الرئيسية / مقالات / بين مُحاربي الرأسمالية وعشّاقها

بين مُحاربي الرأسمالية وعشّاقها

 

صلاح الدين مسلم/

لا تكمن المشكلة في نقد الرأسمالية في الرأسماليين فحسب، بل في مشجّعي الرأسمالية من الذين يذوقون مراراتها يومًا بعد يوم، وهم أشدّ الحرص على الإبقاء على هذا النظام، فالبديل برأيهم هو الشيوعيّة المفقرة، أو اللانظام والفوضى، أو سيطرة الدين والتزمّت والتعصّب.

بعيدًا عن دور المصلحة الفرديّة والتخصص أي؛ التكنوقراط في تشكّل الرأسماليّة حسب آدم سميث (1) والتي سمّاها (اليد الخفية) لكنّ المشكلة في بعض المفكرين الذين صوّروا الرأسمالية على أنّها النظام الاجتماعي-السياسي الوحيد الصالح أخلاقيًا؛ حسب آين راند، ومن هنا ظهرت طامة العصر الحديث من خلال ثنائيّة (المجتمع – الأخلاق)، وهنا يتبادر إلى الذهن هل الرأسماليّة نظام مجتمعيّ؟ (فأين الفقراء في هذا النظام؟) وهو نظام أخلاقيّ؟ (فهل الفوارق الطبقية الهائلة وتدمير البيئة، وصناعة الحروب وتهديد البشرية والكون عمل أخلاقيّ؟

بالطبع سنرى أنّ من يخالف هذا الرأي فهو مهمّش إعلاميًّا، ومُحارب، ولا صوت له، فعلى سبيل المثال كتب فوكوياما (2) تباع في كل أرجاء العالم وتترجم إلى اللغات كافة وهو الذي يمجّد هذا النظام، بينما نجد إيمانويل والرشتاين (3) الذي لا يرضى عن هذا النظام هو مهمّش فكيف لقائل إنّ الرأسمالية تخدم الشركات الكبرى فحسب أن يلقى رواجًا.

بالطبع ستحارب المنظومة (المصفوفة) الرأسمالية أيّ فكر يعاديها، ولا يمكن للغات العداء والحرب أن تنفع مع هذه المنظومة الرأسماليةّ، لا بدّ أن يتمّ فضح هذا النظام على أنّه خطر على الكون برمّته، وبالتالي هو خطر على الشركات نفسها، والرأسماليين أنفسهم، ففكرة البحث عن كوكب آخر خاطئة وغير مجدية، وفكرة الاحتماء بسفينة نوح التي ستنقذ الطبقة الرأسمالية من الكوارث الطبيعية غير منطقية بل هي عودة إلى الميثولوجيا التي لا تؤمن بها الرأسمالية إطلاقًا.

ومشكلة هذا النظام أنّه لا يرضى أن تعيش بقعة في العالم خارج هذا النظام، ويجب أن يتمّ غزوه، حتّى وإن كانت تكاليف الغزو أكبر من الإنتاج الذي ستولّده هذه البقعة بعد أن تدخل هذه المصفوفة، وبعد أن تدخل الدولة المعينة هذا النظام فهي لا تستطيع الخروج منه أبدًا بل سيكون ضربًا من الخيال.

يقول ستيفان أنجل “إنّ أزمة الاستعمار الجديد التي تقلّصت خلال مرحلة الرواج المؤقتة السابقة، والتي استطاعت أن ترتدي طابعًا متنكّرًا، ستنفجر من جديد، بل ستتعمّق بشكل دراماتيكي، لأنّ الدول الإمبريالية ستعكس أعباء الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية على الدول التابعة من طرفها.” (4)

بالطبع سنرى هذه التحليلات لدى العديد من الكتّاب في تحليل الأزمات التي تخلّفها الرأسمالية، وخاصة في الألفية الثالثة التي تحملها هذه اللغة (احتمال قيام ثورة عالمية وضرورة تنسيق أنشطة أحزاب ومنظّمات ثورية عابرة للحدود) فهذا ما توصّل إليه أنجل، بعيدًا عن احتمال أن تكون ثورة الشعوب نتيجة أو استنتاج لهذا العقم الموجود في الأفق، إلّا أنّنا يجب أن نبحث عن حلٍّ واقعيّ يرضي الواقع.

