الرئيسية / مواضيع أخرى / أقنعةُ السُلطة الذكوريّة تتساقطُ واحدةً تلو الأخرى

أقنعةُ السُلطة الذكوريّة تتساقطُ واحدةً تلو الأخرى

 دلبرين فارس/ 

“التلاعبُ على الوتر الدينيّ أو القومي تجارة بخسةٌ، فلا يُصلحُ نموذجُ السلطة القومية ما أفسدهُ نموذجُ السلطة الدينية، لكن علينا أن ننشدَ لبناءٍ بديلٍ ينقذ شعوبنا من صراعاتِ آلاف السنين”

هل من الممكن قيامُ دولةٍ دينية جديدة تُصان فيها حقوقُ كافة الأقليات المختلفة بعد فشل التجارب السابقة، وهل هناك ترابطٌ بين الدين كنموذجٍ فكري يغلب عليه الطابعُ الروحاني العقائدي، وبين الدولة كنظام وضعي مرتبط بالسلطة واحتكاراتها ومؤسساتها؟ بالطبع هناك العديدُ من التساؤلات التي لا حصرَ لها في هذا السياق، والتي لم تستطع الكثيرُ من الدراسات التي قدمت حتى الوقت الراهن من الإجابة عنها بالشكل الدقيق والمنطقي، ولم تقدم أية تعريفات وصياغات موضوعية  وواضحة بهذا الشأن.

لربما كان السببُ الأبرزُ في ذلك هو دراسة كلّ طرفٍ لهذين المفهومين وفقَ المنشأ الذهني والفكري لذات الكاتب أو الباحث أو المؤرخ،  هذه الحالة شاهدناها عند كتّاب التاريخ الذين تأثروا إلى حدٍ كبير بنشأتهم الإيديولوجية سواء أكانت ذات منبع إيديولوجي ديني مذهبي، أو قومي تعصبي. أي أن هذه الدراساتِ والنظريات استندت في صياغاتها وتعاريفها  على خلفيات غير موضوعية تحيّزية، بل سعت ولا تزال تسعى بشتى الوسائل وبزيف الحقائق تقديم رؤيتها بأنها الصحيحة والأكثر ملامسة للحقيقة وأنها الحقيقة الوحيدة، حيث نجدُ أصحابَ هذا التيارات لا تزال متمسكة بتفوقها وبنقاء نظريتها وبأنها ذات صيرورة سارية  لكل زمانٍ ومكان. وبالرغم من تمكّن علم الاجتماع المعاصر من كشف جوانب عدة لحقيقة هذه التناقضات في مجمل  “الروايات” المتضادة بهذا الشأن، لكن لم يستطع إيجادَ الصيغة والتعريف المناسب لهذين المفهومين المعقدين المتداخلين عبر التاريخ. بالطبع هناك جهودٌ بُذلت وتبذل على الصعيد الفكري والفلسفي والسياسي من قبل الكثير من روّاد التنوير الفكري والفلسفي الإنساني الذين استندوا في أبحاثهم  وأطروحاتهم على الواقع الاجتماعي الذي يحتوي في داخله الصياغة الحقيقة، واستطاعوا أن يتقدموا باستدلالات كبيرة في هذا الإطار، وذلك لما لأبحاثهم ودراساتهم من أبعادٍ  تاريخية ومنطقية وبموضوعيةً عميقةً لبنية المفهومين، بالطبع هم لم يتأثروا بمؤثرات السلطة والدين، حتى بل كان كُلّ همّهم النظر بواقعية للتاريخ وللواقع واستشفافهم للمستقبل في بحثهم الدؤوب عن الحقيقة التي تكاد تكون غائبةً تماماً عند الطرف المؤدلج سلطوياً.

لا شكّ بأنّ الصراعاتِ التي شهدها العالمُ خلال القرنين الأخيرين يمثل جزءاً كبيراً من التساؤلات  في أبحاث هؤلاء المتنورين،  خاصّة بعد كل التجارب والمحاولات والالتفاتات التي حاول من خلالها أصحابُ تيار السلطة من فرض نظريتهم  الخاصة في تركيب صيغةٍ لدولة دينية، أو بمعنى أخر ربط الدولة بالدين وفرض نموذج ديني معين أو إعادة إنتاجه من جديد، وبأدوات إيديولوجية دينية وفي إطار نظرياتٍ أثبتت فشلها تاريخياً.

