايلور انطلاقاً من براديغم الاعترافِ أو ما يسمّى سياسةِ الاعترافِ وهو براديغم غايته إعادة الاعتبار لذوات الأقليّات، واعترافٌ شامل وعام يتأسسُ على المساواة والعدل بين جميع المختلفين ويضمنُ اعترافاً بذواتهم. وبهذا السياقِ يُطرحُ السؤال “هل توجد في منطقتنا مساعٍ جادّة لمعالجة الطائفيّة السلبيّة بصورها الاجتماعيّة والسياسيّة وممارستها السلبيّة؟ وهل من سبيلٍ ليتناسى ضحايا السياساتِ الطائفيّةِ آلامَهم ومعاناتهم؟ وهل معالجة المشاكل الطائفيّة تتم عبر التسوية؟”.

4ــ دمجُ الطائفةِ: لا تُحلُّ إشكاليّةُ الطائفيّةِ من جهة واحدة بمجرد المقاومةِ والالتزامِ الثقافيّ، بل تحتاجُ لإرادةٍ وسياساتٍ عامةٍ يوجّهها وعي بالإشكالاتِ التي تطرحُها الطائفيّة واستمرارها، وعلى أن يتم تبنّي سياساتٍ دقيقةً لدمجِها وليس صهرها، أي دمجها على أسسٍ قانونيّةٍ وحقوقيّة تعترفُ لكلّ أقليّةٍ أو طائفةٍ داخلَ الوحدةِ الوطنيّة بحقها بالوجود.

وإذا كان من حقّ أيّ مكوّنٍ التمتع بهويةٍ تستوعبُ خصوصيته، فيجبُ أن يتمَّ ذلك دون الاستغراقِ في القراءةِ الرومانسيّة، وتبنّي بنيةً مفاهيميّةً ونظريات صِيغت في شروطٍ حضاريّةٍ مختلفةٍ نفسيّاً واجتماعيّاً وسياسيّاً عن البيئةِ والسياقاتِ التي تطورت فيها الطائفيّة. ولذلك يجبُ إيلاءُ الأهميّة للبعدِ النفسيّ، أي للشعورِ الفرديّ والجماعيّ بلغة غوستاف لوبون لتشخيصِ الرواسبِ والآثار والصورِ الذهنيّة والتمثلاتِ الجماعيّة التي يحملها المضطهدون داخل مجتمع توظف فيه الدولة من طرف طائفة لقمعِ باقي الطوائفِ.

اللامركزية حلاً لقضايا الهوياتِ الفرعيّةِ

أحد أهم الاستراتيجيات التي تستند إليها الدولةُ لفضِّ الاشتباكاتِ بين الجماعاتِ والسلطة المركزيّة، هو الاحتواءُ اللامركزيّ كأسلوبٍ مخالفٍ كليّاً لأسلوبِ الهيمنةِ، بتشجيعِ وتعزيزِ مبادئ ضمّ المجموعاتِ والطوائف، ويقوم على مبدأ الحوارِ، والجمع بين وحدةِ الهويةِ الوطنيّةِ واستقلاليّة إدارة موسّعة على مستوى الإدارةِ الذاتيّةِ، وكمبدأ سياسيّ فهي تقدّمُ مجالاً واسعاً لتقاسمِ للإدارةِ والثرواتِ والفرص، ويتمُّ توزيعُ السلطاتِ بتقسيمِ الحيّزِ الإقليميّ (على أساس جغرافيّ) إلى ولاياتٍ أو مقاطعات، ليس من الضرورة توافقها مع الانقساماتِ العرقيّة، وكلّ مقاطعة لها قدرٌ متماثلٌ من الصلاحيّةِ بحكمِ نظامِ المجلسين، وبتمكينِ السلطاتِ المحليّةِ والإقليميّةِ من الاستحواذِ على درجةِ من ذاتيّة الإدارةِ بالتوازي مع الثقة، وفي محاولة لخلق توازن جديد بين الدولة والمجتمع، تتحول الجماعات إلى اللامركزيّة أسلوباً لتنظيم العلاقات.

تختلفُ الأنظمةُ اللامركزيّة اختلافاً كبيراً فيما بينها من حيث تكوينها الاقتصاديّ والاجتماعيّ ومؤسساتها، وتتضمنُ تقسيماتٍ مختلفةَ الحجمِ والغنى، متجانسة أو متنوعة السكان. وتعتبرُ اللامركزيّة مدخلاً ملائماً وفعّالاً لمسائل الهوية، بغضِ النظرِ عن توافقِ التقسيمِ الإقليميّ مع التقسيمِ العرقيّ، ويؤكّدُ أنصارُ اللامركزيّة على أنّه إذا كانتِ الحدودِ بين المكوّناتِ اللامركزيّة متوافقةً مع الحدودِ بين المجتمعاتِ العرقيّة أو الدينيّة أو اللغويّة، فإنّ اللامركزيّة ستضبطُ حالاتِ التنازع وتمنعُ الصراعات الإثنيّة، عبر تفكيك ساحة الصراع إلى ساحاتٍ صغيرةٍ يمكنُ إدارتُها.

