الرئيسية / مواضيع أخرى / الكنيس اليهودي والكنيسة المسيحية في دورا أوروبوس (صالحية الفرات)-1-

الكنيس اليهودي والكنيسة المسيحية في دورا أوروبوس (صالحية الفرات)-1-

 

ترجمة ياسر شوحان

فصل من كتاب 

 (DURA-EUROPOS AND ITS ART)

M.ROSTOVTZEFF

ميخائيل روستوفيتزيف

 

من المعروف أن بلادَ بابل خلال الفترة الآشورية المتأخرة والفارسية والهلنستية كانت إحدى المراكز الهامة للديانة اليهودية، وتأتي بأهمية فلسطين وأكثر أهميةً من مصر، وبقيت الحال هكذا خلال الفترة الفارسية التي سادها جوٌّ من التسامح من خلال السياسة الدينية الحكيمة للزعماء الأرشيكونيين. ومن ثم انتشر اليهودُ من بابلَ إلى مناطق في طول وعرض دجلة والفرات. ثم حكم البطالمة في فلسطين وأعطوا اليهودَ فرصة ممتازة للاستقرار والاستيطان في سوريا خلال فترة حكم هذه السلالة. وأخيراً أخضع تيتوس فلسطينَ لحكمه، ثم حصل تجديد الأباطرة الرومان في القرن الثاني الميلادي مع سياسة إيبفانيس مع تغييرات كثيرة ساهمت في جعل المستوطنات اليهودية في سوريا وبلاد الرافدين أكثر قوة وانتشاراً. ومن المرجح أنه في هذا التاريخ أصبحت المستعمرةُ اليهودية في تدمر عاملاً مهماً في حياة هذه المدينة. كما أننا نعرف عن الدور الذي لعبه اليهود في تدمرَ في عهد الملكة العظيمة زنوبيا، وخلال الفترة الهلنستية والفترة الرومانية الباكرة أظهرت اليهوديةُ نزعة قوية لتصبح الدينَ الرسمي، وهذا ما حصل لاحقاً مع المسيحية والتي أصبحت الديانة الجديدة والجوهرية في المنطقة بسرعة، ثم انتشرت هذه الديانةُ بين سكان سوريا وبلاد الرافدين خلال الفترة الفارسية المتأخرة والرومانية.

( لم تكن معابد دورا أوروبوس مجرّد حجرٍ وطين ، بل كانت مراكزَ للتأثير الحضاري فرضت نفسها وإشعاعها الفكري حتى على غزاة المدينة، فتلك المدينة البالغة مساحتها 72 هيكتاراً استطاعت أن تضمّ داخل أسوارها ثمانية عشر معبداً منها الوثني والمسيحي واليهودي وربما معبد للنار أيضاً، وفي جنبات هذه البقعة الصغيرة تعايش الساسانيون والرومان والهلنستيون والتدمريون في أعلى حالة من السلام والمحبة، لم تعرفِ التعصّبَ ولا فرضَ دين جديد بالقوة . المترجم)

مع هذا مرّ وقتٌ طويل قبل أن يُنقّب عن أي آثار يهودية و مسيحية في دورا. فالبعض منا ناقش غياب هذه الآثار وحاول إيجاد تفاسير لها، ولكن مع تقدم التنقيبات الأثرية أظهرت النتائجُ البراهينَ القاطعة[1].

في عام 1931 ـ 1932 عثرنا على منزل خاص تحت الحاجز الترابي من السور المواجه للبادية وإلى الجنوب الغربي من البوابة الرئيسة، وقد حُفظ هذا المبنى بشكل ممتاز. فقد بُني هذا المنزل في بدايات القرن الثالث الميلادي وتحول إلى مكان لاجتماع المسيحيين وللعبادة في عام 232 م تقريباً. وقد استُخدم جزء من الغرفة كمعمودية، كما زينت الصورُ أجزاءً كبيرة من الطبقة الجصية التي تغطي الجدران، وقد عُثر على بعض من هذه الأجزاء على جدران المعمودية. وفي الحقيقة كنا قادرين على إعادة البناء في الموقع الأصلي للكنيسة وترك الصور حيث وُجدت، ولكن بعد الاتفاق مع مصلحة الآثار السورية تم نقل هذه الصور من جدران المعمودية بدورا إلى مدينة نيوهافن في أميركا ثم أُعيد بناء المعمودية أو المصلى الصغير هناك في إحدى قاعات معرض يال للفنون الجميلة.

