الرئيسية / مواضيع أخرى / عامٌ على الحرب التركية على عفرين: آلاف القتلى والمختطفين والمختفين قسرا…مئات الآلاف من النازحين.. تغييرٌ ديمغرافي

عامٌ على الحرب التركية على عفرين: آلاف القتلى والمختطفين والمختفين قسرا…مئات الآلاف من النازحين.. تغييرٌ ديمغرافي

مصطفى عبدي/

 تُواصلُ القواتُ التركية- مع المجموعات السورية المسلحة تحت ما يسمى” الجيش الحر”-  ارتكابَ الجرائم في منطقة عفرين بحقّ السكان المحليين، وتشمل هذه الانتهاكاتُ المروعة أعمالَ القتل والخطف والتعذيب والمداهمات العشوائية والتهجير القسري ومصادرة الأملاك العامة والخاصة، مع القمع الثقافي المنظم ضدّ الهوية الاجتماعية للسكان في عفرين. هذه الانتهاكاتُ تجري من قبل العشرات من الفصائل السورية المسلحة التي تعمل تحتَ راية القوات التركية بصورة مباشرة.

ما يجري في عفرينَ ومناطق “درع الفرات” في شمال سوريا من انتهاكاتٍ يومية تُصنّفُ في خانة الجرائم ضدّ الإنسانية وجرائم حرب من الاعتداء والاضطهاد الممنهج. ولا يقتصر هذا على القتل والنفي والسجن والتعذيب، وإنّما يأتي بدافع التهجير القسري لإتمام عملية التغيير الديمغرافي التي تخطط له حكومةُ الاحتلال التركي بصورة متعمدة، ويجسد نطاقاً ملموساً من سياسة” التطهير العرقي”.

مركزُ توثيق الانتهاكات في شمال سوريا، من خلال راصديه الميدانيين تمكّنَ من رصد وتوثيق المئات من الانتهاكات، من لحظة احتلال عفرين من قبل الدولة التركية، وجرى نشر الخلاصات الشهرية بدءاً من حزيران 2018، تضمّن تفاصيلَ دقيقة لمختلف الحالات، وهي لا تمثل حقيقة 30% من الانتهاكات التي يخشى الضحايا البوح بها، خشية الانتقام من عائلة الضحية أو الضحية نفسها، كما أنّ المعوقاتِ الميدانية التي تفرضها الفصائل المسلحة مع الدولة التركية حول التحري والتقصي في مسار الانتهاكات تمثلُ عجزاً حقيقاً في الكشف عن حقيقة الانتهاكات المروّعة اليومية.

المركزُ ناشدَ- من خلال العشرات من التقارير- المنظماتِ الدولية والدولَ الفاعلة في الأزمة السورية للقيام بواجبها، وطالبها بالتدخّل لمنع ارتكاب المزيد من الانتهاكات والجرائم التي تطال المدنيين جرّاء الممارسات الممنهجة ضد السكان المحليين، والتي تُرتكبُ من قبل الجماعات المسلحة المدعومة من تركيا.

 

سجلات الانتهاكات اليومية

تردنا يومياً ولحظياً العشراتُ من الانتهاكات المرتكبة، والتي يخشى الضحايا أو ذويهم كشفها خشيةَ الانتقام منهم. وهي تكشف عن مدى فظاعة ممارسات القوات التركية والمليشيات المتشددة السورية المرافقة لها بحق السكان المدنيين في عفرين، من حيث التهجير والقتل والاعتقالات والسطو على الأملاك والتغير الديمغرافي الممنهج والتدمير البيئي، لتشملَ جميعَ جوانب الحياة بغرض التطهير العرقي والتغيير الديمغرافي ضمن ما يسمى” الحل النهائي ” في جغرافيةٍ لا تخضع لنفوذها السياسي والقانوني والثقافي، أي إنّها تتحرك وفق إرادة القوة والغطرسة والاحتلال لتوسيع نفوذها داخل الدول الجوار، مستفيدةً من الصفقات السياسية التي تُحاك ضدّ الشعب السوري والكردي من جهة، ومن التجارب الإجرامية الدولية المعروفة والمترسخة في بنية تاريخها السياسي على شاكلة المجازر المرتكبة بحق الأرمن والكرد والعلويين وباقي القوميات والثقافات في بلاد الأناضول وكردستان منذ نشوء الدولة التركية المعاصرة بغرض صهر وتصفية كلّ المكونات الثقافية ضمن عقيدة دولة واحدة وقومية واحدة وإيديولوجية واحدة وعلم واحد، تارةً عبر التطهير الجسدي المباشر، وتارة تحت يافطة الصهر الثقافي والإبادة الاقتصادية والخضوع القهري للسكان المحليين، وكلا الشكلين من حيث التعريف القانوني يصبّان في بوتقة “الإبادة الجماعية”.