تلك النظريات التي مثلت أيديولوجية سلطوية بحتة أفقدت الدينَ حتى من معانيه السامية ووظيفته الأخلاقية التي بقيت محتفظة ضمن القاعدة الشعبية؛ التي كانت دائماً وحتى قبل ظهور الدين كحالة تطورٍ فكري ميتافيزيقي ومجتمعي محافظاً على حالة الانسجام التام للمفاهيم والقيم الإنسانية.

حقيقةُ الحقائق  التي فرضت نفسها بقوة فكرية على كلّ النماذج الأخرى تستندُ في عمقها البنيوي التاريخي على هذه القاعدة التي لم تنقطع في مقارعتها للسلطة التي استخدمت الدين كوسيلة في فرض وتكوين السلطة. فمقارعةُ النماردة وثورات العبيد والفلاحين والقرويين والمتصوفين  والمفكرين الذين قاوموا خوازيق السلطة العثمانية والتي أعلنت عن أنفسهم كدولة إسلامية رابعة “خلافة رابعة” في الشرق الأوسط، كما قاومَ الشعبُ الأوروبي السلطاتِ البابوية ومقصلاتهم  في الغرب الأوروبي.

 بالطبع المقاومة حلقاتٌ تاريخية غير منفصلة ضد كل سلطة استخدمت الدين وحوّرته في فرض السلطة،  فمن مِنّا لمّ يقرأ عن التاريخ الدموي للسلطة باسم الدين المسيحي، أو تلك التي كانت باسم الدين الإسلامي، ألم يلقى العشراتُ من المثقفين والمفكرين والعلماء حتفهم على يد هؤلاء.

لكنّ القولَ بأنّ أوروبا التي كانت تعيشُ في عصرٍ من الظلام  والاستبداد السلطوي الديني وشهدت مرحلة طويلة من الصراع  تخلصت من تلك الحالة وانتقلت فيما بعد إلى حالة جديدة أكثر استقراراً وازدهاراً  خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر مع ظهور حركة النهضة  الفكرية وتيار الإصلاح الديني والحركات التنويرية  والتي استندت بدورها إلى الفلسفة اليونانية والرومانية، وإلى آراء وأفكار الحركة التنويرية التي سبقت الثورة الفرنسية وتزامنت معها، والتي كانت إحدى أهم أهدافها  التخلص من السلطة  الدينية الثيوقراطية والانتقال إلى نظامٍ جمهوري ديمقراطي يتساوى فيه الجميع، وبهذا تخلصت القارة الأوروبية من الحروب والصراعات الدموية التي كانت تقاد تحتَ حماية السلطة المقدسة “الدولة المقدسة” بالرغم من الكثير من الاستفهامات على الديمقراطية الأوروبية التي تبلورت في إطار الحداثة الرأسمالية.

كذلك يمكنُ الاستشهادُ بحالة تاريخية جدّ قصيرة في الشرق الأوسط وفي المنطقة  التي كانت تحت الحكم الاسلامي ” العالم الإسلامي” وذلك خلال المرحلة العباسية التي شهدت فترة من الازدهار 850- 1200م، تلك الفترة  التي تميّزت بالانفتاح على كلّ الثقافات وكثرت دور العلم والثقافة ونشطت حركة الترجمة، وبرزت العديد من الأسماء اللامعة في الفكر والفلسفة كابن رشد، والفارابي، والغزالي، وابن خلدون والعديد من المفكرين الذين قدموا الكثير على الصعيد الفكري والفلسفي الإنساني، لكن الكارثة حصلت عندما عاد طغيانُ السلطة من جديد بكل أدوتها وإيديولوجيتها السلطوية  لتحكمَ بقبضة من حديد، وليبدأ من جديد الصراعُ  السلطوي وبأدوات مذهبية بين الثلاثي المتصارع على السلطة  في تلك الفترة ( الفاطميون – الأمويون – العباسيون).

