الرئيسية / مقالات / إيران: النزولُ من الهضبة

إيران: النزولُ من الهضبة

سيهانوك ديبو /

ملخّصٌ تنفيذي

قبلَ الحديث عن (الجُلْبَة الشعبية) و(الانتفاضة الجماهيرية) التي تحدثُ اليومَ في إيرانَ؛ من المفترض أو من المتوّجب أن يسبقه حديثٌ ثلاثيِّ الحال عن مسّمى زرداشت –يوجد شبه إجماع للمسمّى- لسكان الهضبة أو الجبال بالإيرانيين بأنهم (النجباء)؛ وهذا موضوع بحاله.

وعن الفُرس الذين يشكلون اليومَ قرابة نصف إيران؛ وهم الذين سكنوا تاريخياً جنوبَ الهضبة فيما تسمى اليوم بشيراز. والذي سمّتهم الإغريقُ بِـ البارسيس، أي الغازي أو السائب؛ يختلف عن الذين سكنوا شمالَ غرب الخارطة (إيران) وهم الكُرد أو الميديين والذي لا صلة للفرس بهم؛ على الرغم من جذرهما الواحد؛ كشعوب (هندو أوربية) ومن القبائل الآرية؛ وهذا موضوع من حاله.

وعن كورش الثاني المنقلب على استياغ بخيانة كبير قادته هارباك؛ مَنْهيّاً في ذلك العهد الأول من إمبراطورية ميديا، مروراً بأكثر من خمسة عشر عهداً وسلالة وإمبراطورية عرفتهم الهضبة؛ إيران. وهذا هو الموضوع في حاله ومنها اندرجت أنظمة الهيمنة.

أمّا تناولُ إيران على أساس الديني أو الطائفي؛ فإنه يبدو حديثاً أجوفَ. وأمّا تناول ما يحدث في إيرانَ بعيداً عن تراكمية الهيمنة فلن يؤدي بنتيجة. وأما ربط ما يجري بما يجري بالأساس من ربط الخيوط الرفيعة والأنظمة السياسوية في المنطقة؛ وبالأخص ما بعد مرحلة سايكس بيكو؛ فهو المجدي. حتى أكثر الأطراف خصومة لإيران تبدو غير مشجعة أن يسقط النظام الحالي في إيران لأسباب وأسباب أهمها مرحلة التحول المقبلة عليها منطقة الشرق الأوسط إما إلى الجديد أو الديمقراطي أو الجديد الديمقراطي. في ذلك؛ كما العدو التاريخي لها؛ سليل العثمانية الجديدة؛ النظام السلطوي في تركيا الذي يحاول أن يُغَلِّظ الخيط حبلاً وحديداً. فلا يقع النظام.

 

الخارطة والتاريخ

بعد إعلان بلجيكا استقلالها عن هولندا في عام 1831، واجهتِ الدولتان وضعاً شديدَ التعقيد إلى حدِّ أعجزَ الأنظمةَ المتعاقبة عن تحديد الأراضي البلجيكية، والأراضي الهولندية. ولم يكتمل ترسيمُ الحدود بين الدولتين إلا في عام 1995. لكن؛ بدءاً من الأول من يناير كانون الثاني الحالي فإنّ بلجيكا منحت أكثر من 16 هكتاراً لهولندا في الوقت الذي تسترجع فيه الأولى نحو 3 هكتارات من جارتها. الخارطة التي غيّرت وفق نهر الميز وقناتيه ألبرت وجوليانا؛ لم تؤثر في تاريخ هولندا وبلجيكا العريقين. على عكس من الغالبية في الشرق الأوسط وهم ينظرون إلى التاريخ على ضوء الجغرافية الحالية. وهم في ذلك مغلوبون على أمرهم؛ في الوقت الذي يبدون على تناقض كبير مع أنفسهم. يتهجمون على سايكس بيكو ويدافعون عن الحدود المرسومة. إلى درجة باتت الأنظمةُ الاستبدادية تتحدثُ عن السيادة في ضوء الخرائط المجلوبة. الحالُ عينه في إيرانَ وفي تركيا وفي سوريا والعراق وعموم الخرائط المستحدثة. لكنّ إيرانَ لا تشبه إلا تاريخها الذي يعتبر المثالَ المتقدمَ في تحقيق التحول الملحوظ في المجال العقلي، بخاصة في إحرازها إلى جانب المثال الإغريقي الروماني تطوراتٍ بارزة على درب أخلاق الحرية، ضمن إطار الفكر الفلسفي.

