الرئيسية / مقالات / مايريده السوريين في دستورهم

مايريده السوريين في دستورهم

حسن ظاظا

يكادُ يكون موضوع «الدستور السوري الجديد» أكثر الأمور أهميةَ في الوقت الراهن فهو حالياً «الإشكالية» الأبرز في التفاوض بين الأطراف الداخلية، والخارجية، والدولية المعنية بالصراع الدائر في سوريا، وتعد هذه المهمة التفاوضية المُعقّدة نسبياً تشكِّل إحدى القضايا الأكثر حساسية ودقة في آن معاً، فهي يجب أن تعني افتراضاً لا واقعاً نهاية للصراع في سوريا من جهة، ومن جهة ثانية يجب أن تقضي وتحمل الأفضل لسوريا ولشعب سوريا الذي ذاقَ الدمَ قبلَ الحنظل في ديمومةِ هذا الصراع؛ الذي ادّعى أنه يريد أن يجلبَ الحرية والرخاء، فلم يأتِ إلا بالقيود والتبعيّة، والدمار.

ومن الجدير ذكره أن أول إشارة إلى موضوع الدستور، تمّت بموجب البيان الخِتامي الصادر عن اجتماع مجموعة العمل من أجل سوريا «جينيف1» الذي عقده المبعوث الخاص المُشتَرك للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية لسوريا آنذاك كوفي أنان في 30 حزيران 2012.

وهو ما اصطلح عليه لاحقاً بوثيقة جينيف إذ جاء في نصّ هذا البيان أنه: «يمكن أن يُعاد النظر في النظام الدستوري والمنظومة القانونية، وأن تُعرَض نتائج الصياغة الدستورية على الاستفتاء العام».

هذا الاجتماع، لم تُدعَ إليه الحكومة السورية في ذلك الوقت، فقد كانت القوى الدولية ترى «أن الدولة السورية تفقد سيطرتها تدريجاً، وبالتالي فإن الحكومة القائمة يجب أن تكون خارج أية تسوية قادمة فهي الطرف الخاسِر المطرود، ولا مكان لها في سوريا التي يريدها الغرب».

وهنا إشارة واضحة، يجب أن نفهمها عميقاً في أن معنى أيّ حل لمشكلة داخلية، يتم برعاية دولية، خاصةً في ما يتعلّق بمنطقتنا العربية.

بعد ذلك، تثبّتت وترسّخت هذه المسألة بشكلٍ دولي موثّق، في قرارِ مجلس الأمن الدولي رقم 2254 الصادر في العام 2015. والذي يُشكّل حالياً، المرجع الأساس في أيّ أساس تفاوضي، إذ جاء في هذا القرار حول الدستور: «إن مجلس الأمن الدولي يُعرِب عن دعمه في هذا الصَدَد لعمليةٍ سياسيةٍ بقيادة سوريّة تُيّسرها الأمم المتحدة ….وتُحدّد جدولاً زمنياً وعملية لصوغِ دستورٍ جديدٍ».

 

مسودة الدستور السوري المقترح من روسيا:

كانت روسيا قد نشرت مشروعها المقترح حول الدستور السوري الذي أعددته انطلاقا من نتائج مشاوراتها مع أطراف النزاع السوري ودول المنطقة حيث أضافت فيه لصلاحيات البرلمان إعلان الحرب وتنحية الرئيس وتعيين حاكم المصرف المركزي وتعيين المحكمة الدستورية.

 

بعض الصلاحيات

اقترحت المسودة توسيع صلاحيات البرلمان السوري بقدر كبير على حساب صلاحيات الرئيس السوري، وجاء ذلك في المادة 44 من مسودة المشروع، إذ ورد فيها «تتولى جمعية الشعب الاختصاصات الآتية: إقرار مسائل الحرب والسلام، تنحية رئيس الجمهورية من المنصب، تعيين أعضاء المحكمة الدستورية العليا، تعيين رئيس البنك الوطني السوري وإقالته من المنصب».

يذكر أن الدستور السوري الحالي لا يمنح البرلمان هذه الصلاحيات.