لقد أفضت قضيةُ فشل نظام حكمٍ ما في الشرق الأوسط وتأسيس نظامٍ جديد يعيد ذاته أو على شاكلته إلى خلق دوّامة من الصراعات والأزمات، بحيث يصعبُ الخلاص منها، فقد نمت مفاهيمُ مع مرور الزمن تقدم فيه التاريخ على خط مستقيم  بشكلٍ خاص عن نتائج سلبية صاغها الوضعيون ” أصحاب النظرية الوضعية” وذلك بربط قدر المجتمعات والشعوب بإطار قوالب تاريخية سلطوية محدثة، تنطلق جميعها من البوابة نفسها سواء الميتافيزيقية منها ( الإسلامية والمسيحية و…) أم الوضعية  المتمحورة حول( القومية، الاقتصاد، والقانون)، لذا فإن رسمَ مسارٍ لحل الصراعات وبناء نموذج ديمقراطي أصبح بمثابة يوتوبيا، والتي شغلت مساحة كبيرة من الميثولوجيا والملحمة الشعبية والفكر الفلسفي والديني المجتمعي القديم.

فحقيقة الدولة هي حقيقة السلطة التي تطورت ونمت بترسخ مركزية السلطة الذكورية، فالدولة  تكونت وفق نظامٍ هرمي قائم على أساس مثلث ذكوري (الشيخ الماكر المستبد+ الراهب” رجل الدين”+ التاجر) كصيغة أولية للدولة والتي  طوّرت  بدورها بؤرَ وأساليب الاستغلال والقمع العائد لاحتكارات السلطة التي وثقت رباطها بالدولة بكل جوانبها وأصبحت مقدسة من كل جوانبها ومحاطة بجدرانٍ فولاذية يصعب صدعها، ولا شكّ  بأنّ للشرق الأوسط قصة طويلة عن كيفية نشوء وتطور هذه البؤر و النموذج الفكري الذي سبغت بها، والتي انطلقت من السلالة والعشيرة  كنموذج بدائي للسلطة والدولة كمصدرين أساسيين في تكوين قوة السلطة، وهذا يمكن استشفافه من تعدّد الزوجات والخليلات لزيادة عدد الذكور خلال فترة حكم السلالات  الدينية التي حكمت باسم الدين الإسلامي.

الإسلامُ دينٌ لا دولة، والدولة المدنية ليست سوى تكثيف لاحتكارات السلطة

“الدولة الإسلامية”  نموذج ما بعد عهد الرسول

بعد أن تمكّن رسولُ الإسلام محمد(ص) من ترسيخ دعائم الدين الإسلامي في المدينة المنورة وتحررها من الاستبداد القريشي، وضعَ مجموعةً من القوانين الناظمة للعلاقات بين أفراد المجتمع المديني، وقد وصف بعضُ المؤرخين تلكَ المرحلة من الانتشار بنشأة الدولة الإسلامية،  وأطلق عليها آخرون  “دولة الرسول” في إشارة إلى القوانين والتشريعات التي نظمها الرسول في تسيير أمور المجتمع في تلك المنطقة من شبه الجزيرة العربية، وذلك غراراً على الدولة الساسانية والرومانية.

لكن الحقيقةَ التاريخية تقول إن الرسولَ لم ينصّب نفسهُ رئيساً لتلك الدولة، ولم يحدد لدولته اسم أو حدود أو بطاقاتٍ شخصية لسكان تلك الدولة تميزهم عن غيرهم، فقط وضعَ عقداً اجتماعياً مستمداً من الآيات الدينية. ولم يعيّن الرسولُ خلفاً له أو وريثاً ليرث دولته، هذه الحقيقة بكل بساطتها، إي أن الرسول لم يدعو لإقامة دولة دينية أو خلافة باسمه، وهذا ردٌّ على من يدّعون بالدولة الإسلامية. أي أن الإسلامَ دينٌ وليس دولة(سياسة) وهنا تختلفُ المعاني .

