الرئيسية / مواضيع أخرى / الأحزابُ الإسلامية المتشددة “اشتباكات مع الحداثة – بيئة مغلقة تعرقل الحلّ في الشرق الأوسط وتأجج الصراع السني/الشيعي”-2-

الأحزابُ الإسلامية المتشددة “اشتباكات مع الحداثة – بيئة مغلقة تعرقل الحلّ في الشرق الأوسط وتأجج الصراع السني/الشيعي”-2-

جوان عجك /

المحور الثاني:

تمهيد

إن كانت الحركاتُ الجهادية والتنظيماتُ الإسلامية أنتجت مشروعاً في سياق الحداثة والدولة الحديثة يختلف جذرياً عما تصبو له, أي بمعنى آخر استطاعت مفاهيمُ الحداثة أن تبتلعَ تلك التنظيماتِ وتقولبها في أشكال مختلفة، وهذا ما حاولنا أن نسلط الضوءَ عليه بشكل مفصّل في المحور الأول. إلا أننا لا يمكن أبداً أن نتغافل عن عوامل أخرى مهمة أنتجت تلك التنظيمات الدموية والتي طبعتها بذا تانية ذات نزعة عدمية لم تستطع فيه تجاوز الماضي ولا استحضار نموذج آني مشرق, ولا أن تقاوم أو تمتلك أدوات المقاومة لعوامل خارجية تلاعبت بها كما تريد.

«في العمق البنيوي الفكري وإشكالية الحركات الجهادية « الإخوان أنموذجا للمؤسسة اللاهوتية المنتجة لجميع الحركات الجهادية السنية / حزب الله التوصيف السياسي الأعلى للمهدوية الشيعية»

– داخل الإخوان المسلمين «الدين والهوية والسياسة»

ما نحاولُ الإضاءة عليه في الحديث عن الإخوان المسلمين هو تفكيك عملية إنتاج الفعل الجماعي للحركة من الداخل, والأدوات التي تستخدمها الجماعة لإنتاج الفرد الإخواني والعمليات الداخلية التي تساهم في بناء الهوية لأعضاء الجماعة, والتي ترسم أنماطها السياسية والاجتماعية الخارجية ومعضلاتها, بدلاً من التركيز على السلوك الخارجي. اختيارُ هذا الأسلوب للتعامل مع معطى الإخوان المسلمين تنبع أهميته بأنها كجماعة تعتبر المصدر الأول لإنتاج باقي الحركات الجهادية, لذلك تجدر الإضاءة على هذا التكوين الفردي / الجماعي بهذا الشكل المجهري الدقيق لمعرفة آلية البرمجة التي تتم في عملية تفريخ الأفراد والجماعات الجهادية.

1 – تأثير الإرث الفكري لحسن البنا في مسألة الهوية

إنّ كتاباتِ البنا ورسائله من أهم أدوات عملية التنشئة داخل قسم التربية بالجماعة, حيث مثّل انهيارُ «الخلافة الإسلامية» ونمو الاتجاه الفكري- المؤمن بالنهضة والحداثة على أساس القومية المصرية لا الإسلامية- بيئةً خصبة لتخمّر فكرة تأسيس جماعة الإخوان المسلمين لإعادة الخلافة, وقد ازداد الأمرُ حدة بعد إصدار شيخ الأزهر «علي عبد الرازق» كتابه (الإسلام وأصول الحكم) الذي نسف فيه رواية أن تكون الخلافة من الخطط الدينية, إذ اعتبر أن الإسلامَ لم يحدد شكلاً معينا للحكومة, واعتبر البنا أن الأشدَّ ملاءمة لاستعادة الخلافة هو التركيزُ على تغيير المجتمع, واتّبع في ذلك نموذجَ التغيير من أسفل القائم على إدماج التعاليم والقيم الإسلامية في كل مناحي الحياة اليومية للفرد, ورأى أن تبدأ العمليةُ من بناء الفرد المسلم, ثم الأسرة المسلمة ثم المجتمع المسلم وصولاً إلى الحكومة الإسلامية وأستاذية العالم.

بالإضافة لنموذج آخر يقوم على خلق نمط معين من الهوية الإخوانية، معتمداً على تضامنهم وبروزهم وحدة متماسكة.

يقوم تصوّر البنا لعملية بناء الهوية على دور الجماعة في ضمان انتقال الأعضاء من الذات إلى التغلغل في المجتمع ثم إلى الفعل الجماعي مرتكزاً على ثلاث دعائم هي: شمولية الإسلام لكل مناحي الحياة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية، والثانية على المرونة والتكيف لضمان البقاء، والثالثة الإيمان بشمولية المنهج الإسلامي لكل شيء وهو ما أطلق عليه» القابلية للتطبيق.