يقول ستيفان أنجل: “إنّ تكتيك الرأسمال الاحتكاريّ يتغيّر في مواجهة الفاشيين الجدد، فإنّ رفض الوزير الفدرالي في الداخلية، مشوبل، تطبيق قرار منع الفاشيين الجدد يشجع هؤلاء على أنشطة تبيّن بكلّ وضوح طابعها كميليشيات هجوميّة إرهابية مفتوحة ضدّ حركة العمال الثوريّة، وفي الفاتح من أيار ولأول مرة منذ الحرب العالمية الثالثة هاجم الفاشيون بقوّة واتفاق ضمني مع جهاز الدولة تجمّعات وتظاهرات النقابيين كما ظهر هجومهم في كولمينا بدرورتموند حيث هاجم 300 نيوفاشي التظاهرة بالعصي والحجارة والرصاص.” (5)

يمكننا من خلال قراءة هذا التحليل للكاتب أنجل على الرغم من الماركسيّة واللينينية الكلاسيكيّة التي تحملها هذه التحليلات التي تفضي دائمًا إلى نظريات التفاؤل الثوري والمستقبل المنشود، لكننا نستشف كيف انتقلت هذه الثورة من أوربا إلى تونس عبر مصفوفة الإعلام المسيّر من المنظومة العالمية عبر الجزيرة والعربية وغيرها من القنوات التي تتناغم عبر سمفونية واحدة وهي تأجيج الصراع خارج نطاق أوربا عبر تسمية الربيع العربي.

“ليست الأزمة البنيوية التي تغرق فيها الرأسمالية من طبيعة انتقالية، سيجري تجاوزها بمرحلة من توسع معولم جديد. ما نشهده علامات مؤشّرة على تهالك الرأسمالية، وبالتالي، ضرورة انتهاج طريق الاشتراكيّة، كضرورة موضوعيّة للإنسانية برمتها. وأقول انتهاج طريق انتقال طويل لا بناء منجزًا لاشتراكية هنا أو هناك.” (6)

بالطبع إنّ لغة الاشتراكيين الجدد تتجدد لكنّ الذهنية نفسها، وهي ثبات فكرة أنّ الاشتراكيّة هي الحلّ، لاسيّما أنّ المجتمعات قد شهدت تجارب الاشتراكيين الدولتين ابتداء من الاتحاد السوفيتي وصولا إلى كوبا… هل ستظلّ هذه النظرة في الحلّ عند التيار المعادي للرأسماليّة، لا شكّ أنّ الرأسماليّة إن حلّلت ليس بالضرورة أن تكون اشتراكيًّا، لكن الاشتراكيين يفترضون أن يكون المرء الناقد للرأسماليين اشتراكيًّا بالضرورة، وهنا الطامة الكبرى.

لهذا يقول سمير أمين (7) “أوروبا إمّا أن تكون يسارية أو لا تكون” فهنا التحليل جميل جدا عند سمير أمين، علمًا أنّه يعتمد على العلميّة المقرطة (الوضعية) الموجدة عند الرأسماليين، لكن في النهاية تصبح الحلول لديها (شيوعية اشتراكية، يسارية…) أما من حلّ آخر تكون تركيبة تبعد المجتمعات عن هوس التجّار بالحروب والتدمير والإبادات بأنواعها، وسفك الدماء…؟(8)

إنّ مادلين أولبريت (9) حينما كانت سفيرًا للولايات المتّحدة في الأمم المتّحدة.. سألتها ليسلى شتال عن إحساسها تجاه مقتل نصف مليون طفل عراقيّ.. أجابتها: نعتقد بأنّ الثمن كان يستحقّ (10)

قد لم يؤثّر هذا الكلام بالمنتصرين على صدام حسين في العراق، ويمكن لم نهتمّ كثيرًا بهذه المقولات حينها مقارنة بجرائم صدّام حسين، لكنّ السؤال المطروح كيف يستطيع سياسيو الدول أن يتخلّوا عن هذه الروح الإنسانيّة والوجع الإنسانيّ؟ إلامَ وصلت المنظومة الرأسمالية العالمية من الابتعاد عن الأخلاق؟ كيف يمكن أن نروّض هذا التنين المنفلت من عقاله؟ هل يجب أن نسلك نفس هذا السلوك العدائي الذي يطالبنا به الماركسيّون؟ بالطبع لا يهمّ النظام العالميّ تدمير منطقة، سرقة آثار، قتل ملايين الأطفال، تشريد العوائل… إذاً هل نستسلم لهذه المنظومة العالمية كما استسلمت الكثير من الشعوب والمجتمعات ودخلت هذه المصفوفة وباتت لا تفكر ولا تنتج إلا ما هو محدد أمامها، كنظام روبوتي برمجيّ لا يخرج عن النظام؟ ولا يمكن الحلّ في المقاومة أمام هذه الترسانة العالمية الضخمة بدءاً بمنظومة الإعلام التي تروّج للحقائق التي تريدها وتزيّف معظمها، وصولًا إلى الأسلحة النوويّة، وبالمقبل اللامبالاة والتهور والفوضى… اللصقات التي يتحلى بها النظام العالمي.

