الرئيسية / أبحاث ودراسات / آثار منبج تاريخ يروي وحاضر يشهد

آثار منبج تاريخ يروي وحاضر يشهد

العراقةُ تنبعُ من تلك العصور الأزلية, العصور التي تنحدرُ لحضاراتٍ روت بما تركته خلفها على بسيطة تلك الحياة .. ولو سألنا أنفسنا كيف عرفنا تاريخَ تلك الحضارات ؟ لأجاب التاريخُ بلسان آثاره دونما تلعثمٍ نعم  هنا مرّت حضارة وهناك شيدت قلعةٌ لازالت تنظر إلى الأفق لتروي لسحب الحاضر حكايةَ كل قطعة من بلدنا, الآثار في منبج شاهد يروي وحاضر يسمع.

تحتوي مدينة منبج على عدد كبير من الآثار التي هي إشارة إلى الأشياء المتبقية من العصور القديمة، ومنذ القدم تعرف المدينة على أنها مدينة أثرية مرت على حقب عدة وحضارات عديدة. مدينة منبج ذات أهمية كبيرة في العصور القديمة، وهي معروفة باسم المدينة المقدسة, وفيما يلي سنعرض أهم المواقع الأثرية في مدينة منبج:

قلعة نجم الأثرية

قلعة نجم الواقعة في الريف الشرقي لمدينة منبج شمال شرق حلب، تعدّ إحدى أبرز القلاع الأثرية وأكبرها في سوريا، مرّ على تشييد القلعة مئات السنين شهدت مرور قوى البيزنطيين، الفاطميين، السلاجقة، المماليك، الزنكنيين، والأيوبيين، ورغم خوض تلك الممالك معارك قوية فيها منذ القدم وعبث مرتزقة داعش بأسوارها فيما بعد إلا أن القلعة ما زالت شامخة إلى وقتنا هذا.

مدينةُ منبج وريفها تمتاز منذ القدم بتواجد العديد من الأماكن الأثرية فيها، لعلّ أبرزها هي قلعة نجم التي تعتبر من أهم القلاع الأثرية وأكبرها في سوريا.

منبج والتي تعتبر هي الأخرى بذاتها مدينة أثرية قديمة، اكتشف فيها مؤخراً علماءُ الآثار الكثيرَ من الآثار التي تدل على عراقتها، لها علاقة وطيدة مع القلعة، فبحسب السكان المحليين فإنه وفي سابق عهد كان يتواجد بجوار قلعة نجم جسرٌ يربط الضفة الشرقية من الفرات بالغربية منه، ويؤكد المحليون بأن القلعة ولربما بنيت لحماية ذلك الممرّ الاستراتيجي الهام آنذاك والذي قلّ منه في تلك الأزمنة.

لم يكتشف العلماءُ حتى الآن القوة أو المملكة التي بنت القلعة، لكن بعض الأقاويل تفيد بأن القلعة بُنيت لتأدية وظيفة دفاعية أمام “الحملات الصليبية” على المنطقة، أي أن الأقاويل تقول بأن القلعة قد بنيت في عهد الأيوبيين، وتأتي تسميتها على تسمية ابن صلاح الدين الأيوبي “نجم الدين الأيوبي”.

 

موقع قلعة نجم

تقع قلعة نجم إلى الشرق من مدينة منبج بمحافظة حلب على الضفاف الغربية لنهر الفرات قبالة بلدة صرين، ووفقاً للأقاويل فإن القلعة كانت محطة للعبور من الشرق نحو الغرب للعابرين الفرات.

تبعد قلعة نجم عن مدينة حلب 118كم, وعن مدينة منبج قرابة ال30 كم، تقوم القلعة فوق كتلة صخرية حوارية مطلة على ضفاف الفرات، يبلغ طول القلعة 95 متراً، أما عرضها فيبلغ قرابة 60 متراً  بارتفاع 50 مترا عن الأرض المبسطة، و82 متراً عن مستوى سطح النهر.

 

قلعة نجم معمارياً

القلعة عبارة عن شكل مضلع غير منتظم، تحوي أبراج مربعة الشكل يصل بينها سورٌ لا يحتوي على منافذ نحو الخارج، بينما حوتِ الأبراجُ منافذَ ضيقة لرمي السهام، ويشكل المدخل الرئيسي للقلعة الذي يقع في الجانب الشرقي منها ومحصن ببرجين عاليين جزءاً من البناء الرئيسي مع البوابة التي تؤدي مباشرة إلى القاعات الداخلية.

تتألف أبنية القلعة من ثلاثة طوابق, طابق يقع تحت الأرض, أيضاً فيها مستودعات ومخازن سريّة والصهاريج وأبراج الدفاع وممرات سريّة مختلفة، كما ويحتوي على قبور جماعية للعوائل التي سكنت القلعة في ذلك العهد، أما الطابق الأول فيحتوي على قاعة الإمارة، والحمّامات والقاعات الواسعة والغرف المتعددة, ونافورة مياه في وسطها نقش مثمن، كما ويتضمن الطابق الأول السوق بالإضافة إلى إسطبلات الأحصنة.

أمّا الطابق الثاني فقسم الشرفة يطلّ على الجبال العالية التي تحيط بالقلعة ونهر الفرات الذي يلتف حولها من ثلاث جوانب، فيما نشاهد في وسطه بناءً متميزاً، وجامعاً صغيراً بالقرب منه بالإضافة إلى العديد من المحارس فوق القلعة.

قسم من سور القلعة مبني من الآجر، أما القسم الآخر فهو مبني من الحجر الأسود، ويوجد فوق مدخل القلعة مخطوطات باللغة العربية تتحدث عن القلعة تشوهت مع مرور الزمن، فيما يؤدي الممر الرئيسي المقنطر إلى غرف موجودة على كل جانب من الممر إلى الأسفل، تقسم القلعة إلى قسمين.

وتحتوي القلعة على ممرات طويلة وعالية السقوف تصل بين الأجنحة المتفرعة داخلها، وتصعد إلى الطبقة العلوية بدرج أنيق معلق بالجدار، وعثر في الطابق الثاني “أضخم كتابة موجودة في بناء إسلامي في العالم” حسب السكان المحليين الذين نقلوا المعلومة عن أجدادهم، إذ يتجاوز عرضها عشرة أمتار وتعود إلى العصر الأيوبي, وهناك كتابات أخرى في مواقع مختلفة فوق الباب الرئيسي وفوق مدخل الجامع وعلى جدار أحد المستودعات.

 

تاريخ قلعة النجم

لا يملك أحد من العلماء معلومات دقيقة عن تاريخ القلعة القديم، ولا عن الجهة التي شيدتها، نظراً لعدم اكتشافهم أي شيء عنها حتى الآن، لكن البعض يقولون بأن القلعة بناها الأيوبيون، إلا أن ما اكتشفه العلماء يبدأ من عهد الخليفة المأمون الذي كثر تردده للقلعة لممارسة هواية علم الفلك.

