الرئيسية / أبحاث ودراسات / الترك وسياسة التتريك في البلاد العربية

الترك وسياسة التتريك في البلاد العربية

 /جاسم العبيد

الأتراك هم مجموعة من القبائل يصل عددها إلى 20 قبيلة تقريباً منها: (بجتك، جكل، قبجاقي، تخسي، يغما، يماك، اغراق، بشفرت- جرقي، يسمل، جمل، ايغور، ياباكو، تنكت، أوغوز . ..الخ). وقد توزعت هذه القبائل في الكثير من المناطق التركية.

وجميع هذه القبائل تتحدث اللغة التركية ولكن بلهجات مختلفة، وتعود لغتهم إلى عائلة اللغات المغولية. وهناك ست دول تتكلم اللغة التركية ولكن بلهجات مختلفة وهي (تركمانستان، تركيا، أذربيجان، قرغيزيا، أوزبكستان،  كازاخستان).

استوطن الأتراك وسط آسيا التي تعتبر موطناً أساسياً لهم منذ أقدم الأزمنة قبل أن يقوموا بالهجرة إلى الأناضول. وأول ظهور لكلمة ترك كانت في القرن السادس الميلادي وكانت تشير إلى دولة (غوك تورك) إذ بانت في رسالة امبراطور الصين في ذلك الوقت التي أرسلها بتاريخ 585 م حيث وصفه الإمبراطور الصيني بخان الترك. ويتصف الترك بالخيلاء (التكبر) والفوقية والذهنية التسلطية.

كما إن السلاجقة، هم سلالة تركية حكمت في أفغانستان وأجزاء من الأناضول وسوريا والعراق ما بين عام 1038م حتى عام 1194م. وينتمي السلاجقة لقبيلة فتيق إحدى العشائر المتزعمة لقبيلة الغز التركية. ودخلت هذه العشيرة في دين الإسلام أثناء عهد زعيمها سلجوق سنة 960 م.

وقد أسس الأتراك الدولة العثمانية التي استمرت قائمة حوالي 600 سنة من عام 1299م حتى عام 1923م. ويعتبر عثمان بن أرطغرل مؤسساً لهذه الدولة.

وقد حكم العثمانيون الترك البلادَ العربية وآسيا الصغرى والبلقان باسم الإسلام، وحمل الحاكم لقب خليفة المسلمين وأمير المؤمنين مما ساعدهم في إطالة الحكم والتوسع في البلاد الأخرى واستقرت في أراضي واسعة بين أوروبا وآسيا وامتدت إلى إفريقيا ووصل عدد ولاياتها إلى 29 ولاية.

ينتمي عثمان إلى قبيلة كايي المقيمة في أواسط تركيا من سنة 1299 م-1326 م وهو من مدينة سكود مسقط رأسه، ومن اسمه اشتق اسم العثمانيين، ولم يطلقوا على أنفسهم اسم الأتراك إلا في القرن التاسع عشر في حين أطلقوا اسم الترك على القبائل الهمجية في تركستان، وقد لقب عثمان نفسه بادي شاه واستمرت تحكم البلاد بقوة السيف وبالعسكر حتى أصبحت قوة عظمى عاصمتها استنبول حتى عهد سليمان القانوني. ومن ثم بدأت بالانحدار وأخذ الضعف يدب في جسمها حتى سميت بالرجل المريض ولأسباب شتى حتى انهارت وانتهت بصفتها السياسية بتاريخ 1922م وأزيلت بوصفها دولة قائمة بحكم القانون في عام 1923 م بعد توقيعها على معاهدة لوزان.  وزالت نهائياً عند قيام الدولة التركية.

ضم العثمانيون البلاد العربية لحكمهم منذ القرن السادس عشر الميلادي بعد أن خاضوا عدة معارك مع المماليك في مصر وبلاد الشام ومع الصفويين في العراق. وقد أحاط العثمانيون البلاد العربية بسياج من العزلة عن التأثيرات الخارجية، مما انعكس سلباً على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية فيها. لم يحاول العثمانيون التدخل في شؤون العرب السياسية حتى نهاية حكم السلطان سليمان القانوني، إذ لجأت الدولة العثمانية منذ بداية حكمهم إلى تعيين الزعماء المحليين حكاماً لها في ولاياتها العربية، وقد رأت في هذا الإجراء أنها ستحظى ببعض الفوائد.