2 – الاستقطاب والتجنيد

تتمثل المرحلة الأولى في نشرة الدعوة وتقوم بالأساس على تحسين صورة الجماعة في الأوساط الجماهيرية وتعتمد على الحملات الإعلامية والخُطب المسجدية والمحاضرات العامة.

والمرحلة الثانية وتقوم على نشر فكرة الإخوان المسلمين من خلال التركيز على الأقارب، الأصدقاء والجيران ورفاق العمل والدراسة، بمعنى أنها تقوم على العلاقات الشخصية للدوائر الصغيرة المحيطة بالعضو، والمرحلة الثالثة التركيز على الدعوة الفردية وتقوم على خمس خطوات:

_ التلقين وتغيير سلوك الفرد تدريجيا خلال بناء علاقة خاصة بين العضو والعضو المحتمل.

_ الانتقال من المستوى الشخصي إلى المستوى الديني في الإقناع، أي أن يتم التركيز على تذكير المحتمل بواجباته الدينية مثل الصلاة، وحفظ القرآن.

_ الإقناع بفكرة شمولية المنهج الإسلامي من خلال الكتب التي تدعم ذلك.

_ تعزيز الشعور بالواجب نحو المسلمين المستضعفين في شتى بقاع الأرض ويتم تنمية ذلك من خلال الدعوة للتبرع.

_ العمل الجماعي من خلال المشاركة في الفعاليات كالتظاهرات والحملات الانتخابية والأعمال المسلحة.

إنّ توليدَ العمل الجماعي لأعضاء الجماعة يتمّ من خلال شبكة العلاقات الاجتماعية استقطاب أقارب ورفاق العمل إلخ, وتزاوج بين الإخوة والأخوات في الجماعة لإنتاج أطفال منتمين إلى الجماعة بالوراثة, في التشبيك نلاحظ في هذه الرؤية للجماعة, النظرية الرائدة لدى ابن خلدون حول العصبية والملك : إذ أن هناك تشابهاً بين فكر الجماعة تجاه تقوية الروابط المجتمعية من خلال مدّ أواصر النسب والدم, ونظرية العصبية التي ترتكز على الحلف أو الدم لتقوية الحكم أو زواله إذا ظهرت قبيلة أكثر ترابطاً وتماسكاً من تلك التي ضعفت عصبيتها.

3 – التربية وترسيخ الهوية الإخوانية

اعتبر البنا أن التربية عملية ممتدة وتدريجية, وتعد بمنزلة الحبل الذي يربط الإخوان ببعضهم, ويعرف محاضن التربية بالمكان الذي يجتمع فيه الأعضاء دورياً بغرض الاتصال وتقوية علاقاتهم ببعض, فضلاً عن إسهام هذه النقاشات والتجمعات في استيعاب الهوية الإخوانية وترسيخها, وتنقسم محاضن التربية إلى سبعة مستويات, أهمها: الأسرة, الكتيبة, والرحلة, والمعسكر.

وتتكون العضوية داخل الجماعة من مستويات متعددة من: محب، ومنتسب ومنتظم وعامل.

تسعى جميع تلك التركيبات والاحتكاكات اللصيقة إلى أخونة الفرد وبرمجته وشحنه ضمن إطار واحد، حيث نلاحظ الآلية المحكمة في الانغلاق ضمن الجماعة لإنشاء الفرد حسب أدبياتها وإيهامه بأنها تمثل الحق والنمط الأفضل والوحيد، لتفرض بذلك أي أوامر ومهام دون مناقشة أو حتى إعطاء مجال للتفكير والمراجعة والنقد.

4 – الهيكل والتنظيم والإيديولوجية

يعتبر الهيكل التنظيمي للجماعة ذو مركزية شديدة حيث يبدأ من قاعدة هرمية ألا وهي الأسرة منتقلا إلى الشعبة التي تحاط بأدوار سياسية واجتماعية واقتصادية داخل نطاقها الجغرافي ثم المنطقة ويليها المكتب الإداري الذي يعتبر الجسم التنفيذي لسياسات الجماعة داخل المحافظات والمدن الكبرى ثم مجلس الشوري والذي يعتبر المجلس التشريعي للحركة والذي يليه مكتب إرشاد وهو يعتبر أعلى سلطة تنفيذية ويتكون من 16 عضوا ليختتم الهرم بالمرشد الأعلى الذي يرأس الكيان.