كما أن انتشار موجة الثقافة الآرية التي رافقت تكريس الثورة الزراعية حوالي 9000 ق م. قد ساهمت وأغنت الحضارةَ المدنية السومرية وانقلبت عليها مؤسسة البداية الأولى للدولة العبودية التي خارت قواها نتيجة موجاتٍ لعدة أقوام وشعوب في الشمال والجنوب؛ الجرمانيون والآسكيتيون في الشمال والميديون والعرب في الجنوب؛ وغيرهم من الأقوام سواء في الشمال أو في الجنوب.

وما بعد دولة سومر شهدت المنطقةُ ثلاثَ مراحل حضارية مدينية أو مركزية كانت إيران جزء مهماً منها. أما في ختام العصر الوسيط المشهود بالانقلاب العلماني على الدولة الدينية وذلك بعد أن قطعت الثورات الإنكليزية والأمريكية والفرنسية أشواطاً بارزة في سيادة النوعية العلمانية على الدولة. كما أدى وضعُ الحدود والضوابط عبر الدساتير إلى دفن الدولة الاستبدادية؛ الثيوقراطية؛ البطركية بين طيات التاريخ. أما في منطقة الشرق الأوسط، وكما أن مثلَ هذه التغيرات لم تحصل في تقاليد الدولة، فقد ولجت مرحلةٌ أكثر تزمتاً وتخلفاً. وما قامت به الدولتان العثمانية والإيرانية، لم يكن سوى إدامة وجودهما مدة أطول عبر الآليات الدفاعية الأخيرة التي بحوزتهما، تجاه الدول الغربية المتصاعدة. وبينما كانت الدولة الشرق أوسطية تتشتت وتتبعثر، لم تكن استعمارية الدولة الغربية قد ترسخت بعد.

يُعبِّر القرنان التاسع عشر والعشرون عن مرحلة الأزمة بالنسبة للشرق الأوسط. حيث برزت خلالهما كياناتٌ سياسية يمكن وصفها بشبه الاستعمار الحديث، حيث اتصفت ببعض الجوانب التي تميزها عن غيرها من الساحات في العالم. والتعريف التاريخي الوجيز كافٍ لتسليط الضوء على هذه الفروقات. يمكن القول بأن قوى الهيمنة الغربية هي التي ساندت على إبقاء كلاً من الدولتين العثمانية والإيرانية/ الصفوية. وإلا فإنّ فرصَ تداعيهما كان أكثر بكثير من استمراريتهما. مثَّلتا كلتا الدولتين حتى انهيار العثمانية وبروز الشاهنشاهية الدورَ المهمَ في الرأسمالية الكومبرادورية التي احتاجتهما دول المركز الرأسمالي حينها. وساعدت على بروز مشاريع اقتصادية عالمية مهمة حتى اكتشاف النفط ودخول الرأسمالية مرحلتها الصناعوية.

هذه المرحلة كانت مترافقةً بأدبيات خاصة بها؛ أهمها الدولة القومية في الشرق الأوسط؛ أي بداية القرن العشرين. بدليل انهيار نظام الشاهنشاه كأبرز علامة لسيماء الحداثة. حتى مصطلح الثورة الإيرانية يبقى على المحكّ والكثير من التساؤل: هل كانت ثورة (الكاسيت) هي ثورة حقيقة؟ الكاسيت الذي كان يقوم الخميني من خلاله يُلهب مشاعر الشعوب في إيران بأحاديث عن الحرية والمساواة والعدالة والنظام السياسي الأمثل. هنا؛ يفرض سؤال عن نفسه: مدى الترابط ما بين (الثورة في إيران 1979) والانقلاب العسكري في تركيا 1980؟ بخاصة إذا ما أدركنا بأن انقلاب 1980 التركي كانت بداية نشوء التركياتية الخضراء ونهاية التركياتية البيضاء. نهاية تركيا المتعولمة وبداية تركيا الإخوانية، والتي تشهد اليوم بترابط سياق وثيق ما بينها الخضراء واليوم في مرحلتها التركياتية السوداء. أي مرحلة القوموية التركية المركزية الاسلاموية السوداء- المساهِمة الكبرى في تأسيس الدولة الإسلامية في العراق والشام/ داعش والتي تشكل أكبر مصادر الخطر على عموم الشرق الأوسط. الخيوط تتمدد بشكل كبير هنا؛ ربما كانت البداية لا نجدها بالمطلق في الشرق كله؛ لكن من الضروري الجواب عن طريق المعرفة عن من هي الجهة/ الجهات التي من حظها ولادة الإرهاب؟

