الرئيسية / الملفات / محور العدد 44 - الرأسمالية العالمية وحروب الشرق الأوسط / الصراع بين الإسلام الثقافي والحداثة الرأسمالية.. هل هو صراع ثقافي أيديولوجي أم تاريخي سلطوي؟

الصراع بين الإسلام الثقافي والحداثة الرأسمالية.. هل هو صراع ثقافي أيديولوجي أم تاريخي سلطوي؟

بير رستم (أحمد مصطفى)/

إننا سنحاول من خلال بحثنا هذا الوقوفَ على عددٍ من القضايا التاريخية في صراع الطرفين –ونقصد الإسلام الثقافي أو بالأحرى السياسي والحداثة الرأسمالية العالمية- في تجلياتها الصدامية، إن كان من خلال ما يُعرف بحوار الحضارات فكرياً ثقافياً أو من خلال الصدام العسكري الدموي وذلك في الكثير من المواقع والجغرافيات.. وكذلك سنحاول جهدنا للوقوف على مقدماتها ومسبباتها التاريخية والسياسية ومآلات هذا الصراع في وقتنا الراهن، لكن وقبل ذلك سنحاول أن نقدم فكرة عن قطبي الصراع ذاك، كتمهيد للموضوع البحثي الذي نريد الوقوف عليه، ليكون القارئ على دراية ببعض المقدمات الضرورية لاستيعاب البحث وفك رموزها ودلالاتها.. بكل الأحوال نحاول الاجتهاد، لعلنا نقدم بعضَ الفائدة لشعبنا وقضايانا الفكرية والثقافية.

والآن لندخلَ إلى صلب الموضوع ونقف على قضيتي أو فكرتي البحث، ألا وهما؛ “الإسلام السياسي” أو الثقافي حيث تقصّدنا الثقافي وذلك على عكس ما هو دارج في الخطاب المعاصر بتسمية تلك التيارات الراديكالية ب”الإسلام السياسي”، كون الثقافي أشمل والسياسة جزء منها وبأنّ هذه التياراتِ لا تعمل في الحقل السياسي دون الاعتماد على ركيزة وقاعدة فكرية ثقافية، ألا وهي العقيدة الإسلامية بكل تشعباتها الفكرية من فقه ونص واجتهاد وسنة.. وكذلك سنحاول أن نقف على بداية الفكر الحداثوي والرأسمالية العالمية وتصديها للفكر الماضوي في تقديم نموذج بديل ما زال يشوبه الكثير من الإشكاليات، إذاً دعونا نتعرّف على كلا المبدأين، ما هو “الإسلام الثقافي” وكذلك “الحداثة الرأسمالية”؟.

 

بخصوص تعريف الإسلام، هناك الكثيرُ من التعريفات والشروح والنصوص بصدد الوقوف على معنى الإسلام لغةً واصطلاحاً، ومنها ما تقولها الكاتبة “آلاء أحمد” وذلك نقلاً عن (عبد اللطيف بن عبد الوهاب آل الشيخ)، في مؤلفه؛ “مصباح الظلام في الردّ على من كذب الشيخ الإمام ونسبه إلى تكفير أهل الإيمان والإسلام” حيث يقول هذا الأخير؛ بأن “الإسلامَ هو المنهج الذي وضعه الله سبحانه وتعالى للناس كي يستقيموا عليه، وتكون حياتهم مبنيةً عليه، والذي بيَّنه رسوله .. لهم، وإنّ للإسلام مجموعة من المبادئ والأُسس التي يجب على الإنسان حتى يكون مسلماً بحق الالتزام بها؛ ويُطلق على هذه المبادئ والأسس أركان الإسلام، وقد بيّنها رسول الله .. في كثير من النّصوص والأحاديث الصّحيحة، وقد اتّفقت جميعُ المذاهب الإسلاميّة على هذه الأركان، فكلّ إنسان يؤمن بهذه الأركان يُعتبر مسلماً تامَّ الإسلام، ومن يكفر بأيّ ركنٍ من هذه الأركان فكأنما كفر بها جميعها”(1) وتضيف الكاتبة؛ “للإسلام معنيان لغوي واصطلاحي” حيث تقول في الجانب اللغوي: “الإسلام هو: الانقياد، لأنّه يسلم من الإباء والامتناع”، أما بخصوص الاصطلاحي فتقول: “الإسلام في الاصطلاح يجمع معنيين: الأول: الانقياد والاستسلام، أما الثاني: إخلاص ذلك وإفراده لله، وعنوانه قول: لا إله إلا الله”(2) وبالتالي عليك إما أن تقبل، بل أن تؤمن به كما هو دون نقاش وجدال أو إنك منافق كافر زنديق تستحق الرجم والقتل!!