يقول جون ستيل جوردون (11) “تعتبر الحروب – عموماً – محركات التطوير التكنولوجي، خصوصًا تلك الحروب الأعظم في التاريخ: الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية. صحيح أنّ التطوّر التقني كان آتيًا لا محالة، وبغضّ النظر عن ذلك، لكن الحرب بفضل الإنفاق الهائل على البحوث والحاجة الماسّة إلى تحقيق نتائج ملموسة تسرّع عملية التطوير كثيرًا، وتتجاوز بها الحاضر بعشرات السنين أحيانًا. ومع التمويل الإضافيّ استجابة لمتطلّبات الحرب الباردة، فإنّ هذه التقنيات الجديدة غيّرت وجه الاقتصاد العالميّ في مدّة لم تتعدّ جيلًا واحدًا.” (12) لا يسعنا من خلال جوردون إلّا أن نستشفّ هذه البراغماتيّة والمنفعية الغريبة عن طبيعة المجتمعات التي تبرّر الحرب، صحيح أنّ الكاتب من خلال كتابه يؤيّد النظام الرأسمالي العالميّ بصدق شفاف ونفس منطق النظام الرأسمالي العالميّ، لكنّنا أمام معضلة كبيرة؛ معضلة المؤيد لفكرة ما والمدافع عنها بطريقة الحرب، وهذا نوع من الدوغمائية التي اتصف بها مؤيدو النظام الرأسماليّ ومحاربوه أيضًا.

هو المنطق الميكافيلي (13) تمامًا عندما يقول على سبيل المثال في كتابه الأمير: “الأمير الشجاع يستطيع على الدوام أن يقاوم مثل تلك الصعوبات البسيطة، بأن يملأ قلوبهم بأمل الخلاص القريب تارة، وبتخويفهم من قسوة العدو الفاتح طورًا، وبالحصول على ثقة من يراهم أشدّ جسارة من غيرهم….” (14) وإن خرجنا قليلا عن موضوعنا عبر مثال ميكافيلي لكنا نريد أن نوضح هذه الذهنية البراغماتيّة التي تبنّاها مفكّرو العصر الحديث عبر ميكافيلي أو لنقل الذهنية الميكافيلية، ويجب أن يكون ممنوعًا على المفكرين أن يكونوا بهذه الذهنية – حسب وجهة نظري – لأنّها لا تفضي إلى الحقيقة ويجب على المفكّر أن يبحث عن الحقيقة وإن كانت وجهة نظرها مغايرة.

“اليوم بات بيل غيتس (15) أغنى الأغنياء بثروة تقدّر بنحو 63 مليار دولار أي عشرة أضعاف ثروة أغنى الأمريكيين قبل اثني عشر عامًا، وأصبحت وال مارت كبرى سلاسل التجزئة في العالم، حيث تمتلك أربعة آلاف متجر وتحقق مبيعات سنويّة تصل إلى 165 مليار دولار، أي ما يعادل الناتج المحلّي الإجمال لبولندا، التي يبلغ تعداد سكانها نحو أربعين مليونًا… وإنّ 263 من أصل 400 من أغنى أغنياء أمريكا في العام 2000 أي ثلثي القائمة إنّما صنعوا ثرواتهم الشخصية من الصفر.” (16).