واكتسبت أهمية بالغة كحصن هام إثرَ انتصار الحمدانيين في المعركة الفاصلة بين جنودهم وعسكر الوزير بن رائق عام 941 م وفرض سيطرتهم عليها, ثم حكمها الفاطميون عام 970 م وانتقلت بعدها إلى المرادسيين عام 1027 م ثم حكمها بنو نمير في عصر السلاجقة عام 1070 م وانتقلت إلى الزنكيين عام 1127 م .

اُستخدم الحمامُ الزاجل لأول مرة بينها وبين حلب في عهد نور الدين الزنكي، حيث كانت مهمة حاميتها مراقبة تحركات الروم في هذه المنطقة وإرسال المعلومات عنهم عن طريق الحمام الزاجل .

بعد ذلك آلت قلعة نجم إلى الأيوبيين عام 1181 م  وبعد موت صلاح الدين الأيوبي عام 1193 م انتقلت القلعة إلى أولاده وأحفاده الملك الفاضل والملك الظاهر والملك العزيز محمد ثم إلى أخيه الملك العادل, وعندما بدأ هولاكو حملته على سوريا عام 1259 م استولى على ممرات الفرات وحصونها وجعل أركان حربه في قلعة نجم .

بعد الأيوبيين حكم القلعة المماليك إثر الاتفاقية التي وُقعَت بينهم وبين الفرنجة في عكا عام 1283 م .

وقد تعرضت القلعة في عام 1820 إلى تخريب أخير على يد السلطات العثمانية حيث جرى قذفها بالقنابل أثناء مطاردة إحدى العشائر التي احتمت واعتصمت بالقلعة رافضة دفع الضريبة للحكومة العثمانية.

زار القلعةَ عددٌ من الرحّالة منهم ابن جبير، ماوندرل، بوكوك،  دورموند، سخاو،  اوبنهايم و ملكة بريطانيا غير المتوّجة جرتروديل .

 

قلعة نجم خلال الـ3 الأعوام الأخيرة

بعد نشوب الأزمة السورية، وانتشارها في كل بقعة من أراضيها المليئة بالآثار القيمة، كان هنالك تخوف كبير على الأماكن الأثرية في داخلها، حيث تعرضت الكثير منها للسرقة ومنها ما دمّر بشكل أو بآخر على أيدي فصائل سيطرت على مناطق سوريا، ومن أبرزها الدمار الذي ألحقته مرتزقة داعش بالآثار في تدمر إبان السيطرة عليها.

في بداية عام 2013 سيطر مقاتلو ” الجيش الحر” على مدينة منبج وريفها بما فيها القلعة، لكن سيطرتهم لم تدم طويلاً، ليسيطر بعدها مرتزقة داعش على منطقة منبج وعلى قلعة نجم حيث اتخذ المرتزقة من القلعة موقعاً لقصف مواقع وحدات حماية الشعب وفصائل الجيش الحر في الضفة الشرقية للفرات.

كما وقد ألحقت مرتزقة داعش خراباً كبيراً في القلعة، حيث شوهت بعض معالم القلعة، فقد أجرت عمليات بناء داخل بناء القلعة، ودمرت أقساماً من الإسطبل في الأسفل، والحمامات، وبعض الأجزاء من أسوار القلعة، بالإضافة إلى منع السياح والسكان المحليين من زيارة القلعة التي كانت مقصداً للعشرات من السياح المحليين والعالميين يومياً.

وبعد إطلاق قوات مجلس منبج العسكري لحملة الشهيد فيصل أبو ليلى من قبل قوات سوريا الديمقراطية في الـ1 من يونيو/حزيران عام 2016، وتحريرها مدينة منبج والعشرات من قراها فيما بعد افتتحت قلعة نجم أبوابها مرة أخرى أمام السياح، حيث يزورها أسبوعياً العشرات من الأهالي من مختلف مناطق الشمال السوري.

رغم التاريخ العريق والطويل المار على القلعة، وتعدد الجهات الحاكمة لها، وشهادتها لمعارك كثيرة وعبث كبير من جهات مختلفة، بقت قلعة نجم إحدى أهم الرموز الشاهدة على عراقة تاريخ الشمال السوري شامخة، تزين ضفاف نهر الفرات.

—————————————————————————————–        

موقع جبل خالد الأثري

هو موقع جغرافي هام يقع على قمة جبلية عالية ومرتفعة عن غيرها حيث تم إشادة قلعة حصينة وخاصة في الفترة الهيلنستية وذلك أيام الإسكندر المكدوني.

وتم العثورُ على تحصينات دفاعية هامة جداً تثبت بأنه عسكري، بالإضافة الى الكتل السكنية للجند والكتل السكنية للعاملين لخدمة الموقع العسكري، بالإضافة إلى مستودعات التموين ومرابط الخيول.

وهذا الموقع يقسّم حسب الأهمية  وامتداده من الجنوب إلى الشمال حسب الأهمية حيث الجهة الجنوبية يوجد فيها القصر الحكومي والمحصن تحصين آخر و خاص به وهو واضح المعالم.

وفي الوسط توجد المستودعات ومراكز الطبخ وسكن هذه المجموعة والتي يقطن بجوارها وهو الأقرب للقصر الإداري ولاسيما سكن لصغار الجند ومعاونيهم والطرف الشمالي للموقع كتلة سكنية أخرى.

وتم العثور في هذا الموقع الأثري على مدافن أسرية نظامية حيث المعازب والمراقد وغرف التحضير الجنائزية وقسم منها لم ينم الكشف عنها حتى الآًن علماً أنها تشكل فيما بينها موقع هام متكامل، وهذا الشكل الأثري الروحي إن دل على شيء فهو دليلٌ على القوة والاستقرار والتوسع.

————————————————————————————–                     

موقع شاش حمدان الأثري

يقع هذا الموقع الأثري على ضفاف نهر الفرات على الضفة اليمنى لمجرى نهر الفرات، وهو يطل على بحيرة الأسد ويتوسط مجموعة من المواقع الأثرية الهامة منها على ضفاف النهر ومنها بجوار النهر من الطرف الأيمن حيث موقع جبل خالد يحده من الجهة الشمالية وقلب رمانة وأم السرج من الجهة الغربية وتل الحديدي وعارودة من الجهة الجنوبية ونهر الفرات من الجهة الشرقية, وتم العثور على هذا الموقع الذي تم تسميته بمعبد شاش حمدان، ومنهم من أطلق عليه مدفن ملكي في الفترة البيزنطية أي في عام 600 ميلادي.

وهذا المدفن يعتبر من أهم المدافن على نهر الفرات على الإطلاق وهو يماثل مدافن تدمر في الفترة البيزنطية.