في الحالة الاقتصادية:

1ـ الزراعة:

نظر العثمانيون للأرض على أنها ملك للدولة، فأقطعوا قسماً كبيراً من الأرض الصالحة للزراعة للعسكريين ضمن نظام الإقطاع الحربي، فكانوا يتقاضون جزءاً من إنتاج الأرض مقابل القيام بواجباتهم العسكرية. وباقي الإنتاج يذهب للفلاحين. كما مورست جباية الضرائب من خلال نظام الالتزام، وشهدت الزراعة تراجعاً واضحاً بسبب القحط والجراد والفقر وكثرة الضرائب وانعدام الأمن واستخدام أدوات تقليدية في العملية الزراعية.

2ـ الصناعة:

شهدت البلاد العربية في تلك الآونة صناعات حرفية اعتمدت على المواد الأولية المتوفرة في كل منطقة ومقايضة منتجاتها مع المناطق الأخرى وأهم الصناعات التي انتشرت في البلاد العربية أثناء الحكم العثماني، المنسوجات وصناعة الصابون والملح وطحن الحبوب، والصناعات الخشبية ولم تستطع هذه الصناعات الحرفية الصمود في مواجهة الصناعات الأوروبية التي اتسمت بالجودة العالية ورخص الثمن بعد الثورة الصناعية التي شهدتها أوروبا.

3ـ التجارة:

شهدت التجارة تراجعاً واضحاً وخاصة بعد اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا وتحول طرق التجارة عن العالم الإسلامي منذ العهد المملوكي وسوء طرق المواصلات والفقر العام للسكان والاضطرابات السياسية وانعدام الأمن، واستعان العثمانيون بالأمير أبي ريشة من الموالي لحماية طريق الحرير من اللصوص وقطاع الطرق وكانت قاعدته مدينة عانة بالعراق ولديه عشرة آلاف من الجمال تجوب الصحارى لتصل إلى استنبول محملة بالتجارة، ومع ذلك فإن التجارة بين سوريا ومصر لم تنقطع في العهد العثماني.

4ـ الضرائب والرسوم:

فرضت الدولة العثمانية عدداً من الضرائب والرسوم منها على الأراضي الزراعية وضريبة العشر والرسوم على المواشي وكان يسمى (الخاجور) وعلى المطاحن ومعاصر الزيتون والمسقفات على المباني السكنية والحرفيين والفلاحين والضرائب العرفية أيام الحروب وحتى النعجة كان عليها ضريبة، وقد استطاع العثمانيون نقل كثير من الفلاحين المقيمين في حمص وحماة وغوطة دمشق من قبيلة العكيدات إلى وادي الفرت بعد إقناعهم من قبل ابن حريميس من مشايخ عنزة وذلك لزراعة شط الفرات بالحبوب وتقديمها للجيش العثماني مقابل استملاك الأرض الأميرية وهذا ما حصل، لكن قسم من قبيلة العكيدات تمرد على العسكر العثماني ولم يدفع الضريبة ولم يعط عسكرا للجندية العثمانية خاصة في مناطق البوكمال. يقول أحد شعراء العكيدات:

من دور حويش معذيها    سيار ومانعطي عسكر

وحويش هوشيخ من قبيلة العكيدات من البوكمال.

5ـ الحالة الاجتماعية:

بقيت الشؤون الداخلية للشعوب التي خضعت للدولة العثمانية من عرب وكرد وشاشان وسريان وغيرها كما هي، فقد تركوا لها حرية ممارسة معتقداتها الدينية وعاداتها وتقاليدها وانقسم المجتمع في العهد العثماني إلى:

  • أصحاب الامتيازات من الحكام المحليين والإقطاعيين وكذلك العلماء والأئمة والخطباء الذين أعفوا من الضرائب والسادة آل البيت.
  • عامة الشعب من الفلاحين والصناع وأصحاب الحرف ورعايا الدولة من المسلمين وغير المسلمين الذين كانوا يدفعون الضرائب.