تتضمنُ اللامركزيّة قدرةً للتسويةِ والتوفيقِ بين الجماعاتِ المتنافسة والمتنوعة، وتكفلُ التنفيسَ عن حالاتِ الاحتقانِ السياسيّ، وتضع حدّاً أمام نزعاتِ التقسيمِ والانفصالِ مادامت علاجاً لقضية الهوية، وأما القولُ إنّها خطوةُ باتجاهِ الانفصالِ فيتصلُّ بهواجسَ افتراضيّةٍ، والصحيحُ أنّها تملأ فراغَ المطالبِ الحقوقيّة، فتفقدها دوافع الانفصال عبر حمايةِ اللغةِ والثقافةِ، والدينِ ووجودِ عقدٍ اجماعيّ خاصٍ بها وإدارةٍ ومواردَ في سياقِ عمليةِ تكاملٍ وطنيّ.

وأما احتمالات خروج القضية عن مسارها للصدام، فتتعلقُ بأسلوبِ التطبيقِ، يُضافُ إلى هذا مشكلة أخرى تتمثلُ بأنّ الوحداتِ الجديدةَ غالباً ما تكونَ متعددةً عرقيّاً أيضاً، والمسألة قد تحتاجُ معرفةَ وجهةِ نظرِ الجماعاتِ ضمن الإقليم، وما إذا كان التقسيمُ الإقليميّ أو السلطاتُ الممنوحةُ كافيةً، كما أنّ الانتماء للجماعاتِ الإثنية مسألةٌ ليست صارمةُ، وليس لها معيار معيّن أو مستوى ثابت بل يحكمها التوافقُ فقط، ولا يمكن الاعتقادُ بأنّ منظومةَ الولاءاتِ مسألة سهلة، بل معقّدة، فالانتماءُ لجماعةٍ ربما يكون اقتصاديّاً أو ثقافيّاً أو سلاليّاً أو أيديولوجيّاً أو دينيّاً، ولا يمكنُ نجاحها إلا إذا التزمَ كلّ فردٍ بتحديد واضحٍ لانتمائه.

تعتبرُ المصالحةُ الوطنيّةُ الحقيقيّةُ المدخلَ لتضميدِ جِراحاتِ الذاكرةِ، بتعميمِ الوعي بأهميّةِ المستقبلِ الذي توفّره الوحدةُ الوطنيّةُ مقابل الصراعِ الطائفيّ الذي يهدّد مستقبل كلّ الطوائف ووجودها، فيسود الخطابُ الطائفيّ المعولمُ والمضخّمُ إعلاميّاً وسياسيّاً، ليخدمَ بالعمقِ رهاناتٍ جيواسترتيجية وسياسيّة. ويجب ألا تُستنسخ الحلول والوصفات الجاهزة، بل إنّ كلّ بلد بإمكانه أن يبدعَ نموذجَه الخاص بتجاوز الانقسامِ الطائفيّ من أجل المستقبل وتعزيزِ الذات.

من المهم أن تؤدّي المصالحةُ الوطنيّةُ إلى تسكينِ الهواجسِ وإجراءاتِ الثقةِ المتبادلةِ، وأن تقوم على التزامِ كلّ طائفة بالتخلّي عن “الهوسِ الهووي” كما يسمّيه الباحث فتحي المسكيني، أي أن تظلّ الطائفةُ منغلقةً على ذاتها نرجسيّاً ولا تفكرُ إلا في ذاتها، بل تضع حداً للذاتِ النرجسية وتنظر إلى نفسها من خلالِ الوحدةِ الوطنيّةِ، ففي النموذج الهنديّ رغم تعددِ الطوائف فيه فإنّ الإمكانيةَ متاحةٌ لقيامِ نظام دستوريّ يضمن المساواة للجميع على أساس مبدأ الكفاءةِ والاستحقاقِ.

العلاقة بين المواطنةِ والهويةِ

الهوية هي الخصوصيّة التاريخيّة والثقافيّة التي تجمع بين أفراد الوطن الواحد وينتج عنها إحساسُ هؤلاء الأفرادِ بالانتماء إلى أمةٍ معينةٍ والارتباط بوطنٍ معينٍ وتكوين نسيجه المتجانس والمشاركة والتأثير في أحداثه وصناعة مستقبله.

شغلَ موضوعُ الهويّةِ والمواطنةِ حيّزاً لافتاً في الثقافةِ والفكرِ، وفي دراسات علوم السياسة والقانون والاجتماع، وخصوصاً في ظلّ الجدل الذي ارتفعت وتيرته منذ ما يربو على ربع قرن، في إطار مجتمعاتٍ متعدّدةِ التكويناتِ والهويّات، أو في إطارِ احتدامِ المصالحِ الدوليّةِ والإقليميّةِ.

