الرئيسية / أبحاث ودراسات / الكرد والأرمن والطورانية التركية

الكرد والأرمن والطورانية التركية

فارس عثمان/

تشكّل العلاقة بين الشعبين الكردي والأرمني نقطةً فارقة في تاريخ كلا الشعبين، وخاصةً في الجانب الكردي، فيها نقاط بارزة ومضيئة بل مشرقة، وفيها نقاط داكنة ورمادية وربما سوداء، ولكن الظروفَ حكمت ولا تزال تحكم عليهما بضرورة التعايش المشترك، ليس بسبب الروابط والعلاقات التاريخية التي تعود إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام، ولا نتيجة المصالح المشتركة، ولكن بحكم الجغرافية المتداخلة التي تجمع الشعبين الكردي والأرمني وغيرهما من الشعوب في منطقة محددة ومتداخلة من العالم.

وتشكلُ مجازرُ الأرمن نقطةً إشكالية في العلاقات التاريخية بين الكرد والأتراك والأرمن نظراً لتأثير تلك المجازر والنتائج الكارثية التي نتجت عنها، ومحاولة بعض الكتاب والباحثين بقصد أو بغير قصد تحميل الشعب الكردي كشعب وليس بعض الكرد كأفراد أو كمجموعات تبعيةَ تلكَ المجازر.

رغم أن الشعب الكردي- مثله مثل الشعب الأرمني- تعرّض لمجازرَ مماثلة على أيدي السلطات التركية التي قامت بإبادة الشعب الأرمني. ولم يقلّ حقدُ السلطات العثمانية ومن ثم التركية ضدّ الشعب الكردي عن حقدهم ضد الشعب الأرمني، لا بل كانت السلطات العثمانية في أغلب الأحيان “أكثر عدوانية ضد الأكراد خلال بضع عشرات الأعوام الأولى من القرن التاسع عشر، ولم تطرح خطة القضاء على الأرمن إلا في الخمسينيات من ذلك القرن وبالتدريج”.

كما إن الشعبين الكردي والأرمني- وبحكم التعايش المشترك والموقع الجغرافي المتداخل- تعرّضا لمذابح عديدة منذ غزو السلاجقة الأتراك ومن ثم المغول التتر والصفويين، وكان الفصل الأخير والأكثر وحشية وبربرية، هو مذابح العثمانيين والتي وصلت وحسب القوانين الدولية إلى حدّ الإبادة الجماعية (الجينوسايد).

ولا يذكر تاريخ العلاقة بين الشعبين الذي يمتد لأكثر من خمسة وعشرين قرناً من الزمن شواهدَ وحوادث عن حالة العداء التاريخية بين الجانبين تؤدي إلى ارتكاب المجازر الوحشية بسبب الخلافات السياسية، أو الاقتصادية، أو بسبب التعصب والاختلاف الديني، وهناك مئات الشواهد التي تدل على عكس ما يذهب إليه هؤلاء. ويؤكد على ذلك الباحث الأرمني البرفسور م.ا.حسرتيان في أحد أبحاثه عن انتفاضة الشيخ سعيد بيران عام 1925 “على العموم لم يكن التعصب الديني من صفات الأكراد في يوم من الأيام”. كما يؤكد الباحث الروسي ف. كردليفسكي على ذلك بالقول: “لم يلعب اختلاف الدين بين الأكراد المسلمين والأرمن المسيحيين أيّ دورٍ عبر التاريخ. وكان الأرمن يذهبون إلى مساجدَ الأكراد المسلمين، والأكراد كذلك يذهبون إلى كنائس الأرمن”. ويقول صالح زهر الدين: “لقد عاش الأرمن والأكراد في سلام ووئام على مرّ العصور، وكان التحالف بين هذين الشعبين القوة التي تهدد السيطرة العثمانية في ولاياتها الشرقية، حيث الأغلبية الساحقة من السكان كانت من الأرمن والأكراد”. كما أن الأرمن وقفوا إلى جانب الكرد في معظم الثورات التي قاموا بها ضد الدولة العثمانية. وكذلك الأمر بالنسبة للأرمن.