وبعد اكتشاف بيت الصلاة المسيحي مباشرة فاجَأنا اكتشافٌ آخر في عام 1932 ـ 1933 تحت الحاجز الترابي المنحدر ولكن إلى الشمال من البوابة الرئيسة، حيث كشفنا عن بناء محفوظ بشكل جيد أثبتت صوره الملونة ونقوشه بأنه كنيس يهودي، وقد أعاد بناء هذا الكنيس صموئيل مهندس الكنيس وكوهين وبعض اليهود الأغنياء وأصحاب السلطة من الجالية اليهودية بدورا في عام 245 م، وسأقوم بوصف البناء وتاريخه ورسومه الملونة.

ومرة ثانية فإننا غير قادرين على إعادة بناء الكنيس وترك الصور في مكانها الأصلي. وبعد الاتفاق مع مدير مصلحة الآثار السورية م. سيريج ومع مدير متحف دمشق الأمير جعفر، قام السيد هـ. بيرسون بفصل الصور بعناية عن الجدران وهي عملية حساسة للغاية لا يمكن أن تُنفّذ بدون تحطيم الجدران التي خلف الصور. ومن ثم نُقلت هذه الصور إلى دمشق، ثم أعاد بيرسون بناء الغرفة الرئيسة والفناء بشكل ماهر ووضع الصور الأصلية والسقوف المصنوعة من الطابوق الذي يحوي رسومات عديدة في المتحف الوطني بدمشق، ومن خلال إعادة بناء الكنيس أصبح المتحف الوطني بدمشق ذا ميزة أكثر جاذبية من ذي قبل. وينتصب الآن هذا الكنيس في فناء المتحف كما كان في دورا عام 256 م. لقد تم بناء هذا الكنيس بدقة متناهية في كل تفاصيله وحُفظت الرسومات بطريقة فائقة من العدو الرئيسي الأول لها ألا وهي الرطوبة. وقد رأيت هذا الكنيس في دورا مرات عديدة ولكن الكنيس المعاد بناؤه في دمشق ترك في نفسي انطباعاً عميقاً وتأثيراً دائماً.

إن ما وضحتُه في البداية حول اليهودية والمسيحية يُفسِّر تماماً وجود الكنيسة المسيحية والكنيس اليهودي بدورا، فاكتشافهما كان صدفة كبيرة، وخصوصاً تلك الرسوم الملونة التي رسمتها الجاليتين اليهودية والمسيحية بدورا مستخدمين بذلك منازل خاصة بجوار سور المدينة المواجه للبادية. ومن المحتمل أنهم أشادوا منازل خاصة أخرى للصلاة في مناطق أخرى من المدينة، ولكن القليل منها وُجد فيها رسومٌ جدارية، وبكل الأحوال فإننا لا نستطيع الجزم إن كانت بقايا هذه الأبنية هي أماكن للصلاة فعلاً أو منازل، ومرة أخرى تخدمنا الصدفة أو التقلبات السياسية الأخرى في تاريخ دورا، فقد طمر المنحدر الترابي المبنيين وحافظ على أكثر الأجزاء أهمية.