يبدو جلياً وواضحاً آلية الهيكل التنظيمي المركزي وتحديداً بما يخصّ ال 16 عضو الذين يتم اختيارهم على أسس عائلية وفقهية وفكرية أي من النخبة, حيث يتبنى التنظيمُ نمطَ حكم « أوليغارشي – ثيوقراطي « ذو بعد نخبوي – ديني بامتياز, بالإضافة لذلك تغول سلطة المكتب التنفيذي «مكتب الإرشاد» على ما يسمى مجلس الشورى «الجهة التشريعية»، خصوصاً في اتخاذ القرارات الحاسمة, بالإضافة إلى اعتبار أن مركزية اتخاذ القرار داخل الحركة لا يصحبها مركزية التنفيذ, بالإضافة إلى عدم التوازن بين السلطة والمساءلة، فعلى الرغم من تحديد صلاحيات المرشد العام, فإنه لا يمكن محاسبته لما له من قوة روحية ورمزية داخل الجماعة، أضف إلى ذلك الهيمنة الذكورية وغياب تمثل المرأة في المستويات القيادية وغيرها.

من الملاحظ أن البنى قدم «إيديولوجية إخوانية» تعتبر بمنزلة الرمز الشفري للحركة للسيطرة النهائية على البنية التنظيمية والتفاعلات الداخلية بتركيزه على خمس مبادئ أفردها البنى وركز عليها وسارت الحركة الإخوانية على خطاه بها وتبعها بذلك أيضاً الحركات الجهادية الأكثر تشدداً ودموية وهي:

البيعة، وهي مفهوم رمزي يتعلق بالحكم، وله جذور إسلامية تعود إلى عصر صدر الإسلام.

الطاعة العمياء لقياس مستوى الولاءات واعتباره أساسا للترقي داخل الحركة.

الثقة، وهي تقوم على مبدأ الطاعة والثقة في الجماعة وأيديولوجيتها.

الالتزام، باعتباره أساس العلاقة التي تحكم الأفراد بأهداف الحركة.

الانتماء والولاء ويقوم على الإيمان بالمشروع الإسلامي «الخلافة» والعمل على الوصول إليها وفق رؤية جماعة الإخوان المسلمين.

5 – إيضاحات نقدية في فكر الجماعة من نظرة خارجية

بالإضافة للبنية الفكرية والتنظيمية المغلقة في تكوين الجماعة كما أشرنا من الداخل والتي لا يمكن معها تكوين أفراد ذو بعد فكري نقدي وتحليلي متطور يستطيع من خلاله أن يتمعن الآخر أو أن يقبل به أو أن يتناقش في بديل لشكل الحوكمة حسب تطورات الحياة العامة مما أدى في الجماعة إلى الفشل في مجال العمل السياسي وماتبع ذلك من تاريخ دموي قديم – جديد في ممارسة الجماعة, ودعمها وتحالفها السري والعلني مع حركات جهادية ذات تصنيف إرهابي عالمي, فإن الجماعة تواجه مجموعة من التحديات الحقيقية على مستوى قضايا كبرى كما يشير الكاتب المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية, خليل العناني في كتابه الإخوان المسلمون في مصر, شيخوخة تصارع الزمن حيث يقول : «بوجود فجوة كبيرة داخل الجماعة في فهمهم لمسألة الديمقراطية, حيث يفهمونها كممارسة شكلية وليس كقيم, أي يدخلون الانتخابات ويطلقون مظاهرات, لكن لا يوجد لديهم إيمان بقيم الديمقراطية من مساواة وحرية وعدالة».

كما يشير معهد ديل مارينجي للسلام بدراسة حول الجماعة جاء فيها: أن الإخوان يواجهون أربع إشكاليات جوهرية في مواجهة المجتمع المدني، وهي الديمقراطية والمرأة والأقباط في مصر والعلاقة مع الغرب.

المهدوية والتوظيف السياسي:

لا يمكننا النظرُ إلى الأحزاب السياسية الشيعية وتحديداً «حزب الله» دون العودة إلى الجذور الفكرية والتي ساهمت في إنتاج ودعم تلك الأحزاب السياسية ذات البعد الديني، متمثلة بحزب الله وحركة أمل في لبنان, وغيرها من الجماعات والتيارات الجهادية ذات التوجّه المهدوي الجهادي في أنحاء العالم إلا انطلاقاً من فهم الطبيعة الإيديولوجية المتشددة والمتطرفة في إيران ودورهم في المنطقة في تحضير البنية الخصبة لحضور «المهدي» المنتظر, وكيف وظّفت المذهب وعقدنت سياساتها في تثوير المذهب وشرعنه التمدد لخارج أراضيها وزجّت في الشباب الشيعي لذات الهدف.