استفادت إيرانُ- القرن العشرين من التوازنات بين قوى الهيمنة العالمية. وبخاصة في مرحلة الحرب الباردة. بل أتى ذلك على أشد الانسجام مع تاريخها وحاضرها في الهيمنة والتوسع؛ يضاف إلى إيران في ذلك تركيا أيضاً. إضافة إلى محاولات من قبل بعض الدول العربية؛ إلا أنها كانت محاولاتٍ متعثرة لم يكتب لها النجاح. وكما كان الأمر في بداية العصر الحديث فإن الهيمنةَ المركزية حافظت على بقاء الإمبراطورية الإيرانية الصفوية. وهي تبدو اليوم نفس المقاربة لكن؛ بدرجة أقل. يبدو أن ذلك متعلقٌ بالأساس بمشروع مارشال غربي دائماً هو الموجود. ومن أجل ذلك فإنها تبدي كاملَ السيطرة كي لا يحدثَ الانفجارُ الشعبي الكبير في إيران. إنها مسألة متعلقة بالمقاسات المناسبة لمشروع المارشال الكبير؛ ضامنة إضافية مهمة في سدّ الفراغ الناجم عن الأزمة/ الأزمات التي تعانيها دول الحداثة الرأسمالية. وهنا يبرز أسُّ المواضيع الشائكة أي القضية الكردية، فهي أكثر تعقيداً وتنوعاً في اتجاهاتها. وقد شهدت القضية الكردية في القرن الماضي أقسى أنواع الظلم وتم حرمان الشعب الكردي من أبسط حقوقه المدنية؛ وحرصت الأنظمة الاستبدادية أشد الحرص في ذلك، كي تبقى ممارسة الحقوق السياسية والاقتصادية أشبه بالحلم. وبالتالي كانت أعناق الكرد دائماً تُجَزُّ أمام مقاصل الإبادة الثقافية ومجازر الإنكار في أن لا تكون لهم لغة وأن لا تُسَجّل ممتلكاتهم وأراضيهم باسمهم. كي تبدو قمة صراعاتهم في مناحٍ ثانوية. وبالتالي البقاء في الحالة الدنيا. مما حدا بالراحل عبدالرحمن قاسملو أن يقول: كردستان حلم. لكنها اليوم الحلم الذي يتحقق؛ لكن؛ بطريقة مغايرة للدولتية القوموية المركزية. فإلى الكرد عبر نظرية الأمة الديمقراطية تعود مهمة التغيير والتحول الديمقراطي مع الدرجة نفسها والقوى الديمقراطية العربية والتركية والفارسية وعموم الشعوب الأخرى في المنطقة.

الديمقراطية في إيران

اقتبسُ فقرةً كتبها الفيلسوفُ أوجلان في كتابه دفاعاً عن شعب في الصفحة 225: (…. وفيما يتعلق بالدمقرطة في إيران، فستفرض نفسها أكثر. حيث تزداد مشقات تقاليد الدولة الكلاسيكية الراسخة في مواصلة تواؤمها وتناغمها مع العصر. كما تتكاثف الأشواق والحماس الديمقراطي بين صفوف شعب إيران. وإيران أدنى إلى الفيدرالية منها إلى الانقسام. حيث تهيمن العناصر والعوامل المشابهة للديمقراطية في عموم الدولة المعمِّرة 2500 عاماً. فإذا ما التحمَ حنينُ الشعب المُرَكَّز مع كيان الفيدرالية العصرية، فقد تغدو إيرانُ فيدراليةً ديمقراطية قوية. أمّا الخيارُ الحقيقي والراسخ بالنسبة لإيران، تجاهَ الممارسات الأمريكية المتزايدة، فهو التوجه قُدُماً نحو الفيدرالية الديمقراطية، عوضاً عن سلوك مقاومة صَدَّاميّة. يؤثر التسيُّس المفرط للدين سلباً على عملية الدمقرطة. قد تنقلب قدرات الأيديولوجية الدينية وهيمنتها رأساً على عقب تدريجياً. فالثقافة الإيرانية أقرب إلى الدمقرطة. حيث تُشكِّل تقاليد المقاومة التاريخية، والعديد من الشخصيات التاريخية، بدءاً من زرادشت حتى مازدك، ومن بابك إلى حسن الصبّاح؛ أرضية تحتية لثقافة الديمقراطية. هذا وبمقدورها تطهير ذاتها من أمراض تجربة المعارضة المتعددة الطوابع في المستقبل القريب، لتطوِّر ديمقراطية مبدئية. كما قد يُسَرِّع التواصل التكنولوجي من وتيرة المرحلة. فإذا ما أبدت الإدارةُ المرونةَ اللازمة، فقد تتحقق دمقرطة مشابهة لما في إسبانيا، داخل الواقع الإيراني….). انتهى الاقتباس.