علاوة على ذلك، فمن المعروف لدى طلبة الدين اليهودي أن التفسيرَ الضيق لخروج اليهود من مصر قد أدى إلى إزالة كامل الصور الملونة والمنحوتات من زينة معبد القدس والكنيس اليهودي. وظل منع هذه الرسومات سارياً خلال الفترة الهلنستية والفترة الرومانية الباكرة. وخلال القرون الميلادية الأولى حاول بعض الحاخامات استبدال بعض الشروحات بتفاسير أكثر تحرراً فيما يتعلق بالتساؤلات حول قصة العبور. الأمر الذي سمح لهم بتزيين جدران كنسهم برسومات مستوحاة من الكتب اليهودية المقدسة. وعموماً فإننا لا نعرف إن كان هذا التفسير قد لاقى الاستحسان لدى الجاليات اليهودية، ولكن من المؤكد بأن هذه الرسومات لم تُعتمد عالمياً كقوانين ولا تتوافق مع تعاليم التلمود.

لهذا أصبح للجالية اليهودية بدورا فرصة للتزيين حتى وإن كانت هذه الفرصة متأخرة، فلم يُفكر اليهود بتزيين الكنيس الأول إلا في أوائل ومنتصف القرن الثالث الميلادي بمشاهد ذات شخوص مفعمة بالحياة عندما غيّر اليهود تفسيرهم حول النزوح الجماعي (الخروج).

والخلاصة فإن اكتشافاتنا كانت نتاج لعدة مصادفات، وقد لا تتكرر مثل هذه المصادفات مرة ثانية كالتي وجدناها في الكنيس والكنيسة المسيحية وبيت المعمودية هذه المكتشفات التي تُعد ذات أهمية كبيرة في تاريخ الأديان المسيحية واليهودية وتاريخ فنونها.

في الواقع لست اختصاصياً في هذا القسم من التاريخ، ولكن سأصف وبشكل موجز هذين المبنيين ورسومهما الداخلية وبدون مناقشة العديد من النقاط الجدلية في تفسير المشاهد الفردية. إنّ وصفَ هذه المباني سهل نسبياً، وقد قام بتوثيق الكنيسة المسيحية الأستاذ س. هوبكنز من ميتشغان والأستاذ ب.ف.س باور من يال، ونُشرت جميع هذه الصور في التقرير الأثري الخامس، ثم نشر السيد هـ. بيرسون والسيد س. كرايلنغ عن الكنيس اليهودي في التقرير الأثري السادس. بالإضافة إلى العديد من المقالات الجيدة التي كتبها العلماء المختصون عن الكنيس والتي تعتبر دليلاً هاماً لدراسة الكنيس اليهودية حيث قام بجمعها السيد بيرسون لتوضع تحت تصرف زوار الكنيس في متحف دمشق الوطني.

( تميزت معابد دورا أوروبوس بالتنوع والرصانة كمعبدي أدونيس وزيوس تيوس، والقِدم كمعبد الإله ميثرا وهو أول ميثرايوم يُكشف عنه في الشرق، في حين قدّم معبدي زيوس ماجيستوس وأترغاتيس نموذجاً فريداً في العمارة الشرقية . المترجم)

ولكن سأضيف بعض الملاحظات حول مكانة الصور الجدارية اليهودية والمسيحية بدورا في تطور الفن في الشرق الأدنى مع إعادة صياغة بعض الإشكالات التي ارتبطت بدراسة الصور كحلقة هامة في سلسلة تطور هذا النوع من الفن. ولكنني لن أخوض بالأمور المتعلقة بعلم اللاهوت والعقيدة اليهودية والمسيحية والتي تُفسر نشوء هذين المبنيين. كما وأنني لست مؤهلاً لتتبع العلاقات فيما بين صور الكنيس أو الكنيسة المسيحية وتطور الفن اليهودي والمسيحي قبل تاريخ هذين المبنيين. لذا تركت هذا الموضوع للعلماء المطّلعين على هذا التطور. وبالنسبة للكنيسة المسيحية فسيجد القارئ توجيهاً قيّماً في الدراسة كان قد أعده السيد ب.ف.س باور، أما الأستاذ م. أبيرت من الأكاديمية الفرنسية للنقوش فسينشر دراسة عن الأسلوب والتحليل التاريخي لصور الكنيس في التقرير النهائي. وفي الوقت نفسه سيعالج الأستاذ س. كرايلنغ رمزية هذا الكنيس والمشاكل المتعلقة به أما هندسة الكنيس المعمارية فسيقوم السيد هـ. بيرسون بدراستها، وأُشير إلى الدراسة التي سيقدمها الدكتور ميسنيل أحد مكتشفي هذا الكنيس مع بعض النشرات الدورية المختلفة التي تخص الصور والنقوش في هذا المبنى.