ولم تشر المسودة الروسية إلى حقّ رئيس الجمهورية بحلّ المجلس النيابي، كما لم تشر إلى إمكانيته تعيين نائب رئيس له، وهما من حقوق الرئيس المسجلة في الدستور الحالي، حيث يمنح الدستور الحالي الحق لرئيس الجمهورية بـ «حل مجلس الشعب بقرار معلل يصدر عنه»، وأن «يسمي نائباً له أو أكثر، وأن يفوضهم ببعض صلاحياته».

و اقترحت المسودة الروسية منح رئيس الجمهورية صلاحية إعلان الاستفتاء حول المصالح العليا للبلاد حيث جاء في المادة 59 للوثيقة: «يحق لرئيس الجمهورية إعلان الاستفتاء العام حول المواضيع المهمة والتي تخص المصالح العليا للبلد، وتعد نتائج الاستفتاء إلزامية وتدخل حيز التنفيذ اعتبارا من تاريخ إعلانها من قبل رئيس الجمهورية».

وجاء أيضاً في  المسودة الروسية الإبقاء على مدة ولاية رئيس الجمهورية والمحددة بسبع سنوات مع إمكانية الترشح لولاية واحدة تالية، حيث ذكر البند الأول والثاني من المادة 49: «ينتخب رئيس الجمهورية لمدة سبعة أعوام ميلادية من قبل مواطني سوريا في انتخابات عامة ومتساوية ومباشرة وسرية، ولا يجوز إعادة انتخاب نفس الشخص إلى منصب رئيس الجمهورية إلا لولاية واحدة تالية».

 

حصص للأقليات وإزالة الإشارة إلى العروبة

تقترح مسودة الدستور إزالة تعابير تشير إلى عربية الجمهورية السورية وإحلال اسم «الجمهورية السورية» للتشديد على ضمان التنوع في المجتمع السوري.

ويؤكد البند الأول من المادة الأولى: «تكون الجمهورية السورية دولة مستقلة ذات سيادة و ديمقراطية تعتمد على أولوية القانون ومساواة الجميع أمام القانون والتضامن الاجتماعي واحترام الحقوق والحريات ومساواة الحقوق والحريات لكافة المواطنين، دون أي فرق وامتياز».

ويقول البند الثالث من هذه المادة نفسها: «بصفة التراث الوطني الذي يعزز الوحدة الوطنية، يتم ضمان التنوع الثقافي للمجتمع السوري».

كما اقترحت المسودة الروسية لمشروع الدستور السوري الجديد جعل تغيير حدود الدولة ممكناً عبر الاستفتاء العام، واعتبار اللغتين العربية والكردية متساويتين في أجهزة الحكم الذاتي الثقافي الكردي ومنظماته،

حيث جاء في البند الثاني من المادة التاسعة لمسودة المشروع: «أراضي سوريا غير قابلة للمساس، ولا يجوز تغيير حدود الدولة إلا عن طريق الاستفتاء العام الذي يتم تنظيمه بين كافة مواطني سوريا وعلى أساس إرادة الشعب السوري».

كما جاء أيضاً في البند الثاني من المادة الرابعة «تستخدم أجهزة الحكم الذاتي الثقافي الكردي ومنظماته اللغتين العربية والكردية كلغتين متساويتين».

وتشير المسودة الروسية إلى ضرورة مراعاة التمثيل النسبي لجميع الأطياف الطائفية والقومية لسكان سوريا في التعيينات الحكومية، مع تخصيص بعض المناصب لتمثيل الأقليات.

وجاء في البند الثالث من المادة 54 للمسودة: «يكون التعيين لمناصب نواب رئيس مجلس الوزراء والوزراء تمسكاً بالتمثيل النسبي لجميع الأطياف الطائفية والقومية لسكان سوريا، وتحجز بعض المناصب للأقليات القومية والطائفية، ويحق لرئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء التشاور في هذا الخصوص مع ممثلي جمعية الشعب والمناطق».

 

موقع القوات المسلحة:

تشدد المسودة على عدم جواز استخدام القوات المسلحة في المجال السياسي واضطهاد السكان أو عملية انتقال السلطة.