6ـ الحالة الفكرية والثقافية:

أصبحت استنبول عاصمة الدولة العثمانية مركزاً للحياة العلمية والثقافية وذلك لأسباب عدة منها :

1ـ هجرة الكثير من الأدباء والعلماء والمفكرين من البلاد العربية إليها ممن نشطوا في التدريس والتأليف باللغتين العربية والتركية.

2ـ جميع المخطوطات العربية والثقافية على اختلاف معارفها في مكتبات استنبول ومساجدها.

3ـ لم تهتم الدولة بالثقافة واللغة العربية ولم ترتق بهما للمستوى الحقيقي لهما، ومسؤولية ذلك كان على عاتق المؤسسات الدينية الكبرى التي حافظت على ذلك كالأزهر الشريف في القاهرة وجامع الزيتونة في تونس والأموي في دمشق والحرمين الشريفين في الحجاز والأقصى في القدس والنجف في العراق بالإضافة إلى المساجد في مراكز الولايات العربية دمشق وحلب والقدس والقاهرة وبغداد.

فقد اعتمدت هذه المؤسسات التعليمية في تمويلها على الأوقاف والتبرعات العامة من المحسنين وأهل البر والخير. وكانت تعلم مختلف العلوم العقلية كالرياضيات والهندسة والعلوم النقلية الدين والتاريخ.

استمرت الدولة العثمانية بالتقصير، فبدأت حركات الاصلاح والتجديد في الدولة في القرن التاسع عشر واتخذت مجموعة من الاجراءات العسكرية الإصلاحية والإدارية ولكن ما السبب في هذا الاصلاح:

1ـ حالة الضعف والفساد السياسي والإداري الذي وصلت إليه الدولة العثمانية، مما أدى لقيام حركات استقلالية عن جسم الدولة مثل حركة فخرالدين المعني الثاني عام 1697 وحركة ظاهر العمر عام 1775 م في عكا بفلسطين وثورة الأشراف في الحجاز والدولة الزيدية في اليمن والأسرة السعيدية في عمان والأسرة السعدية في المغرب عام 1685.

2ـ الهزائم المتكررة التي ألحقتها الدول الأوروبية فيها.

ففي عهد السلطان محمود الثاني عام 1808- 1839 م تعرضت الدولة إلى أزمات داخلية وخارجية تمثلت في ثورات الانكشارية وتمردهم في العاصمة استنبول وفي بعض الولايات الأخرى مثل ولاية ماردين إذ يذكر اسكندر داود في كتابه الجزيرة السورية ص57:

(ألحقت ماردين أولا بديار بكر ثم فصلت عنها وضمت إلى إيالة بغداد وصارت بغداد هي التي تعين حاكمها الذي كانوا يسمونه، متسلم، وقد ذكر التاريخ عدة ثورات للماردينيين على الحكم العثماني منها ثورتهم سنة 1832م على السلطان محمود الثاني إثر إعلانه الإصلاحات المعروفة بالتنظيمات فجردت الدولة حملة لإخضاعهم بقيادة رشيد باشا وتمكنت من قمع الثورة وإعادة الأمن إلى ما كان عليه غير أن الحال ما لبثت ثانية ان اشتعلت واضطربت المدينة إثر دخول الجيش المصري إلى سورية ومسيره نحو الشمال وازدادت الحال سوءا إثر الهزيمة الساحقة التي أنزلها المصريون بالعثمانيين سنة 1839 م فعهد الباب العالي إلى سعدالله باشا حاكم ديار بكر- آمد- بإعادة النظام إلى منطقة ماردين ولكن الأهلين من عرب وكرد وسريان وأرمن أعلنوا أنهم يفضلون الانضواء تحت سلطة ابراهيم باشا حاكم الموصل وكان قد أظهر عداءه لتنظيمات السلطان محمود المذكورة ودامت الحال كذلك إلى ما بعد جلاء الجيوش المصرية من الديار السورية).

كما قامت ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925م وانتفاضته العارمة في منطقة ديار بكر- آمد بوجه الظلم والاستبداد وسياسات التتريك والعنصرية التركية، ولكن للأسف خبت نار هذه الانتفاضة وانطفأت حينما قبض على الشيخ سعيد وأعدم من قبل الترك، وكذلك انتفاضة ديرسم الكردية عام 1936. وكذلك حملة نابليون بونابرت على مصر والشام والحروب العثمانية الروسية. وظهور عدد من الحركات الاستقلالية في شبه جزيرة البلقان.