يمكننا من خلال هذه الرؤية لجوردون أن تتوضّح لدينا مدى ظلم هذا النظام، فكيف يمتلك شخص واحد ما يمتلكه 40 مليون شخص، وكيف سيكون السباق إلى الغنى من الصفر، فهي مسألة الحيوانات المنوية التي تقتل كلها ويفوز حيوان واحد بالبويضة، وهذا هو الحال بالنسبة للفرد في هذا النظام، فكما يقول الرئيس الأميركي الحادي والثلاثين؛ هربرت هوفر: “مشكلة الرأسمالية هي الرأسماليون أنفسهم، إذ لا حدود لجشعهم” ومن هنا نستطيع أن نقرأ الرأسمالية بعيون مؤيديها، فهم يستطيعون تحليل هذا النظام أكثر من الاشتراكي الذي يؤمن أن الرأسمالية مجتمعيّة ويصف المجتمع بالمجتمع الرأسماليّ، وها هو رئيس المركز العالمي للنظام العالمي الرأسمالي والنظام المهيمن يعترف أنّ الرأسمالية قد خلقت للرأسماليين، فالمقولات التي تقول إنّ الإسلام جيد والمسلمون غير جيدين، والرأسمالية جيدة والرأسماليون غير جيدين والاشتراكية جميلة لكن الاشتراكيون غير جيدين…. هي مقولات للتهرّب من الحقيقة، ومن التحليل السليم.

لقد كان صوت نورينا هيرتس معقولًا وفيه جانب من الشعرية والمعنوية، والروحية التي يفتقدها هذا البحث العلمي الجاف في حديثنا عن الرأسمالية والليبرالية، فمن الصعب أن ترتاح في البحث عن ماهية الرأسمالية دون التعمّق في مساحات العلم، والتجوّل في هذا الفضاء المعرفي البعيد عن الحياة المعنوية حيث يقول: “إنّ إجمالي السعادة الوطنيّة أهمّ من إجمالي الناتج الوطنيّ” (17) لا شكّ أنّ هذا الحديث عن السعادة الوطنية بحث عميق وكبير، ولكنّه يلخّص السعادة المفقودة في عوالم المال ورأس المال.

هل انتصرت الرأسمالية؟ هو سؤال لم تستطع الرأسمالية الإجابة عنه، فإذا كان صراعها مع الاشتراكية هو الانتصار فهذا مفهوم خاطئ، فالاشتراكية لم تكن عدوًّا للرأسمالية بل كانت سندًا لها، فوقوع الاشتراكية في فخّ الدولة القوميّة، والديكتاتورية، وصراع الأقليات، ودمج القومية بالاشتراكية، واستبدال البروليتاريين بالطبقات الحاكمة؛ (طبقة البروليتاريين عوضًا عن التوتاليتاريين) قد جعلت الدول الاشتراكية تنهار وجعلت الرأسمالية تصعد.

لا يمكننا النظر إلى دعاة الرأسمالية على أنّهم أشرار، ففي كلامهم نصف الحقيقة، فعندما تتصفّح فوكوياما تجد الكثير من الأفكار الجميلة التي تخدم الإنسانيّة؛ يقول فرانسيس فوكوياما في كتابه المشهور الذي يرى أنّ الرأسمالية هي نهاية التاريخ؛ (نهاية التاريخ والإنسان الأخير) حيث يقول: “هناك أيديولوجيتان منافستان للديمقراطية الليبرالية – الفاشية والشيوعية – تقترحان رؤى مختلفة جذريا للمجتمع المثالي.” (19) لكنّه كالعادة يدأبُ دأْبَ الكتاب المؤيدين للرأسمالية في وصف العدوّ اللدود للرأسمالية ألا وهو الاشتراكيّة، وبالتالي يكون القضاء على الاشتراكية قضاءً راحة وهناء للرأسمالية، ونهاية للعالم من خلال قوله: “”إنّ أكبر أعداء الديمقراطية في عصرنا قد هاجموا بالضبط الديمقراطية الجوهرية. كان ذلك مصلا التبرير الذي استخدمه لينين والبلاشفة لحل الجمعية التأسيسية الروسية وإعلان دكتاتورية الحزب الذي سيحقق الديمقراطية الجوهرية باسم الشعب إلّا أن الديمقراطية الشكلية توفر ضمانات حقيقية على صعيد المؤسسات ضد الدكتاتورية وبانت أنها الأكثر استعدادا في نهاية المطاف لإنتاج ديمقراطية جوهرية.” (20)

ولكنّه يغالي كثيرًا في وصف الليبرالية ونعتها بأنّها ثورة: “إنّ الواقع الذي بلغناه ومدى الثورة الليبرالية الراهنة في العالم يدعواننا لطرح السؤال التالي: هل نحن نشهد مجرّد إحدى تقلبات الديمقراطية الليبرالية، أم أنّنا نرى صورة لتطوّر طويل المدى سينتهي إلى قيادة جميع البلدان على طريق هذا النظام؟” (21)