النزول من الهضبة

رباعيةُ عمر الخيام الإيراني تعتبرُ دليلاً إضافياً مفاد عمق الفكر الفلسفي المشهود بها الهضبة الإيرانية. لكن الحاجة إلى رباعية مفيدة في تفسير ما يحدث في عموم الشرق الأوسط يبدو مطلباً معرفياً أكثر بكثير عن أنه البحث عن الحل. ففي في إطار الثورة التقنية، وقوى الإنتاج، ووسائل الانتاج، وقضايا الشعوب ومشروع الحل الديمقراطي. يمكن لهذه الرباعية أن تُسْتَدَّل أيضاً على الفهم القويم فيما يحدث في إيران. والخيارات المطروحة للانتفاضة المشهودة لها في إيران. أما خيار دمج الثورة – إذا ما كتبت للانتفاضة في إيران أن تستمر- بالدولة النمطية في إيران؛ فيبقى خياراً محدوداً لأن الإمكانيةَ المتاحة تبدو بفرصٍ ضئيلة. فَفُرصُ الإصلاح تبدو مسدودةَ الأفق: هل يلائم الشعوب في إيران؛ نظام دولة الفقيه؟ الشعوب: الفارسية والكردية والعربية والآذرية والديلم والبلوش والأرمن… وغيرهم لا يناسب تموضعها التاريخي وهذا النظام. الخطيئة التي حدثت وتحدث في الشرق الأوسط؛ علماً بأن إيرانَ كانت الأفضلَ في الانسجام من حيث التسمية مع تاريخها؛ تكمن في الانطلاقة الخاطئة (المفروضة) على شعوبها وزجهم في مسالك الدولة القومية المركزية؛ تبدو اليوم بصفة مسالك الدم. أما الأنظمةُ الاستبدادية الإقليمية فكانت صِدامية مع شعوبها وسحبت الخيطَ من قوى الهيمنة العالمية (دافِشة) بها إلى المساحات الدنيا الصغرى؛ كنتيجة بدورها للتشظي المجتمعي العميق. في إيران؛ الصفوية إلى القاجارية إلى الشاهنشاهية البهلوية إلى الدولة القومودينية- نظام ولي الفقيه. إنْ كان لا بدّ لهذا التسلسل أن يحدثَ؛ فيجب أن يكون بالعكس وأن تكون خيار الفيدراليات الديمقراطية هي الفرصة ما بعد النظام الملكي. يبقى الانهيار الأوفر حظاً. فأية عملية إصلاح حقيقية جديّة أمام النظام الحالي في إيران يقابلها على الفور بروز نظام ديمقراطي حقيقي مغاير لأية نمطية مفروضة على عموم الشعوب في إيران. شيء متعلق بتاريخ إيران بل بتاريخ المنطقة برمتها. مثالاً؛ يتحدث تاريخ هيرودوت في أن الإمبراطوريةَ الميدية كانت تتألف من ثلاث وعشرين ولاية فيدرالية.

انتفاضةُ الشعوب في إيران ليست لها العلاقة ب(الثورة) الإسلامية الإيرانية 1979، ولا علاقةَ لها بالحرب الإيرانية العراقية التي خلّفت على أقل تقدير ضحايا فاقت ثلاثة مليون قتيل لوحدهم واستخدمت فيها ما يقرب ثلثي القوة التدميرية في الحرب العالمية الثانية. ولا علاقة لها ب(الثورة) الخضراء في إيران 2009. الاعتقاد الأهم في تفسير الجلبة الشعبية في إيران بأنه بحث عن الجمهورية الثانية. حِراك شبابي ينتمي إلى الثورة الرقمية وتسكنه صباغ التاريخ والحضارتين الديمقراطية والمركزية/المدينية في إيران والمنطقة برمتها. وأمّا أن تسلكَ الشعوبُ في إيران مسلكَ الجمهورية الإيرانية الفيدرالية فهو بمثابة التصالح مع القيم العظيمة التي شهدتها إيرانُ التي لوّنتها أكثر من خمس عشر مرحلة وسلالة وامبراطورية عرفتها الهضبة الإيرانية؛ وجبال زاغروس وآرارات كشواهد على ما ولّدته من القيم وعلى وجوب وجود الحلّ الديمقراطي. وإمّا النزول من الهضبة؛ لن يرافقه سوى صعود نحو الجبال التي تقع الحمل عليها مرة أخرى. لنقل بأنها القَدَرية؛ إنْ لم نقل بأنها العودة الصائبة نحو ديمقراطية القبول والعيش المشترك. ما الذي تختاره إيران؟ جواب برهن الشعوب في إيران؛ الشعوب في الشرق الأوسط؛ نتيجة التصارع الإقليمي والدولي الكبير على الشرق الأوسط وفيه ومنه، وبشكل مخصوص منه كردستان وسوريا.

عن الشرق الأوسط الديمقراطي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

المشروعُ الإيراني اقتلاعُ الشرق العربي من جذوره

ليلان جمال / إيران دولة دينية، لا قيمة للمؤسسات فيها ما لم ...