 

وطبعاً لن نذكركم بأركان الإسلام الخمسة فهي معروفة للجميع، لكن هنا في بحثنا وخلال الفقرات القادمة سنقف كثيراً وربما مطولاً عند قضية (الانقياد والاستسلام) كون التعبيران يكشفان جوهر الفكر الإسلامي عموماً؛ ألا وهو إبطال العقل، إلا فيما يثبت بأن “الإسلام: عقيدة وشريعة تكفل جميع ما يحتاج إليه البشر في مختلف مراحل الحياة”(3)، كما ذهب إليه الإمام الشيرازي في كتابه (ما هو الإسلام) وكذلك وافقه كل الأئمة والفقهاء من مختلف المذاهب الفقهية الإسلامية ممن سبقوه أو لحقوه؛ أي أن الإسلام وتحديداً النص القرآني يقدم كل الأجوبة لكل الأسئلة وفي كل العصور، باختصار؛ “نقطة على السطر وانتهى” ولذلك وجدنا اتهام كل الحركات الفكرية والاجتهادات بالبدعة وأصحابها بالزندقة والكفر والالحاد وكان مصيرهم القتل والرجم في التاريخ الإسلامي، إلا ما ندر وفي فترات قليلة وربما نادرة جداً بتاريخ الفكر الإسلامي، حيث سمح بعض الخلفاء وفي مراحل محددة، كما كان الحال في أيام “بيت الحكمة” مع الخليفة المأمون (ت 218 هـ/832م) فقد عرف عصره بتشكيل “مجلسا من أهل العلم والأدب، للمناقشة والمناظرة، وكان يُعقد كل يوم ثلاثاء، تحت رعاية الخليفة نفسه ومشاركته. وقد ضمَّ المجلس علماء وأدباء من شتى الملل والنحل، وكانوا يتناقشون في أهم القضايا الفكرية والعلمية, ويطرحون آراءهم بحرية كاملة دون حرج أو خوف، بل كان العلماء، في العالم الإسلامي يتنافسون لبناء سمعة علمية والحصول على شرف حضور هذا المجلس”(4).

 

والآن دعونا نتعرف على الشق أو القطب الآخر من البحث -وهي الحداثة والحداثة الرأسمالية- حيث تقول الموسوعة الحرة؛ بأن “الحداثة أو العصرنة تحديث وتجديد ما هو قديم وهو مصطلح يبرز في المجال الثقافي والفكري التاريخي ليدل على مرحلة التطور التي طبعت أوروبا بشكل خاص في مرحلة العصور الحديثة. بشكل مبسط، يمكن تقسيم التاريخ إلى خمسة أجزاء: ما قبل التاريخ، التاريخ القديم، العصور الوسطى، العصر الحديث والعصر ما بعد الحديث” وتضيف كذلك؛ “معظم الحياة الحديثة تغذت من مصادر متعددة: اكتشافات علمية مذهلة، معلومات عن موقعنا من الفضاء وتصورنا عنه، مكننة الصناعة التي حولت المعرفة بالعلوم التكنولوجيا، وغيرها. كل هذا يبين القديم والجديد من ما خلق للبشر، فهو يعجل حركة الحياة، يبلور أفكاراً واتجاهاتٍ اجتماعية وسياسية ودينية، يكون قوى وسلطات جديدة، يعقّد العلاقات بين الناس وبعضهم وبين الناس والمؤسسات المختلفة، يزيد أو يغير اتجاهات الصراعات الطبقية ويفصل الملايين من البشر عن تاريخهم وعاداتهم الموروثة منذ الأزل” وتستطرد الموسوعة لتقول: “الحداثة تشمل مجموعة من التغييرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بالإضافة إلى أخذ تلك التغييرات على أنها عصرية. الجدل حول الحداثة يتناول هذه التغييرات التي يبدو أنها بدأت في أوروبا في أواخر القرن الخامس عشر، أو بداية القرن السادس عشر” حيث أن “بعض المفكرين يؤرخون بداية الحداثة عام 1436، مع اختراع غوتنبرغ للطابعة المتحركة”. و”البعض الآخر يرى أنها تبدأ في العام 1520 مع الثورة اللوثرية ضد سلطة الكنيسة”. وهناك (مجموعة أخرى تتقدم بها إلى العام 1648 مع نهاية حرب الثلاثين عام ومجموعة خامسة تربط بينها وبين الثورة الفرنسية عام 1789أو الثورة الأمريكية عام 1776، وقلة من المفكرين يظنون أنها لم تبدأ حتى عام 1895 مع كتاب فرويد “تفسير الأحلام”) (5).