1 – المقاربات الشيعية لغياب المهدي

في فضاء الفكر الشيعيّ الاثنا عشري ثلاث مقاربات في فقه الدولة في أثناء غياب المهديّ:

_ المقاربة التقليديَّة: خلاصة هذه المقاربة هي وجوب انتظار ظهور الإمام الغائب وامتناع المشاركة السياسيَّة حتى ظهوره، والتمهيد لظهوره يكمن في عقيدة الانتظار، ومن ثَمّ الابتعاد عن شؤون الدولة والحكم والسياسة. وهذه المقاربة هي المعتمدة من فقهاء الخطّ الإماميّ قديمًا وحديثًا، حتى قدوم الخميني، وإليه تنتمي مدرسة النجف، وقطاع كبير في مشهد وقم حيث التفكيكيّون والإخباريّون.

وظلّت المدرسة الشيعيَّة تعتقد بأنّ الفقهَ هو القادرُ على تقدّم الأمم، وأنّ النصّ السلطويّ أمر أُغلِق تماما وأنّ أيّ «راية تخرج قبل خروج المهديّ هي راية ضلال، أو كل راية تُرفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت يُعبد من دون الله ومن ثَمّ وجب الانتظار حتى خروج المهديّ المنتظَر وعدم المشاركة السياسيَّة حتى ظهوره. وهؤلاء أصحاب نظريَّة الانتظار

_ المقاربة الثوريَّة: وهي التحوّل الذي أدخله الخميني على الفكر الشيعيّ والميراث الحوزويّ والدرس الفقهيّ والعقديّ، وتمثّل هذه المقاربة انقلابًا واضحًا على الخطّ العامّ للتشيّع، ذلك لأنها أحلّت نظريَّة التمهيد محلّ نظريَّة الانتظار.

_ مقاربة الدستوريّين: وهي التي طرحها النائيني وفقهاء الثورة الدستوريَّة بامتدادها حديثًا، متمثّلة في مفكّرين كبار أمثال شريعتي وبازركان وموسى الصدر وشريعة مداري وغيرهم. وما زالت هذه المقاربة هي الخطّ المعتمد لدى الإصلاحيّين الشيعة في إيران مثل كديفر وسروش، وفقهاء لبنان مثل شمس الدين وفضل الله والأمين، وبعض الحركيّين في العراق. وتتمثل في الدعوة إلى المشاركة السياسيَّة الدينيَّة المدنيَّة، واحترام سيادة القانون وسلطة الشعب، حتى ظهور المهديّ، أي إنّ هذه المقاربة حالة وسط بين نظريَّة الانتظار ونظريَّة التمهيد.

والذي يَعنينا في هذه الورقة هو التركيز على المقاربة الثانية، التي تبنّاها الخميني، إذ مثّلت انقلابًا واضحًا في الفكر الشيعيّ على المستقرّات والأعراف المذهبيَّة الراسخة، ومأسسة لحالة تثوير وفوضى في المنطقة كلّها، وما زال الإقليم يئنّ من تلك النظريَّة غير المسبوقة في الفكر الأيديولوجي عامّة والشيعيّ خاصّة.

2 – الانقلاب على الميراث الشيعي

الملمَح المهمّ هنا أنّ عقيدة المهديّ الشيعيَّة كانت مدعاة طَوال التاريخ الشيعيّ إلى ابتعاد الجماهير الشيعيَّة عن السياسة وتبنّي نظريَّة «الانتظار» التي تَعني عدم المشاركة السياسيَّة أو حتى المطالبة بحكم دينيّ، لأنّ إقامة الدولة وما يتبعها من إقامة حدود وفرائض وإعلان جهاد، من حقّ الإمام الغائب فقط، وليس لأحد أن يحلّ محلّه في شؤون السياسة والحكم، لأنّ إمام الزمان هو الذي سيملأ الأرض عدلًا بعد أن مُلئت ظلمًا وجورًا. أمّا البشر فمهما بلغوا من صفات الكمال فلا يمكن أن يملؤوا الأرض عدلًا بعد أن مُلئت جورا وكان الخطّ الرئيسيّ للتشيّع سائرًا على هذا الدرب، بل إنّ أئمَّة الشيعة الكبار ألزموا أتباعهم السمع والطاعة لكلّ حاكم، عادلًا كان أو ظالمًا، سُنّيًّا كان أو شيعيًّا، وحرّموا الخروج على الدولة، وقد سنحت الفرصة لفقهاء الإماميَّة في مراحل كثيرة أن ينقضّوا على السلطة، لا سيّما بعد أن تسنّم بعضهم مراكز متقدّمة في بنية السلطة العباسيَّة والأمويَّة، مثل الشريف المرتضى في دولة آل بويه، ومع ذلك فلم يفعل ذلك، لأنه لا يعرف ما هو شرع السماء أو دولة العدل، مع غياب شبه كامل لتوصيف تلك الدولة الفاضلة التي تجدها مكتوبة في أدبيّات الفارابي وأفلاطون، فكلّ من تصدّى للتلبّس بهذه المهمّة كانت نتيجته لعنة الإمام/ المهديّ الغائب فنظريَّة الانتظار كانت هي الميراث الحوزويّ الشيعيّ طَوال التاريخ كلّه حتى قدوم الخميني في إيران، فانقلب على الموروث الشيعيّ، وحوّل رؤية الجمهور الشيعيّ للعقيدة المهدويَّة من الانتظار إلى تمهيد الأرض لقدومه، مما يعني إشعال الحروب في المنطقة، والتوسّع في السيطرة على مقدّرات دول الجوار، ودعم الطائفة الشيعيَّة في بقاعٍ شتى في الشرق والغرب على حساب الدولة الحديثة. فلم تكُن الثورة الإيرانيَّة بمثابة انقلاب على الدولة الحديثة والتعدّديَّة السياسيَّة فقط، بل أيضًا على مستقرّات المذهب الشيعيّ، وخطوطه الرئيسيَّة، وقواعده العامّة الكلّيَّة، «فقلبت موازين القوى داخل المنظومة الفكريَّة الشيعيَّة في شقّها السياسيّ والاجتماعيّ، فما بعد الخميني ليس كما قبله»