حاول السلطان محمود إصلاح الجيش وذلك بالتخلص من النظم العسكرية القديمة وفي مقدمتها الجيش الانكشاري، فعمل على تأسيس جيش قوي واقتباس النظم الأوروبية الحديثة وإنشاء فرق عسكرية جديدة لإعادة القوة العسكرية للقوات العثمانية.

جاء عبد الحميد الأول عام 1839 -1861 م وكان على خلاف مع محمد علي باشا حاكم مصر الذي قاد حملة سيطر فيها على مصر وبلاد الشام فأصدر السلطان مرسوماً سمي بـ (شريف كلخانة) لضمان تأييد الدول الأوروبية ودعمها للسلطان ضد محمد علي باشا ومن بنود المرسوم:

  • تنظيم جباية الضرائب وإلغاء نظام الالتزام.
  • المحافظة على أرواح الناس وأموالهم وممتلكاتهم مهما كانت دياناتهم.
  • إصلاح الإدارة والقضاء على الرشوة والمحسوبيات.
  • وضع نظام محدد للخدمة العسكرية.

ازداد ضغط الدول الأوروبية على العثمانيين وطالبوهم بمزيد من الإصلاحات فأصدر السلطان عبد المجيد مرسوم التنظيمات الخيرية ومن بنوده:

  • إصلاحات شاملة في الأمور المالية والمواصلات والتعليم والزراعة والتجارة.
  • اعتبار رعايا الدولة العثمانية متساوية في الحقوق والواجبات مهما اختلفت دياناتهم ومذاهبهم.
  • إنشاء محاكم مختلفة للفصل في القضايا المدنية والجزائية.
  • السماح للأجانب بحق التملك في أراضي الدولة العثمانية.

وفي عهد السلطان عبد العزيز (1861- 1876م) صدر قانون الولايات ويهدف إلى تحديث التنظيمات الادارية المتبعة في الدولة العثمانية وبموجبه أصبح في كل ولاية وال يساعده موظفون مختصون بالشؤون المالية والادارية والتعليم والقضاء والأشغال العامة والزراعة ويقدمون له المساعدة واستحدث مجلس إدارة يشترك فيه الأهالي إلى جانب الحكام الاداريين ووضعت القوانين التي تنظم المحاكم والزراعة والأراضي والبلديات والتجارة.

ثم جاء عبد الحميد الثاني (1876- 1909) فأظهر توجهاً إصلاحياً بتأثير رجال الإصلاح الذين طالبوا باقتباس النظم الديموقراطية من أوروبا، فأصدر السلطان القانون الأساسي الذي حدد فيه الحقوق والامتيازات الخاصة بالسلطان وأسرته وورثة العرش والحقوق العامة لرعايا الدولة الذي أطلق عليهم اسم العثمانيون بغض النظر عن دياناتهم وأجناسهم وألغى السلطان مصادرة الأموال وممارسات التعذيب وأعمال السخرة وأعلن المجلس العمومي ووافق السلطان مضطراً على توقيع بنود الدستور الجديد لمواجهة خطر الدول الأوروبية، لكنه ما لبث أن عزل الصدر الأعظم مدحت باشا الملقب بأبي الدستور ونفاه إلى خارج البلاد عام 1877م، وأوقف العمل بالدستور وأعاد الحكم الفردي الاستبدادي.

تدهور وضع الدولة العثمانية وبدأ الضعف يدب في جسمها منذ أواخر القرن السابع عشر الميلادي عندما استطاع الغرب إيقاف التوسع العثماني عند حدود فينا عاصمة النمسا، وتعرض العثمانيون للهزائم الكثيرة أمام روسيا في القرن الثامن عشر انتهت بمعاهدة كوجك قينارجة عام 1774م وقد ساهمت عوامل عديدة في انهيار الدولة منها:

1ـ معاهدة كوجك قينارجة عام 1774م التي تنازلت فيها الدولة العثمانية عن سيادتها في شبه جزيرة القرم وضمت إلى روسيا ومنحت روسيا امتيازات تجارية ودينية كإقامة كنيسة أرثوذكسية في استنبول وكان توسع الدولة العثمانية في مساحات واسعة امتدت إلى ثلاث قارات وضمت شعوباً غير متجانسة من الناحية العرقية واللغوية والدينية والثقافية والتاريخية، فكان لكل هذه العوامل مجتمعة لها الأثر البالغ في ضعفها.