ويقول “كارل ماركس” في كتابه (أصل رأس المال) ما يلي: ((إن العلاقة الرأسمالية تفترض أن ملكية شروط تحقيق العمل مفصولة عن العمال. وحالما يقف الإنتاج الرأسمالي على قدميه فانه لا يدعم هذا التقسيم وحسب، بل يعيد إنتاجه أيضا وبمقياس متعاظم على الدوام. وعليه، لا يمكن للعملية التي تنشئ العلاقة الرأسمالية أن تكون غير فصل العامل عن ملكية شروط عمله – عملية تحول وسائل الإنتاج الاجتماعية ووسائل العيش إلى رأس مال من جهة، وتحول المنتجين المباشرين إلى عمال أجراء من جهة أخرى. ولذا ليس ما يسمى بالتراكم البدائي غير عملية تاريخية آلت إلى فصل المنتج عن وسائل الإنتاج وهي تبدو “بدائية” لأنها تشكل ما قبل تاريخ رأس المال وأسلوب الإنتاج المناسب له”)). ويضيف؛ “لقد كانت عبودية العامل نقطة انطلاق التطور الذي أنشأ العامل الأجير والرأسمالي على السواء. وقد تجلى هذا التطور في تغيير شكل استعباده، في تحويل الاستثمار الإقطاعي إلى استثمار رأسمالي”(6). وهكذا فهناك ارتباط وثيق بين كل من التطور الصناعي مع بداية الثورة الصناعية في العصور الوسطى بأوروبا وبين تراكم رأس المال بيد طبقة محددة شكلت نواة الرأسمالية العالمية لاحقاً لتتحول إلى مرحلتها الأكثر جشعاً وهي الإمبريالية وذلك وفق التوصيف الماركسي اللينيني، فيما بعد.. وبالتالي يمكننا القول: بأن الحداثة وفي شقيها الحضاري الثقافي وكذلك السياسي السلطوي جاءت في صراعها التاريخي مع الديني العقائدي حيث الطبقة الحاكمة الجديدة –الرأسمالية والبرجوازية المتشكلة- أرادت إبعاد السلطات القديمة والتي كانت في زواج الإقطاع مع رجال الدين داخل إقطاعيات وممالك تمتد لأحقاب مديدة من سلطة زعماء كنسية داخل الإمبراطوريات التي حكمت الشعوب والأمم من خلال معتقدات لاهوتية دينية، كما كان الحال في الإمبراطوريتين المسيحية الرومانية والإسلامية العثمانية.

 