قد يكون فوكوياما محقًّا في هذه مقولته: “ففي عصر جدودنا كان العديد من الناس العاقلين يستطيع أن يتوقّع مستقبلا اشتراكيا مشرقا تزول فيه الملكية الخاصّة والرأسمالية، كما يجري فيه أيضا تجاوز السياسة: إنّه “زمن المستقبل الذي يغني” أما اليوم، بينما نحن بالضبط في مستقبل جدودنا، فمن الصعب علينا بالعكس أن نتصوّر عالمًا يكون أفضل جذريا من عالمنا أو مستقبلا لا يكون بشكل أساسي ديمقراطيا ورأسماليا.” (22)

وهنا وجهة نظر مقنعة أيضًا: “من الممكن لبلد ما أن يكون ليبرالياً دون أن يكون بخاصة ديمقراطيا، كما كانت حال بريطانية في القرن الثامن عشر. إذ كان هناك عدد كبير من الحقوق، بما فيها الإعفاء من الضرائب المحمية تماما بالنسبة لنخبة اجتماعية صغيرة، والمرفوضة بالنسبة للآخرين، فالصورة المعاكسة هي أيضًا، ممكنة: يمكن لبلد أن يكون ديمقراطيًا دون أن يكون ليبراليا، أي دون أن يحمي حقوق الأفراد والأقليات. المثل الصالح على ذلك الجمهورية الإسلامية في إيران التي أعدت انتخابات منتظمة مرضية نسبيا في بلد من العالم الثالث، وأمّنت بذلك للبلاد ديمقراطية لا شكّ بأنّها أفضل مما كانت عليه أيام الشاه.” (23)

وفي الختام علينا أن نتأمل هذه الكلمات التشاؤمية للكاتب هيرتس في وصف الواقع الحالي للنظام العالميّ الرأسماليّ، الذي يعتمد فيه على وقائع حالية: “هذا هو عالم السيطرة الصامتة، العالم في صبيحة الألف الجديدة، حيث أيدي الحكومات تبدو مقيدة، واعتمادنا على الشركات في ازدياد، والمؤسسات الصناعية والتجارية هي التي تتولّى عملية القياة، والشركات الكبرى هي التي تحدّد قواعد اللعبة، وغدت الحكومات هي حكام هذه الألعاب الذين يطبّقون قواعد وضعها آخرون. وأصبحت الشركات النقّالة ولائم متحرّكة، وصارت الحكومات تمضي بعيدًا في اجتذاب هذه الشركات إلى شوطئها أو الاحتفاظ بها. وتعمى العيون عن ثغرات الضرائب، ويستخدم مغول التجارة والصناعة أساليب ذكية في التهرّب من الضريبة لإبقاء حصيلتهم المالية خارج البلاد. وتدفع شركة روبرت ميردوك للأخبار ضرائب بمقدار 6 في المائة عبر العالم كله، ولكنّها ظلّت حتّى العام 1998 لا تدفع شيئًا في المملكة المتحدة، على الرغم من أنّ هذه الشركة حقّقت منذ العام 1987 أرباحًا في المملكة المتحدة بلغت 1,4 بليون جنيه إسترليني، إنّه عالم يركع فيه ممثّلونا المنتخبون أمام رجال المال والأعمال، ولا يتورعون عن الرقص لهم، على الرغم من أنّنا رأينا إمارات تآكل القاعدة الضريبية في خدماتنا العامة المتهالكة وفي البنى الأساسية.” (24)

 

الهوامش

(1)        آدم سميث (1723 – 1790) فيلسوف أخلاقي وعالم اقتصاد اسكتلندي، يُعدّ مؤسس علم الاقتصاد الكلاسيكي ومن رواد الاقتصاد السياسي، اشتهر بكتابيه الكلاسيكيين: “نظرية الشعور الأخلاقي”، وكتاب “بحث في طبيعة ثروة الأمم وأسبابها” (1776)، دعا إلى تعزيز المبادرة الفردية، والمنافسة، وحرية التجارة، بوصفها الوسيلة الفضلى لتحقيق أكبر قدر من الثروة والسعادة، يعتبر سميث هو أب الاقتصاد الحديث، كما لايزال يعتبر من أكثر المفكرين الاقتصاديين تأثيراً في اقتصاديات اليوم.