وسأعطي الآن وصفاً بسيطاً لهذا الكنيس مع الإشارة لبعض الصور التي زينت جدرانه.

تبين من خلال البحث المتأني في هذا المبنى ومحيطه أن الكنيس الجديد كان قد بُني على أساسات كنيس أصغر منه، فهذا الكنيس كان منزلاً خاصاً بالأصل ثم أُعيد بناؤه في عام 200 م تقريباً ليصبح كنيساً يشمل رواق الفناء والغرفة الرئيسية للكنيس وأربعة غرف جانبية. ومدخل يُفضي إلى الكنيس عن طريق الممر الذي يتصل مع الشارع الموازي للسور. مع مبنى آخر شبيه بالسرادق (من المحتمل أنه بُني من الخشب) لحفظ التوراة ثم جُعلت له كوة في الجدار الخلفي لهذا الغرض. ثم بُنيت المقاعد على طول الجدران الداخلية من الكنيس. وزُينت الغرفة الرئيسة برسوم جميلة ذات أنماط تزيينية ولم تتضمن رسوماً إنسانية أو مشاهد حيوانية، وقد عرفنا هذا من خلال أجزاء الطبقة الجصية الحاوية لبعض الرسوم في الكنيس الباكر والتي استخدمت كحشوة لملء الفراغات في مقاعد غرفة الصلاة الأخرى.

بينما أُرخ الكنيس الثاني لعام 245 م من خلال أحد النقوش التي عُثر عليها فيه (يُشير النقش في الحقيقة إلى تاريخ بناء السقف ولكن هذا لا يغير التاريخ) وهذا الكنيس أكبر بكل تفاصيله، كما وُسِّع الفناء مع غرفة الصلاة. حيث تم شراء كامل المنزل المجاور وأُعيد بنائه لتخديم الكنيس، ثم أُغلق المدخل المؤدي إلى الشارع المجاور للسور واستُبدل بمدخل آخر يقع على الشارع الموازي له حيث لا يمكن الوصول إلى الكنيس مباشرة من الشارع بدون العبور بالمنزل المضاف إلى الكنيس. وهكذا كان كلا الكنيسين السابق واللاحق مخفيين بشكل جيد بكتلة من المنازل الخاصة، وعموماً فإن النمط الثاني أفضل من النمط الأول بكثير.

وكما هو حال الكنيس السابق فقد شمل الكنيس اللاحق الفناء مع رواق معمّد وغرفة للصلاة مع بوابتين تُسهلان الدخول إلى الفناء. خُصص الباب المركزي للرجال في حين أن الباب الجانبي خُصص للنساء، ويُظهر لنا التركيب العمراني لمقاعد الجزء الجنوبي من الكنيس أن هذه المقاعد حُجزت للنساء فقط، وأُحيطت الغرفة بمقاعد مزدوجة لراحة الأقدام (خُصصت للرجال) كما زُين الجدار الخلفي بكوة، ويقع أمام هذه الكوة الإيديكولا[2] كمستودع لحفظ التوراة. كما كان التوراة عادة ما يُخفى ضمن مزار خلف ستارة. أما المقعد ذو الثلاث درجات فقد خُصص للكاهن الذي يقف بالقرب منه.