أمّا الدولة بالمفهوم المدنية أو الحداثة: نظام سياسي من صُنع البشر ينفذونها بوحيٍ من عقولهم و تفكيرهم مستهدين في ذلك بكافة العوامل الاقتصادية و الاجتماعية والمعرفية التي تحرّك المجتمع، و يشرعون دستورها و القوانين التي تلائم ظروفهم وبيئتهم، وهذا بالطبع كله لا يعبّر سوى عن مفهومٍ نظري صاغتها الحداثة  الرأسمالية في ردّها على النموذج الديني، أما الحقيقة فهي مغايرة تماماً وجانبها العملي في تناقض شبه تام مع الجانب النظري لها.

لقد عمل الفكرُ الحداثوي على تضخيم الدولة وسلطتها عبرَ التغلغل في كل مسامات المجتمع وبشكلٍ متسارع، أي العمل على زيادة كتلة الاحتكار والاستغلال باعتبار أصل الدولة تكثيف للسلطة والاحتكار وبالتالي زيادة الربح وتضخيم بيروقراطية الدولة، لذا نرى الترسانة العسكرية الحربية المتعاظمة التي أصبحت فوق المجتمع والقوانين الفضفاضة والدين، وهذا ما فرض صراعاً داخلياً وطبقياً شديداً تعاظم في المرحلة المعاصرة.

ولدى النظر عن كثب سنلاحظ مساعي الاستمرار بالدولة القومية (النموذج المعاصر لشكل الدولة والوسيلة الجديد للاحتكار) من خلال زيادة تداخل المجتمع مع السلطة والدولة  بوساطة قوموية ودينوية، وشتى أنواع العلموية والفوضوية، أي بجذب المجتمع إلى البراديغما القائلة:” الكل تحت سلطة المجتمع، والمجتمع هو الدولة “هكذا يبقى احتمال الحفاظ على الدولة مهما كان شكلها كما ذكرنا أكثر قوة.

بطبيعة الحال لم يكن النموذج القوموي الحداثوي للسلطة أفضل من النموذج الديني الثيوقراطية، ففي الحالتين لم تكن هناك أدنى مستوى للمساواة والعدالة والحرية، فالشرائع الدينية والدساتير القوموية الوضعية  للدولة لا يمكن تجاوزها أو النقاش فيه، والتقرب منهما يعدّ كفراً وإرهاباً يستوجب العقاب الشديد..!.

النموذج المزدوج للدولة الإيرانية (من نظام ملكي استبدادي إلى نظام “جمهوري” إسلاموي قومومي أشد استبداداً

لابد من العودة قليلاً إلى الوراء وتسليط الضوء على بعض النقاط الهامة في تاريخ “الجمهورية “الإسلامية الإيرانية،  وهنا للجمهورية مفهومٌ آخر يختلف عما تعارفنا عليه.

لقد اعتقدتِ الشعوبُ الإيرانية للوهلة الأولى أنهم تخلصوا من نظامٍ ملكيٍ استبدادي، وبأنّهم سينتقلون إلى نظامٍ جمهوري ديمقراطي ولو بصبغة دينية طفيفة، فتفاجؤوا بأنهم أصبحوا تحت ظلم آلة استبدادٍ جديدة لا تختلف كثيراً عن الأولى. فالثورة الإيرانية التي أطاحت بالنظام الملكي في إيران كانت تعدّ  من أهم الثورات التي شهدها القرن الماضي،  وتكمن أهميتها كونها تمت على يد الجماهير الإيرانية بغضّ النظر عن انتماءاتهم الاثنية والعقائدية، إلا أن التطوراتِ التي حصلت فيما بعد في مسير الثورة والانحرافات التي أصابتها كشفت عن نوايا من قادوا تلك الثورة لمصالح شخصية فئوية، خاصة فيما يتعلق بالدوافع التي جعلت التيار الرأسمالي يحتضن التيار الديني دون غيره، وبالتالي مساعدته لاستلام زمام أمور هذه الثورة.