وإن المنحوتاتِ الجدارية والتي تشكل فيما بينها بانوراما الحياة آن ذاك، وعدد التماثيل الجدارية 72 تمثالاً حوارياً منحوتاً من الكتل الحوارية الأساسية لبناء المعبد وموزعة بشكل منتظم ومقسمة حسب الموضوع المراد الحديث عنه وعلى طابقين.

هذه التماثيل تتكلم عن نفسها دون أن تسألها ويوجد فيها مجلس للحكماء ومجلس لقارعي الدفوف والطقوس الجنائزية في تلك الفترة, وعرض خاص للجند كناية عن القوة والانضباط  وعرض لبعض الحيوانات الرمزية كجزء لأسد وجزء من ثور وجزء من حصان.

وغير هذا كله  ففي الواجهة كان يوجد تمثالٌ لامرأة عارية وتعتبر إلاه الخصوبة.

أما الأرضية فكان لها شأن آخر في الحديث، ويوجد داخل هذا المدفن مكان لتقديم القرابين, وهذه الطقوس كانت تمارس أثناء فترة فيضان نهر الفرات فتنزل هذه المواكب وقارعو الدفوف بدرج باتجاه الشرق أي إلى النهر محفور ضمن الكتلة الحوارية وصولاً إلى النهر بشكل موكبي تعبيري.

—————————————————————————————

موقع أم السرج الأثري

تسمية أم السرج: جاءت تسمية أم السرج لكثرة السرج التي عثر عليها في هذا الموقع، كونها محفورة داخل جبل حواري هش الحفر والتشكيل, فكانت تستخدم للإنارة كون داخلها ظلام شديد.

موقع أم السرج: تقع أم السرج في الجهة الجنوبية لمنبج على طريق الخفسة بحدود 14كم والجبل الذي تقع عليه هو بشكل مستطيل باتجاه الغرب والشرق وطوله بحدود 600 متر وعرضه شمالاً وجنوباً بحدود 200 متر وهذا المقاس من الأعلى.

وتعتبر أم السرج ذات أهمية نسبة إلى موقعها بحيث أنه يحيط بها من الشمال الشرقي دور دادا، وقد تكون هذه التسمية لأحد معابد آلهة العواصف والرعد والهواء هدد, وهو يبعد عنها بحدود 3 كم ويقع على قمة جبل يساوي ارتفاع جبل أم السرج أو أكثر.

يتألف الموقع الأثري من الدرج الرئيسي لمدخل المعبد أو القصر ومحفوراً بصخر الجبل, ومازالت الحجارة ذات القطع الكبيرة وقسم منها لها تشكيل هندسي متراكم  ومازالت بعض الجدران قائمة.

ويوجد في الموقع الأثري صهاريج مياه لتخزين المياه حيث أنها تتألف من أربعة أسوار كبيرة يوضع فيها الماء.

ويقع بالقرب منها جبل الصيادة والذي يعتبر موقعاً أثرياً له أهمية وهو يبعد عن منبج 20 كم.

فتكون بذلك قد أخذت موقعاً هاماً جداً من الناحية الأثرية ومن الناحية الاستراتيجية الجغرافية، حيث تطل على سهول من الجنوب والشرق وعلى سلسلة من الجبال وقليل من السهول في الشمال والغرب ويحفها من الشمال وادي ينحدر من الغرب , وبهذه الإطلالة الواسعة والمتصلة تكون أخذت موقع جغرافي هام جداً للمنطقة وقد تكون صلة وصل بين كثير من المواقع التي ذكرناها.

وصف مغارة أم السرج: أو جبل أم السرج وإذا أنصفناها في التسمية نستطيع  أن نقول عنها قلعة أم السرج، فلو كانت مغارة لكانت محدودة بمدخل ومخرج أو بما  يتبادر للذهن بأنها فقط مغارة لكنها أكبر من ذلك بما تحتويه من عوالم أثرية  تاريخية ومازالت قائمة حتى تاريخه.

وتعتبرُ الجهة الشرقية من أهم جهاتها وتكون الجهة الشرقية مقابل قرية حسن آغا, ويوجد قبل المدخل قناة ماء تنحدر من الغرب إلى الشرق حتى تصل إلى نهر أبو قلقل فما زالت فتحاتها موجودة.

ويوجد لها مدخل عرضه بحدود 4 متر وارتفاعه متدرج من مستوى المدخل حتى يصل إلى 6م له على الجانبين غرف تفتيش وحراسة للزائرين .

وبعد المدخل توجد الساحة الرئيسية والتي تبلغ مساحتها 1,5 هكتار يعني طول باتجاه الغرب 150م وصولاً إلى المدخل الرئيسي للمغارة وعرض 100م جنوب, وتحيط هذه الساحة جدران منحوتة كبيرة ومازالت قائمة، قد تكون هذه الساحة للأعمال التجارية والصناعية.

حيث نال الخراب منها في الماضي نتيجة للحروب والهزات الأرضية والزلازل مثل زلزال عام 744 م.

ونال منها الخراب في الحاضر القريب أكثر من التصور، فهي كما يقال خاوية على أمجادها من الشكل الخارجي ومبانيها التي تطل على ساحتها من كل جهاتها.

وأما داخل المغارة الكبيرة فمازالت عروسها قائمة، يأتي بابها في الصدر المقابل للمدخل الرئيسي باتجاه الشرق, هذه المغارة لحقها العديد من الأضرار، وإن المدخل الرئيسي للمغارة الرئيسية كله مدخل يليق شكله وتشكيله بما يوافق عظمة الحفر الذي خلفه, ولا يقل شأناً عن  أفضل أبواب ومداخل القلاع الكبيرة لأنه كان واسعاً ومرتفعاً ذلك بدلالة حجم الهبوط من الأعلى.

وكلما تعمقنا بالدخول إلى المغارة فإن الظلمة تزداد لأن أشعة الشمس لاتصل إليها بشكل جيد لذلك يتم استخدام مصابيح كهربائية، وبعد تشغيل المصباح ترى عظمة هذا المكان وتتوقع أنه خيال إلا أنه حقيقة, ولهذه الساحة مجموعة من المداخل تحيط بها من كل جهاتها، وفي أول بهو لها هنالك مكان منحوت يطل عليها منحوتة مرتفعة قليلاً يعني أنها مكان لرجل مهم ذو سلطة أو رجل دين يلقي الخطب على الكل فهو مكان مميز عن غيره, وأن الجدران الشاهقة في المغارة متشابهة في تصميمها الفني وعظمة الزخرفة والرسومات الموجودة فيها.

ويوجد داخل المغارة العديد من القاعات ومداخل توصلك إلى قاعات أخرى أكبر منها وأوسع وكلها قد نال الخراب منها وتهدم الكثير من الأسقف المرتفعة التي تشكل عائقاً في المسير داخلها وتطمر كثير من معالمها.