وهكذا فإن جذر الإشكالية في صراع الحضارات ومنها الصراع الحالي بين كل من “الإسلام الثقافي العقائدي” وبين “الحداثة الرأسمالية العالمية” هو امتداد تاريخي لصراع الحداثة مع جذورها العقائدية الدينية المسيحية وذلك قبل أن تكون مع الإسلام السياسي مؤخراً حيث ضحت الثورة الثقافية الأوربية بالكثير من النخب الفكرية في صراعها مع الكنيسة أيام هيمنة الأخيرة على المجتمع والدولة في القرون الوسطى وقبلها، فكانت محاكم التفتيش والحرق والمقصلة التي تنتظر كل من يخالف التعاليم الكنسية المتزمتة فكرياً عقائدياً وبعد أن تمكنت الثورات البرجوازية-الرأسمالية من الإطاحة بتلك النظم السياسية البائدة المعرقلة لنمو مجتمعاتها و”فصلت الدين عن الدولة” وكانت لها إنجازها الحضاري، بدأت في البحث عن المزيد من الأسواق العالمية لكي تحصل على اليد العاملة والمادة الخامة بأرخص التكاليف ومن جهة أخرى لتصرف بضائعها التي باتت تتكسد في أسواقها، فكانت الحروب الاستعمارية الأوربية مع بداية القرن التاسع عشر حيث سقوط وانهيار الخلافة العثمانية التي كانت ولذاك الحين رهينة العقلية البدائية المنغلقة على نص جامد منغلق على الذات، يكفر الاجتهاد والإبداع تحت مفهوم الزندقة والإلحاد والبدعة. وهكذا فإن انهزام الدولة العثمانية أمام الدول الأوربية كان انهزاماً حضارياً ثقافياً وذلك قبل أن تكون هزيمة عسكرية لجيوشها أمام جيوش تلك الدول الاستعمارية واحتلالها للمنطقة وشعوبها، لكن ورغم المطامع الاستعمارية في خيرات المنطقة فهي حملت مع جيوشها ثقافة وحضارة مجتمعاتها ودولها الناشئة على أسس ثقافية مغايرة لمرحلة الدولة الدينية حيث كان الفكر القومي عماد الدولة الأوربية الجديدة وذلك بعد اندحار الكنيسة وفكرها اللاهوتي في صراعها مع القوى المجتمعية الوليدة من البرجوازية والرأسمالية الصناعية.

 

وبالتالي فقد تأثرت النخب الثقافية والفكرية في المناطق والجغرافيات التي خضعت للاستعمار الجديد وباتت هناك دعوات للانفصال والتحرر من عبودية الأجنبي وتشكيل دول قومية وذلك على غرار التجربة الأوربية التي كانت هي الأخرى نتيجة أزمة وصراعات بين الإمبراطوريات الدينية القديمة. وفي ذلك تقول الكاتبة “أميرة أحمد” في مقالة لها بعنوان؛ (الحروب الدينية في أوربا) ما يلي: “سادت الحروب ذات الطابع الديني أوروبا في القرون الوسطى، حيث كان الدافع الرئيسي لهذه الحروب هو الدين، فكانوا يرون أنها تطبيقٌ لإرادة الرب، وأنه طاعة للرب واستجابة لندائه عليك خوض هذه الحرب..”

 وتضيف “هذه الفترة تحديداً غنية بالحروب الدينية التي استمرت لعشرات السنين، وجدير بالذكر أن الكنيسة في هذه الفترة كانت تسيطر بشكل كبير على مجريات الأمور في أوروبا، لم تكن نفوذها دينية فقط، بل كان لها نفوذ ورؤى وقرارات سياسية واقتصادية وعسكرية أيضاً، حيث كان في إمكانها عزل الملوك والأمراء عن طريق سحب الثقة منهم وفصلهم من الكنيسة، ما يعني افتقادهم لثقة وطاعة الشعب الذي يثق كل الثقة بالكنيسة” وتورد كمثال عن تلك الحروب ما يعرف بـ”حرب الثلاثين عاماً” وتعرف تلك الحرب، بأنها؛ “حرب قامت  بين الكاثوليك والبروتستانت خلال القرن الـ 17 في ألمانيا، استمرت هذه الحرب ثلاثين عاما وانتهت بأوبئة ومجاعات وتدمير شامل بكافة النواحي عام 1648 م”(7). طبعاً أوردنا تلك الحرب كمثال وليس كحالة فريدة في التاريخ الأوربي بالقرون الوسطى حيث لو عدنا لتلك المرحلة لوجدنا الكثير من تلك الحروب والمآسي منها الحروب الأهلية الفرنسية بين الكاثوليك والبروتستانت، وتقول الكاتبة بخصوص ذلك؛ “بلغت الحرب يبين بين الكاثوليك والبروتستانت ذروتها في فرنسا في عام 1562 واستمرت قرابة الـ 40 عاماً ، ثماني حروب قضت على مملكة فرنسا، عندما هجمت الجماهير الكاثوليكية على الأقلية البروتستانتية في مختلف المدن والأرياف الفرنسية”(8).