حقيقة لقد نجح مهندسي الرأسمالية العالمية آنذاك في التعامل مع قيادة الثورة الإيرانية والاستفادة في توحيد الجيش الإيراني ورجال الدين لمواجهة الخطر الشيوعي الذي كان ينبذه رجال الدين بتحريض من السلطات الحاكمة.

كونها كانت من القضايا الأساسية  بالنسبة للقطب الرأسمالي الغربي في تلك المرحلة،  لذا فقد سعت إلى إلغاء دور القوى الوطنية و اليسارية وعملت على دعم التيارات اليمينية الدينية والعسكرية لتستلم الحكم في إيران.

واذا حصل وأن دعمت القوى الغربية التيارات الوطنية الايرانية فقد كانت لمصلحة ضيقة جداً ولتحقيق بعض الأهداف، فهو في الدرجة الاولى كان يصب في مواجهة المد الاشتراكي، ومن وجهة نظر بعض مخططي الاستراتيجية الأمريكية على سبيل المثال فقد كانوا يدعون بأن الحركات الوطنية لم تكن لديها القوة المؤثرة ولا القاعدة الشعبية للتأثير على الأوضاع السياسية بشكلٍ عام، وبالتالي لم تكن بمقدورها الحفاظ على الدولة.

وهنا نتسائل هل كان نظام “الجمهورية الإسلامية” المذهبية البديل الأوحد للنظام الملكي؟

يقول بعضُ المؤرخين: ((إنّ شعارَ “آزادي”، الحرية، جمهوري إسلامي قد رُفع لأول مرة في عام 1979، ولم يأتِ هذا الشعار من الخارج ولم يأت أيضا من الخميني، كان الإمام الخميني يطرح في بيانته، إن الشعب لا يريد النظامَ الملكي، وموضوع طرح كون الشعب يريد نظاماً جمهورياً إسلامياً في خطابات الخميني كان كلياً ومبهما ولم يكن معلوماً).

لكن الحقيقة تكشفت بعدما يقارب أربعة عقود على الثورة في إيران، وهي أن الدولة وقعت تحت سلطة رجال الدين الذين استغلوا الدين وأدخلوا البلاد في صراعات إقليمية ودولية بحجة محاربة “قوى الشر” التي أوصلتها إلى سدة السلطة، وتمهيد الكون لقدوم المهدي المنتظر، وكيف أنهم استخدموا هذه النظرية في التشيع وتوسيع نفوذ السلطة عبر إنشاء كيانات سياسية وعسكرية واقتصادية في العديد من الدول. وهذه حقيقة السلطة الحاكمة إيران ” الحكم بأمر من الله”.

الحقيقة الأخرى التي يمكن رؤيتها بكل وضوح هي أن الشعبَ في إيران قد شعرَ بالغبن الذي وقع عليه، وما الاحتجاجاتُ التي ظهرت ولو مؤخراً في المدن الإيرانية سوى دليلٌ على رفضهم للنظام السلطوي الذي يحكم إيران بقبضة من حديد، وكما نعلم فإن هذا النظامَ ليس فيه أي جانبٍ من الجوانب الديمقراطية، فالصورة الأولية لهذا النظام تشير إلى أنه كيانٌ عسكري ثيوقراطي شبيه إلى حدٍ كبير بالأنظمة التي شهدتها أوروبا خلال العصور الوسطى، عصر “الاستبداد الديني”.

 نتيجة

من الأنسب أن نوصفَ الإسلامَ- كباقي الديانات- بأنه رسالةٌ روحية ومنهج خلقي لتهذيب النفس، وليس دولةً، لأنّ مفهومَ الدولة يحملُ مضامين عدة تنتهي كلها بالسلطة، لهذا فإن الدينَ لا يمكن أن يتحول من رسالة روحية إلى سلطة تمارسُ العنفَ والاستبدادَ .

وقد أشرنا إلى بعض من النماذج التي أخضع فيها الدين لصالح الدولة وكيف تستر المتسلطون والسفاحون خلف عباءة الدين، ويلطخون  القيم الدينية الطاهرة  بدناستهم.