يخضع السلوك الإنساني حسب رأي سميث إلى ستة بواعث: (حب الذات، التعاطف، الرغبة في الحرية، الإحساس بالملكية، عادة العمل، والميل للمبادلة)، واستخلص سميث من ذلك أن الفرد هو أفضل حكم على تقرير مصلحته الخاصة، ويجب بالتالي تركه حراً في سلوكه. وقد أدى اعتقاد سميث في وجود نظام طبيعي إلى القول بأن هذا النظام من شأنه أن يحقق التوافق والانسجام بين المصالح الخاصة للأفراد مبينة وفقاً للبواعث المتقدمة وبين المصلحة العامة. وهذه هي فكرة “اليد الخفية” التي تعني أن الأفراد في سعيهم لتحقيق صالحهم الخاص يحققون -بدون أن يشعروا- المصلحة العامة.

(2)        يوشيهيرو فرانسيس فوكوياما (ولد 27 أكتوبر 1952) هو عالم وفيلسوف واقتصادي سياسي، مؤلف، وأستاذ جامعي أميركي. اشتهر بكتابه نهاية التاريخ والإنسان الأخير الصادر عام 1992، والذي جادل فيه بأن انتشار الديمقراطيات الليبرالية والرأسمالية والسوق الحرة في أنحاء العالم قد يشير إلى نقطة النهاية للتطور الإجتماعي والثقافي والسياسي للإنسان. ارتبط اسم فوكوياما بالمحافظين الجدد، ولكنه أبعد نفسه عنهم في فترات لاحقة.

يعمل فوكوياما في مركز الديمقراطية والتنمية وسيادة القانون بجامعة ستانفورد منذ 2010. قبل ذلك، عمل أستاذاً ومديرًا لبرنامج التنمية الدولية في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز وأستاذ السياسة العامة بجامعة جورج ميسن. تتمحور أطروحات ومؤلفات فوكوياما حول قضايا التنمية والسياسة الدولية. من مؤلفاته النظام السياسي والاضمحلال: من الثورة الصناعية إلى عولمة الديمقراطية (2014)، أمريكا على مفترق طرق: الديمقراطية، السلطة، وميراث المحافظين الجدد (2006)، مستقبلنا بعد البشري: عواقب ثورة التقنية الحيوية (2002)، الثقة: الفضائل الاجتماعية و تحقيق الازدهار (1995)، الخلل الكبير: الطبيعة البشرية وإعادة بناء النظام الاجتماعي (1999)، وأصول النظام السياسي.

بالإضافة لعمله الجامعي، عمل فوكوياما في قسم العلوم السياسية بمؤسسة راند ولا يزال عضواً في مجلس أمنائها، مجلس إدارة الصندوق الوطني للديمقراطية، ومؤسسة أمريكا الجديدة. كما عمل في هيئة تخطيط السياسات بوزارة الخارجية الأمريكية في الثمانينيات. شارك في تأسيس مجلة آميركان إنترست عام 2005 وهو رئيس هيئة التحرير. فوكوياما زميل في معهد السياسة الخارجية بجامعة جونز هوبكنز، وزميل غير مقيم في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي ومركز التنمية العالمية، عضو في مجلس الرئيس الأميركي للأخلاقيات البيولوجية، جمعية العلوم السياسية الأمريكية، ومجلس العلاقات الخارجية، والمجلس الباسيفيكي للسياسة الدولية.

(3)        شغل إيمانويل والرشتاين منصب كبير الباحثين في جامعة ييل الأميركية. وهو صاحب نظرية النظام الدولي world system theory. من مؤلفاته: النظام العالمي المعاصر (أربعة مجلّدات)؛ وعلم الطوباويات، أو الخيارات التاريخية للقرن الحادي والعشرين؛ وتراجع القوة الأميركية: الولايات المتحدة في عالم فوضى؛ والعالمية الأوروبية: خطاب القوة. كان عضوًا مؤسّسًا لمركز فرناند بروديل (1976-2005) ومديرًا له، ورئيسًا للجمعية الدولية لعلم الاجتماع ISA من 1994 إلى 1998. وترأّس لجنة غلبنكيان الدولية لإعادة هيكلة العلوم الاجتماعية، والتي تُصدر تقريرOpen the Social Sciences. نال 15 شهادة فخرية من 13 دولة، إضافةً إلى جائزة الجمعية الدولية لعلم الاجتماع، لتفوّقه في البحث والممارسة، وجائزة السيرة المتميزة في علم الاجتماع التي تمنحها الجمعية الأميركية لعلم الاجتماع؛ وهو زميل في الأكاديمية الأميركية للفنون والعلوم. وهناك كرسيّ باسمه في جامعة غَنْت في بلجيكا.