وهكذا ومع هذه الأزمات والكوارث من جهة ومن جهة أخرى نمو طبقة سياسية مجتمعية، بيدها القوة الاقتصادية وكذلك نخبة ثقافية فكرية تقارع الفكر اللاهوتي، كان لا بد من براكين تفجر البنية المجتمعية الراكدة وطبقة التكلس السياسي الاجتماعي لتلك المجتمعات، فكانت الثورات البرجوازية الأوربية وتشكيل الدولة القومية أو القوموية.

ويقول القائدُ أوجلان بخصوص هذه المرحلة ما يلي: ” الدولةُ القومية هي الشكلُ الذي تَحَقَّقَ فيه الاحتكارُ الرأسمالي. فشكلُ الدولة الذي كان لازماً لإنكلترا وهولندا منذ القرن السادس عشر لأجلِ تحطيمِ آمالِ إسبانيا وفرنسا في الإمبراطورية، كان ضرباً بدائياً من ضروبِ الدولة القومية. فقد كانت إمارةُ هولندا ومَملَكة إنكلترا ستعملان على ضمانِ تفوقهما بالتوجه قُدُماً صوبَ الدولة القومية. ومع بروزِ العامل القومي بين الدول بعدَ إبرامِ معاهدةِ واستيفاليا عام 1649، تسارعت وتيرةُ المستجدات نحو الدولةِ القومية” (9). لكن ما يميز التجربة الأوربية عن التجربة الشرقية في مسالة تكوين الدولة القومية الحديثة، بأن الأخيرة حاولت المزج بين الفكر الديني اللاهوتي مع أفكار الحداثة الرأسمالية بحيث نتج ما يمكن تسميته بالتيار القومو إسلامي في الواقع الشرقي، بعكس التيارات الحداثوية الأوربية التي عملت على “فصل الدين عن الدولة”. وهكذا نتج ما يمكن تسميتها بالدول القومو إسلامية في الشرق وخاصةً بعد فشل مرير لكل من التجربة اليسارية الماركسية وكذلك القومية الحداثوية في قيادة مجتمعاتها وتحقيق ثوراتها الوطنية حيث الأول جنح إلى الخضوع المطلق للتجربة السوفيتية، مما أفقدها خصوصيتها المجتمعية الوطنية فرفضتها المجتمعات الشرقية، بينما الآخر ونتيجة ضعف البرجوازية الوطنية فقد ركبت التجارب الدولتية الناشئة فئات مجتمعية ذات أصول إقطاعية-عشائرية متخلفة أو ثلة من العسكر الفاقدين لأي منبت اجتماعي ثقافي يؤهلهم لقيادة المرحلة، فكانت الويلات والانكسارات وحكومات أكثر تخلفاً من الدولة العثمانية والأسوأ إنها كانت أكثر استبداداً وعنفاً تجاه مجتمعاتها وبالأخص تلك التي حكمتها طغم عسكرية.

 

ولذلك رأينا الردة الأخيرة في المجتمعات العربية والشرقية عموماً حيث عودة “الإسلام السياسي”، كتيار يريد أن يتبوأ الساحات الوطنية من خلال تنظيمات جهادية عقائدية، مثل الإخوان المسلمين وتنظيم القاعدة و”داعش” وغيرهم من المجاميع التكفيرية الجهادية وبالتالي طُرٍح مبدأ (الإسلام هو الحل)، طبعاً سبقتها تجربتين نجحتا في تقديم نموذجهم للعالم الإسلامي على إنه الحل الذي يمكن به إنقاذ ما يمكن إنقاذه وطنيا،ً وذلك في حالة مزج وتزاوج بين كل من التراث الديني العقائدي الإسلامي والفكر القوموي الحداثوي الرأسمالي، ونقصد بهما كل من التجربة الإسلامية الخمينية في إيران مع ما عرف ب”الثورة الإسلامية” التي أطاحت بنظام شاه الإقطاعي القرووسطي المتخلف هو الآخر وذلك في عام 1979م، وبعدها كانت تجربة “حزب العدالة والتنمية” في تركيا عام 2002 والتي هي الأخرى حاولت المزج بين كل من تراث الدولة العثمانية ومنطلقات مؤسس الدولة التركية الحديثة؛ “كمال أتاتورك”. وللأسف فإن المجتمعات الأوربية قد ساعدت التجربتين وبالأخص تجربة العدالة والتنمية في تركيا، لتكون نموذجاً للاقتداء به كحل سياسي مقبول في المجتمعات الشرقية، وذلك إلى أن كانت “الثورات العربية” وانكشاف المرامي والأهداف والأجندات الخفية للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين بقيادة حزب العدالة والتنمية ورئيسها “أردوغان”، بأن قيادة المنطقة وإعادة “أمجاد السلطنة العثمانية” مع خلافته على جماعة “أهل السنة”، مما جعلت أمريكا والدول الأوربية تعيد قراءاتها السياسية في المنطقة وترسم استراتيجيات جديدة تقوم على الشراكة الوطنية ودولة المواطنة، لا دول عقائدية لاهوتية تعيد مجتمعاتنا للقرون الوسطى وربما لما قبل التاريخ ومع فكر عقائدي منغلق على أن النص القرآني “يقدم الإجابات لكل الأسئلة وفي كل المراحل التاريخية”!!