وتوجد في بعض القاعات آبارٌ للماء وغيرها مردوم وهي صالحة للشرب. وهنالك أحواض مائية مثقوبة من الأعلى كان يظن الأهالي بأنها مرابط للخيل لأنها تشبه المعالف وحقيقتها أنها كانت توجد بالقرب من شقوق الماء المتساقط والمسيل المائي الذي يجمع هذا الحوض، ومن المحتمل الكبير بأن هذا الثقب جاء لاحقاً وكان الأهالي يستخدمون الماء ولكثرتها تم نقلها إلى خارج المغارة كما سبق وذكرنا بأن هناك قناة مائية تخرج منها باتجاه الشرق.

أما الجهة الشمالية لجبل أم السرج فإن آثارَ البناء في القسم العلوي لجهة الغرب من الجبل ولا تزال الجدران موجودة بعد تهدمها، ونلاحظ كل مجموعة بينها فاصل حتى تتشكل لدى المشاهد أنها مقسمة بشكل أسري ولهذه المنازل مناورُ وفتحات للتهوية، وأما الجدران فإنها بشكل رباعي أو صندوق وسقفه على شكل قبة وكأن المجموعة الشمالية من الجبل تشكل حي متكامل.

ويوجد كثير من المداخل والأرضيات المردومة قد يكون لها اتصال مع غيرها كما أن الخراب نال منها كما أصاب غيرها.

الجهة الجنوبية: فهذه الجهة تحتوي على كثير من المدافن الأثرية ذات الشكل الثلاثي يعني المدخل باتجاه الجنوب وبعده فسحة تتجه إليها ثلاثة قناطر جنائزية صغيرة على شكل أقواس بداخل كل واحد منه ثلاثة قبور، قبرين إحداهما على اليمين والآخر على اليسار بينهما ممر يوصل إلى القبر الثالث وهو بشكل عرضي وهنالك مواقع متوزعة على طول الجبل قد تكون مداخل أخرى  لمدافن أثرية أو فتحات تهوية وإنارة للمغارة الرئيسية أو لغيرها من الأعمال التي نجهلها.

الجهة الغربية للجبل: لم يتم العثور على أي معلم أثري يستدل عليه به لمدخل مغارة أو مدفن أو حتى صهريج ماء .

 

المرحلة التاريخية:

يعتبر تاريخ جبل أم السرج من تاريخ مدينة منبج، وله صلة مع معبد دير دادة وهذا يعني أن تاريخه آرامي، ولأهمية منبج الأثرية جاءت أهمية المناطق المجاورة، حيث كان رب العواصف والرعد والمطر هدد وكذلك ربة المياه التي كانت تعبد هي اتركاتس، فما زال كثير من رسم معبدها موجوداً حتى تاريخه في منبج.

وإن الحالة الدينية التي تسود المنطقة بينها تواصل مروراً بقليب رمانة كونه موقع ديني وأهمها وأكبرها شاش حمدان وهو من أهم المعابد في كل أنحاء المنطقة كونه قريب من نهر الفرات الذي كانت تقدم إليه القرابين. ويقال بأنه تم استخدام المنطقة والموقع وتحسين شكله في العهد اليوناني وإن تسمية هيرا هي تسمية يونانية وليست رومانية, واستخدمها الرومان فغلب عليها الطابع الروماني باستخدامهم لها كمركز لتجميع الجيش والتمويل ثم توزيعهم إلى الثغور التي يرابط الجيش الروماني فيها مثل ثغور بلاد ما بين النهرين وثغور فارس وثغور آشور.

أما الفتح الإسلامي لمنبج وضواحيها على يد الفاتح أبي عبيدة ابن الجراح فلا يوجد لدينا معلومات عن استخدامها من قبل المسلمين, غير أن هنالك معلومات تقول إن الشيخ عقيل المنبجي وهو من أحفاد عمر بن الخطاب اعتكفَ فيها للعبادة فترة من الزمن.

وفي العهد العثماني فكانت ملجأ للفارين من الجندية أو المطلوبين للعدالة, واستخدمها الأهالي المجاورون لها في فصلي الشتاء لحماية قطعانهم ولدفئها وبرودتها في فصل الصيف.

والفرنسيون وحسب رواية أهل المنطقة فإنهم عسكروا في دير دادة وأم السرج لمدة قد تتجاوز الشهر، وتم إخلاء المنطقة والمناطق المجاورة من سكانها بادعائهم أنهم سيقومون بمناورة عسكرية لكن الحقيقة أنهم كانوا يبحثون عن آثار أو عاديات تحمل معهم.

ولهم أثرين زاروا المنطقة عام 1860م ومنهم كيليوم راي حيث عثر على تمثال لاتركاتس بالقرب من البحيرة المقدسة لمنبج وحتى الآن لا يعرف مصيره وهو صغير الحجم مصنوع من الحجر البازلتي الأسود.

فمغارة مثل مغارة أم السرج وقربها من المواقع الأثرية المجاورة تحتاج إلى حماية ورعاية وربطها مع المواقع الأثرية لتستحق الوقوف عندها لتكاملها مع هذه المواقع الأثرية الهامة في منطقة منبج.

—————————————————————————————–

“الحمام الكبير في منبج” نموذج للتراث القديم

حمّام المدينة في منبج هو “الحمام الكبير في مدينة منبج” والذي يغلب عليه الطابع المعهود الذي تواجدت عليه الحمامات الأثرية من حيث التصميم العام, والأقسام المتعارف عليها في الحمامات الجماعية من (براني, وجواني….), وأيضاً لا بد له أن يحمل نفس الوظيفة والهدف الذي أنجز له, إذ أنه كان مقصداً لرجال المدينة ونسائها للاستحمام في وقت لم تكن البيوت تحوي الحمامات الخاصة, حيث تخصص أوقات خاصة لاستحمام النساء.

وتظهر اللوحة الموجودة على باب الحمام على أنه تم انجازه في عام 1904 , والحمام مؤلف من عدد من القبب التي تضاء بواسطة الزجاج , وهذا الحمام يعتبر حديث بالنسبة لتاريخ مدينة منبج, ويعتمد نظام عمل الحمام على برنامج معين بحيث أنه يعمل في الصباح للنساء ومساء للرجال, ويتألف الحمام أيضاً من (الجواني، والبراني), ومن الفتيل أو الموقد الذي تشعل فيه النار لتسخين الماء وهو ممدد بشكل علمي، فالماء الحار والبارد يأتي من صنبورين اثنين, ويتم خلط الماء في جرن حجرية.

وعن الطقوس التي كانت ترافق الاستحمام وأنه لا يوجد طقوس مختلفة في حمام منبج عن باقي الحمامات, باستثناء بعض الأشياء الخاصة حيث كانت النساء يجلبن الطعام معهن إلى الحمام, وأغلب ما يدخلنه معهن هو(الكبة النية, والمجدرة) وبعض العائلات تأتي بالبنات إلى الحمام قبل حنة العروس بيوم, حيث يأتين بالعروس ويحتفلن بها, طبعاً هذا هو الحمام الكبير .