كان لانهيارِ الأنظمةِ الشموليّةِ وبخاصةٍ في أوروبا الشرقيّةِ أثرُه الكبيرُ في انفتاحِ الصراعِ بين هويّاتٍ فرعيّةٍ ما دون وطنيّة، الأمرُ الذي عرّض بعضَ الكياناتِ الكبرى للتصدّع والتآكل، وأصبح الإقرارُ بالتعدّديّة والتنوّع الثقافيّ والقوميّ والدينيّ واحترام حقوقِ الهويّاتِ الفرعيّةِ وخصوصيّاتها، مسألةُ كونيّةُ. وبهذا الشكل تعرّضتِ الدولةُ الوطنيّةُ العربيةُ، بسببِ فشلها بتحقيقِ الديمقراطيّة والعدالة والمساواة للتمزّق والتشظّي، وصعود هويّات فرعيّة فيها.(8)

ترتبط الهوية بالمواطنة ولا تنفصلُ عنها، ولذلك فإنَّ التركيز على عناصر الهوية المشتركة – التاريخيّة والثقافيّة -بين أبناء الوطن الواحد يغذّي الإحساسَ بالمواطنة والانتماء والاندماج الوطنيّ. ويرتبط بذلك أهمية التركيز على عناصر الهوية المشتركة التي تتقدم على الهويات الجزئيّة كالدين أو اللون أو العرق أو النوع أو الانتماء لمنطقة جغرافيّة قد تكون لها خصائصها الثقافيّة الجزئيّة.

من أكثر المشكلات التي تعيشها مجتمعات الشرق الأوسط قيام مصادرة أحد المكونات لكامل الحالة الوطنيّة (الحكم الشموليّ) بحيث يكون الولاء للوطن تنازلاً لهذا المكون وتمكيناً له بمزيد من السيطرة، فتصبح الحالة الوطنيّة مقاسة بحجم هذا المكون، ما ينطوي على اجتزاءٍ الوطنيّة، وإحساس مجموعات وطنيّة بانتقاص المواطنة -حتى لو وُجدت نصوصٌ دستوريّةٌ تدعمُ وطنيتهم الكاملة ولكنها بقيت دون تفعيلٍ قانونيّ وثقافيّ لمبادئ المساواة المنصوص عليها قانوناً– لأنها تخضعُ لتأويلِ المكوّنِ السائدِ، ما يؤدّي إلى عزلِ المجموعاتِ وتهديدِ تماسكِ الدولةِ وإضافة اعتبارٍ جديدٍ لاعتباراتِ الأمنِ القوميّ، وبخاصةً إذا كانتِ الفئاتُ المهمشةُ غير مندمجةً جغرافيّاً بالدولةِ بل ترتكزُ بمناطقَ جغرافيةٍ محددةٍ. ما يزيد شعورَ العزلةِ، ويعزّز الشعورَ بالانتماء للمنطقة الجغرافية المحدودة، دون الوطن، والحالة السوريّة نموذج لذلك.

يزيدُ التأكيدُ على الهويةِ المشتركةِ بأبعادها الكليّةِ من شعورِ المواطنِ بأنّه مواطنٌ أصيلٌ متمتعٌ بكاملِ حقوقِ المواطنةِ بمقابلِ الشعور بأنّه مواطن مقيم في إطار من العزلة والمواطنة المنقوصة، لا يشارك في أحداثِ الوطن الحاضرة ولا دورٍ له في تاريخه ولا أملَ له في صناعة مستقبله.

هل الهويةُ الإسلاميّةُ بديلة للهوية الوطنيّة؟

لا استقرارَ مجتمعيّ ولا صيانة لمكتسبات الوطنِ بدون مواطنةٍ فاعلةٍ، كما لا مواطنة حقيقيةً بدون قدرٍ كافٍ من الوعي بالهوية الوطنية داخلَ كلِّ فردٍ بالمجتمع، فالشعور بالانتماءِ للوطنِ هو المُولّدُ الطبيعيُّ لقِيَم الولاءِ للكيانِ السياسيّ السياديّ.

ما يمكن أن نستشفه من خصائصُ الهويةِ الإسلاميّةِ من خلال التنظير وكتابات الإسلاميين نجدها تتمايز مع الهوية الوطنيّة وتعرّف نفسها بأنّها هوية ربّانية، عابرة للقوميات الحدود السياسيّة.

ويمكن لأيّ متابعٍ لأدبياتِ الحركاتِ الإسلاميّة أن يجدَ أنّ تعريفَ الهويةِ مستغرقٌ في العموميّة والضبابيّة ومُتلبسٌ في كثيرٍ من الإشكالياتِ التي جعلتِ البيئةَ الإسلاميّةَ مناقضة لاحتضان الدولة وحمايتها من السقوط. وباي عبارة أخرى لم يثبت أنّ الدين كان مشروع دولة. وكل الكيانات التي نشأت باسم الدين كان حالات استثمار لإضفاء القداسة على النظام القائم. ولا يدرك كثيرون أنّ هذا المعنى بالضبط الذي قصده الإمام علي بن أبي طالب فرفضَ كلِّ الدعواتِ للمطالبةِ بمسندِ الخلافة، فالفرقُ بين الخلافةِ والإمامةِ هو الفرقُ بين السلطةِ الزمنيّةِ والروحيّةِ.