وبعيد اندلاع الحرب العالمية الأولى 1914 التي شهدت مجازر الأرمن الدامية في السنة الثانية لاندلاعها قال الميجر البريطاني (ك. صون) في محاضرة ألقاها أمام الجمعية الجغرافية الملكية في لندن: “قد يكون لأي منا فكرة غامضة عن كون الأكراد مسؤولين عن مذابح الأرمن ولكن قليلٌ منا يعرف أن الغالبية العظمى من المسيحيين كانوا يعيشون في سعادة كبيرة في كردستان قبل سنوات الحرب العالمية الأولى”.

وإذا كانت المأساة الأرمنية نفذت في ظل الحرب العالمية الأولى وعلى يد حزب تركيا الفتاة الشوفيني، إلا أن جذورها تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، إلى عهد السلطان عبد الحميد الثاني، نفذ مذبحة ساسون خلال شهري آب وأيلول 1894 مذبحة بكل ما للكلمة من دلالة وحشية، و”دمر في فترة وجيزة 40 قرية وقتل حوالي عشرة آلاف شخص أرمني”، وذلك أمام مرأى ومسمع من جميع الدول، كانت الأولى بهذه الضخامة. في عامي 1895 – 1896 نفذ السلطان المذبحة الثانية التي شملت معظم أرمينيا والمناطق والمدن التي كان يسكنها الأرمن، وكانت أكثر عنفاً وقسوة من مجازر ساسون، أودت بحياة “حوالي 150 ألف من الرعايا الأرمن”، بالإضافة  إلى تدمير آلاف الأديرة والكنائس، وخسائر مادية فادحة قدرت بملايين الليرات العثمانية.

وبالتزامن مع هذه المجازر قام بعزل الشعب الأرمني، وقطع الطريق على تنفيذ أي مطلب من مطالبه القومية المشـروعة، والتي دارت معظمها في فلك الدولة العثمانية – أي المطالبة بالإدارة الذاتية أو الحكم الذاتي، والقيام ببعض الإصلاحات الداخلية. وقامت السلطات العثمانية بتشويه سمعة الأرمن لدى الكرد لئلا تصبح حركتهم قدوةً لهم. وفضلا عن ذلك كان العثمانيون يدركون أنهم بذلك يرمون عصفورين بحجر واحد “إذ يضربون الحركة الأرمنية من جهة، ويوجهون الحركة الكردية في مسارٍ خاطئ من جهة أخرى”.

وكمثال على ذلك خلال المذبحة الثانية التي نفذتها جمعية الاتحاد والترقي، أكد فائز الغصين الذي كان شاهد عيان على المجازر الأرمنية “أن المسؤولين الأتراك كانوا يكسون قتلى الأرمن بالملابس الكردية ثم يلتقطون لهم الصور، للإيهام بأن تلك الجرائم من صنع الأرمن”. لإثارة المشاعر القومية لدى الكرد للإيقاع بينهم وبين الأرمن، وفي نفس الوقت “كان المسؤولون الأتراك يجلبون سجناء من مناطق أخرى ويلبسونهم الزي الكردي ويرسلونهم أفواجاً إلى مدينتي أرضروم وديار بكر للاشتراك في عملية الإبادة الجارية هناك”. للإيحاء للآخرين بأن الذين يقومون بالمذابح هم الكرد فقط.

ومع وصول حزب الاتحاد والترقي إلى السلطة وانفراده بالحكم 1908، ظهرت فكرة (الطورانية) بإنشاء إمبراطورية طورانية تركية  خالصة، متجانسة تمتد من منغوليا إلى أطراف البلقان – بدلاً من الإمبراطورية العثمانية التي تضم شعوب وعناصر مختلفة، وارتكزت الفكرة الطورانية هذه على أسس ومفاهيم عنصرية بحتة، فعلى الصعيد الثقافي والاجتماعي دعت إلى إحياء الثقافة (الطورانية – المغولية) والتذكير بأمجاد وتاريخ وأبطال الشعب الطوراني (كجنكيز خان، وتيمور لنك، وهولاكو)، لخلق الشعور بالانتماء إلى وحدة متجانسة ذات ماض حضاري يجب العودة إلى منابعه.