فبعد أن كان المهديّ عقيدة شيعيَّة مدعاة للسكون والابتعاد عن العمل السياسيّ في الأعراف الشيعيَّة، صارت عقيدة المهديّ مدعاة للثورة والخروج والاقتتال والتدخّل في الدول الأخرى، لتهيئة الأرض لقدومه وبعد أن كان الفقه الكلاسيكيّ الشيعيّ يؤمن بعقيدة الانتظار وأنّ المهديّ هو الذي سيُقيم دولة العدل، وأنّ التمهيد لظهوره يكون فقط بالانتظار، وأنه كلّما مُلئت الأرض ظلمًا كان ذلك مدعاة لخروجه كي يملأها عدلًا، صار الفقه الثوريّ الخمينيّ يؤمن بفكرة التثوير تمهيدًا لظهوره، وأنه لا بُدّ من نُصرة المستضعفين من أتباعه في كلّ مكان، تمهيدًا لظهوره. فالانتظار في القراءة الخمينيَّة هو العمل والتمهيد والإعداد للظهور، وذلك بإقامة الدولة في عصر الغيبة وهو التفسير الذي لم يكن موجودًا طيلة أربعة عشر قرنًا من الزمان، منذ نشأة التشيّع في العصر الأوَّل وحتى قراءة الخميني لمفهوم الانتظار.

فقد أمدّ الخميني التشيعَ السياسيّ بديناميَّة وحركيَّة، بعقيدة المهديّ المنتظَر عبر التفسير السياسيّ للدين وعَقْدَنة المذهب وهو ما يُعَدّ خللًا منهجيًّا وعلميًّا، أو ما يُسمّيه البعض بنظريَّة «الوثبة الفجائيَّة»، ويُقصَد بنظريَّة الوثبة الفجائيَّة الانتقال بين عناصر العلم وحقوله، بل ربما عناصر الموضوع ذاته دون وسائط أو روابط توثّق الصلات بين حلقاته، فيحدث الانتقال من نتيجة إلى نتيجة، ومن مقدمة إلى نتيجة، دون أيّ براهين قطعيَّة وأدلّة يقينيَّة، لا سيّما إذا كان البحث في المجال العقائديّ الذي لا يحتمل الظنّ.

3 – إحلال نظرية التمهيد محل نظرية الانتظار

كان للانقلاب على الميراث الفقهيّ والعقديّ في الدرس الحوزويّ أثرٌ كبير على مسار التشيّع برمّته، إذ حلّت نظريَّة «التمهيد» محلّ نظريَّة «الانتظار» في الحوزة الدينيَّة بمدينة قم ومن ثَمّ فتفريخ العلماء سيكون وفقًا لتلك النظريَّة، وقد حدث ذلك بموازاة مؤسسة نظريَّة التمهيد/ القراءة الخمينيَّة في مؤسسات الدولة التعليميَّة والثقافيَّة والتربويَّة. هذا التحوّل، بل الانقلاب، في الفكر العقديّ الشيعيّ الموروث والمستقرّ لما يقرب من ألف سنة يبرّره الخميني بقوله: «قد مرّ على الغيبة لإمامنا المهديّ أكثر من ألف عام، وقد تمرّ ألوف السنين قبل أن تقتضي المصلحة قدوم الإمام المنتظَر. في طول هذه المدة، هل تبقى أحكام الإسلام معطلة، يعمل الناس خلالها ما يشاؤون؟ ألا يلزم من ذلك الهرج والمرج؟ هل ينبغي أن يخسر الإسلام من بعد الغيبة الصغرى كل شيء؟ «إن الذهاب إلى هذا الرأي أسوأ من الاعتقاد بأنّ الإسلام منسوخ «هذا النصّ خطير جدًّا في التبرير العقلانيّ للانقلاب على الموروث العقديّ والدرس الدينيّ المستقرّ، وبإقرار من الخميني نفسه للأسباب التي ذكرها، وهي في مجملها عقلانيَّة وليست نصوصيَّة، مما يتيح له القفز الفلسفيّ على مستقرّات المذهب وعلى أقوال الفقهاء القدامى الذين هم بمثابة أعمدة المذهب.