من المؤكد أنّ القائمين على هذا المشروع الإجرامي من الجهات التنفيذية بدءاً من القوات العسكرية التركية وأجهزة المخابرات والمليشيات المتشددة السورية والجهادية والجهات الخفية الموازية للدولة التركية والتي تتعامل فوق أي شكل قانوني، بحوزتهم خارطة طريقة واضحة المعالم لتنفيذ هذه المقاربة وفقاً ما نراه يومياً من الممارسات المروعة والجسيمة في عفرين، في حين يبدو موقفُ المؤسسات الحقوقية والمجتمع الدولي مشلولاً حيال هذه الانتهاكات دون أن يرتقي إلى مستوى هذا الحدث المروع. وكأنّه يراد من هذه المنطقة أن تكون مستباحة كلياً بدون أي حماية قانونية محلية كانت أو دولية.

الانتهاكات التي ارتكبتها القوات االتركية مع مجموعات سوريا مسلحة كانت تقاتل سابقا تحت راية الجيش الحر أو داعش أو القاعدة في عفرين خلال الفترة الممتدة من حتى 31 ديسمبر كانون الأول 2018 بلغت:

 

تهجير 350 ألفا من سكان منطقة عفرين، منهم 50 ألف هجر بعد احتلال المدينة نتيجة تصاعد وتيرة الانتهاكات، وأيضا هجر 95% من المسيحين، ومن الإيزيديين والعلويين نتيجة استهدافهم المباشر من قبل ميليشيات المعارضة بين خيار الإسلام أو الاعتقال والقتل، حيث دمرت الكنائس والمراكز الدينية للإيزيدين والعلويين وتم نهب المحتويات وحرقها.

ومنذ تمكّن القوات التركية والفصائل المسلحة الإسلامية في الـ 19 من آذار / مارس 2018، من احتلال منطقة عفرين بعد عملية عسكرية بدأت تحت مسمى “غصن الزيتون” في الـ 20 من كانون الثاني / يناير من العام ذاته لم تتوقفِ الجرائمُ بحقّ السكان.

العملية العسكرية تمت بمساندة من مجموعات الذئاب الرمادية التركية والطائرات الحربية \1042 غارة\ والمروحية التركية واستمرت مدة شهرين /59 يوم/ مسببة  دمار هائل في البنية التحتية وفي ممتلكات المواطنين وفي مجازر وقتل تسبب في استشهاد 380 مدني بينهم 55 طفلاً و36 امرأة، من المدنيين من المواطنين الكرد والعرب، العشرات منهم استشهد في انفجار ألغام وتحت التعذيب على يد فصائل عملية “غصن الزيتون”، وغالبيتهم ممن قضوا في القصف الجوي والمدفعي والصاروخي التركي، وفي إعدامات طالت عدة مواطنين في منطقة عفرين، وقتل تحت التعذيب، إضافة لجرح المئات وتشريد مئات آلاف آخرين.

بقيت الانتهاكاتُ والممارسات اللإنسانية حصةَ من تبقّى من سكان منطقة عفرين ممن رفضوا الخروج من المنطقة، وترك منازلهم ومزارعهم للقوات التركية والفصائل التي نهبت وعفَّشت وسرقت واستولت على ممتلكات المدنيين والممتلكات الخاصة والعامة في كامل منطقة عفرين.

وفي احصائية شاملة قام “مركز توثيق الانتهاكات شمال سوريا\مراقب” بنشرها فإنه تم توثيق  ( 650) حالة قتل لمدنيين من بينهم أطفال ونساء و مسنين، إضافة لتوثيق (4500) حالة خطف واعتقال. و (970) حالة إصابة بجروح نتيجة مداهمة المنازل أو شظايا المتفجرات أو نتيجة تعرضهم للضرب من قبل المسلحين والالغام.

بالإضافة إلى توثيق 78 حالة اقتتال داخلي بين المجموعات المسلحة في الأحياء السكنية، وتوثيق تحويل (45) مركز تعليمي ومدني إلى مقرات عسكرية ومصادرة (260) منزل وتحويلهم إلى سجون أو مراكز عسكرية.