وجاء في البند الرابع من المادة العاشرة بالمسودة: «تكون القوات المسلحة وغيرها من الوحدات المسلحة تحت الرقابة من قبل المجتمع وتحمي سوريا ووحدة أراضيها، ولا تستخدم كوسيلة اضطهاد للسكان السوريين ولا تتدخل في مجال المصالح السياسية ولا تلعب دوراً في عملية انتقال السلطة».

 

أولوية القانون الدولي:

تؤكد المسودة على سمو القانون الدولي والمعاهدات التي تقرها سوريا واعتبارها جزءاً أساسياً من النظام القانوني للدولة، كما جاء في البند الثالث من المادة السابعة بالمسودة: «تكون مبادئ وأحكام القانون الدولي المعترف بها ومعاهدات سوريا الدولية جزءا لا يتجزأ من نظامها القانوني».

يذكر أن الدستور الحالي للجمهورية العربية السورية يخلو من أي إشارة إلى المعاهدات الدولية والتزام الدولة بها.

ومن الجدير بالذكر أن وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف أوضح أن الجانب الروسي  وضع هذا المشروع مع الأخذ بعين الاعتبار ما سمعه طوال السنوات الماضية من الحكومة والمعارضة ودول المنطقة.

 

أين الدستور من سوريا والسوريين .. ؟

إنها أحجية، ألقت بها موسكو في طريق الحل السياسي في سورية، لطيّ فكرة الحكم الانتقالي التي ثبتتها مؤتمرات جنيف، قبل نجاح موسكو بتحويل المسار إلى أستانا وسوتشي. أقصد أحجية الدستور “أولًا”، وما كان لها تحقيق النجاح في تحويل المسار هذا، وجعل دي ميستورا ممثل الأمم المتحدة، يقبل به إلَا بعد تغيير موازين القوى على الأرض، باستخدامها، مع حليفها الإيراني، أقصى طاقتهما في فرض نفوسهما على الأرض. كما أن المراوغات الدولية التي تركت الشعب السوري دون سند، ودون ذلك ما كان لموسكو القدرة على فرض خيارها، في طريقة البحث عن إنهاء الصراع في سورية، وهي تقوم على هدف إعادة تأهيل سلطة النظام من جديد.

لقد كُتب الكثير عن المراوغة التي تسعى لها موسكو، من وراء أولوية البحث بالدستور السوري، تعديلًا، أو إضافة، أو تغييرًا.

المعروف أن الدستور يشكل العنصر الثالث لتجسيد بناء الدولة … الدول، بعد العاملين الأساسين والرئيسين: (الأرض والشعب)،

علينا أن نتذكر جيدًا النسق الثلاثي للأفكار التي تبناها النظام، وصرح بها على مراحل، وبأوقات مختلفة، وتحيل تلك الثلاثية إلى تحديد جديد لتعريف: من هو السوري؟ فكان أول إفصاح لعقل الاستبداد وهو يعرّف السوري بأنه هو من يدافع عن “الوطن”، وجاء ذلك حين تبيّن للعالم أن غالبية السوريين يقفون مع الحرية وضد استمرار الاستبداد. وإلى جانب تلك الفكرة، وربما قبلها، كانت المقولة المضللة عن واجب سلطة الطغيان بحماية الأقليات المهددة! وثالثة الأثافي، كما يقولون، تمت صياغتها بعنصرية، بالقول: إن سورية المتجانسة هي المطلوب استمرارها، وذلك التجانس هو مصدر الأمان والنجاح في “الوطن”. وهذا يفسر تجنيس الميليشيات الطائفية الإيرانية والأفغانية واللبنانية والباكستانية، فهؤلاء يقاتلون لحماية النظام، ومعهم يكون التجانس بالتجنيس، وحيازة البطاقة” الهوية” السورية.

عن الشرق الأوسط الديمقراطي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الإعلام ما بين التضليل وتوعية الجمهور:

محمد عمر/ التضليل الإعلامي أو الإعلام الأسود ظاهرة منتشرة على المستوى العالمي ...