لكنّ تعريف الهوية على وضوحه وبساطته، أخذ لاحقاً بُعداً أيديولوجيّاً مع ظهورِ حركاتِ الإسلامِ السياسيّ كالإخوان المسلمين، ونظريات من قبيلِ ولاية الفقيه، واكتسب دلالاتٍ مشبّعةً بالأطروحات المتأثّرة بالحداثة الغربيّة التي كان من أبرز إنتاجاتها السياسيّة ظهور القوميات اليمينيّة المتطرّفة كالفاشية والنازية، ومحاكم التفتيش الإسلاميّة والقتل على الهوية بإسنادٍ من تأويل للنص المقدّس.

من المهمِ إعادةُ تعريفِ “الهوية” عند الإسلاميين، إذ أنّ ذلك من شأنه تفكيك جزءٍ من الأيديولوجيات الرافضة للدولة الحديثة، كونها في الموروث الجمعيّ للأطروحة الإسلامويّة منتجاً غربياً مريباً زُرع في المجتمعاتِ المسلمةِ لتمزيقها وإبعادها عن وحدتها وكينونتها الطبيعيّة.

الهوية، عند هؤلاء، مُرادفة للدّين، ولا يمكن الفصل بينهما إلاّ أنهم انقسموا إلى تيّارين: تيّار رافض مطلقاً الحديث عن هوية أخرى غير إسلامية، معتبراً الدعوة إلى الهوية القومية مثل “الفرعونية” أو “الفينيقية” هي دعوة مُضادّة للإسلام ومنافية له. وتيّار آخر أقرّ بوجود هويّات فرعية، لكنه دعا في المقابل إلى عدم التعصّب لها على حساب الهوية الأمّ أيّ الإسلام. فالإسلام أذاب الفروقات بين الشعوب وربط بينهم على أساس واحد وهو التقوى، حينما اعتبر أن الجميع ينحدرون من أصل واحد وأنّه لا فرق لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.

والهوية، وفق هذا التوصيف، تبدو معطىً جاهزاً قائماً مقدّسة لا مجال لمراجعتها، نظراً لأنّ النص المقدّي بخاطب الإنسان من سويّة أعلى تشعره بالصَّغار والدونيّة فيما هو يمثل المطلق، ووفق هذه الهوية يكتسب الأهمية والتسامي، جانبٌ مهم من الهوية يقوم على الطابع العفويّ والعاطفيّ، والرفض أو القبول المُطلقين. والهوية القائمة على الثباتِ والمُطلق يؤسّس لفكرة “الحقيقة المُطلقة” خارج مفاهيمِ التعدّد والتغاير، فيما يُفترض أنّها وعيٌ ذي طابعٍ ديناميّ وحيوي منفتح على التباينِ والاختلافِ، وهي إدراكٌ نقديّ مُنفتحٌ على الآخر وتتشكّل في إطارِ صيرورةٍ وبناءٍ متواصل ومجدّدٍ للذاتِ.

دولة الإنسان

قضية الهوية لا تًحلُّ بمجرّدِ تحقيقِ مطلبِ الديمقراطيّة، بل بربطِها بمشروعِ الأنسنة، وتجاوز الطائفةِ والعرقِ، فتجعلُ الإنسانُ مركزاً للدولةِ وغايتها، فلا يتقدمُ على حقوقِ الإنسان شيءٌ، ما يضمن إعلاءَ قيمةِ الإنسانِ وقدسيّةِ وجوده وتمجيد قدراته العقليّة واحترام خياراته، والمساواة بين الناس، وبالمحصلة الوصول إلى دولةِ الإنسانِ، ويجب ألا يقود الإقرار بالتنوعِ بالوطن إلى تعميقِ وتجذيرِ الاختلافات ولا إلغائها، بل توطينِ هذا التنوعِ واعتباره مصدرَ غنىً وطنيّ، فدولةُ الإنسانِ تعدديّةٌ، لا تسمح لأحدِ مكوّناته (دينيّ، سياسيّ حزبيّ، قبليّ وعشائريّ، أقليّة أو أكثريّة)، بالهيمنةِ على البلادِ والعبادِ، كليّاً أو جزئيّاً، بشكلٍ دائمٍ أو مؤقتٍ. ولا تتحققُ التعدديّةُ بشكلها الصحيح إلا في ظلِّ إداراتٍ لا مركزيّة وعدم خضوع المجتمعِ لسيطرةِ الحكومة أو أيّ طبقة.