أما على الصعيد السياسي فقد دعت لإنشاء كيان سياسي موحد مستقل، يضم جميع الدول التي يتواجد فيها العنصر الطوراني (أي الترك والتتر والمغول) تمتد من منغوليا إلى أطراف البلقان، والعمل على تطهير هذا الكيان من العناصر الأخرى غير الطورانية، واعتبارهم خونة ويستحقون الإبادة لأنهم هم يتحملون المسؤولية الأساسية عن البلاء الذي حل بهذه الإمبراطورية، نتيجة تعاونهم وتآمرهم مع الدول الاستعمارية.

وقد سيطرت هذه الفكرة بقوة على أذهان قادة حزب تركيا الفتاة – التي سميت بجمعية الاتحاد والترقي – وخاصة بعد انفرادهم بالحكم بشكل مطلق عام 1909، تحت عنوان الثورة الدستورية.

وقد أقرّ حزب الاتحاد والترقي خلال اجتماع عام عقده عام 1910 مبدأ سيادة العنصر التركي على الشعوب الأخرى غير التركية، إضافة إلى إقرار كافة الوسائل لتحقيق هذا الهدف. وفي اجتماع 1911 الذي ضم معظم قادة هذا الحزب، برئاسة طلعت باشا وبمشاركة أنور باشا وكل من جمال باشا الشهير بالسفّاح والدكتور ناظم، وبهاء الدين شاكر، وسعيد حليم باشا وآخرين، خص الشعب الأرمني من بين الشعوب غير التركية بمشروع الإبادة الوحشي في المرحلة الأولى. وظل زعماء الحزب يتحينون الفرصة لتنفيذ مشروعهم العنصري،  وأمام ازدياد مطالبة الشعوب بتنفيذ الإصلاحات التي وعدوا بها، وإطلاق الحريات العامة، وجد قادة الاتحاد والترقي في دخول تركيا الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا الوسيلة التي تقطع الطريق على كل المطالب الداخلية  وفرصة لتحقيق أهدافهم، وفي مقدمتها إعادة السيطرة على ما فقدته في حروبها مع روسيا أو فرنسا أو إنكلترا، وكذلك التصدي لمطالب الشعوب التي تنادي بالحرية والاستقلال وخاصة البلقان والأرمن. ولأنهم فشلوا في حروبهم مع الشعوب البلقانية، لذلك قرروا التصدي للأرمن. فوضعوا خطة محكمة ودقيقة لإقفال ملف هذه القضية ليس بحلها بالطرق السلمية وبالحوار والتعاون مع زعماء وقادة الشعب الأرمني، وإنما بطريقة وحشية ومدمرة وهي إبادة أبناء هذا الشعب، مستغلين ظروف الحرب العالمية الأولى، بالانتقال إلى تنفيذ وتطبيق منطلقاتهم النظرية على أرض الواقع، والبدء بتنفيذ أضخم مجزرة بشرية في العصر الحديث والتي أودت بحياة أكثر من مليون ونصف من الأرمن.

وأكد الدكتور ناظم على ضرورة أن تكون عملية الإبادة هذه شاملة ونهائية، وشدد على أنه “يجب اقتلاع الأرمن من جذورهم، وأن لا نترك أرمنياً واحداً على قيد الحياة في بلادنا  يجب أن نزيل الاسم الأرمني من الوجود. إننا في حالة حرب، ولا يمكننا أن نأمل فرصة أفضل من هذه، وسوف لن تتدخل القوى الكبرى، ولن نسمع احتجاجات واستنكار الصحافة. وحتى لو تم ذلك فسيكون قد فات الأوان، لذلك أقترح هذه المرة تنفيذ عملية إبادة حاسمة ونهائية. يجب أن نبيدهم عن بكرة أبيهم حتى لا يبقى أرمني واحد على قيد الحياة”.