كما وجرى توثيق (58) حالة حرق متعمّد لممتلكات الأهالي (المنازل والمحلات وبساتين). وتوثيق هدم ( 51) منزل. وجرف (1200) قبر، وعدم السماح لسكان العشرات من القرى بالعودة لمنازلهم المحتلة من قبل مستوطنين.

بالإضافة إلى (24) حالة لقصف من قبل الطيران التركي قرب أماكن مأهولة بالسكان.

إضافة إلى فرض الإتاوات تحت اسم الزكاة، تهجير السكان من منازلهم لتحويلها إلى جامع، إجبار الايزيدين على الصلاة، منع الأهالي من التوجه لبساتيهم ومنع حصادها، مصادر أراضيهم واستثمارها والاستيلاء عليها وعلى ممتلكاتهم ومنازلهم، ومصادرة محصول الزيتون والأشجار واحتطابها وبيعها.

انتهاكات ترتقي لمستوى جرائم الحرب والجرائم الإنسانية التي بموجب القانون الدولي لن تسقط بالتقادم، ولن يفلت مرتكبوها من العقوبة.

الحالات موثقة بالاسم، والصور، والشهادات لا تمثل 30 % من حجم الانتهاكات التي تجري على الأرض. كما وأنّ المستوطنيين العرب يشاركون المسلحين السوريين في الاعتداءات وفي الاستيلاء على منازل المدنيين ورفض إخلائها وفي حصاد أراضيهم وجني ثمار محاصيلهم وأشجارها، وهم يعتبرون مشاركين في تلك الجرائم و سيلقون تبعاتها القانونية والأخلاقية.

 

عفرين قبل الاحتلال التركي

عفرين- بنظر السياسة الواقعية- كانت تسعى إلى حماية وجودها عبر إدارة شؤونهم الذاتية بصورة مشتركة بين الكرد والعرب وباقي المكونات الدينية المتنوعة في المنطقة في ظل الفوضى العارمة التي تشهدها البلاد، وكانت تعتبر نموذجاً مقبولاً في سوريا كي تؤسس نحو الاستقرار والأمن المنشود، وهي من أجل ذلك لم تمارس أي انتهاك ضد السكان المحليين أو ضد الدولة التركية بتاتاً، بخلاف التنظيمات الإرهابية التي كانت تستبيح الحدود التركية وتمارس أنشطتها الإرهابية على الشريط الحدودي داخل الأراضي السورية وتركيا سواء بعلم أجهزة المخابرات التركية أم بدون ذلك.

هذه التنظيماتُ، التي وثقت أكثر من الجهة الدولية والحقوقية والإعلامية بعلاقاتها المباشرة مع الدولة التركية، هي من كانت تشكل الخطرَ الوجودي على السكان المحليين السوريين وحتى على المدنيين الأتراك وعلى العالم جمعياً. هذه المنظمات هي من تشكل الخطر الوجودي على الأمن المحلي والإقليمي والدولي، ونفس هذه التنظيمات الإجرامية والإرهابية من استقدمتهم أردوغان في غزو عفرين واحتلالها في والوقت الذي كان التحالف الدولي مع قوات وحدات حماية الشعب وقسد تحارب الإرهاب في ديرالزور.

ويلزم أن يتمركز جلُّ اهتمامنا وجهودنا السياسية والحقوقية لفضح هذه الازدواجية في احتلال عفرين، فذريعة ” الأمن القومي التركي” شكلت دعايةً لا تملك أيّ سند واقعي بغرض إمعان الدولة التركية مع الفصائل المسلحة في تنفيذ سياسة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي تهرباً من قضية حقوق الكرد وباقي المكونات العيش ضمن وطنهم وفق إراداتهم السياسية والاجتماعية والثقافية. وهنا ليس ثمة فرقٌ شاسع بين مصطلحَي الإبادة الجماعية والتطهير العرقي تعباً للتفسير القانوني والاصطلاحي. فالأخير يعتبر جزءاً مباشراً من سياسة الإبادة الجماعية والثقافية، وهو أمر مدان وفق الاتفاقية الدولية المتعلقة بالإبادة الجماعية، وكذلك تعتبر منظمة اليونسكو أنّ القمعَ الثقافي المنظم شكلٌ من أشكال الإبادة الجماعية.