دولةُ الإنسانِ هي الأقدرُ على احتضانِ حقيقيّ لتعددِ الهويّاتِ، ومعالجة الطائفيّة، في احتضانٍ استراتيجيّ دائمٍ، وليس من قبيلِ سياسةٍ استيعابيّةٍ والمناورةِ السياسيّة، لأنّها دولة جامعة وموحّدة ترعى الاختلاف وتمنعُ الخلافَ وهي ناظمٌ لتطبيقِ القواعدِ القانونيّةِ، من غير انغلاقٍ أو احتكارٍ، فلا تتحاملُ أو تُقصي طائفةً أو حزباً، ولديها من المرونةِ عبر آليةِ الحوارِ الوطنيّ أن تتجاوزَ المشكلاتِ وتؤطر الحلَّ قانونيّاً. وكلّ تغيير عميقٍ في جوهرها يكونُ على أساسِ الحوار الوطنيّ، والمشاركة الجماعية للمختلفين في صياغةِ وتغييرِ قواعد إدارة الشأن العام، الذي يصيّر شأناً مشتركاً يهمّ مصير كلّ المكوّنات والطوائف التي تتخلّى تدريجيّاً عن العصبّيةِ لصالحِ الدستوريّة، وعن العرفِ لصالحِ القانون، وعن التمركّز الذاتيّ لصالحِ الغيريّةِ وعن العاطفةِ لصالحِ العقل.

“باروخ سبينوزا” أول من نظّر لدولةٍ وطنيّةٍ تُعامل الناس دون النظر لخلفياتهم الدينية أو العرقية، وتصدّى لموضوعِ التسامح، في كتاب “رسالةِ في اللاهوت والسياسة” المنشور باسم مستعار عام 1670وهو عبارة عن بيانٍ فلسفيّ وسياسيّ ضد الصراع الطائفيّ، حتى لا يخلط الناس بين البدع الإنسانية والتعاليم الإلهية، أو بين التصديق الساذج والإيمان الصادق وبين الإحساس الطبيعيّ بالعدل والخير أو بين الفتن والمصادمات بين الطوائف باسم الدفاع عن الدين. وتقوم الفلسفة السياسيّة لدى سبينوزا على مصادرة أساسيّة مفادها أنّ الأنظمة السياسيّة ليست أنظمة طبيعيّة بل هي أنظمةٌ مبتكرةٌ، صنعها الإنسانُ من أجل تحقيقِ بعض الأهداف. ويرتبط عنده الدافع إلى تأسيسها بالطبيعة الإنسانيّة تتحدد فلسفته السياسيّة، إذن، بتصوره للطبيعة الإنسانيّة، منها استنبط مبادئها وغاياتها، وعليها أسس مفهومه لطبيعة النظام السياسيّ الصالح للبشر.

موضوع التسامحِ لم يعد الفرد بل حقوق الإنسان التي يمكنه التمتّع بها داخل الجماعة التي ينتمي إليها، وجاء الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان عام 1948 بمثابةِ تغييرٍ في براديغم النقاشِ حول التسامح، وهذه المرة على مستوى الإنسانيّة. وورد بالفقرة 18: “لكل شخص الحقّ في حرية التفكير والضمير والدين، ويشملُ هذا الحقُّ حريّة تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سراً أم مع الجماعة”.

ويقول هابرماس “لا يمكن أن تتعايشَ الحقوقُ أو الحرياتُ إلاّ داخل تصوّر يحترمُ تعددَ رؤى العالم الثقافيّة أو الدينيّة. إنّ التسامح هو وضع حدوديّ بين نماذج عيش حوّلت تبادل الحقوق الدستوريّة إلى سلوكات أخلاقيّة في فضاء عموميّ متقاسم بين مواطنين متساوين”.(9)

لا تُختزلُ وظيفة الدولة بالأمن والاستقرار، بل وظيفتها الأهم تحريرُ الموجودات العاقلة من الخوف وصيانة حقّهم بالتفكير والاعتقاد، وهي القضايا التي يجبُ طرحُها في مجتمعاتنا، ولتجاوز هذا المأزق تُطرحُ الوطنيّة الدستوريّة ودولة المواطنة الحقيقيّة فتلتزمُ الدولة الحياديّةَ تجاه انتماءِ المواطنين وهوياتهم الثقافيّة، بمعنى حياداً عادلاً فلا أحدَ فوق القانون، والفرص والإعلام والتعليم والصحّة والخدمات والتوظيف متاحة للجميع دون تفرقة بين المواطنين. ووفق الحيادِ الموضوعيّ تأخذ العدالة مجراها بين المواطنين بموضوعيّة، ولا تشعر فيها أيّ طائفة أو جماعة بالاستبعاد أو التهميش أو الانتقاص في كرامتها ومعتقدها ورموزها، فالوطنيّة الدستوريّة باعتبارها حلاً لمعضلةِ الطائفيّة تقومُ على دستورٍ ونصوصٍ واضحة لا تفتح الباب لتناقضِ التأويلات بل إنّها تقوم على الوحدة والانسجام، وإن اقتضى الأمرُ تأويلاً فيجبُ أن يكون لصالحِ الديمقراطيّة والتعدديّة والاختلاف والحرية.

لا تُفسرُ مشكلةُ المنطقة بنظرية “صدامِ الحضارات”، ولا ما سبقه من صراعاتٍ مذهبيّةٍ وقبليّةٍ وولاءٍ للفكرِ الاستعماريّ والعنصريّ الضيّق البشع وذهنيّة شديدة التطرف والفرديّة، بل المشكلة تكمنُ بين نزعتين: الأولى تتلهفُ إلى تلقفِ المستوردِ من توجّهاتٍ دينيّةٍ ومذهبيّةٍ وعرقيّةٍ وقوميّةٍ وكذلك ثقافيّة وفكريّة وحزبيّة، والنظريات الغربيّة، والرهان عليها. والثانية تستبدُ بها رغبةٌ جامحةٌ للحفاظِ على التاريخِ بكلّ تناقضاته ورفضِ تغيير واقع قائم منذ قرونٍ طويلةٍ وإسباغ الكمال عليه.