يمكن القول بأنّ الدينَ منهجٌ روحاني عقائدي، والديمقراطية فلسفة سياسية اجتماعية.  بالطبع لَسنا في وارد المقارنة والمقاربة بين الدين والديمقراطية وأيهما يصلح كنظام للحكم.

دعونا نسلط بعض الضوء على التجربة الأوروبية الطويلة نوعاً ما رغم حداثتها، لكن بداية علينا صياغة تعريف بسيط للمفهومين باعتبارنا قد سلطنا شيئاً من الضوء على مفهوم السلطة والدولة والتي لا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض.

يرى الكثيرُ من الباحثين بأن الديمقراطيةَ هي حكمُ الشعب نفسه بنفسه، ولهذا التعريف تاريخ قديم ، لكنّ مفهومَ الديمقراطية أوسعُ وأقدم وأشمل من تاريخ الديمقراطية اليونانية، مرتبط بتاريخ آلاف من السنين التي سبقت ظهور الدولة، فكما نعلم بأن الدولة قد بدأت بالظهور والتكون منذ ما يقارب 5000  عام قبل الميلاد، كما إن الديمقراطية اليونانية” أثينا” قد ظهرت من خلال نظام الحكم الذي كان يعتمد في اختيار أعضاء مجلس الشيوخ و عددٍ من مؤسسات الحكم، لكن  الديمقراطية التي تحدث عنها أفلاطون وأرسطو فيما بعد في كتاباتهم ظلت حتى وقتنا الراهن يوتوبيا تلهمُ أفكارَ العديد من الكتّاب  والمثقفين، ومصدراً من مصادر البحث المنهجي لا أكثر. وهنا لا يمكن نفي تأثر الفكر الأوروبي والديمقراطية الأوربية بالديمقراطية اليونانية. بطبيعة الحال إن الديمقراطية منهج سلوكي اجتماعي سياسي اقتصادي فكري وضعي، فيها شيء من اليوتوبيا للمجتمعات المتعايشة.

أما الدينُ فهو تطورٌ تاريخي للروحانيات الإنسانية، وثورة على الواقع الذي كان يُعاش في المنطقة التي ظهرت فيها تلك الثورة. ولا شك بأنّ الدينَ مجموعة من التعاليم المحددة التي لا يمكن المساس بها لذاك القومُ أو المجموعة البشرية التي اعتنقت ذاك الدين.

وفي الدين يكون الكتاب المقدس المنزل من الله وتعاليم الرسول المبعوث أيضاً من الله المصدر الأساسي لسنّ التشريعات والقوانين، لكن الديمقراطية تختلف تماماً، فهي قدرةُ المجتمع ورغبته في الاجتماع فيما بينهم خاصة بالنسبة للمجتمعات  المتعايشة  ضمن وحدة جغرافية مشتركة ومختلفة ثقافياً وعرقياً، فلا يجمعهم الدين بقدر ما يجمعهم منهجهم الوضعي الذي ينسجونه بكلية متجانسة دون أن يطغى أحدهم على الآخر.

من هنا فالديمقراطيةُ للجميع والدينُ للفرد، ولا يجب أن تطغى المصلحةُ الفردية على مصلحة الجماعة.

في أوروبا تمّ فصلُ الدين عن الدولة نتيجة لظروف تاريخية تمثلت في هيمنة سلطة الكنيسة خلال العصور الوسطى، ونتيجة للتعارض والتصادم بين الفكر الفلسفي وتطور علم الاجتماع كباب مهمّ من أبواب الفلسفة الملتصقة بالديمقراطية تماماً وبين الفكر الديني المؤطر، ناهيك عن الدور الكبير لرجال الدين “الرهبان” في تحولهم إلى شركاء فعليين للملوك وللعسكريين الإقطاعين؛ مستغلين حالة الجهل والفقر عند المجتمع الأوروبي الذي حرصتْ على تجهيلهم وتفقيرهم تلك الطبقةُ الحاكمة.