 

وهكذا كان لا بد من البحث عن البديل؛ البديل عن النموذج القرووسطي الأوربي في الدولة القوموية حيث لا يمكن إعادة تجربتهم مجدداً، كون لا المجتمعات ولا المرحلة التاريخية يمكن أن تكون ملائمة لإعادة مثل تلك التجارب الأوربية في تكوين دول وحكومات داخل جغرافيات هذه المنطقة التي لها خصوصيتها الحضارية الثقافية وبنفس الوقت، فإن المرحلة التاريخية ومصالحهم الاستراتيجية تدفعهم بقبول أو الوقوف إلى جانب ثورات المنطقة وبالتالي إسقاط حكومات متخلفة مستبدة قمعية، لكن دون القبول أو الرضوخ بوضع فئة أكثر تخلفاً وتشدداً على رأس حكومات هذه الدول وذلك من خلال السماح لتيارات دينية راديكالية؛ إن كانت بقيادة إيران “الشيعية” الملالية أو تركيا “السنية” الطورانية، كما تحاول هاتان الدولتان ركوب موجات “ثورات المنطقة” للإتيان ببعض تلك التيارات الدينية الراديكالية لسدة الحكم في دول المنطقة ولذلك كان وما زال التدخل العسكري الغربي الأمريكي في المنطقة ومحاولة إيجاد مخارج سياسية تؤمن استقرار هذه المجتمعات ودولها من جهة ومن جهة أخرى تحقق مصالحها السياسية والاقتصادية وحتى الثقافية للارتقاء بهذه المجتمعات حضارياً حيث حالة الفقر والتخلف والصراعات في هذه الجغرافيات وبالأخير تنعكس على أمنها واقتصادها وتطورها الحضاري وذلك إن كانت من خلال صراعات إقليمية بالمنطقة أو من خلال موجات الهجرة والتي باتت تشكل عبأً آخراً على اقتصادات وأمن الدول الأوربية. وبالتالي وبحسب قراءتنا للمرحلة وللواقع الراهن؛ فإن مبدأ المشاركة والمواطنة داخل هذه الدول والمجتمعات تكون هي أفضل الحلول وفي ذلك يوضح أوجلان موقفه من القضية فيقول: “إما أنْ يَكُون النصرُ حليفَ الدولة القومية كونها نواةَ البورجوازية، أو حليفَ الحركةِ الكونفدرالية الديمقراطية لجميعِ الشرائح الاجتماعية الباقيةِ خارجَ إطارِ هذه الاحتكارات والأرستقراطية الجديدة”(10).