ونلاحظ كذلك أنه أدمج الإسلام بالمذهب واختزلهما، «هل ينبغي أن يخسر الإسلام من بعد الغيبة الصغرى كلّ شيء؟»، وبرّر بهذه العبارةَ التحوّلُ الخطير الذي حدث، مع أن فقهاء الاثنا عشريَّة القدامى عملوا على صناعة مخرجات لتلك الإشكاليَّة التي استخدمها الخميني، أو على الأصحّ لم تكن هي بمثابة الإشكاليَّة عندهم لأنهم تعاملوا مع الواقع، فأجازوا الخضوع والتعامل مع السلاطين والانطواء تحت الدولة القائمة وعدم مواجهتها بأيّ نوع من أنواع المواجهة، وعَدّوا هذا الموقف مبدئيًّا لا تكتيكيًّا لقوّة القول بالغيبة ووجوب الانتظار، بخلاف الخميني ومدرسته الذين قرأوا هذا الموقف بأنه تكتيكيّ وليس استراتيجيًّا، تبريرًا وتمريرًا للقول بولاية الفقيه. فالشريف المرتضى وهو من أعلام القرن الخامس الهجريّ وأحد أكبر فقهاء الشيعة الإماميَّة، يقول: «ليس علينا إقامة الأمراء، إذا كان الإمام مغلوبًا، كما لا يجب علينا إقامة الإمام في الأصل، ليست إقامة الإمام واختياره من فروضنا فيلزمنا إقامته، ولا نحن مخاطبون بإقامة الحدود فيلزمنا الذمّ بتضييعها». فالتكليف مُنتفٍ أصلًا لتنصيب الإمام بعبارة المرتضى، لأنّ تلك المُهِمَّة هي من مهامّ الأئمَّة المعصومين الذين حُدّدوا سلفًا في الرؤية الاثنا عشريَّة فليس لبشر أن يتدخّل في تلك العمليَّة الإلهيَّة المحضة، فالاختيار إلهيّ والتنصيبُ إلهيّ كذلك وفي حالة غياب المعصوم ليس عليهم سوى الانتظار لأنه المُخَلِّص. وهذا الخطّ كان هو الخطّ الرئيسيّ للتشيع الإماميّ قديمًا وحديثًا حتى هذا التحوّل الطارئ الذي حصل على يد الخميني

إذًا، كان بإمكان الخميني أن يُدمج عموم الشيعة في الدول السنّيَّة والوطنيَّة الحديثة، سيرًا على منهج الشريف المرتضى وعموم فقهاء الشيعة، بل وعموم الأئمَّة المعصومين الذين اندرجوا في أجهزة الدولة الأمويَّة والعباسيَّة ولم يؤسسوا لثنائيَّة «نحن والدولة»، لكنه فضّل الانقلاب على الإرث الشيعيّ تمهيدًا للقول بولاية الفقيه، فلولا قوله بفساد عقيدة الانتظار ما وُجدت ولاية الفقيه.

4 – حزب الله التيار الخارجي الأبرز في تحقيق أحلام المهدوية الجهادية

تأسس حزب الله في عام 1982 على يد محمد حسين فضل الله – راغب حرب – عباس الموسوي – صبحي الطفيلي, وهو يعتبر جماعة شيعية إسلامية مسلحة وحزب سياسي مقره لبنان, جناحه العسكري « مجلس الجهاد «, وجناحه السياسي « كتلة الوفاء للمقاومة « في البرلمان اللبناني, وبعد وفاة عباس الموسوي عام 1992 ترأس الجماعة حسن نصر الله.