(4)        الاقتصاد السياسي البرجوازي يعيش وضعية كارثيّة / ستيفان أنجل / دار الفارابي / بيروت / 2009 / الصفحة 15

(5)        المصدر السابق  / الصفحة 77

(6)        المصدر السابق / الصفحة 80

(7)        سمير أمين (1931 – 2018) مفكر واقتصادي مصري، وهو من أهم أعلام مدرسة التبعية وهو من أهم مؤسسي نظرية المنظومات العالمية.

ولد في مصر لأب مصري وأم فرنسية، حصل في عام 1952 على دبلوم في العلوم السياسية قبل أن يأخذ شهادة التخرج في الإحصاء 1956 والاقتصاد 1957 ويعود إلى مصر حاملا شهادة الدكتوارة في الاقتصاد من السوربون.  له 23 كتابا، من بينها دراسة في التيارات النقدية والمالية في مصر عام 1957. معهد البحوث والدراسات العربية -الجامعة العربية-القاهرة 1959، (قانون القيمة والمادية التاريخية – ما بعد الرأسمالية – من نقد الدولة السوفيتية إلى نقد الدولة الوطنية – حوار الدولة والدين – في نقد الخطاب العربي الراهن…)

(8)        ما بعد الرأسمالية المتهالكة / سمير أمين / دار الفارابي / بيروت / 2003 / الطبعة الأولى / الصفحة 150

(9)        مادلين كوربل أولبرايت (1937) تنتمي إلى الحزب الديمقراطي، كانت أول امرأة تتسلم منصب وزير الخارجية في الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن سماها الرئيس بيل كلينتون في 5 ديسمبر 1996 لتكون وزير خارجية فترته الرئاسية الثانية، لتصبح وزير الخارجية الرابع والستين للولايات المتحدة، وظلت في منصبها حتى 20 يناير 2001.

ولدت في مدينة براغ عاصمة التشيك، كان والداها يهوديا الأصل إلا أنهما تحولا إلى المسيحية، حصلت على الشهادة الجامعية مع مرتبة الشرف من كلية “ويلزلي كوليدج” في مجال العلوم السياسية.

(10)      أوهام الشرق الأوسط / نعوم تشومسكي / الطبعة الثانية / 2006 / الصفحة 50

(11)      جون ستيل جوردون: كاتب أمريكي متخصص في كتابة التاريخ من الولايات المتحدة وتاريخ المال والأعمال. حاصل على اجازة في الفنون من قسم التاريخ من جامعة فاندربيلت, وكاتب في مجلة التراث الأمريكي ‏american heritage ‏ , ومحرر في دار نشر هاربر كولينز، كتبه: إمبراطورية الثروة ‏- المرأة القرمزية – تاريخ وول ستريت 1988

(12)      إمبراطورية الثروة / الجزء الثاني / جون ستيل جوردون / عالم المعرفة 2008 / العدد 358 / الصفحة 454

(13)      نيكولو دي برناردو دي ماكيافيلّي (1469 – 1527) ولد وتوفي في فلورنسا، كان مفكرا وفيلسوفا سياسيا إيطاليا إبان عصر النهضة، أصبح الشخصية الرئيسية والمؤسس للتنظير السياسي الواقعي، والذي أصبحت فيما بعد عصب دراسات العلم السياسي. أشهر كتبه؛ كتاب الأمير، وكان هدف مكيافيلي منه أن يكتب تعليمات لحكام، نُشرَ الكتاب بعد موته، وأيّد فيه فكرة أن ما هو مفيد فهو ضروري، والتي كان عبارة عن صورة مبكرة للنفعية والواقعية السياسية.

“الغاية تبرر الوسيلة”.

”إنها متعة مضاعفة عندما تخدع المخادع“.

”الطريقة الأولى لتقييم حكمة الحاكم، هي النظر إلى الرجال المحيطين به“.

”إن الدين ضروري للحكومة لا لخدمة الفضيلة ولكن لتمكين الحكومة من السيطرة على الناس. كان المواطن الروماني يخشى حنث اليمين أكثر من القوانين، لأنه يهاب أولئك الذين يمثلون سلطات الرب أكثر من الرجال“.

“حبي لنفسي قبل حبي لبلادي”.