من أهمّ المساعي التي تقوم بها الدولةُ التركية- والفصائل المسلحة السورية المرافقة- لها أمام الجهات الدولية والرأي العام العالمي هو إخراجُ عفرين من إطار حماية القانوني الدولي، مستغلين في ذلك المعايير المزدوجة التي تنتشر في الساحة السورية. فمن الممكن أن نشهدَ في سوريا الجماعات السورية المحلية التي تمارس حقها الوجودي والديمقراطي في تدشين مؤسسات سياسية مدنية حرة، ويجدون أنفسهم بين ليلة وضحاها في عالم لا تشملهم القوانين الدولية فيما يتعلق بالحرب والسلم، في حين تتمتع بعضُ الجماعات الإرهابية والاستبدادية بحصانة قانونية ما، أو تتستر على جرائمها المنظمة عبر التغطية الدعائية والإعلامية والدبلوماسية والسياسة.

عفرينُ كانت ضحيّةَ تلك السياسة النفعيّة الفجّة، والحسابات اليومية القذرة التي ينعدم فيها أي نوع من المعايير العقلانية والحقوقية والسياسية المستندة على القانون الدولي والاتفاقيات الدولية المعروفة من جنيف ولاهاي واتفاقية الإبادة الجماعية، ومن أجل ذلك كانت بمثابة مدينة مستباحة كلياً لا تملك أيَّ مسند للحماية القانونية.

نحن في مركز التوثيق والانتهاكات في شمال سوريا واستناداً إلى مرجعيات دولية فيما يخص جرائم حرب وجرائم التطهير العرقي وجرائم ضد الإنسانية،  نرى أنّ عفرين تعتبر كتلة اجتماعية موحدة تحتوى على الكرد والعرب وباقي المكونات الدينية والاثنية الأخرى، وبالتالي لا يمكن أن نفصل الحقوق الجماعية في التمتع بالحياة والحماية القانونية عن حقوق الأفراد الذين يتعرضون يومياً إلى الانتهاكات المروعة، لأنّ المخطط اليومي الممنهج الذي نشهده حالياً لا يستهدف أفراداً ومجموعات معينة بحد ذاتها، وإن كانت تتذرع بالضرب النخبة السياسية والتعليمية والمجموعات التي تمثل المقاومة في مواجهة الإرهاب والاحتلال، غير أنّ المحصلة النهائية وحسب الانتهاكات المروعة والأفعال المستمرة تفيد بأنّ ما ترمي إليه الدولة التركية هو استئصال المكوّن الكردي من منطقة عفرين بصورة قطيعة، لاسيما أنّ سياسة إحلال السكان الوافدين بدلاً من السكان الأصلين تجري على قدم وساق. وبالتالي نحن أمام منهجية التطهير العرقي” الترحيل القسري” في تنفيذ مخطط إبادة جماعية ضد الكرد في المقام الأول، وعلى الجهات المعنية والحقوقية أن تنظر إلى المسألة من الناحية الحقوقية بهذا المنظار، ولا تركز فقط على انتهاكات فردية هنا وهناك وكأنّها انتهاكات فردية عشوائية لا تتضمن أفعال منظمة ضد الكتلة السكانية بعينها، لأنّ الرؤية السياسية التركية- وبناءً على أفعال ملموسة والتي تقوم بها الفصائل المسلحة مع القوات المسلحة التركية- تتمركز على عقيدة القوة والعنف والحرب الدائم والترحيل القسري، حيث يصرحون يومياً في خطاباتهم التي تترجم فوراً إلى الوقائع الميدانية العسكري والعنفية.

ووفق هذه الصيغة”: ” يلزم تحطيم الكرد في سوريا بأي شكل كان، وحتى لو نضطر أن نستخدم المجموعات الجهادية والإرهابية العالمية في سبيل ذلك المسعى”. وبالتالي هذه المنهجية ليست أخطاء فردية ترتكب من قبل شخص من هذا الفصيل أو مجموعة شاذة من فصيل عسكري آخر، فهذه المقاربة المنظمة تستهدف عفرين بتاريخها وجغرافيتها وناسها ومكوناتها وأشجارها من الزيتون ومياها ولقمة عيشها وكل ما يمت بالبيئة البشرية والحيوية في هذه الجغرافية.

حجّةُ الدفاع عن النفس أو الأمن القومي

ينصّ ميثاقُ الأمم المتحدة المتعلق بالدفاع عن النفس، المادة 51، على ما يلي: ” ليس في هذا الميثاق ما يخلّ بالحق الأصيل في الدفاع عن النفس الفردي أو الجماعي إذا وقع هجومٌ مسلح ضد أحد أعضاء الأمم المتحدة، إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لصون السلم والأمن الدوليين “. ويدّعي المسؤولون الأتراك أنّ أعمالهم في عفرين اتخذت وفقا لهذا الحكم. ومع ذلك، لم يتم شن “هجوم مسلح” ضد تركيا من عفرين، أو أي إقليم آخر في روجافا.