ومن خلال الحفريات التي كانت بجانب الحمام وعلى عمق (6) أمتار ظهرت لدينا جدران قائمة يقوم عليها بناء الحمام الحالي, وهذه الجدران تعطي سبقاً تاريخياً للحمام, ولم يتم اكتشاف دليل قاطع يبين قدم الحمام, وهناك علامات ترجح بعض هذه الآثار إلى الفترة المملوكية،  وطبعاً هذا لا يعطينا دليلاً أنه هل كانت هذه الآثار لحمام سابق أم غير ذلك, ولكن على العموم هنالك معالم أثرية هامة جداً ظهرت خلال حفر أساسات لبناء فندق لصالح البلدية, وهذه المعالم تشير إلى أن هذا المكان تم استخدامه منذ فترات زمنية , تعطي للحمام وللمنطقة التي تحيط به أهميتها  التاريخية المرتبطة بقدم مدينة منبج، التي دائماً ما يتم اكتشاف معالمها الأثرية خلال أي عملية حفر تتم, ومن خلال ما يظهر الحمام فقد تم بناؤه في عام 1904م.

أما عن الشكل الخارجي للحمام فهو طراز مشابه للحمامات الموجودة , حيث أنها مجهزة بإنارة خارجية ، ومداخن تهوية تتشابه جميعها من حيث الشكل, وطبعاً حمام منبج ليس بالحمام الضخم مقارنة بالحمامات الأخرى ذات الأهمية الكبيرة وإنما هو حمام بني شكلاً وحجماً بما يتناسب مع المدينة والتعداد السكاني إبان تشييده.

وفي فترة سيطرة داعش على المدينة حولت هذا الحمام الأثري إلى سجن، ولكن بعد تحرير المدينة من الظلم عمدت البلدية على تجهيز هذا الحمام الأثري.

—————————————————————————————–

المدافن الأثرية في منبج

يوجد موقع أثري يعد مدفن لأربعة  كهنة مسيحيين في مرحلة الدعوة السرية المسيحية،  الذي يقع جنوب المدينة بالقرب من مدرسة العاديات .

تعد منبج رمز الحضارات وحاضنة الأدباء والشعراء، فكما يقال تحت كل حجر لمدينة منبج هناك أثر، فبعد ترميم الكنيسة السريانية التي تعد من أهم الآثار في المدينة تم الانتقال إلى موقع جديد ألا وهو المدافن المسيحية التي أفصحت عنها دائرة الآثار في وقت لاحق ومازال العمل فيها مستمراً من أرشفة وتصوير آثارها وحماية معالمها لتجنب تعرضها للسرقة من قبل لصوص الآثار.

عن المدافن البيزنطية التي اكتشفت أخيراً في مدينة منبج بمحافظة حلب قائلاً «لقد اكتشفت 10 مدافن أثرية اثناء تنفيذ البنية الأساسية لمشروع شق طريق بعرض 30م في الحي الشرقي لمدينة منبج، التي تقع على بعد 80 كلم شمال شرقي مدينة حلب. وقد أوقف المشروع، وبعد الكشف على الموقع في المكان عثر على هذه المدافن البيزنطية وأماكن مشاهدة رسوم جدارية في البعض منها وبعد عمليات التوثيق والدراسة أمكن تمييز ثلاثة نماذج من المدافن وذلك بالاعتماد على الشكل والفريسك فيها كما يلي:

 

ـ مدافن النموذج الأول، وعددها خمسة مدافن، لها نفس أسلوب البناء والشكل العام، اذ أنها تتألف من: 1 ـ مدخل: والذي يشتمل بدوره على الباب الأول أو العلوي الذي يكون في بداية المدافن وعلى السطح الخارجي عادة تكون مغطاة بقطعة حجرية مستطيلة الشكل ثقيلة جداً لا يمكن لعدة أشخاص تحريكها، يؤدي الباب العلوي إلى درج مؤلف من حوالي إحدى عشرة درجة، في نهايته يوجد باب مفتوح إلى بهو المدفن، الباب مقنطر الشكل ويتخلله ساكف.

2ـ بهو المدفن: يكون مستطيل الشكل في الأرضية ومن الأعلى قوسي الشكل رسم عليه الفريسك بشكل كامل.

3ـ حجرات الدفن: في كل مدفن ثلاث حجرات، كل حجرة فيها ثلاثة قبور (أيمن، أيسر، أمامي) تكون حجرات الدفن على اليمين واليسار والأمام بالنسبة لبهو المدفن.

4ـ يوجد على جانبي الباب ومن الداخل كوة قوسية الشكل لوضع الأسرجة أو الزينة وأحياناً يتحول ذلك لكرسي للجلوس.

ولوحظ أن المدفن من الداخل محفور بالطبقة الصخرية ومن ثم أعيد بناؤه من الداخل ليأخذ شكلاً هندسياً رائعاً، ومن ثم طلي بمادة جصية، تمهيداً لرسم أشكال هندسية قد يكون استخدم الفرجار لرسم هذه الدوائر تتقاطع مع بعضها لتعطي أشكالا هندسية وبنائية جميلة والدوائر على نوعين كبيرة وغير ملونة نقاط التقاطع ودوائر أصغر تلون أماكن التقاطع لتعطي الشكل المطلوب.

مدافن النموذجين الثاني والثالث عددها 2 مربعة الشكل تقريباً، تتألف من مدخل وبهو وعدة غرف دفن مستطيلة الشكل على اليمين والأمام واليسار لكل غرفة باب صغير مربع الشكل. وهي محفورة في الطبقة الصخرية، ولكن هذا النوع من المدافن لا يحتوي على درج على الرغم من ارتفاعه لأكثر من 2 متر. أما مدافن النموذج الثالث فعددها 3 وهذه المدافن تأخذ شكل الصليب في ثلاث حجرات وكل حجرة ثلاثة قبور (أيمن، أيسر، أمامي)، لكن من دون أية زخارف أخرى. مدخل كل حجرة قوسي الشكل. كما يمكن الإشارة الى أنه عثر على شكل صليب على باب المدفن رقم 2 ترافقه كتابة لاتينية قد تكون لاسم الشخص أو العائلة المدفونة فيه، ويعود تاريخ هذه المدافن إلى الفترة البيزنطية وهي تعتبر الأولى من نوعها في سوريا. فحتى هذا التاريخ لم يتيسر اكتشاف مدافن من هذا النوع مما يعطي أهمية خاصة ومعلومات أثرية وتاريخية لهذه المدافن، مما سيؤدي حتماً إلى زيادة معرفتنا أيضاً بطقوس الدفن وعادته وتأثيرات الحضارات السابقة في الحضارة البيزنطية.

 

يمكن القول إنه حتى الوقت الحاضر لا توجد معلومات كافية عن تاريخ المدينة، لا سيما وأن المدينة لم تأخذ نصيباً كافياً من الأعمال التنقيبية والدراسات الأثرية، خصوصاً وأنها كانت تتمتع بأهمية دينية واقتصادية وعسكرية كبيرة خلال العصرين الهلنستي والروماني، فضلاً عن الأهمية الفنية والتي تتجلى بوضوح في الأعمال النحتية المعروضة في الحديقة.