وفور إعلان المشاركة التركية في الحرب العالمية الأولى شكل الاتحاديون لجنة خاصة لتتولى الإشراف على عمليات الإبادة برئاسة طلعت باشا وزير الحربية. ومن الدكتور بهاء الدين شاكر، ووزير التربية شكري، والدكتور ناظم مهمتها إعداد خطة للقضاء على الأرمن، وطريقة تنفيذها.

وبعد تشكيل اللجان المكلفة بتنفيذ المجازر في كل منطقة من مناطق تواجد الأرمن، نشرت السلطات التركية بيانات في جميع تلك المناطق بأن عقوبات شديدة تنتظر كل من يقدم على إبداء أي مساعدة للأرمن. وشددت على “أن من يتجرأ على إخفاء طفل أو امرأة أو فتاة أرمنية في منزله أو يعثر عليه (أو عليها) لديه، فإن هذا الشخص يعتبر أرمنياً وسيدفع رأسه ثمنا لذلك”.

ولتضليل الرأي العام العالمي نشرت الحكومة العثمانية بياناً جاء فيه: “إن الأرمنَ قاموا بأمورٍ مخالفة للقوانين، وهم ينتهزون الفرص لإقلاق الحكومة، و قد وجد لديهم أسلحة ممنوعة وقنابل ومواد متفجرة مهيأة للقيام بثورة عامة داخل البلاد، وقد قتلوا المسلمين في وان، وساعدوا الجيوش الروسية، و لما كانت الحكومة في حالة حرب مع دول إنكلترا وفرنسا وروسيا، وخوفاً من أن يقوم الأرمن بأعمال شغب وثورة كعاداتهم، فقد قررت الحكومة جمع جميع الأرمن، وسوقهم لولايتي الموصل و سوريا ولواء دير الزور، على أن تكون أعراضهم و أموالهم وأنفسهم في أمان من اعتداء المعتدين و تسلط المجرمين، وقد أعطيت الأوامر اللازمة لتأمين أسباب راحتهم، ولإسكانهم في تلك البلاد إلى أن تضع الحرب أوزارها”.

وعلى نفس الوتيرة لعبت جمعية الاتحاد والترقي بمشاعر وعواطف المسلمين، عندما صبغت مشاركتها في الحرب العالمية الأولى بطابع ديني. فنشرت بطلب من ألمانيا بياناً باسم السلطان العثماني (محمد رشاد) بصفته خليفة المسلمين بإعلان (الجهاد المقدس) ودعوة المسلمين في كل مكان في العالم إلى المشاركة في هذه الحرب باعتبارها واجب ديني مقدس، وبالتعاون مع ألمانيا نشرت كتيباً باللغة العربية جاء فيه: “على كل مسلم أينما وجد، وفي أي زاوية كان في العالم، أن يقسم قسماً رسمياً بأنه سيقتل ثلاثة أو أربعة مسيحيين على الأقل، وأن كل من يطيعون هذه الأوامر يتخلصون من هول الدينونية في اليوم الآخر”.

وبعد التمهيد بدقة متناهية بدأت عملية الإبادة الجماعية  (الجينوسايد)، وانطلقت المرحلة الأولى منها مع بداية دخول الحرب العالمية الأولى أي في عام 1914،  بقتل 150 ألف جندي وضابط أرمني في الجيش التركي على الجبهة الروسية. أما المرحلة الثانية والحاسمة فقد بدأت بشكل رسمي في ليل 24 نيسان 1915 باعتقال حوالي 600 شخصية من زعماء وقادة الأرمن في العاصمة اسطنبول، ضمت شخصيات دينية وسياسية وأعضاء في البرلمان العثماني، وشخصيات قدمت خدمات كبيرة للإمبراطورية من كتاب وشعراء ومحررين وأساتذة وأطباء وصيادلة ومحامين، الذين نقلوا أولاً إلى أنقرة، ثم نفوا إلى مناطق مجهولة، ولم يعرف لهم أثر بعد ذلك، وبشكل مترافق مع اعتقال المفكرين والشخصيات الأرمنية البارزة قامت بعزل الجنود الأرمن الباقين وتجريدهم من السلاح وتشغيلهم بأعمال السخرة، حتى وصل الأمر إلى إجبارهم على حفر قبورهم الجماعية بأيديهم قبل قتلهم.