لقد دُفن الجدار الخلفي للكنيس تحت المنحدر الترابي، وقد وُجد هذا الجدار سليماً حتى ارتفاع ستة أمتار بينما عُثر على الجدران الجانبية محفوظة بالشكل الذي يرافق ميول المنحدر، مما شكل جدران مثلثة قائمة الزاوية عند إزالة الأتربة، ومع ذلك فإن الجزء الأسفل من جدار المدخل حُفظ بشكل جيد، وإن من السهل إعادة بناء السقف مع ربطه بالجدار الخلفي، هذا السقف المبني بالطابوق الملون حيث عُثر على العديد من أجزاء الطابوق ضمن أتربة المنحدر. ويتجه الكنيسان إلى الغرب، فالمتعبد الذي يدخل الكنيس يتوجه مباشرة إلى قدس المعبد ويبرز أمامه ضريح عليه التوراة المقدسة.

هناك فترتان رئيسيتان في تاريخ رسوم الكنيس. فقد بقيت الجدران بدون أي رسوم لفترة من الزمن ثم انحصرت الزينة في المحراب وفي اللوح المستطيل الذي يعلوه. حيث نجد في هذا اللوح صورة رمزية لشجرة كبيرة ذات خضرة كثيرة مع أداتين مقدستين مجهولتين في أسفلها. وجميع هذه الرسوم على خلفية حمراء اللون.

طُليت الأعمدة والإيديكولا (البناء الشبيه بالخزنة) بألوان أخرى تأخذ شكل الرخام الملون. بينما كان الجدار المقوّس الذي يعلو الأعمدة مزيناً برسوم تصويرية مختلفة الأسلوب بشكل كبير عن الصور التالية. فلدينا من اليسار صور لأدوات مقدسة ورموز عبرية : هارون هاكوديش (خزنة لحفظ اللفائف الورقية القانونية) والمينورا (شمعدان بسبعة أذرع) وفيما بينهما إيثروج (الكَبّاد) ولولاب (فرع نخلة). بينما إلى اليمين نجد رسماً صوِّر بطريقة غريبة لتضحية إبراهيم. حيث يُظهر الرسام تردداً حول تمثيل الهياكل البشرية. فهو يمثِّل هذه الهياكل البشرية من الخلف ويُشير إلى الرؤوس ببقع سوداء فقط. ويعرض لنا السيد بيرسون رأياً ملفتاً لهذا الرسم فيما يلي : في بادئ الأمر ترددت إدارة الكنيس بالسماح للهياكل البشرية بالظهور في الرسومات. إذ لا يُرينا اللوح المركزي أي رسم آخر ومشهد إبراهيم يُعتبر رمزاً أكثر منه مشهداً توراتياً.

وفي مرحلة أخرى من تاريخ هذا المبنى قررت إدارة الكنيس بالسماح بالتزيين على جميع سطوح الجدران بالصور، ولهذا الغرض فقد قُسمت المساحة الخارجية إلى أربعة مناطق للرسم، ثم غُطيت جميع هذه المناطق بالصور. وطبقاً للمخطط العام للرسوم فقد قُسِّم اللوح المركزي على النمط نفسه ورُسم مرة ثانية ضمن التزيينات الجديدة للكنيس، فشكّلت المنطقة السفلى إفريزاً جدارياً تزيينياً مزيناً بالألوان ذات الشكل الرخامي ومشاهد الحيوانات. بينما كانت المناطق الثلاث التي تعلو إفريز الجدار مُعدة لتصوير مشاهد التوراة.

إن أول ما يطالع الداخل إلى الكنيس هو الجدار الخلفي، ويحتل مركز هذا الجدار مقام التوراة ثم يعلوه اللوحة المركزية. ورغم أنها مُقسمة إلى منطقتين ظلت اللوحة المرسومة مرة أخرى مركز رسوم الكنيس حيث تُظهر لنا نوعاً من الأبواب المفتوحة تُرينا من خلالها شخصيات ملوكية بوضعية الوقوف اثنان منهما على كل جانب، وقد طُرحت تفسيرات عديدة حول هذه الشخصيات الأربع. ويمثل هذه المشاهد أربع لحظات حاسمة من حياة موسى : موسى والشجيرة الملتهبة، موسى على جبل سيناء، موسى يقرأ لفائف التشريع، موسى بعد موته مُحاطاً بالشمس والقمر والنجوم. ويُقدَّم موسى هنا بشخصه كأحد المؤسسين العظماء للأديان الجديدة في العالم القديم، كما يُمجَّد كإله وبطل ومؤسس الدين اليهودي ونظيراً لبوذا والسيد المسيح. ويظهر موسى كقسٍ تحيط برأسه هالة ذات شكل هندسي، ويدل نور هذه الهالة على كونه حياً، أما انطفاؤها ذو اللون الأسود فيظهر عليه بعد موته.