فبرزت الحركات القومية والطورانية وثورات لها طابع قومي مثل الثورة الألبانية والحرب العالمية الأولى عام 1914-1918م.

انتهى عهد السلاطين الأقوياء بموت سليمان القانوني عام 1566م وحكمت سلاطين ضعفاء فتحولت الدولة بسببهم إلى مرحلة جديدة من الفساد والضعف، وخاصة إغفالهم لشؤون الجيش وإلغاء الضريبة التي كانت تزود فرق الانكشارية بالعناصر البشرية مما أدى إلى تحول الحياة العسكرية إلى وراثية في صفوف الجيش الانكشاري وفقدان الجيش الانكشاري صفته القتالية وتراجع دوره بعد السماح له بالاختلاط بالسكان المحليين والانخراط بالوظائف المدنية وانتشار الرشوة بين صفوف قادة الجيش والولاة حتى أصبح تعيين الوالي لفترة محدودة ثم يتم تغييره كي لا يملأ جعبته كاملة من الرشاوى.

وبقيت الأسلحة القديمة كما هي، لم يطرأ عليها تحسين أو تبديل وكذلك الأساليب القتالية لم تتغير بل انشغل القادة العسكريون بالأراضي الزراعية على حساب انتمائهم للجيش.

ففقد الأمن وسيطر الأوروبيون على صناعة الغزل والحرير وقامت المصارف الأوروبية فلجأت الدولة العثمانية إلى الاستدانة من مصارف أوروبا وتراجعت التنظيمات المهنية والحرفية وقامت الحرب مع ايطاليا فتخلت الدولة العثمانية عن طرابلس وبنغازي بموجب صلح آرشي عام 1912م وتنازل العثمانيون عن البوسنة والهرسك للنمسا عام 1909، هكذا كانت حال الدولة وما وصلت إليه من حالة ضعف.

 

سياسة التتريك:

بدأ الأتراك الاتحاديون بعد استلامهم الحكم في أواخر عمر الدولة العثمانية بممارسة سياسة تمثلت بسياسة التتريك التي نتج عنها:

  • سوء العلاقة بين الأتراك والشعوب العربية والكردية والقوميات الأخرى نتيجة السياسة التي اتبعها الاتحاد والترقي.
  • ظهور اتجاهات سياسية متباينة لدى الاتحاديين حيث أيد بعضهم الحركة القومية الطورانية بينما دعا الاتجاه الآخر للمحافظة على الدولة العثمانية.

أدت سياسة التتريك والنهج المتغطرس الذي مارسه الاتحاديون ضد العرب والشعوب الأخرى إلى تخلف المنطقة وغرقها في بحر الجهل والفقر والاستبداد إلى جانب الاستيلاء على ثروات المنطقة العربية وتسخير أبنائها واستنزاف طاقاتهم لخدمة مصالحهم، فسياسة التتريك التي اتبعها حكام الترك سياسة عنصرية مارسها الاتحاديون ضد العرب والقوميات الأخرى لفرض اللغة التركية في التعليم والمؤسسات الحكومية ودوائر الدولة وإهمال اللغة العربية وغيرها من اللغات.

في ذلك الوقت وسعت بريطانيا إمبراطورتيها لتأمين طرق الوصول لمستعمراتها في الهند، فسيطرت على مصر وقناة السويس وعدن والخليج العربي، ودخلت الدولة العثمانية في 4 تشرين الثاني 1914 م الحرب العالمية الأولى إلى جانب دول الوسط ألمانيا والنمسا والمجر وذلك تنفيذاً للمعاهدة السرية المعقودة بينها وبين ألمانيا في آب سنة 1914م، فضلاً عن ذلك فإن حادثة ضرب الموانئ الروسية في البحر الأسود التي قامت بها القطعات العثمانية في 29 تشرين الأول عام 1914م عجلت من دخول الدولة العثمانية الحرب، إذ أعلنت روسيا الحرب عليها في 4 تشرين الثاني من العام نفسه، وتلا ذلك إعلان كل من بريطانيا وفرنسا الحرب عليها بعد يوم واحد.    