أعقب ذلك عملية تهجير واسعة من الأقاليم الأرمنية إلى صحارى سوريا والعراق تخللتها أعمال نهب وسلب واختطاف وقتل لا مثيل لها. ومن 24 نيسان 1915 وحتى هدنة مودرس في 30 تشرين الأول 1918 تم في مذبحة جماعية منظمة ومخططة إبادة أكثر من مليون ونصف أرمني.

لقد تم إبعاد الأرمن وتهجيرهم عن جميع أقاليمهم ونواحيهم في الأناضول الشرقية والغربية وإقليم كيليكيا، ثم قتلوا أو تركوا يهيمون في الصحراء بقوافل الأطفال والنساء والشيوخ التي هلكت من الجوع والعطش، وظلت أكوام جثثهم متروكة في العراء، لتبقى شاهداً تاريخياً على (عرش الجماجم) الذي شيده الحكام الأتراك من عظام البشر الأرمن والكرد والعرب ومن القوميات الأخرى.

وبالانتقال إلى الدور والمشاركة الكردية في هذه الجريمة النكراء، لا بد أولاً من التأكيد على كلام الدكتور كمال أحمد مظهر في كتابه كردستان في سنوات الحرب العالمية الأولى بأنه “ومما يؤسف له أشد الأسف، أن الكرد أسهموا قليلاً أو كثيراً، عن وعي أو دونه، بتحريض من الآخرين أو عن عمد، في مذابح الأرمن هذه”. ولكن هذه المشاركة كانت مشاركة فردية، أي أن بعض الكرد سواء أكان عددهم قليلاً أو كثيراً، وسواء كانوا أشخاص أو مجموعات قاموا بتلك الأعمال بشكلٍ فردي، أي أنهم لا يمثلون ولا بشكل من الأشكال الشعب الكردي. أولاً لأن بعضاً منهم كانوا يمثلون السلطة الحاكمة مثل (تشكيلات الفرسان الحميدية) الذين كانوا جزءاً من القوات العثمانية، مثلهم مثل بقية أفراد القوات العثمانية من الدرك والشرطة. وهم بذلك لا يمثلون الشعب الكردي. كما أن بعض رجال الدين الكرد كانوا كالفرسان الحميدية جزءاً من السلطة السياسية العامة في الدولة، أو كانوا من عملاء وأتباع هذه السلطة، ومن أدوات أجهزة الدولة القمعية، وبالتالي فإن هؤلاء وأمثالهم يجب أن يحملوا وزر وأعباء المشاركة في تلك الجرائم كأفراد، ولا يجوز اتهام الكرد كشعب كردي في هذه الأعمال لأن بعض من قاموا بها ينتمون إلى هذا الشعب.

كما أن مشاركة بعض البسطاء والفقراء في عمليات نهب وسلب ممتلكات الأرمن المرحلين من مناطقهم جاء بدافع الفقر والعوز غالباً، أو بدافع الطمع في بعض الأحيان وحتى الحالة الأخيرة هذه ما كانت ترضي المسؤولين الأتراك الذين “كانوا يريدون من الأكراد قتل الأرمن أولاً، ومن ثم نهب أموالهم. وقد علق أحد المسؤولين الأتراك الكبار في مدينة موش على ذلك قائلاً: لقد أمرناهم بإبادة الأرمن، لكنهم كانوا سباقين إلى النهب أكثر منهم إلى القتل”.

وإذا كان قلة من الكرد شارك في تلك المجازر إلا أن الغالبية العظمى منهم والذين كانوا يعيشون مع الأرمن في نفس المناطق ويتعرضون للاضطهاد الذي يتعرض له الشعب الأرمني وأحياناً أكثر، ويعانون مما يعانيه الشعب الأرمني من بؤس وحرمان وظلم واضطهاد، وكانوا يعرفون جيداً أن دورهم لا بد وأن يأتي مبكراً بعد مذابح الأرمن. كما سبق وأكد على ذلك  الشيخ عبيد الله النهري قائد الثورة الكردية لعام 1880 الذي قال: “نحن الأكراد، يريد الأتراك أن يستخدمونا فقط لاضطهاد إخواننا المسيحيين، وحين يقضى على المسيحيين، سيوجه الأتراك اضطهادهم إلينا”.