—————————————————————————————–

معبد منبج الأثري

يحتل مكانه حالياً ملعبُ منبج وقسم من الحديقة العامة, وحتى الوقت الحاضر لا نملك أية وثائق أثرية عن هذا المعبد باستثناء الوصف الذي أتى على ذكره لوسيانوس في كتابه الآلهة السورية، حيث يذكر قصة بناء المعبد والطقوس التي كانت تجري ضمنه ومن المناسب هنا أن نأتي على موجز لوصف لوسيانوس لهذا المعبد.

يذكر لوسيانوس أن معبد هيرابوليس من أعظم المعابد قداسةً وإجلالاً، ومن أغنى المعابد التي عرفها، فالثروات تأتيه من الجزيرة العربية ومن الفينيقيين والبابليين والآشوريين، حتى أن عدد الاحتفالات الدينية وكثرة الحجاج لا يبلغ عند أي شعب آخر ما يبلغه شعب هيرابوليس.

 

ويتابع لوسيانوس قصة بناء المعبد ويروي أنه سمع العديد من الأساطير حول بناء المعبد، إلا أنه لا يأخذ بها، ويسرد قصة بنائه على أن الصرح القائم اليوم (يُقصد بذلك أيام لوسيانوس القرن الثاني الميلادي) ليس هو نفسه الذي بُني في الأصل, وإن المعبد القائم اليوم هو من بناء ستراتونيس -زوجة أحد الملوك الآشوريين-، وهي المرأة التي عشقها ابن زوجها، حيث أن الابن وقع طريح الفراش وأخذ جسمه يذبل يوماً بعد يوم، حتى كشف الأمر أحد الأطباء. ويروي لوسيانوس عن عبقرية الطبيب في كشفه للمرض بعد أن علم بعدم وجود أي علة، حيث طلب الطبيب من الملك أن يستدعي جميع من في القصر ووضع يده على قلب الشاب الذي بدا ساكناً حتى وصول زوجة أبيه حيث أخذ قلبه بالخفقان وتصبب عرقاً، وهنا كشف الطبيب للوالد عن مرض ابنه فما كان من الملك إلا أن نقل له زوجته ومملكته.

 

ويذكر أن ستراتونيس رأت حلماً وقد أمرتها الآلهة هيرا ببناء معبد تكريماً لها في هيرابوليس، فتروي ستراتونيس حلمها لزوجها ويرسلها إلى هيرابوليس مع المال والجند لبناء المعبد، ويستدعي الملك أحد أصدقائه المخلصين ليرافق زوجته، وكان شاباً رائع الجمال يدعى كومبابوس. وما أن علم كومبابوس بمهمته حتى ألح على الملك إعفاءه من هذه المهمة، إلا أن الملك أصر على رأيه وهنا ما كان من كومبابوس إلا أن أذعن لرغبات الملك وطلب منه مهلة ليستعد للسفر، حيث عاد كومبابوس لمنزله شاكياً بؤسه، وتوصل إلى قرار يبعد عنه أي قلق بمرافقته لزوجة الملك وهو أن يصبح عاجزاً، حيث قطع عضوه التناسلي ووضعه في إناء وختمه وقدم الإناء للملك قائلاً: «مولاي لقد كان هذا الإناء أثمن ما أحتفظ به عندي، واليوم أعهد به إليك طالما أني انطلق في رحلة طويلة».

 

وخلال مدة بناء المعبد وقع ما كان يخشاه كومبابوس، حيث أن ستراتونيس التي كانت تقضي معظم الوقت معه بدأت تحبه وبدأت تتحين الفرصة لتكشف له عن حبها، فوصلت الأخبار إلى الملك وقد أصاب الملكَ حزنٌ عميقٌ، فاستدعى كومبابوس دون أن ينتظر انتهاء العمل، إلا أن كومبابوس كان مطمئناً حيث أنه ترك دليل براءته لدى الملك، وما أن وصل حتى أمر الملك بإيداعه بالسجن. ولما مثل أمام الملك اُتهم بالخيانة وسوء ائتمانه وسلوكه السيئ اتجاه الآلهة وعقوبة ذلك الموت، ولما أحس كومبابوس بأنه سينقاد للعقوبة، بدأ بالكلام وطالب بإحضار وديعته، وعندما استلم كومبابوس الإناء فض الختم وأظهر ما في الإناء وكشف هو نفسه عن الحالة التي آل إليها، وخاطب الملك قائلاً: «لما أردتني في هذه الرحلة فإني وافقتُ مرغماً، ولما جلبت أوامرك علي ضرورة قاسية قمتُ بما تراه، وهو صنيع يليق بمولاي». ولما شاهد الملك ما قام به كومبابوس وسمع كلماته، عانقه الملك باكياً وعاقب الوشاة بالموت وغمر كومبابوس بالهبات والعطايا.

 

وطلب كومبابوس من الملك أن يسمح له بالعودة لإكمال بناء المعبد، حيث أكمله وقضى فيه ما بقي من حياته. ويروي لوسيانوس أنه تم تكريم كومبابوس بأن نحت له تمثال من البرونز ووضع في المعبد، وقد رآه بنفسه وهو على شكل امرأة إنما في ثياب رجل، وأن الكثير من أصدقاء كومبابوس قد خصوا أنفسهم وانتظموا في نوعية الحياة نفسها التي عاشها كومبابوس، وأصبحت عادة متبعة في المعبد.

أما عن موقع المعبد، فيحدثنا لوسيانوس أنه أقيم على تلة وهو محاط بسور مزدوج، ويتجه نحو الشمس، ويتم الولوج إليه عن طريق مصطبة حجرية، يليها مدخل الهيكل المزدان بأبواب ذهبية, كذلك الأمر بالنسبة لداخل المعبد، الذي يحتوي على مصلى مخصص للكهنة فقط وقد وضع فيه تمثال من الذهب لهيرا وآخر لزيوس.

 

وبالقرب من المعبد توجد بحيرة كانت تحتوي على أنواع مختلفة من الأسماك، وفي وسطها يرتفع مذبح حجري تُحرق فوقه العطور باستمرار, وكان الكثير من الناس يأتونه يومياً سباحة ويحملون معهم القرابين إيفاء لنذر ما, وعلى شاطئ هذه البحيرة كانت تقام احتفالات كبرى تدعى النزول إلى البحيرة، حيث كانت تنزل كافة تماثيل الآلهة وفي مقدمتها تمثال هيرا, ويذكر لوسيانوس العديد من الأعياد التي كانت تجري ضمن المعبد، وأهمها عيد بداية الربيع.