بالمقابل فإنّ تصريحاتِ الرئيس التركي أردوغان كانت واضحة في الأيام التي سبقت العملية العسكرية من كونه سيشن حرباً هجومية وليست دفاعا كما يدعي، كونه بالأصل لم يتلقَّ أي تهديد .

في مؤتمر حزبه الذي عقده في ايلازيج في منتصف كانون الثاني / يناير، قال: ” إذا لم يستسلم الإرهابيون في عفرين فإنّنا سنسحقهم”. وفي كلمة أخرى، قال معلقاً على تصريحات امريكية عن إنشاء “قوة حدودية” في شمال سوريا، واعداً “بتدمير هذا الجيش الإرهابي في مهده”.. يوافق معظم المنظرين على أنّ التهديد الذي يتطلب اتخاذ إجراءات استباقية يجب أن يكون وشيكا، وأن تكون الاستجابة الوشيكة متناسبة. هذا المعيار لا يتحقق في عفرين.

لم تواجه تركيا أيَّ تهديدٍ وشيك من قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب والتي أكدت في عدة بيانات بأنّهم ملتزمون بالدفاع عن النفس داخل سوريا. وبما أنّه لا يوجد أي تهديد حقيقي، فإنّ ردّ تركيا – أي قصف المدن المدنية في جميع أنحاء المنطقة واستخدام الوكلاء الجهاديين لغزو الأراضي التي تسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية – لا يتناسب بأي حال من الأحوال مع القانون الدولي.

وعلى الرغم من المزاعم التركية على العكس من ذلك، فمن الواضح أنّ الدفاعَ عن النفس التقليدي أو الاستباقي لم يبرّر إطلاق العملية. كما وانّ تركية لم تبلغ مجلس الأمن الدولي – وهو شرط آخر في المادة 51- عن أي خروقات على حدودها طيلة السنوات السابقة، وهي لم تبلغ مجلس الأمن أيضا بالعملية العسكرية.

 

استهداف المدنيين

سيرُ العملية العسكرية التركية لا يفي بالمعايير الدولية المتصلة بالحرب. فبموجب نظام روما الأساسي، فإنّ ” توجيه الهجمات عمداً ضد السكان المدنيين بصفتهم هذه أو ضد الأفراد المدنيين الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال الحربية” يعتبر جريمة حرب. حيث كانت الطائرات التركية تقصف المناطق المدنية في عفرين. وقال مقدم في قناة “TRT نيوز”، وهي قناة تلفزيونية تركية تديرها الدولة، أكثر من مرة في بث أنّ القوات المسلحة التركية تستهدف وتقتل المدنيين في عفرين.

وفي 31 كانون الثاني / يناير، تم تسجيل إصابات في عفرين وجندرس وراجو وماباتا وشيراوة وغيرها من المدن والقرى ، وأشرطة الفيديو التي تبين تدمير القرى تظهر ذلك حيث أظهرت إحدى المشاهد تدمير كامل لمنازل المدنيين في إحدى القرى ومسحها عن الوجود، والقرية اسمها خالتا في ناحية شيراوا دُمّرت جراء القصف الجوي والمدفعي، وهو ما يُعتبر جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي.

مُلكية ثقافية

تم استهداف المواقع التاريخية بشكل متعمّد في عفرين. حيث توجد أربعة مواقع أثرية لاقت نصيبها من القصف التركي الجوي على عفرين وهي:  تلة عندارا والمواقع الأثرية في نبي هوري المصنفة على قائمة اليونسكو، وقريتي كوبلة وعلبيسكة التي يتواجد فيهما العديد من الكنائس الأثرية. حيث تنص مبادئ القانون الدولي العرفي على أنّه “يجب إيلاء عناية خاصة في العمليات العسكرية لتجنب الأضرار التي لحقت بالمعالم التاريخية ما لم تكن أهدافاً عسكرية أو ممتلكات ذات أهمية كبيرة للتراث الثقافي، لكن يجب ألا يكون الناسُ هدفاً للهجوم إلا إذا اقتضت الضرورة العسكرية ذلك “.