تأسس حزب الله بجهد إيراني أو بشكل أدق بتنفيذ لخطة الفكر والإيديولوجية الخمينية ليكون ترجمة واقعية لفكرة «المهدوية الجهادية» والانتقال من «الانتظار» إلى «التمهيد»، حيث عمل حزب الله كوكيل لإيران «الدولة» في الصراع بينها وبين إسرائيل، حيث كان حزب الله قد تشكل وصمم من قبل رجال الدين المسلمين، وكان قادته من أتباع آية الله الخميني، وقد تم تدريب قواته وتنظيمها والأهم «أدلجتها» على أسس الفقه الخميني الجديد من قبل وحدات الحرس الثوري، ولا يختلف حزب الله عن غيره من الأحزاب الإسلامية في طرحه خيار الحكومة الإسلامية كنظام للحكم حيث يميز في تحركاته السياسية على الساحة اللبنانية بين الفكر والبرنامج السياسي، فيرى أن الفكرة السياسية لا تسقط إذا كان الواقع السياسي غير موات لتطبيقها، كما هو الحال بالنسبة لفكرة إقامة دولة إسلامية في لبنان الآن، ولكنه يعمل بهدف إقامتها عبر توفير الحماية المنشودة من إيران والمرجعيات الدينية، عبر وسائل متعددة تمتد في الداخل اللبناني أو خارجه عبر اطلاق عملية تشييع واسعة للمناطق التي يسيطر عليها وفق الفكر الخميني وتطبيقا لفكرة « التمهيد «، استطاع حزب الله في فترة تواجده الأولى إعطاء طابع عام بأنه ممكن للأحزاب الإسلامية أن تكون ذا بعد وطني وتتعامل على أسس الديمقراطية والقانون الدولي وغيره من القضايا التي تظهر الحزب على أنه نموذج يختلف عن الأحزاب الإسلامية الأخرى وتحديداً ذات التشكيل السني, ولكن الحروبَ الأخيرة في المنطقة أعادت رسمَ المعضلات ذاتها في حزب الله وغيره من الأحزاب الإيديولوجية التي تشكلت على حلم الخلافة الإسلامية وأسس نظرية امتلاك الحق المطلق الممتد من التعاليم الإلهية, حيث يبدو ذلك جلياً بفكرة مقابلة الخميني المهدي, وخامنئي أيضا يقابل المهدي, إذاً فهذه الأنظمة شرعية, وحروبها حروب مقدسة, وهي حكومات إلهية يجب الإذعان لها لأن الصبغة الإلهية تصبغها, وهي المتفردة بحفظ معالم الدين، وأي ردّ عليها وعلى سياستها هو ردٌّ على المهدي شخصياً, ومن ثم سيكون رداً على الله. وبما أن حزب الله ما هو إلا جزءٌ من الجماعة المهدوية التابعة لولاية الفقيه فما عليها إلا السمع والطاعة, ومن ثم فإن السياسة والحروب والتوسع وأي شيء إنما هو نابع من إرادة الإمام الممثلة في إرادة المرشد ذات البعد الثيوقراطي المتغلغل في جميع التيارات الجهادية الشيعية مثلها مثل التيارات الجهادية السنية. ومن ثم فالحرب السورية مثلاً لها طابع ديني وطائفي سني / شيعي, إذ يرتبط مبدأ الشيعة ومعتقداتها في تلك الحرب تلك العقيدة التي تشكل اللبنة الأساسية في تشكيل حزب الله وغيره من التيارات الجهادية المهدوية.

من خلال لقاء الشيخ علي سعيدي، ممثل المرشد الأعلى لدى الحرس الثوري بقيادات في الحرس الثوري قال «إن الثورة الإسلامية تهيئ الساحة الدولية لظهور الإمام المهدي، واليوم نحن نقف على أعتاب هذه المرحلة التي سيظهر فيها»

نلاحظ في القول وغيره من الخطابات آلية التبرير واستمدادها القدسية لشحن الأفراد والكتل السياسية ومنها حزب الله في تبرير التوسع الخارجي، لتمهيد الأرض لخروج المهدي، وأيضا التوظيف السياسي للمهدي في زجّ الشباب بالمعارك والتوسع بالمنطقة باسم المهدي وتمهيداً له.

إن ما يتشابه به حزب الله مع غيره من التنظيمات الجهادية الإسلامية هو امتلاكه ذات الأدوات والوسائل والشحن العقائدي والانغلاق وترويجه لامتلاكه نظرية الحق الكلي المستمدة من أدبيات الفقه الشيعي وتحديداً الخميني, ولكن ما يميّز التنظيم عن غيره من التنظيمات الجهادية الإسلامية السنية تحديداً هو مرجعيته الفقهية المقدسة والثيوقراطية والتي تنبع من تعليمات هرمية تتمثل بالله – المهدي الذي ينقل كلام الله للخميني الذي يعممها على باقي أفراد الأمة والشعب والمجتمع, وبذلك تصبح الأحكام والقوانين والتعليمات ذات قوة ورصانة غير قابلة أبدا للتشكيك.