ومنذ ذاك التاريخ أصبحت قضية فصل الدين عن الدولة  في أوروبا من القضايا المسلمة بها في الفكر السياسي الغربي،  وبالرغم من كل المآخذ والثغرات على  نموذج الدولة المدنية في أوروبا  لكن يمكن القول بأن الفكر الغربي استطاع أن يتجاوزَ مرحلةَ الصراع والحروب المذهبية في الفترة الأخيرة بعد صياغة “عقدٍ اجتماعيّ” نظمَ  من خلاله العلاقةَ بين المؤسسات الحاكمة والتي غلبَ عليها الطابعُ المدني والمجتمع الذي تم جمعه وربطه بهوية جديدة وهي المواطنة التي اعتبرت فوق كل الهويات الأخرى، وبذلك فقد تم استيعابُ جميع التيارات الفكرية والمجتمعية.

والجدير بالذكر أيضاً أن مفهومَ الإقصاء والتهميش تم إلغاؤهما بموجب المبادئ الأوروبية الجديدة، فحتى أصحاب الفكر الديني أصبحوا يشاركون في ممارسة العمل السياسي، وتشكلت أحزاب ذات مرجعية دينية ( الحزب الديمقراطي المسيحي في ألمانيا بزعامة انجيلا ميركل)  إلى جانب الأحزاب الليبرالية والاشتراكية، وجميعها تقبلُ بعضَها البعض، تحت سقف الدولة والنظام الديمقراطي والدستور الديمقراطي، أي أن الدولة بالمفهوم الأوروبي المعاصر لا تحملُ صبغةً دينية أو قومية بالرغم من حالة وجود حالة النزوع نحو الدولة القومية والتمايز عند بعض الدول الأوروبية، لكن ليس بالشكل الطافح كما في الشرق الأوسط بعد أن قامت قوى الرأسمالية   بتصدير النموذج القومي  إليه ودعمها للنماذج الدينية بما يتناسب مصالحها واستراتيجيته تجاه الشرق، وبالتالي فإن الكياناتِ القومية والدينية التي يتفاخر بها  الشرقُ ليست سوى نماذجَ حكم بالية تخدم مصالح القوى الرأسمالية بكل تفاصيلها.

بطبيعة الحال وكنتيجة فإن الدينَ والمعتقدَ الديني لم يكن السبب في الصراعات والحروب بقدر ما اُستخدم الدين كوسيلة شرعنة سلطوية بيد الطغمة الحاكمة. فالشعوب في الشرق الأوسط وفي أوروبا الشرقية لم تكن تحارب الدين الإسلامي على سبيل المثال خلال مرحلة السلطنة العثمانية ” الخلافة العثمانية ” بكل كانت تتمرّد وتقاوم على جور واستبداد العثمانيين، كذلك لم يحارب العباسيون والأمويون و الفاطميون بعضهم البعض من أجل الدين، أي أن الصراعَ لم يكن طائفياً بل كان صراعاً على السلطة. لكن لا بد من أن يكون هناك من مسوغات دينية تثير العداء وتدفع بالناس نحو القتال ” الحروب الصليبية” ، بالطبع هذا ما شهدناه في تاريخنا المعاصر، فصدام حسين كان يشحن الشعبَ العراقي السنيّ لمحاربة إيران والشيعة، كذلك فعل الخميني وسلطة “قُم” في شحن الشيعة طائفياً ضد السنة، ولا ننسى كيف أن تنظيمَ داعش الإرهابي وكل ملحقاته في سوريا والعراق تحارب الشعبَ الكردي  تحت شعار” قتال الكفار”، وهذه حقيقة لـ”تنظيم الدولة الإسلامية”. حقيقة يبدو أن التاريخَ يكرّر نفسهُ بأكثر من صورة.

عن الشرق الأوسط الديمقراطي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الكنيس اليهودي والكنيسة المسيحية في دورا أوروبوس (صالحية الفرات) -2-

    فصل من كتاب  (DURA-EUROPOS AND ITS ART) M.ROSTOVTZEFF ميخائيل روستوفيتزيف ...