تتعلقُ شعوبُ الشرق لدرجة كبيرة بماضيها وتصرُّ على قداسته وتنزّهه من العيبِ والنقصِ، وعلى هذا الأساسِ تشكّلتِ الجماعاتُ والطوائف وحتى الأحزاب، وأضحى الموقفُ من حوادث وشخصياتٍ معينةٍ من الماضي معيارَ التواصل والانقطاع، التعاون أو العداء، على أنّ الكلَّ تماهوا في التاريخِ لدرجةِ إحيائه وكأنّها تعيشها مجدداً ولم تعِ العاملَ الزمنيّ وضروراتِ المرحلة، فأضحى التاريخ عبئاً ثقيلاً على الحاضر يكبّله ويخنقه، وفيما يطرحُ الآخرون مشاريعهم المستقبليّة ويواصلون تنفيذها عبر رسم الخرائط، تحوّلتِ الجماعاتُ الماضويّة إلى أدواتٍ في إطارِ مشاريع الآخرين من حيث لا تعلم.

يستمرّ الخلافُ بسبب عدمِ التصالحِ مع الحقيقة التاريخيّة، وبذلك فإنّ الإشكال يبدأ من تجاهلِ عدم التجانسِ البدئيّ بين وافدين وأبناء المناطق، والإصرار على إسلاميّةٍ مصر والتنكر للأصول القبطيّة والمصريّة القديمة (الفرعونيّة) بالبعد الحضاريّ وهم السكان الأصليون. والأمر نفسه بالنسبة لملايين الكرد في سوريا والعراق، والشركس في الأردن والعلويين والإسماعيليّة وهو حال السريان والآشوريين والأرمن في سوريا، والبربر والأمازيغ بالمغرب، والأرثوذكس السوريين، والمسيحيين جنوب السودان وأريتريا. وليصبح أبناء تلك الشعوبِ أقلياتٍ باعتماد مبدأ الغلبة العدديّة.

وفقط عندما تدركُ مجتمعاتنا مفهومَ الزمنِ وتمتلك جرأة مراجعة التاريخ وحكاياته الكبرى وتشكّل متنَ سردياتهم، برؤيةٍ نقديّةٍ تعي ظرفيّة الحدثِ وتتخلّى عن نظريةِ التاريخ المجيد وإسباغِ الكمالِ المطلقِ عليه، عندئذ يتحول هذا الوعي إلى قوةٍ محرّكةٍ للحياةِ.

الهويةُ عمليةٌ ديناميّةٌ متغيرة بفعلِ ضغطِ التحوّلاتِ والمستجداتِ الحضاريّة والمجتمعيّة، وهي ليست عملية مغلقة أو ثابتة أو إرث وإنما هي التحليل النهائيّ وحصيلة إبداعٍ مستمرٍ للفرد والمجتمع بمواده التراثيّة ويتم تغذيتها بصورة واعية ومنفتحة على الإسهامات الخارجيّة وتستوعبها وتنتقي منها ما يناسبها، ولا تنكفئ على ذاتها فلا تأخذ موقفاً متخشباً من حركة التاريخ، بل تعي صيرورته.

الهوية الوطنيّة… سوريا نموذجاً

تأتي مسألة الهوية الوطنيّة كأحد أهم التحديات الثقافيّة على المستوى الوطنيّ، ويزداد حجم التحدّي خطورة في البلدان ذات التنوع العرقيّ الإثنيّ، إذ يحتاجُ بناءُ الهويةِ إلى أفكارٍ نظريّة وآلياتِ عمليّة تكفلُ الانتقالَ السلسَ من غير تناقضٍ، من الهوياتِ الفرعيّةِ إلى الهوية الوطنيّة.

طرحتِ الأزمةُ السوريّةُ قضيةَ الهويةِ الوطنيّةِ بقوةٍ، وكشفت عن أزمة عميقة في تعريفها، وكان واضحاً الاختلاف حول تحديد ثلاثيّة المفاهيم الجوهريّة (الوطن، الدولة، النظام)، وبات واضحاً عدم التطابق بين الانتماء الوطنيّ والولاء، فيما حضر الولاء المذهبيّ والطائفيّ بقوة، على حساب انحسار الولاء الوطنيّ، كما مورست الوصاية على الهوية الوطنيّة، وفرض على مكوّنات وطنيّة التنازل عن خصوصياتها شرطاً مسبقاً للبدء بالحوار الذي يفقد ضرورته حينها.