وقد دمّرتِ القنابلُ التركية ما يقدّر بنحو 60 في المائة من المعبد الحثي في عين دارة، وهو موقع ثقافي عمره 3500 سنة، والعديد من الآثار التاريخية الأخرى. أدانت الحكومة السورية هذا الهجوم، وقارنت المصادر في عفرين بتدمير داعش لمواقع مثل تدمر. وبالنظر إلى تاريخ المعبد الطويل كان القصف التركي غير مبرر وغير قانوني.

كما وأنّ في الفترات التالية للاحتلال تعرضت مختلفُ المناطق الأثرية والمعابد للتدمير والنهب والسرقة.

الأسلحة المحظورة

تشير تقارير عديدة إلى أنّ تركيا تستخدم أسلحة محظورة دولياً  في حربها على سكان عفرين. وأكدت قيادات قوات سوريا الديمقراطية ومصادر محلية، أنّ تركيا استخدمت النابالم ضد المدنيين، وقال الأطباء في مستشفى أرفين في عفرين أنّهم شاهدوا “حروقاً غير طبيعية” على جثث المدنيين الذين قتلوا في راجو. وتزعم مصادر محلية أخرى استخدام الغاز والذخائر العنقودية. ويجب التحقيق في هذه الادعاءات، وإذا تأكدت، يجب اتخاذ الإجراءات المناسبة.

كيف يجب أن يستجيب العالم؟

يجب على جميع الدول الفاعلة في الشأن السوري- لاسيما الولايات المتحدة وروسيا- أن يتخذوا خطواتٍ فورية لوقف الحرب وإنهاء تواطئهم في جرائم الحرب التي ترتكبها تركيا ضد المدنيين في عفرين والتي وصلت لحد التمثيل بجثث النساء وقتل الأطفال. حيث لم يكن قصف المدنيين ممكنا بدون الضوء الأخضر الروسي وفتح المجال الجوي السوري أمام الطائرات التركية. كما وأنّ هذه الطائرات قد اشترتها تركيا من الولايات المتحدة.

يجب على صُنّاع السياسة في الولايات المتحدة أن يتصرفوا فوراً لحظر مبيعات الأسلحة في المستقبل – وعلى جميع الحكومات الأخرى التي تستخدم معداتها العسكرية في العمليات التركية أن تفعل الشيء نفسه ولا سيما المانيا. ويتعين على الدول التي تعمل بالفعل كشركاء لقوات سوريا الديمقراطية على الأرض في سوريا – وخاصة الولايات المتحدة وروسيا – أن تقدم مساعدتها في عفرين بدلاً من محاولة عكس مسارها والتعاون مع أردوغان.

وعلى المدى الطويل، يجب على الدول والمنظمات الدولية ذات الصلة أن تبدأ عملية المُساءلة القانونية عن جرائم تركيا في عفرين. وفي حين أنّ تركيا ليست طرفا في نظام روما الأساسي، لا تزال هناك عملية لإحالة إجراءاتها إلى المحكمة الجنائية الدولية. وتنص المادة 14 من نظام روما الأساسي على أنّه يجوز لأي دولة طرف في المعاهدة أن ” تشير إلى المدعي العام حالة يبدو أنّها ارتكبت فيها جريمة أو أكثر من الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة تطلب إلى المدعي العام التحقيق في حالة الغرض من تحديد ما إذا كان ينبغي توجيه تهم إلى شخص معين أو أكثر بارتكاب هذه الجرائم “.

ومن الواضح أنّ تركيا ارتكبت جرائمَ ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية في عفرين. الصور ومقاطع الفيديو والشهادات من سكان المنطقة الذين يشهدون على الجرائم المتاحة بحرية. فأي دولة من الدول ال 123 التي صدقت على نظام روما الأساسي يمكن – بل ينبغي أن تبدأ – بجمع الأدلة لإحالة. يجب على شعوب تلك الدول الضغط على حكوماتها للقيام بذلك.

إنّ تصرفاتِ تركيا في عفرين هي مثالٌ واضح على جرائمَ ضدّ الإنسانية، وفق منظور القانون الدولي لحقوق الإنسان والمنظمات الدولية. وإذا كان العالم يؤمن بقيم مؤسساته، فإنّه سيسّمي هذه الجرائم على ما هي عليه، ويعمل على وقفها، ويضمن المساءلة.

عن الشرق الأوسط الديمقراطي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

التطرّفُ والتعصّب بين التشابه والاختلاف

إعداد: شلير سيدو / إن كانت هناك مشكلة واحدة في الكون من ...