خلاصة ورأي:

من الواضح أن الاشتباكَ الإسلامي مع الحداثة أنشأ مصطلح الدولة الإسلامية وهو لا يغدو بعداً يتجاوز فيه «الخلافة الإسلامية» ولكن بإسقاط حداثوي ضمن مسمى الدولة, إذ يكاد الباحثون في هذا المجال يجمعون على أنه لا يوجد مفهومٌ واضح ومحدد لمفهوم «الدولة الإسلامية» في الفكر السياسي الإسلامي, وأن عشرات الكتب التي تتحدث عنه وتستمد مادتها من التراث إنما تتحدث عن الحكم أو السياسة أو عن أوجه الشبه أو الاختلاف في الجهاز البيروقراطي, وطرائق وأدوات تسيير شؤون عامة, وليس عن الدولة بالمفهوم النوعي والمعنى المتكامل. ذلك أن تصنيف الدولة في الفكر السياسي التقليدي هو تصنيف لضروب السياسة وليس لأنواع الدولة.

بناءً على ما سبق فإن محاولاتِ تأسيس دولة إسلامية ضمن نموذج الدولة الحديثة يعدّ خرافةً ابتدعها الخيالُ الإسلامي المعاصر، وتحديداً تياراته الجهادية والتي لم تقع فقط في فخ تحولها لأدات من أدوات الحداثة بالمعنى الضيق الذي قد نراه يعبر عنه في أنها ظاهرة من ظواهره وكأنه مضادة له, لا بل كأداة حداثوية يتم الاستفادة منها على مستوى تأجيج الصراعات في المناطق التي تنشأ بها تلك التيارات مع ما تحمله من تناقضات، حيث أن المأزقَ الهوياتي للشخصية التي أنشأها وضياع فكرة وهدف التشكيل نقلت تلك المجموعات لثنائيات تصادمية أخرى حفظت من خلالها مسببات وجودها بغطاء المقدس الذي تحويه ضمن أدبياتها, مع اتباعها مرونة مبتذلة في تمييع مفاهيم تلك المقدسات بما يتوافق مع مصالحها ومع ما يحفظ تواجدها, فأصبحت أداةً لتأجيج الصراع على عدة مستويات, اجتماعي شعبي توجه به الشارع نحو دفع شحني يعبر به ضمن ثنائية طائفية تتمثل «سني / شيعي» يعلو عليه تكوين أعلى بالمعنى المفهوم السياسي بصراع دول «السعودية / إيران» وكتل وأحزاب «داعش – إخوان – حزب الله – قاعدة – جبهة النصرة» وغيره من مسميات.

إنّ عواملَ الحداثة، مما لا شك فيه أنتجت تلك الفقاعات، ولكن ذلك لا يسمح لنا الاختزال عند هذا الحد، بل إن طبيعة تشكيل تلك الأحزاب وتمركزها نحو نظرية امتلاكها الحق الكلي، وبأنها الخليفة الشرعية لتطبيق شرع الله وقسر فهمها واستطاعتها أن تتطور مع حركة الكون ومحاولة ابتلاعها للمفاهيم الحديثة ضمن مفاهيمها أو إعادة تصنيعها حسب هواها، هي عوامل تعبر عن جزء صغير من معضلاتها البنيوية وتمظهراتها الاجتماعية السياسية وانعكاساتها الكارثية على المنطقة في الشرق الأوسط.

المراجع :

أبو طه أنور وآخرون. مأزق الدولة بين الإسلاميين والعلمانيين.

أحمد رفعت سيد. قرآن – وسيف

من الأفغان إلى بن لادن، من ملفات الإسلام السياسي.

الأفندي بن عبد الوهاب. من يحتاج إلى دولة إسلامية.

باروت محمد جمال. يثرب الجديدة : الحركات الإسلامية السياسية.

باومان زيجمونت. الحداثة السائلة.

وائل حلاق. الدولة المستحيلة.

أبو الأعلى المودوي. الخلافة والملك.

علي محافظة. إيران بين القومية الفارسية والثورة الإسلامية.

أبو بكر ناجي. إدارة التوحش.

محمود عبد العال. داخل الإخوان المسلمين.

افرايزر إيغرتون. الجهاد في الغرب : صعود السلفية المقاتلة.

محمد السيد الصياد. المهدوية الجهادية.

ويكيبيديا. حزب الله.

فاطمة الصمادي. التيارات السياسية.

نبيل الحيدري. التشيع العربي والتشيع الفارسي.

برنابي روجرسون. ورثة محمد.

عن الشرق الأوسط الديمقراطي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عامٌ على الحرب التركية على عفرين: آلاف القتلى والمختطفين والمختفين قسرا…مئات الآلاف من النازحين.. تغييرٌ ديمغرافي

مصطفى عبدي/  تُواصلُ القواتُ التركية- مع المجموعات السورية المسلحة تحت ما يسمى” ...