بعد سنوات من الصراع الدمويّ في سوريا يتأكد لنا أنّه لم تُبنى الهويةُ الوطنيّةُ السوريّةُ، رغم حيوية المسألة، ولم ترتقِ إلى مشروعٍ متكاملٍ على المستويات السياسيّة والثقافيّة والاجتماعيّة، وبقيت القضايا المتعلقةِ بالهويةِ الوطنيّة محكومة بالهواجسِ ومهملة عمداً، ما طرح عناوين لمشاريع ما دون الهوية الوطنيّة (الطائفيّة والمذهبيّة والعشائريّة)، كما طرحت مفاهيم لهوية ما فوق الوطنية، كتلك العابرة للحدود كالقوميّة والدينيّة والأمميّة وحتى التوجهاتِ الليبراليّة، وبقي مفهوم الهوية الوطنيّة السوريّة أحاديّ البعد وحُصّن بالمؤسسات الأمنيّة.

التحرر من منطق الاختزال والمشاريع الخارجيّة المطروحة والعمل على استيعاب حالة التنوع الثقافيّ والتاريخيّ، وتكوين رؤية مشتركة بين جميع مكونات الشعب السوريّ هو السبيل لبناء هوية وطنيّة لسوريّة،

ما يحدث في سوريا على المستوى الفكريّ خلال عقدٍ مضى، هو إعادة مكثّفة للقرن الماضي، لجهة طرح مسألة الهوية السوريّة، ولكن باختلافِ الدوافعِ، فقد سادت فيما مضى مشاعرُ القصورِ والعجزِ نتيجة الاستعمار والاضطراب السياسيّ، إذ أدركوا أهميّة موقعِ بلادهم، وأنّها بحاجة للارتباط بمصادرِ القوةِ لحمايتها، على أن يلعبوا دوراً مهماً داخل فظهرت توجّهات مختلفة لبناء الهوية السوريّة ما جعلَ التنظيرَ يتوجّه إلى ربطِ الهويةِ السوريّةِ بهويات أوسع لاستمداد القوة منها، فظهرت تياراتٌ متباينةٌ (قوميّة، دينيّة، أمميّة، جغرافيّ إقليميّ):

ــ التوجّه الإسلاميّ: ويستمدُّ جذوره من عُمقٍ تاريخيّ سابقٍ، مدفوعاً في لا وعيه بشعور الفَقدِ بانهيارِ الخلافةِ الإسلاميّةِ ممثلة بالعثمانيين ورأسُ حربةِ هذا التوجه كان تنظيم الإخوان المسلمين الذي تأسس بعد سقوط الدولة العثمانيّة، ودعا لعودةِ الخلافة الإسلاميّة في أحدِ الحواضر الإسلاميّة الكبرى (القاهرة أو إسطنبول)، وافترض بقيامها يمكن احتواءُ كلِّ الهوياتِ الأخرى، على أن تتعاطى إداريّاً بأسلوب الخلافاتِ الإسلاميّةِ أو الدولةِ العثمانيّةِ (ولايات) أي إداراتٍ ذاتِ استقلالٍ ذاتيّ مرتبطةٍ بالمركزِ، وبذلك يتمُّ تجاوز الاختلافات القوميّة، وتخرجُ دولةُ إسلاميّةُ قوية إلى حيّزِ الوجودِ.

ــ التوجّهُ القوميّ العربيّ: وكان ردّةَ فعلٍ مباشرةٍ على سياسة التتريك التي مورست بحقِّ السوريين على يدِ القوميين الأتراك وحزب الاتحاد والترقّي، وتبلور التوجّه القوميّ على شكلِ أحزابٍ قوميّةٍ في مقدمها حزب البعث. ومن بعد التيار الناصريّ، كان التوجّه القوميّ العروبيّ هو السائد حتى مرحلة الستينات عندما تلقّى ضربةً قويةً وانكشف ضعفه في نكسة حزيران 1967 حيث فقدَ المواطنُ العربيّ ثقته بالمشروعِ القوميّ فكان الانكفاءُ إلى الأطرِ الوطنيّة، وصولاً إلى توقيعِ اتفاقات السلام مع إسرائيل، وبذلك كسبتِ التوجّهاتُ الإسلاميّةُ نقاطاً لصالحها وإن لم تصل إلى السلطة.

ــ التوجه الاشتراكيّ (الشيوعيّ): جاء الاستقطاب الشيوعيّ الأمميّ بعد الحرب العالمية الثانية، وامتدّ على عدة قارات وشكّل القطب المقابل للمعسكر الغربيّ الذي انضوت فيه الدولُ التي استعمرت البلاد العربيّة، عربيّاً جاء التوجّه الأممي على حسابِ المشروعين القوميّ والإسلاميّ إذ لم يحققا تقدماً ملحوظاً.

التوجّه السوريّ الإقليميّ: ونادى به الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ بزعامة أنطون سعادة، ووفق منظور الحزب تشملُ الجغرافيا السوريّة مساحات أكبر مما هي عليها سوريا الحالية، وتمَّ تداول مصطلح سوراقيا ليضمَّ سوريا والعراق ولبنان والأردن وفلسطين والأجزاء التي ضمّتها تركيا، وبذلك يكون قد لملم شعثَ المنطقةِ، على أساسٍ جغرافيّ، واعتبارِ المنطقة نتاجاً حضاريّاً تعدديّاً في مراحل مختلفة.