إن صور المنطقتين التي قسم لها مركز رسوم الكنيس تضرر كثيراً (الطلاء اللوني مُقشَّر من السطح) لذا يصعب علينا تفسيرها. أما في المنطقة العليا فإننا نشاهد ملكاً بلباس إيراني جالساً على عرشه ومحاطاً برجلين سوري ويوناني مرتديين ألبسة إيرانية مختلفة، وقد يكون هذا الملك داوود، وإلى الأسفل منه ملكاً يرتدي قلنسوة فرجانية[3] وجالساً على العرش ويعزف على قيثارة ذهبية، وأُحيط أيضاً برجال (؟) وحيوانات، من المحتمل أنه الملك داوود مرة ثانية. وفي الأسفل من منطقة الرسم هذه نجد رسماً لشخصين متكئين على الأرائك، أحدهما يقف خلفه اثنا عشر شخصاً (يعقوب وأبناؤه الاثنا عشر ؟)، والآخر مع طفلين يقفان أمامه (يعقوب يبارك أفرايم ومناسي ؟).

من الصعوبة البتّ بأفضل الطرق لوصف المشاهد الأخرى. فنحن نستطيع البدء بوصف المركزية ثم نمضي يميناً ويساراً حتى نصل باب المدخل. أو قد نبدأ بالوصف من الباب ثم ندور الغرفة. وقد تبنى السيدان بيرسون وكرايلنغ الطريقة الثانية في الوصف. ولكني سأعرض عدة صور أو مجموعات من الصور لا ترتبط مع بعضها البعض وإنما مجموعات من الصور ذات حوادث متفرقة. فمن المؤكد في أعمال تزيينات هذا الكنيس أن الرسامين شغلوا أولاً المنطقة العليا من الجدران، ثم رسموا على إفريز الجدار فيما بعد.

لم تُحفظ الرسوم في المنطقة العليا، إلا الزاوية الغربية من الجدار الجانبي الشمالي. فهنا مشهد مكسّر بشكل كبير ويمثل حلم يعقوب. بينما تمثل الصورة التالية على الجدار الخلفي ذات الحفظ الجيد قيادة موسى لشعبه خارج مصر عبر البحر الأحمر. وقد أُكملت هذه الصور بنقوش توضيحية باللغة العبرية.

على الجانب الآخر من اللوحة المركزية حُفظت الصور بشكل سيء وهناك صورة متشظية إلى جانب صورة موسى على جبل سيناء. وفي هذه الصورة نجد ملكاً جالساً على عرش متقن الصنع، وبقربه مرافقان يجلسان على الكراسي. وتخبرنا النقوش التوضيحية اليونانية بأنه الملك سليمان ومرافقاه، وإلى اليسار تبدو أقدام لامرأتين ترتديان التنورة وأمامهما أقدام لمرافق يرتدي جزمة بيضاء. ولكن لا ندري إن كانت الصورة مثّلت سليمان ولملكة سبأ أم حكم سليمان.

( لم تعرف دورا أوروبوس الفصل بين الجنسين في أماكن العبادة ، وقدّم معبد أرتميس نانايا حالة عظمى من الإخاء والعيش المشترك . المترجم)

أما الصورة التي تليها فنرى أربعة أقدام ترتدي النعال وهذا كل ما تبقى منها.