وقد تعاطف الكرد مع الأرمن في محنتهم، وحاولوا مد يد العون والمساعدة لهم، حيث “كان للأرمن في كل مكان أصدقاء بين الأكراد ينقذونهم عند الملمات من بين أيدي الترك، كان الأمر كذلك أثناء مذابح الأرمن في خواتيم القرن التاسع عشر. وخلال سنوات الحرب العالمية الأولى كان الأمر كذلك أيضاً، وفي العديد من المناطق كان الأكراد يساعدون الأرمن على الهروب والاختفاء. وفي مناطق أخرى لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد أنضم أكراد كثيرون بأسلحتهم إلى جانب الأرمن، ونهضوا لمقاومة رجال الحكومة بقصد وضع حد للمذابح. لقد برز أكراد ديرسم في هذا المجال بشكل خاص. فقد انتفضوا مراراً جنباً إلى جنب مع الأرمن، ولم يقصروا في مختلف مراحل المذبحة عن تقديم أي مساعدة ضرورية للمنكوبين منهم، ولم يكونوا يتوجسون خيفة من الاتفاق مع زعماء الأرمن، بل أن ضابطاً كردياً يسمى (مصطفى وفا) انضم مع القوات التي كانت تحت أمرته إلى الروس للقتال ضد العثمانيين، وذلك تنفيذاً لاتفاق من هذا النوع، وقد آوى أكراد ديرسم أكثر من خمسة آلاف أرمني وأنقذوهم من الموت”.

وقد نقل الدكتور كمال أحمد مظهر عن عزيز ياملكي قوله: “إن كان بقي في الأناضول أرامنة، فهم الذين نجوا من سيوف الترك. وبدون أي مبالغة منا، فإن ثلاثة أرباع هؤلاء نجوا بمساعدة الكرد”.

وقد اتخذ الآلاف من الأرمن من قرى وخيام وبيوت الكرد ملاجئ ومخابئ لهم، وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عُثر على عدد كبير من اللاجئين الأرمن في العديد من أنحاء كردستان، وبعد عقد هدنة مودرس في 30 تشرين الأول 1918 واستسلام الدولة العثمانية بفترة قليلة، زار مندوبون كرد ممثلي السلطات البريطانية في حلب حاملين إليهم رسالة خاصة بشأن الأرمن الذين آووهم، وكتب هؤلاء في رسالتهم أنه “في قرانا وخيامنا 650 أرمنياً، معظمهم من النساء والأطفال، وعند رفاقنا القاطنين في جوارنا أكثر من 3500 شخص، لقد أطعمناهم أربع سنوات، ولسنا نرغب في أن يذهب الخبز الذي أطعمناهم إياه هدراً. ونعلم كذلك أن في خيام القبائل الصديقة أيضاً – وهي كذلك خيام كردية – والتي تقطن في المناطق الشرقية على مسافة جد بعيدة عنا 6800 أرمني آخر يصعب علينا نحن الاتصال بهم” وقد أبدى أولئك الكرد في رسالتهم تلك استعداهم التام لإبداء أي مساعدة ضرورية للبحث عن الأرمن المشردين وتجميعهم.

وذكر أرامنة قرية (خاتسو Xatiso) في رسالة خاصة كيف أن أكراد عشيرة محمد آغا تصدوا بالسلاح للجنود والجندرمة العثمانيين ولم يسمحوا لهم بنقل وتهجير الأرمن. وكانوا رغم معاناتهم من المجاعة، يقسمون آخر كسرة خبز لديهم مناصفةً مع الأرمن، حتى أنهم كانوا يبيعون أمتعتهم الخاصة من أجل إطعام هؤلاء.