 

حاولنا من خلال الموجز أن نظهر ما وصف به لوسيانوس معبد هيرابوليس، وللأسف لا توجد أية وثائق عن مخطط المعبد ومنشآته، إلا أن ما تجدر الإشارة إليه أن سكان مدينة منبج وقبل أن يُبنى الملعب كانوا يستذكرون وجود بحرة كانت تتجمع فيها المياه وكانوا يسبحون ضمنها وأنها كانت تحتوي على سمك. وفي عام 2010، تم إجراء بعض الأسبار الأثرية  داخل الملعب بعد العثور على بقايا جدران أثرية مؤرخة على العصر البيزنطي, كما تم الكشف عن حدود البحرة المقدسة, والتي عُثر عليها بالصدفة أثناء أعمال البناء في المدينة. لقد كانت منبج مركزاً هاماً لفن النحت الذي تميز بمفهوم جمالي محلي تأثر بالفنون السورية خاصة الفن التدمري، حتى أن بعض الباحثين وصفوا هذا الفن على أنه امتداد للمدرسة الفنية التدمرية. وسواء أكانت امتداداً للفن التدمري أم كانت مدرسة فنية مستقلة، فإن الاثنين معاً يندرجان ضمن ما ندعوه الفن السوري خلال العصر الكلاسيكي.

البحث عن بقايا المعبد والبحرة المقدسة في منبج

وقد قامت البعثة الأثرية المشتركة (السورية الفرنسية) بأعمال التنقيب في مدينة منبج، وذلك في محيط الملعب البلدي في المكان الذي يوجد فيه المعبد، بهدف الكشف عن البقايا القديمة للمعبد والبحرة المقدسة.

وقد وردت معلومات عن هذا المعبد وعن بعض الطقوس التي كانت تجري ضمنه من قبل لوسيان السمسياطي خلال العصر الروماني، والذي ذكر قرب الشبه بين معبد منبج و معبد عمريت، إلا أنّه حتّى الوقت لا توجد تنقيبات أثرية في المدينة أظهرت البقايا القديمة للمعبد أو منشآت المدينة الأخرى، وذلك بسبب التوسع العمراني الكبير التي شهدته المدينة، لا سيما بعد إنشاء سد تشرين، وقدوم سكان القرى إلى منبج، وهذا الأمر أدى إلى تقليص المساحات الخالية التي تسمح بإجراء أعمال تنقيب ضمن المدينة.

 

وتأتي أعمال التنقيب بعد أعمال المسح الأثري التي قامت بها البعثة  في مدينة منبج بحثاً عن البقايا القديمة للمدينة، وقد تم إجراء بعض أعمال العمران في محيط الملعب والكشف عن جدار مبني بقطع حجرية كبيرة نظن أنّه يشكّل جزءاً من المعبد أو بحرته المقدسة، وبالتالي تشكلت بعثة للكشف عن هذا الجدار وامتداده، حيث تم فتح ثلاث قطاعات. وحتّى الوقت الحاضر تمّ الكشف عن المنشآت التي تعود للعصور المتأخرة البيزنطية والإسلامية.

 

ومن جانبها قالت جوستين غابريوت -مديرية البعثة الفرنسية-: «مدينة منبج ذات أهمية كبيرة في العصور القديمة، وهي معروفة باسم المدينة المقدسة، حيث كان معبدها من المعابد المهمة في الشرق، وشكل محجاً لهم، وكانت البحرة المقدسة مهمة جداً للتطهر قبل دخول المعبد، ويعتقد أن مكانها وسط الملعب الحالي. ونقوم حالياً بإجراء أعمال تنقيب بهدف الكشف عن بقايا المعبد أو بحرته، وحتّى الوقت الحاضر تظهر النتائج وجود استيطان للمكان في العصر البيزنطي والعصور الإسلامية فيما بعد، حيث تمّ الكشف عن حجرات وجزء من لوحة فسيفساء في الطبقات العليا تعود للعصر البيزنطي، كذلك تمّ الكشف عن بعض المنشآت التي تعود للعصور الإسلامية. وسيتمر العمل حتّى الوصل إلى سويات تاريخية أقدم، ربما العصر الروماني، والنتائج حتّى الوقت الحاضر غير كاملة بسبب أعمال التخريب وإعادة الاستخدام التي تعرض لها المكان».

—————————————————————————————–

سور منبج الأثري

ويوصف سورُ المدينة أنه يتطلب أكثر من ساعتين للدوران حوله ويقع بجانبه خندق, وأن حجم الخرائب الذي تحتويه المدينة عظيم بامتداده، وهو يشكل مقلعاً واسعاً يستغله السكان لبناء منازلهم.

وحالياً اندثرت أغلب أجزاء السور وحلت مكانه أبنية سكنية، إلا أنه يمكننا أن نشاهد بعض الأجزاء، حيث يتطلب هذا الأمر مزيداً من البحث والدقة لا سيما وأنها تقع داخل المنازل أو أسفلها، وهذه الأجزاء تعود لعصر جوستنيان وأعمال الترميم التي أمر بها أثناء استقراره في المدينة، وتتوضع هذه الأجزاء في الجهة الشمالية والشرقية، أما أجزاء السور في الجهة الجنوبية والغربية فهي مخربة بالكامل ولم يتبقى منها ما هو ظاهر.

—————————————————————————————–

الكنيسة السريانية في منبج

تم اكتشاف لوحات فسيفسائية وكنيسة سريانية يقعان في حي الصناعة بمدينة منبج ولذلك قامت لجنة الآثار بإزالة الأتربة من الموقع الأثري الذي قام تنظيم داعش بردمه.

وبطبيعتها تحتوي مدينة منبج على عدد كبير من الآثار التي هي إشارة إلى الأشياء المتبقية من العصور القديمة ومنذ القدم تعرف المدينة على أنها مدينة أثرية مرت على حقب عدة وحضارات عديدة.

في العصور القديمة كان لمدينة منبج وظيفة دينية، إذ أصبحت عاصمة الآراميين الدينية، وأقاموا فيها هيكل إله العواصف حدد وإلهة المياه أتاركاتيس، وقد كان تمثال أتاركاتيس يمثلها راكبة على مركبة تجرها الأسود، وفي يدها آلة موسيقية وعلى رأسها تاج، لكن وظيفتها الأساسية على الغالب كانت وظيفة حربية، فكانت من أهم قواعد الجيش الروماني التي يمر بها للإغارة على بلاد ما بين النهرين وفارس، وقد أشاد فيها يوستنيانوس أسواراً منيعة، كما تدل الأسوار البيزنطية في المدينة على ماضي المدينة موقعاً محصناً من أيدي الفرس والبيزنطيين والعرب، وفي العصر الأموي كانت تابعة لجند قنسرين وحلب، وتابعت وظيفتها الحربية ثغراً من ثغور الإسلام ضد الروم.

أعمال التنقيب عن الآثار التي تشير إلى كل ما تم ذكره لم تتوقف في منبج، ولطالما تم فيها الكشف عن الكثير من المجسمات الأثرية ما يزال البعض منها في منبج.