في المنطقة الوسطى نجد الصورة الأولى فيها مجزأة على الجدار الجانبي الشمالي مع رسومات شبيهة بالمربعات المسننة. وإلى اليسار شخص يرتدي عباءة بيضاء على خلفية خضراء اللون وأقدام لشخص أقل حجماً. وخلف هذين الشخصين بقايا رسوم باهتة لمباني وأسوار. فهل هو يشوع في السفينة يدور حول أسوار أريحا ؟

أما المشهد التالي فقد حُفظ بشكل جيد مقارنة بسابقه، ويمثِّل المعركة بين الفلسطينيين والإسرائيليين في مدينة حجر المعونة[4] ويُظهر المشهد شخصين على حصانين يهجمان على بعضهما، أحدهما يمتطي حصاناً أسود والآخر يمتطي حصاناً أبيض، ورُسم الجيشان إلى الأعلى وإلى اليمين وإلى الأسفل منهما وهما يتقاتلان، وقد زُود الجنود بالدروع الواقية والسيوف والتروس المسدسة الأضلاع، بينما ظل القادة بدون دروع واقية. كما نشاهد السفينة إلى اليسار من المشهد، وأربعة أشخاص يرتدون الزي الكهنوتي الطويل ويحيط بهم ستة جنود لحمايتهم.

في المشهد التالي على الجدار الخلفي نجد استمراراً لقصة السفينة، حيث أسر الفلسطينيون السفينة ونقلوها إلى أشدود وأبقوها في معبد داجون[5] الأمر الذي أدى إلى سقوط تمثال داجون على الأرض مرتين وفي المرة الثانية شُوِّه التمثال، وتُظهر الرسوم صورة معبد داجون والتمثال مرة برأس ومرة أخرى بدون رأس، كما بُعثرت حوله الأدوات المقدسة. ويظهر لنا بجانب صورة المعبد أن السفينة لم تبق في أشدود وإنما في عقرون حيث نقلت وحيث يعاقب سكان المدينة ثم أصبحت السفينة جاهزة للنقل من عقرون فيُظهر المشهد صورة عربة تجرها بقرتين، وفي واجهة الصورة نرى سائق العربة، وفي الخلف مواطنون من عقورن (ثلاثة أشخاص بلباسهم السوري اليوناني) أو كهنة أو عرّافون فلسطينيون.

[1] لا يوجد أي حرج عند الحديث عن أي آثار يهودية في أي موقع من المواقع في سورية، فموقع دورا أحد المواقع الأكثر أهمية وروعة وتعدداً، ومن الواجب أن نميِّز ما بين اليهودية كدين سماوي كبقية الديانات السماوية الأخرى وما بين الممارسات الصهيونية ، كما أُشير أيضاً أنه لا يوجد أي موقع في العالم يماثل دورا في التسامح والإخاء الديني. ففي هذا الموقع نجد المعبد الوثني والكنيسة المسيحية والكنيس اليهودي وجميع معتنقو هذه الديانات المتعددة تعايشوا فيما بينهم في جو عظيم من الإخاء الديني، وعليه فإن سورية أصل الحوار الديني والتسامح والإخاء. وللاستزادة فيما يخص الكنيس اليهودي يمكن الرجوع أيضاً إلى هذا الكنيس المحفوظ في المتحف الوطني بدمشق للاطلاع على هذا المنتج الفني الديني العظيم (المترجم).

[2] الإيديكولا مبنى صغير شبيه بالخزنة يُستخدم لحفظ الأشياء الخاصة في المعابد والكنس (المترجم).

[3] نسبة إلى منطقة Phrygia في جنوب غرب آسيا (المترجم).

[4] حجر المعونة Ebenezer : مدينة فلسطينية. ورد ذكرها في سفر صموئيل الأول، الإصحاح الرابع (واحتشد الإسرائيليون عند حجر المعونة لمحاربة الفلسطينيين وتجمع الفلسطينيون في أفيق) (المترجم).

[5] داجون إله فلسطيني نصفه رجل والآخر سمكة (المترجم).

عن الشرق الأوسط الديمقراطي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الأقليات التاريخية والمهاجرون.. خصوم أم حلفاء؟

روبيرتا ميدا وينديشر باحثة في أكاديمية بولزانو الأوربية / بوزين، إيطاليا ترجمة: ...