وتمتع الأرمن بالأمان والاطمئنان  طالما كانوا في حدود منطقة العشائر الملّية، حيث كانوا يلقون المعاملة اللائقة عندما يتنقلون من ويران شهر – عاصمة إبراهيم باشا الملّي – ومن أريافها إلى مضارب خيام البدو، ومنها إلى ويران شهر، وهم يبيعون الأعلاف والدهون. فلما انتشرت أخبار عدالة إبراهيم باشا الملي الذي كان يحمي المسيحيين من كل النحل والمذاهب في مدن الرها وماردين وديار بكر صار أبناء المسيحيين والمسلمين يتقاطرون أفواجاً مع عيالهم إلى قضاء ويران شهر، ويسكنون ويتاجرون فيها آمنين على أموالهم، وكان إبراهيم باشا يشجع الأرمن والكلدان على السكن في ويران شهر، وفي أطرافها، وأثناء مذابح ساسون التي  قام بها السلطان عبد الحميد الثاني خلال عام 1894، “تمكن إبراهيم باشا – الذي كان من أقوى فرسان الفرق الحميدية قوة ونفوذاً – من إنقاذ عشرة آلاف أرمني من الهلاك”، ويذكر عبد الإله خليل إبراهيم باشا حفيد إبراهيم باشا الملّي “أن مجموعات من الأرمن كانوا ضمن التحالف الملّي، وكانوا يعدون كأفراد القبيلة ويعاملون كمعاملة السريان، وأثناء مذابح عام 1915 استطاعوا إنقاذ بعض الأرمن، وأخذوا الأطفال وقاموا بتربيتهم وقد حافظوا على دينهم، ولم يتزوجوهم، وكانت عائلة الباشا تشتري قوافل الأرمن ومن ثم يطلقون سراحهم  أما في المناطق التي كانت تخضع لسلطة إبراهيم باشا المباشرة فلم يحصل لهم أي شيء”.

وما يجري اليوم في عفرين من التعاون والتنسيق بين الجيش التركي والفصائل العسكرية المرتزقة أو ما يسمى بالجيش الحر والقتل الممنهج وسرقة ونهب ممتلكات الكرد في عفرين، والتغيير الديموغرافي في المنطقة خير شاهد على نمط التفكير الطوراني الذي يعطي لنفسه الحق بالقيام بكل شيء والقضاء على كل من يعتقد أنه يشكل خطراً على الفكرة الطورانية.

 

المصادر والمراجع:

1- (الغصين)، فايز. المذابح في أرمينيا. حلب. 1920.

2- (اليافي)، د. نعيم، مجازر الأرمن وموقف الرأي العام العربي منها. دار الحوار. اللاذقية ط1. 1992.

3- (أبوبكر)، د. أحمد عثمان. أكراد الملي وإبراهيم باشا. مطبعة دار الجاحظ ، بغداد. 1972.

4- (أريسيان)، د. نورا. غوائل الأرمن في الفكر السوري. دار الفرات. بيروت. 2002

5- (حسرتيان)،  مانوفييل ارسونوفييج. انتفاضة الأكراد عام 1925. ت/ بافي نازي . بلا.

6- (داسنابيديان)، هراج. القضية الأرمنية. ت/ جوزيف كالوسيان . بلا.

7- (زهر الدين)، د.صالح . الأرمن شعب وقضية . بيروت. 1988 .

8- (طوريكيان)، شاوارش . القضية الأرمنية والقانون الدولي. بلا .

9- (قاسملو)، د.عبد الرحمن. كردستان والأكراد . المؤسسة اللبنانية للنشر . بيروت. 1970.

10- (مظهر)، د. كمال أحمد. كردستان في سنوات الحرب العالمية الأولى. ت/ محمد ملا عبد الكريم . بلا.

 

 

 

عن الشرق الأوسط الديمقراطي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الاعلام-ودوره-في-توجيه-وتكوين-الرأي-العام

سهيلة صوفي/  مقدمة: يعتبر الإعلام أو ما تسمى (الصحافة)؛ بأنها السلطة الرابعة ...