كانت الدولة العثمانية تتوخى من دخولها الحرب تحقيق أهداف عديدة منها:

  • ممارسة سياسة التتريك في جميع أنحاء الدولة العثمانية وفي الأقطار التي وقعت تحت سيطرة الدول الأوروبية.
  • استعادة الولايات التي خرجت من سلطة الدولة العثمانية مثل قبرص وليبيا وتونس والجزائر.
  • إعادة ترسيخ سلطة الخلافة على جميع دول العالم الإسلامي.

اعتقد قادة جمعية الاتحاد والترقي إن هذه الأهداف لا يمكن تحقيقها إلا بالتعاون مع ألمانيا، كما أن هؤلاء القادة ومنهم أنور باشا وطلعت باشا كانوا يرون أن التخلص من القيود الثقيلة المفروضة عليهم بوجود نظام الامتيازات الاجنبية لا يمكن أن يتم إلا بدخول الدولة الحرب العالمية رغم أن واردات الدولة العثمانية كانت محجوزة للدول الأجنبية ضمانا لدفع الديون وتسديدها.

أعلنت الحرب والدولة مفككة وضعيفة ويسودها الاضطراب، فاستاء كثير من الوزراء بل قدموا استقالاتهم من الحكومة، أما الرأي العام العثماني فلم يكن راضياً على دخول الدولة الحرب العالمية نظراً لما تجلبه هذه الحرب من ويلات ودمار وخراب، فخسرت الدولة الحرب وقسمت ممتلكاتها ووقعت معاهدة رودس عام 1918م.

أدى دخول العثمانيين الحرب العالمية الأولى عام 1914 ضد دول الحلفاء إلى التعجيل بانهيارها فقام الحلفاء باحتلال أجزاء من أراضي الدولة العثمانية، فاضطر الأتراك للقتال على جبهات متعددة أغلبها دفاعية ثم دخلت أمريكا الحرب فرجحت كفة الحلفاء.

وعلى الرغم من خروج روسيا من الحرب العالمية الأولى أثر الثورة البلشفية عام 1917م، إلا أن الأتراك أجبروا على توقيع معاهدة هدنة رودس عام 1918 م التي نصت على استسلام الدولة العثمانية لقوات الحلفاء التي دخلت استنبول دون قيد أو شرط. وفي عام 1923 جرى التوقيع على معاهدة لوزان مع الحلفاء نصت بنودها على الاعتراف بعودة السيادة التركية على أراضيها، ثم أصدر المجلس الوطني التركي بتاريخ الأول آذار 1924 قانوناً جديداً نص على تأسيس الجمهورية التركية الحديثة وانتخاب مصطفى كمال أتاتورك رئيساً للجمهورية الذي انخرط في العمل الثوري، وأسس جمعية وطن عام 1906 وأصبح رئيساً للجمهورية حتى وفاته عام 1938م عزلت الحكومة الاتحادية السلطان عبد الحميد عام 1909 وعينت محمد رشاد سلطاناً بالاسم بدلاً عنه، فسيطروا على السلطة ومارسوا سياسة عنصرية متعصبة للعنصر التركي، فجعلوا المناصب العليا في الإدارة والجيش بيد الأتراك وشددوا من قبضة الحكم المركزي التركي.

وأجبر الأتراك أبناء القوميات المختلفة في الدولة على تعلم اللغة التركية وجعلوها لغة العلم في المدارس ولغة البلاد وفرضوا الضرائب الباهظة وطالب بعضهم بطرد العرب من أوطانهم وتوطين جاليات تركية بدلاً منهم ونقل الضباط العرب إلى المناطق البعيدة وتشجيع الصحافة التي تمجد تعصبهم لقوميتهم الطورانية. فاصطدمت هذه السياسة مع مصالح العرب وتمسكهم بقوميتهم ودينهم ولغتهم ولعل هذه الخطوات لعبت دوراً هاماً في إثارة المشاعر القومية ضد الحكم التركي في دولة متعددة العناصر والقوميات.