الأزمة السوريّة وقضية الهوية

لم تنتهِ صراعاتُ العربِ عبر التاريخ، رغم أنّهم يتحدثون اللغة العربيّة ويدينون بالدين نفسه منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، ويعيشون الجغرافيا اللغويّة نفسها، وهم لا يتفقون رغم أنّ حوامل الثقافة هي ذاتها، ولا نجد الانتصارَ للعروبةِ واللغةِ ومقوماتها إلا عندما يتعلَّقُ الأمرُ بقومياتٍ أخرى تشاركُهم الجغرافيا ذاتها، وتُحاكمُ كأنّها حالاتٌ طارئة على التاريخِ والجغرافيا. رغم أنّ التشاركيّةُ حقيقةٌ ثابتةٌ في الماضي، وهي كامنةٌ في الذاكرةِ الجمعيّةِ لكلِّ هذه القوميّات والأعراق والبيئات الاجتماعيّة والحضارية، إلا أنّ عواملَ الخلافِ تعطّلها وتغذّيها اتجاهاتُ السياسةِ والسلطةِ.

الواقع السوريّ الثقافيّ لا يختلفُ عن الواقعِ الثقافيّ بالعالم العربيّ، فالقوميّاتُ الأقل عدداً (الكرد والأرمن والسريان والآشوريين والبربر والأمازيغ….) ضمن الكيانِ السياديّ للدولة وباسمها عليها أن تتخلى بنسبٍ ملحوظةٍ عن اعتباراتِ خصوصيّتها (اللغة والثقافة والفلكلور والتراث) وتتماهى تماماً في الثقافةِ العربيّةِ. وبذلك نكونُ نحن أمام حالةِ تثبيتٍ لشعورِ الاستعلاءِ القوميّ للحدّ الأقصى بالنسبة للتوجّهات القومويّة للسلطة الحاكمة، والنتيجة أنّ كلّ مطلبٍ بإحياء ثقافة أو أيّ لغة ما عدا العربيّة يُصنّفُ في خانةِ الانفصالِ والتمردِ، وبالتالي لازالتِ المسافةُ بعيدةً للوصولِ للشراكةِ السياسيّةِ.

ولتجاوزِ آثارِ الأزمةِ السوريّة بعد صدمة الإرهاب، من المهم جداً تعزيزُ الانتماءِ الإيجابيّ الإراديّ والحرِّ والمعاصر، لكلّ القوميات والمكوّنات على أنّها عواملُ تنوعٍ وغنىً، والإقرار بأنّ هويتها الثقافيّة القديمة جزءٌ من الهويةِ الوطنيّة الإنسانيّة. ووضعُ حدٍّ للانتماء السلبيّ الإراديّ، في ظلِّ التوصيفات العدديّة (الأغلبيّة والأقليّة) وإنهاءُ وصايةِ البعضِ على الآخر تحت أيّ مسمّىً (قوميّ أو دينيّ) إذ تنطوي على التباين وتشكّل مدخل الاستثمار والتوظيف السياسيّ (الداخليّ والخارجيّ، والاستعماريّ).

والحلَّ التصالح مع التاريخ وقبولِ الواقعِ الديمغرافيّ الحالي على أنّه نتيجة تاريخيّة عبرت القرون وأخذت صورتها الحالية، وإقامة نظامٍ ديمقراطيّ تعدديّ وشراكة سياسيّة حقيقيّة، ووضع حدٍّ للاستعلاء القوميّ والامتلاء الدينيّ، والذي كان السببَ المباشرَ للعدوان التركيّ على عفرين فاستهدف الجغرافيا والتاريخ والتركيبة الديمغرافيّة، وقبل الحديثِ عن صمتِ الغرب ودول العالم كان صمتُ السوريين وأخوة التراب وكثيرٌ من المرتزقة هم واقعاً من السوريين ممتلئون بالولاء المقدّس لأردوغان فيما الولاء لسوريا معتقل في المذهبيّة والمناطقيّة.

الهوامش:

  • كتاب التعريفات، الشريف الجرجاني، ص278
  • إنسانية البشرية والهوية البشرية، إدغار موران، ص193
  • الهوية والحرية نحو أنوار جديدة، فتحي المسكيني، ص12
  • أزمة الهويات، كلود دوبار، ص375
  • فتحي المسكيني، المصدر السابق
  • مدينة الإسلام في مواجهة عولمة الإرهاب، زهير الخويلدي، ص178
  • يورغن هابرماس، مقدمة قصيرة جداً
  • الهوية والمواطنة، البدائل الملتبسة والحداثة المتعثرة، عبد الحسين شعبان
  • مقالة بعنوان” التسامح الديني بوصفه ناظماً للحقوق الثقافية 2002.

عن الشرق الأوسط الديمقراطي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مُقاربةٌ تأويليّة لقراءة مفهوم الهُويّة

سليمان محمود/ سؤالُ (الهويّة) و(مَن نحنُ بالضبط) مُحيّرٌ ويثيرُ الكثيرَ من التساؤلات، ...