آخر عمليات التنقيب كانت عند قيام البعثة السورية الفرنسية في عام 2010 بالعمل على مشروع الكنيسة السريانية وتم الكشف عن سور الكنيسة الذي تعرض للتخريب فيما بعد على يد داعش.

ولم تشهد السنوات الخمس الأخيرة أية عمليات تنقيب رسمية، إلا عندما بدأت دائرة الآثار في مدينة منبج  العمل في 26 آب 2016على التنقيب عن الفسيفساء وعن البنى الخدمية التابعة للكنيسة منها “الآبار, الصهاريج التي كانت مخزناً للحبوب, وعن المدافن في طرف الكنيسة من الجنوب”.

الكنيسة الواقعة في حي الصناعة وسط مدينة منبج تعود، حسبما قال مختصون، للعهد البيزنطي مرحلة الدعوة السرية للمسيح، حيث كان هناك رجل دين اسمه كريا كوس يتعبد في هذه الكنيسة بالخفية, وبعد انتشار المسيحين أقاموا هذه الكنيسة, حيث تم تنقيب جوانب السور ولم يتم تحديد مكان الكنيسة بالدقة.

الفسيفساء، وهي تقع بجوار الكنيسة، تعرضت أثناء سيطرة داعش على مدينة منبج  لتخريب رسم الوجوه المتواجدة على اللوحة الأولى التي كانت تعبر عن ملحمة صيد وأسطورة,

ومن ثم قامت دائرة الآثار في مدينة منبج باكتشاف عدة لوحات فسيفسائية بجانبها تعود للفترة البيزنطية متأثرة بعدة حضارات سابقة.

رئيس شعبة التنقيب في دائرة الآثار عبد الوهاب شيخو قال بأن دائرة الآثار في مدينة منبج تعمل على  إعادة هيكلية وترميم اللوحة الفسيفسائية, وبناء سور لحماية تلك اللوحات الفسيفسائية وعرضها, ونوه عبد الوهاب شيخو بأن العمل ما يزال جار على قدم وساق من أجل إنقاذ هذه الآثار والحفاظ عليها وترميمها بطريقة علمية, والمحافظة عليها.

وبحسب ما ذكره رئيس شعبة التنقيب في دائرة الآثار فإن الهدف من التنقيب هو استخراج اللوحات الفسيفسائية التي تعرضت في الأصل لعمليات تشويه إبان سيطرة داعش على منبج وترميمها إضافة لبناء سور حول المكان الأثري الذي يحتوي على الفسيفساء وكذلك الكنيسة.

—————————————————————————————–

وكي نتابع دراستنا هذه بشكل علميّ، وأكاديميّ موثق وموثوق، كان لابد لنا من إجراء مقابلة ونقاش مع رئيس دائرة الآثار في منبج؛ الأستاذ  فواز المرشد، حيث استرسل في الشرح، عندما سألناه عن طبيعة الآثار والمشاكل التي تعرّضت لها، وطرق حلّ تلك المشاكل التي تواجها دائرة الآثار، وغيرها من متعلقات آثار مدينة منبج، فأجاب:

 

في الحقيقة، إن السنوات السبع الأخيرة تقريباً لم يتم اكتشافات مواقع أثريّة جديدة في مدينة منبج وما حولها، نتيجة انشغال الناس بهمومهم الكثيرة، بسبب ما يجري في سوريا بشكل عام، لكنّي أستطيع القول: إنّ جلّ ما سأتحدّث عنه في هذا الجانب يتلخّص فيما يلي:

 

– المواقع الأثرية السابقة المكتشفة إلى الآن هي بحالة لا بأس بها، باستثناء بعض المدافن الأثريّة، في المنطقة الشرقيّة بجانب الصناعة، ومركز الكنيسة السريانية الأثرية التي تعرضت لبعض التخريب، وأيضاً هناك مواقع أثريّة تعرّضت للتجريف الكامل من قبل آليات داعش الثقيلة، بهدف السرقة، وأشار المرشد إلى أنّه في فترة داعش، كثرت عمليات التنقيب غير العلميّة، وغير المهنية؛ كون داعش شجعت بعض تجّار الآثار المشبوهين، عبر تسهيلات قدّمت لهم على سبيل النسبة بينهم، مِمّا أدّى إلى هجوم – إن صح التعبير – غير المسبوق من هؤلاء؛ للحفر والتنقيب بطرق بدائية وتخريبية طالت مواقع عامّة، ومهمّة، كما أسلفتُ في بداية حديثي، ومن جانب آخر وفيما يخصّ عمل دائرة الآثار.

 

أشار المرشد إلى أنّه قد تمّ توثيق الأعمال الأثريّة الحديثة للمواقع، وبإمكانيات متواضعة جدّاً، فقد تم العمل بالكنيسة، وكشف ما تبقّى فيها من معالم أثريّة، وأهمّها حصيرة فسيفسائيّة تم اكتشافها وتوثيقها ورسمها هندسيّاً، وتغطيتها بشكل بسيط، ويقول المرشد: قمنا بتغطيتها بشمسية معدنيّة؛ لتقيها من الظروف الجويّة الصعبة كون بنيتها الميكانيكيّة هشّة، بسبب تعرّضها للتخريب، ومحاولة السرقة الفاشلة.”

لوحظ خلال الآونة الأخيرة ارتفاع وتيرة التعديات على المواقع الأثرية في مدينة منبج

ومحیطھا، إذ تتعرض الآثار في المنطقة إلى أعمال تنقيب وتخريب، وتبين المعلومات وجود مجموعات متفرغة لأعمال سرقة الآثار،

تستخدم أجهزة كشف المعادن لاستخراج ما يمكن من فخاريات أو زجاجيات وقطع نقدية وتعمل على بیعھا.

من جھة أخرى، تنتشر مخالفات عمرانية  في التلال الواقعة ضمن تجمعات سكنية، فیستغل السكان الظروف الراهنة  لتشیید غرف أو جدران أو أبنیة على التل الأثري أو ضمن حرمه، وبسبب غیاب الوعي يستخدم آخرون الحجارة الأثرية في أعمال البناء، أو يزرعون التلال الأثرية بالمزروعات الموسمیة والأشجار، أو يستخدمون بعض التلال للدفن وھو ما يعتبر الأقل ضرراً مقارنة مع غیره من التعديات من حیث العدد ونسبة الضرر الذي تسبب لواقع المناطق والمواقع والتلال الأثرية التي وثّقتھا اللجنة في منطقة منبج و محیطھا «منطقة الفرات»:

قُصيّ أحمد/

عن الشرق الأوسط الديمقراطي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عصرُ الإبادة؛ أنظمةٌ تجتمع في القتل

/ دلبرين فارس- كاتب وصحفي دراسةٌ مُستقطبة لمرحلة تاريخية معاصرة لصفحات التاريخ الإنساني ...