انتشر التذمر عند الشباب العرب وبدأ الفكر القومي والشعور بالانتماء للعروبة يملأ صدور الشبيبة المثقفة والمتعلمة والمفكرة بمصير الأمة، فأصدروا في مؤتمر باريس قرارات عام 1913 لم تعجب الاتحاديين ومع ذلك تم الاتفاق على بنود منها:

  • التعليم الابتدائي والمعاملات الرسمية في الولايات العربية تتم باللغة العربية.
  • كبار موظفي الدولة يعينون من قبل الحكومة المركزية في الولايات العربية ويكونوا من الملمين باللغة العربية أما بقية موظفي الدولة فيجب أن يكونوا من الولاية نفسها.
  • الخدمة العسكرية محلية في أوقات السلم.
  • يعين ثلاث وزراء عرب.

لكن الاتحاديين لم يتقيدوا بالشروط والمعاهدة واستمروا بسياسة التتريك والاضطهاد والإعدامات في 6 أيار 1916 فقد أعدم رفيق رزق سلوم  ومحمد نسيب وعبدالكريم الخليل ومحمود العجم وعبدالقادر الخرسا ومحمد ومحمود المحمصاني وسعيد الكرمي وعبدالله الظاهر وعمر الجزائري والشيخ أحمد طبارة وأمين لطفي الحافظ وسيف الدين الخطيب وشفيق المؤيد وعلي النشاشيبي وعبدالوهاب الانكليزي ورشدي الشمعة ومحمد الشنطي وبشارة الهاني وشيخ قبيلة الحسنة محمد الملحم ومفتي غزة أحمد عارف وشاهر رحيل العلي شيخ قبيلة التركي وبيترو باولي وعبدالغني العريسي وجرجي حداد، وكان وراء هذه الإعدامات السفاح جمال باشا وغيرهم الكثير من المفكرين والشعراء والخطباء والمثقفين الوطنيين.

فظهر الشريف الحسين بن علي وأطلق الرصاصة الأولى لإعلان الثورة على الأتراك وانضم كثير من الشباب العربي لثورة الشريف حسين بعد أن قارنوا وتنبهوا إلى ما هم عليه من حالة تخلف وضعف وجهل ونظروا للغرب المتحضر المتقدم في مجال العلم والتكنولوجيا، فطالبوا بالاستقلال عن الدولة العثمانية ومن الشخصيات البارزة التي كان لها دور بارز في إذكاء روح الحماسة للانفصال عن الدولة العثمانية الأديب عبد الرحمن الكواكبي ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا ومحمود شكري الآلوسي وقاسم أمين الذي نادى بتحرير وتعليم المرأة الذي قال:

من لي بتربية النساء      فإنها علة ذلك الإخفاق

لم يعجب الأتراك أفعال وأقوال الشباب العرب فقامت بإعدام العشرات منهم في ساحة المرجة بدمشق وفي ساحات بيروت، واليوم تجد الترك الأحفاد أشد قسوة وخيلاء وظلما للعباد من أولئك الأجداد.

فها هي عفرين عروس الشمال السوري قد احتلوها واستباحوها أرضاً وبيوتاً وزراعات ولم يسلم منهم ومن حلفائهم البشر والحجر والآثار فخطفوا البشر وأسروا وهدموا الحجر من بيوت وسكن ودمروا آثار عفرين التاريخية من قلاع وأعمدة وتراث إنساني.

 

المصادر:

  • مفتاح العلم في تاريخ العرب، مجموعة من المؤلفين.
  • تاريخ العرب والعالم لـ أحمد الحيدرية.
  • الجزيرة السورية لـ اسكندر داود.
  • وطن الشمس لـ عبدالله قره مان.

 

………………….

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عن الشرق الأوسط الديمقراطي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

محاولات إفناء التُراث التاريخي الحضاري تُراث منطقة عفرين نموذجاً

/عبد المجيد إبراهيم قاسم   إن التراث الثقافي والحضاري الذي تركه لنا ...