«جميع الأمراء يريدون الظهور بمظهر الرحمة لا القسوة، ولكن عليه التأكد ألا يسيء استخدام هذه الرحمة. لا ينبغي على الأمير التردد في إظهار القسوة للإبقاء على رعاياه متحدين، لأنه بقسوته هذه هو أكثر رحمة من أولئك الذين يسمحون بظهور الفوضى بسبب لينهم. ولكن عليه أن يكون حذرًا، لن يستطيع تجنب سمعة القسوة فجميع الدول الجديدة محاطة بالمخاطر. لكن بامكانه المضي قدمًا بكثير من الحكمة والإنسانية. فالثقة المفرطة ستكسبه سمعة المغفل، وعدم الثقة ستظهره بمظهر الغير متسامح. من هنا يأتي السؤال، هل من الأفضل أن تكون مهابًا أم محبوبًا؟

الإجابة هي من الجيد أن تكون مهابًا ومحبوبًا ولكن من الصعب تحقيق ذلك، والأضمن أن تكون مهابًا على أن تكون محبوبًا، إذا لم تستطع أن تكون كليهما. الرجال بشكل عام جاحدون، طليقوا اللسان، جشعون ويحرصون على تجنب المخاطر. طالما أنهم مستفيدون منك، فأنت تملكهم بشكل كامل، يعرضون عليك دمائهم وسلعهم وأطفالهم عندما تكون المخاطر بعيدة. ولكنهم يتمردون عندما يقترب الخطر والأمير الذي يعتمد على كلماتهم دون الاستعداد لإجراءات أخرى، سيزول لأنه اشترى صداقتهم ولم ينلها بنبله وعظمة روحه. يتردد الرجال في إهانة ملهمي الخوف مقارنة بملهمي المحبة، لأن الحب يتماسك بسلسلة من الالتزامات التي سيكسرها الرجال فور خدمة أغراضهم. لكن الخوف يتماسك برعب من العقوبة لا يفشل أبدًا»

(14)      الأمير / نيقولا ماكيافيلي / مؤسسة النوري / الطبعة الثانية / دمشق 1990 / الصفحة 56

(15)      وليام هنري غيتس الثالث، المشهور باسم بيل غيتس، وبيل هو اختصار لاسم وليام، وهو رجل أعمال ومبرمج أمريكي، أسس عام 1975 شركة مايكروسوفت مع بول آلان، وقد صنع ثروته بنفسه، ويملك أكبر نصيب فردي من أسهمها،

في منتصف عام 1975م، وبعد النجاح الباهر الذي حققه كل من بيل غيتس وبول آلان مع شركة ميتس، قرر الاثنان إنشاء شراكة خاصة بينهما لتطوير البرامج، أسمياها شركة “Micro-Soft” وتشكل هذا الاسم من الكلمتين “Microcomputer” و”Software”.

وفقاً لقائمة مجلة فوربس لأثرى أثرياء العالم حصل بيل غيتس على الترتيب الأول بين عامي 1995 و2007م، وتقدر الآن ثروته ب 80 مليار دولار أمريكي

(16)      الأمير / نيقولا ماكيافيلي / مؤسسة النوري / الطبعة الثانية / دمشق 1990 / الصفحة 112

(17)      إمبراطورية الثروة / الجزء الثاني / جون ستيل جوردون / عالم المعرفة 2008 / العدد 358 / الصفحة 454

(18)      السيطرة الصامتة *الرأسمالية العالمية وموت الديمقراطيّة / نورينا هيرتس / سلسلة عالم المعرفة / 2007 العدد 336/ الصفحة 22

(19)      فرانسيس فوكوياما – نهاية التاريخ والإنسان الأخير – مركز الإنماء القومي – بيروت – 1993 الصفحة 36

(20)      المصدر السابق – الصفحة 69

(21)      المصدر السابق – الصفحة 80

(22)      المصدر السابق – الصفحة 72

(23)      المصدر السابق – الصفحة 70

(24)      السيطرة الصامتة *الرأسمالية العالمية وموت الديمقراطيّة / نورينا هيرتس / سلسلة عالم المعرفة / 2007 العدد 336/ الصفحة 14

عن الشرق الأوسط الديمقراطي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الإعلام في الشرق الأوسط بين الحقيقة والخديعة:

لزكين إبراهيم/ يعتبر الكثير من المختصين في المجال الإعلامي والصحفي؛ أن “الإعلام” ...