وأخيراً نختم بحثنا هذا بالسؤال التالي: ما الحل؟ لقد كتب ونشر لينين مؤلفه المعروف؛ “ما العمل” في عام 1902 ويتصدى فيه إلى عدد من المشكلات يختصرها الكاتب “روب سويل” في مقدمته للكتاب حيث يقول: إن أهمية الكتاب يأتي من إنه “ينتقد فيه لينين التوجهات الإصلاحية والانتهازية داخل الحركة الاشتراكية الديمقراطية الروسية، ويدافع عن ضرورة بناء حزب ملتزم من الثوريين المحترفين لقيادة الطبقة العاملة نحو حسم السلطة. إنه كتاب مهم  جدا للماركسيين الذين يناضلون من أجل الثورة اليوم”(11). وها نحن نضيف ونقول: لكن ولكي تبدأ بالخطوات العملية ويكون “العمل”، لا بد من أن تكون لك خطة ودراسة وبرامج وطنية سياسية لحل معضلاتنا في الشرق الأوسط، ومنها سوريا على سبيل المثال لا الحصر حيث التنوع الثقافي الأقوامي والديني، وبالتالي لا بد من طرح مبدأ المشاركة والقبول بالآخر شريكاً وطنياً حقيقيا،ً وأن زمنَ استعباد -أو حتى استبعاد- الآخر قد ولى ولذلك فلا بد من البحث عن حلول ومخارج تنقذ ما يمكن إنقاذه وإلا فإن حروبنا وكوارثنا ستمتد بنا لأجيال قادمة ولن نحصد غير الدمار والقتل والعنف والعنف المضاد وذلك إلى ما لا نهاية، ولن يكون هناك الحل حيث لا حلول مع الحروب والصراعات، والمثل العربي الذي يقول؛ “الدم لا يغسل بالدم” لم يأتِ من فراغ، بل نتاج مخزون فكري ثقافي مجتمعي.

ولذلك ولكي نصلَ للحلّ ونبدأ العمل؛ علينا القبول بالآخر كما هو لا كما نريد أن يكون أو نفرض عليه شروطنا وأحزابنا وأعلامنا وأقوامنا ومبادءنا الدينية أو الثوروية، بل أن نقبل به شريكاً بما يؤمن هو به من ثقافة وهوية فرعية لشخصيته الحضارية داخل ما يعرف بالهوية الوطنية الجامعة لنا جميعاً كسوريين وربما يوماً ككردستانيين إن تعذرت الشراكة الوطنية، رغم أن الوطنية السورية لن تلغي كردستانية جغرافية خاصة بالمكون الكردي في سوريا.

ويبقى السؤال مطروحاً؛ هل الصراع بين الإسلام الثقافي والحداثة الرأسمالية هو صراع ثقافي أيديولوجي أم تاريخي سلطوي، رغم أن العلاقة بين الأيديولوجي والسلطوي علاقة كينونة عضوية حيث كل طرف يتكأ ويستند على الآخر في الوجود الفضائي لكل حقل خاص به متأثراً بالسيالة الأيديوسلطوية، كون لا سلطة دون أيديولوجيا وكل أيديولوجيا لها سلطتها المعنوية والمادية.

……………………………………………………………………………………………………………….

 

مصادر ومراجع الكتاب :

        مقالة للكاتبة “آلاء احمد” بعنوان؛ (ما هو الإسلام) منشور في موقع “موضوع”.

        المصدر السابق.

كتاب “الإمام الشيرازي” تحت عنوان؛ (ما هو الإسلام) منشور على موقعه الخاص

مقالة بعنوان: “العباسيون يرعون العلم والعلماء ــ نقلاً عن مجلة العربي” منشور على صفحة (بيت الحكمة العباسي)؛ صفحة فيسبوكية.

الموسوعة الحرة “ويكيبيديا”، مقالة بعنوان؛ “حداثة”.

كارل ماركس؛ “أصل رأس المال”.

مقالة بعنوان: “الحروب الدينية في أوربا.. وواقعنا العربي” للكاتبة؛ أميرة أحمد منشورة في موقع آراجيك.

المصدر السابق.

9-     “الحداثة الرأسمالية والدولة القومية”، عبد الله أوجلان / موقع الحوار المتمدن.

10-   المصدر السابق.

11-   مقالة بعنوان؛ (“الدروس الثورية لكتاب لينين” ما العمل؟) منشورة بموقع Marxism

 

عن الشرق الأوسط الديمقراطي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الرأسمالية المالية وبناؤها الفكري وعلامات أفولها

/صلاح الدين مسلم تمهيد “ماذا سيقول… لقد تكلّم كثيرًا ولم أفهم شيئًا ...